Gulf security أمن الخليج العربي

الأربعاء، 13 فبراير 2019

الحرب الأهلية البريطانية


د.ظافر العجمي 

اكتظ الخطاب البريطاني منذ شهرين تقريباً بغريب ‏المصطلحات على ‏ديمقراطيتها، مثل استدعاء الاحتياط، ونشر الجنود، وتعزيز ‏عمليات الجيش، والتواصل ‏مع مختلف السلطات، وتوظيف ‏مهارات متخصصة، وطلب دعم عمليات مراكز ‏القيادة ‏الإقليمية، وتنفيذ خطط بعض الأقسام الحكومية. وكلها مفردات في الفكر ‏العسكري تأتي تحت ‏مسمى التعبئة العامة «‏General Mobilization‏»، بمعنى ‏تحويل القوات المسلحة لحالة ‏الحرب أو شبه الحرب، وإعادة بناء ‏اقتصاد الدولة ومؤسساتها ‏وقدراتها ‏ومواردها المادية والبشرية وقوانينها ‏لتوفير حاجات حرب طويلة الأمد ‏وتحقيق ‏أهدافها. وبريطانيا هي سيدة فن التعبئة العامة، حيث ‏نتذكر أنها رفعت تعداد القوات البريطانية في الحرب العالمية الأولى من 400 ألف إلى ما ‏يزيد عن 5 ملايين جندي. لكن لماذا يمثل الخروج من «بريكست» دون اتفاق مثل هذا ‏الرعب لحكومة تريزا ماي، حتى تأخذ مثل هذا المنحى التعبوي الذي لا يمكن إنكاره من ‏المؤشرات التالية: ‏
‏- سيكون قد تم نشر الجنود البريطانيين منذ 10 فبراير الحالي، لفترة 12 شهراً قابلة ‏للتجديد، كما جاء في بيان وزارة الدفاع البريطانية، مما يفتح التكهنات بطول الأزمة بحيث ‏لن تقل عن عام.
- تتوقع تريزا ماي تدهوراً درامياً في العلاقات الدولية، رغم أن الأمر في تقديرنا هو بناءً ‏على قراءة التغيرات المقبلة على الساحة المحلية، لكن المحير هو تصريح وزير الدفاع ‏البريطاني أن 3500 جندي وجندي احتياط مستعدون للانتشار في حال المضي في «‏بريكست» دون اتفاق. فهل هذا الحجم لشأن محليّ؟
‏-عسكرة الشارع أتت بعد أن حذرت اتحادات تجارية من وقوع اضطرابات واسعة ‏النطاق إذا حدثت تأخيرات طويلة للواردات من الاتحاد الأوروبي، بسبب إجراءات ‏الفحص الجمركية الجديدة، واحتمال حدوث نقص في الغذاء والدواء.‏
‏-في كلمتها بمناسبة الكريسماس الماضي كانت هناك إشارات مبطنة تظهر خوف الملكة ‏إليزابيث الثانية من انقسام البريطانيين بسبب «بريكست»، وعدم إظهار «الاحترام» ‏لبعضهم. جراء التوتر السائد في البرلمان، كإثارة زعيم المعارضة العمالية جيريمي ‏كوربن غضب النواب المحافظين، بعد أن قال إن ماي «امرأة حمقاء»‏.
‏-إعادة إحياء خطط طوارئ أبرزت فزعاً غير ضروري، كخطة إجلاء العائلة المالكة، والتي كانت ستستخدم إبان الحرب الباردة، رغم ‏أن كبار العائلة المالكة مكثوا في لندن خلال القصف في الحرب العالمية الثانية. فكيف ‏يتحدثون عن نقل الملكة إليزابيث من العاصمة بعيداً عن هذه الأماكن الرئيسية إذا ‏وقعت اضطرابات وأعمال شغب في لندن!‏ ويبقى سؤال عما إذا كانت القيم الديمقراطية لدى الشعب البريطاني، وأداء مؤسسة ‏الحكم هما بتلك الهشاشة! فلو كان الأمر في دولة من دول العالم الثالث لعدّ من مؤشرات ‏عدم الاستقرار. ‏

بالعجمي الفصيح
‏بحسب تقارير عدة تبلغ قيمة الاستثمارات الخليجية في بريطانيا ما بين 130 ‏‏– 200 مليار دولار؛ يمثل 40% منها استثمارات في القطاع العقاري؛ فإذا كانت هناك ‏توقعات بتراجع الجنيه الإسترليني بعد نهاية شهر مارس 2019م؛ فهل ستنهار ‏استثماراتنا بعد نقل خلاف الرأي حول البريكست إلى دائرة التحريض ثم دائرة العصيان؟;

الأربعاء، 6 فبراير 2019

"الناتو" الأصلي و"الناتو" التقليد وترامب بينهما

"الناتو" الأصلي و"الناتو" التقليد وترامب بينهما

د.ظافر العجمي 

عودنا الرئيس الأميركي ترمب على الخروج عن الأنماط المعتادة في التفكير، ومن ‏ذلك فكرة إنشاء تحالف أمني من 6 دول خليجية، إضافة لمصر والأردن، ويعرف هذا ‏التحالف بشكل غير رسمي باسم «الناتو العربي»، كما يحمل أيضاً أسماء مثل «ميسا»، ‏و»تحالف الشرق الأوسط الاستراتيجي»؛ وكالعادة تضم لائحة أعداء ترمب. ‏‎‏ التهديدات على ‏الخليج، والمخاوف السيبرانية، وإدارة النزاعات في سوريا واليمن، دون أن ينسى أن يضيف إيران‏ إلى هذه اللائحة. الناتو العربي يسوّق لبناء درع صلب نظرياً، لكن عملياً هو تسويق للدرع الصاروخي الخليجي الذي سيكون عماده أسلحة أميركية. كما أن ‏الحلف يفتح الأفق للتقرب من الصهاينة، وربما بدرجة أكثر حميمة بضم باكستان له. ‏
‏ الشامتون بنا في الخليج يرونها عملية ابتزاز جديدة، وكأننا ما زلنا تحت سن الرشد ‏العسكري، بل وتحت سن الرشد السياسي، لنتبين أين تقع مصلحتنا في باقة التحالفات التي ‏تعرض علينا مرة عن طريق الحرير، وأخرى عن طريق الناتو، ثم طريق ترمب!‏
بل إن هناك من ذهب إلى القول‏‎ ‎إن الحلف ذريعته مواجهة إيران، إلا أن الهدف أن يكون ضد تركيا، لكون انسحاب القوات الأميركية من سوريا هو للمزيد من الأموال لبعض الدول الخليجية لإنشاء هذا الحلف الذي سيحل محل الأميركان! ‏فالخيارات بعد الانسحاب لن تخرج عن تسليم مناطق الانسحاب للناتو العربي بموافقة ‏الأسد. أو ترك المسرح السوري لروسيا، أو التعاون مع تركيا، مما يجعل الخيار الأول هو بقاء ‏الأميركان بوجوه عربية وأسلحة أميركية. ولا شك أن موضوع قيام الناتو العربي ليس بجديد، لكن ما دفعنا لتجديد طرحه قبل القمة ‏المزمع عقدها في الأردن؛ هو تجدد موقف الرئيس ترمب من حلف الناتو الأصلي؛ ‏فالرئيس ترمب ‏‎ ‎لا يخفي كراهيته للتحالفات الدولية والالتزامات المترتبة على بلاده ‎منها، حيث تساهم بـ 80% من ميزانية الحلف، وفي ذلك «استنزاف» للخزانة الأميركية. كما أن القسوة على الناتو كانت من وعود حملته الانتخابية. كما أن فتح هذا الموضوع يحرف مسار مواضيع ‏داخلية تضيّق عليه الخناق. ولعل ما شجع ترمب على المضي في هذا المنحى توجه الدول ‏الأوروبية لإنشاء «جيش أوروبي موحد،» للدفاع عن قيم الاتحاد الأوروبي وليس لمصلحة ‏أميركية.‏ وعلى من اتهم دول الخليج بقابلية الابتزاز النظر ملياً في خطاب ‏ترمب، خلال إعلانه في البنتاجون عن استراتيجية الدفاع الصاروخي للولايات المتحدة، 17 ‏يناير 2019، حين حذر الناتو قائلاً: ‏عليكم أن تخطوا للأمام وتدفعوا» مستحقاتكم المالية لميزانية الحلف؛ ولا «يمكن أن نكون ‏الأحمق الذي يستغله الآخرون». أليس هذا هو الابتزاز‏!!

‎بالعجمي الفصيح:
‏لا يمكننا القول عن الناتو العربي إلا أنه يُقلق بمقدار ما يطمئن، فشراكة الناتو مع واشنطن ‏لم تشفع له 70 عاماً من تهديدات ترمب بالانسحاب منه.;



الأربعاء، 30 يناير 2019

الخليج في أقدم قصة كتبها الإنسان


الفرق بين الماضي والتاريخ هو أن التاريخ يحمل ديناميات التغيير الحقيقية، أما الماضي فلا صفة له إلا الزوال. وقبل هيرودوت -وهو أبو التاريخ- اختلطت الأساطير بالتاريخ الواقعي للإنسان، لكن قراءة بعض الأساطير بقيت رغم البعد الزمني الكبير كفرض عَين على كلّ مهتمّ بدراسة التاريخ. ومن ذلك نص ملحمة جلجامش البابلية الشهيرة، كإحدى روائع الأدب الإنساني، وتحكي قصة الملك الطاغية «جلجامش» الذي حكم أوروك في بابل ابتداء من سنة 2650 ق.م. كان جلجامش في الملحمة ثُلُثيْه من سلالة الآلهة، وثلثه فقط من سلالة البشر. وللحد من طغيانه، سلطت الآلهة عليه «أنكيدو» ذي الصفات البشرية المتوحشة، والذي تصارع معه طويلاً.
للوصول لمغزى رئيسي في الأسطورة، كان لا بد للكاتب أن يقتل «أنكيدو» بعد أن أصبح الصديق الوفي لجلجامش، من أجل تذكير جلجامش نفسه بحدوده، وأن الموت شرط الحياة. هنا يبدأ ما لفت نظرنا، وهي رحلة البحث عن الخلود، أو الجنة المفقودة بعد أن أصرّ جلجامش على الرحيل من أجل مقاومة الموت، فقطع المسافات بحثاً عن رجل الطوفان الذي خصته الآلهة بالخلود، بسبب صنعه السفينة التي أنقذت بني البشر. لكن «نوح» أقنعه بأن الخلود لن يتكرر، ولن يحصل عليه كائن آخر. وأشار عليه بنبتة سحرية توجد في قاع البحر لا تعطي الخلود، لكنها فقط تجدد الشباب، وتطيل العمر.
أين تنبت العشبة التي تعطي الحياة وتبعد الموت؟
في الخليج العربي؛ فقد كانت العشبة السحرية لا تنمو إلا في أعماق بحر أرض الخلود، قرب ديلمون ذات الحضارة التي شملت جوارها الإقليمي على طول الخليج العربي، حيث غاص جلجامش في المياه العميقة، وحصل أخيرًا على العشبة السحرية. لكنه في طريق العودة يفقد حرصه على العشبة، فتسللت حية شريرة، والتهمت النبتة، فاستعادت الحية شبابها، لذا تبدل جلدها كلما تقدم بها العمر. وفي صراعه مع الموت وصل جلجامش إلى قناعة بأن الإنسان تخلده أعماله، وخير ما سيخلده هو السور العظيم الذي بناه ليحمي وطنه «أوركة».
في تفاصيل ملحمة جلجامش -التي تم اكتشافها في عام 1853 بالمسمارية باللغة الأكدية- وجد فيها المثقفون مضامين مختلفة، وراحوا يحللون الملحمة من أبواب عدة، منها الديمقراطية والحرية التي طالب الشعب بها، وما هو مقدس، وما هي الآلهة، بل حتى معنى الجنس، والبغي، والوحش، والحلم، والطوفان الذي قيل إنه طوفان سيدنا نوح.
وفي الخليج العربي يتكرر خروج العشبة السحرية الواردة في ملحمة جلجامش، فتخرج عشبة سوداء، مرت عليها تحولات في باطنه عبر آلاف السنين وتبدل الحقب، فصارت نفطاً. ويأتي جلجامش، شاب عربي ذو عزيمة، أملاً في فرصة تعطيه فسحة في حياة، يبني من خلالها مستقبله، ليوقف تدحرج عجلة الزمن السريعة، فتطيل عمره مع أعمار أهل الخليج، بعد حياة الفقر والصبر في الصحراء والسفن.

بالعجمي الفصيح
كان الخليج موطن الأمل في أقدم قصة كتبها الإنسان، لكن كان في ثناياها حية شريرة.

السبت، 26 يناير 2019

دروس حرب العراق

 دروس حرب العراق

د.ظافر محمد العجمي 

كانت وسائل الإعلام الأميركية في الفترة 2003-2011م، عاجزة عن افتتاح نشرة أخبار دون نقل تحركات الجيش الأميركي وضحاياه في الحرب التي أطلق عليها حرب تحرير العراق، كانت الحرب تسير في الدورة الدموية الشعبية الأميركية، كما فعلت حروب أميركا الكبرى من الحرب العالمية الثانية إلى كوريا ثم فيتنام وعاصفة الصحراء، ومنذ 2016 والمصادر العسكرية الأميركية تعلن بين الفينة والأخرى الانتهاء من إعداد تقرير الحرب الذي يبيّن النجاح وأوجه القصور في تلك الحملة، ربما في محاولة أن يتسامح الزمن مع بعض من القرارات المثيرة للجدل أو «الغسيل القذر» الذي لا بد من نشره كما جاء في وصف مجلة الجيش الأميركي «Army Times» الصادرة في 19 يناير الحالي، ويتكون التقرير من 1300 صفحة في مجلدين عمادها أكثر من ألف وثيقة.
تقرير الحرب صاغه عقيدان من الجيش الأميركي، وسنركز على سلبياته، حيث أتت أولى الملاحظات في حجم الضرر الذي ألحقه الغزو ليس بالعراق نفسه بل بالعلاقات العسكرية السياسية في دوائر صناعة القرار الأميركي، فقد لخّص عدم ثقة العسكريين بالقرارات السياسية التي تمت، ويمكن أن نشير هنا إلى قرار الحاكم الأميركي بول برايمر بحلّ الجيش العراقي، مما أدى لسرعة انهيار هيكل الدولة العراقية، وقيام نسخة مزيّفة لبلد هو من صناع الحضارة الإنسانية، كما أن من الدروس السياسية الإقرار بخسارة أميركا وكسب إيران لأكثر نتائج الحرب، أما في الجانب العسكري، فيعيب على القائد العسكري التردد في زجّ وحدات عسكرية كافية، حيث كانت الأعداد أقل مما يتطلب الواجب ضد مناوئيها من السنة والشيعة على حد سواء، كما يعيب التقرير على طريقة إدارة «حرب تحالف» مع قصور من الحلفاء في دعم الأميركان بجنود أكثر لاعتبارات سياسية، مقارنة بعاصفة الصحراء 1991م، ووجد التقرير عيوباً في المقاتل الأميركي نفسه، كضعف تدريب وحدات الحرس الوطني، وعدم جاهزيتهم لحرب الشوارع، ففي وقت الانتخابات العراقية، وفي ذروة الحشد الطائفي كانت معظم وحدات الأميركان من جنود الحرس الوطني، وهم في الغالب من عسكر الاحتياط، أو ما يسمى في أميركا نفسها مقاتلي نهاية الأسبوع «Weekend warriors»، كما أشار التقرير إلى فشل الأميركان في تأهيل القوات العراقية العاملة معهم، بل وعدم القدرة على قيادتها من قبل قادتها العراقيين لأسباب طائفية ومناطقية، ومن الدروس المستفادة أيضاً عدم جدوى وفاعلية التعامل مع أسرى الحرب والمحتجزين، فقد كان أبوغريب وصمة عار كما عاد المطلقون لقتال الأميركان مرة أخرى، أما الدرس الأخير، فهو أن الديمقراطية لا تعني بالضرورة الاستقرار، حيث يشير التقرير إلى أن الأميركان عوّلوا كثيراً على انتخابات 2005 لتهدئة الأوضاع، لكن الاصطفافات الانتخابية أصّلت الفرقة الطائفية، فقُتل ما يُقدّر بنحو نصف مليون عراقي.

بالعجمي الفصيح
إن من العدل أن نشير إلى أن الرئيسين أوباما وترمب هما من ربح من درس العراق قبل نشره، لكن السوريين هم من خسروا.;

بلاغ عن قنبلة في "طائرة حربية "

بلاغ عن قنبلة في "طائرة حربية"!!
عندما أراد آمر القاعدة الجوية اختبار جاهزية الوحدات المساند للجهد الجوي كلفني وأنا ملازم أول أن أذهب لأحد أقسام القاعدة وأتصل بالإطفاء مبلغاً عن وجود حريق، ثم أحسب توقيت الاستجابة. ولا أعلم لماذا لم يثق بي آمر القسم الذي أردت إجراء التجربة منه. حيث أغلق علينا باب مكتبه علينا حتى وصول الإطفاء لأبلغهم أنه مجرد تمرين حتى لا يحملونه تهمة بلاغ كاذب. وكان الاتصال الثاني لضابط أمن القاعدة عن وقود قنبلة في طائرة حتى نرى سرعتهم وإجراءاتهم. لكن ضابط الأمن الفطن سألني:

ما نوع الطائرة ورقم الطائرة!

فاجأني السؤال، ولمحت من نافذة مكتبي طائرة، فقلت: سكاي هوك 809. فقال: طبعاً يا ذكي في أسفلها قنبلتين وصواريخ أيضاً. وأغلق الخط بوجهي.

كانت تلك في أجواء الحرب العراقية الإيرانية، وحينها اخترقت طائرات إيرانية المجال الجوي الكويتي، وقامت بإطلاق قذائف على العبدلي في 17 نوفمبر 1981. فكانت حالة الاستعداد تتطلب التمرين على كل سيناريو. ولم تتوقف إيران منذ ذلك التاريخ عن تصدر المشهد في الشرق الأوسط، ويملي علينا الحق أن نشير إلى روح المثابرة الإيرانية في الانقضاض على الخطايا الدولية بكل لهفة. وآخرها التجربة الصاروخية الإيرانية التي أجريت الأسبوع الماضي، والتي تنتهك قرار مجلس الأمن 2231 الذي يدعو إيران إلى الإقلاع عن إطلاق صواريخ قادرة على حمل رؤوس نووية. والمحير أنها تمت في وقت تعيش فيه طهران تحت ضغط عقوبات إدارة ترامب ذات الثلاثة مسارات، اقتصادياً، ومنعها من حيازة أسلحة نووية، ومعالجة تمدد برنامجها الصاروخي. فقد تم صنع القمر الصناعي والصاروخ في الجامعات الإيرانية. فمن أين التمويل المقدر بالملايين! صحيح أنه فشل لكن أداء القمر الصناعي «بيام» والمحطتين الأرضيتين كان صحيحاً من حيث الاتصال بينهم في مركز السيطرة الرئيسة في «ماهدشت» وكذلك المركز الآخر في «جزيرة قشم». وقد قيل إن ما حدث هو من مكابرات النظام وعناده الفارغ، وكان استعراضاً متسرعاً للقوة في زمن العقوبات. وإذا كان ترامب قد اعترف بعد التجربة بخطر صواريخ الفضاء الإيرانية على أمن واشنطن، فنستسمح فخامته في استعارة خوفه. حيث لا يمكننا إخفاء خوفنا من أن تجربة صاروخ القمر الصناعي ستكون لفتح ثغرة تمويهية لاستمرار نشاط الحرس الثوري في صنع صواريخه المحرمة بقرار مجلس الأمن فالتكنولوجيا المستخدمة في إطلاق تلك الصواريخ تكاد تشبه تلك المعتمدة في صنع الصواريخ الباليستية، والأهم هو خوفنا في الخليج من أن الأقمار الصناعية الإيرانية هي لتوجيه الصواريخ الباليستية الإيرانية من جزيرة قشم القريبة منا، ولتوجيه صواريخ الحوثيين أيضاً.

* بالعجمي الفصيح:

التمويه عملة إيرانية أزلية سبقت تداول التومان، ومن يشك بعسكرة إيران لبرامجها الفضائية هو كمن يبلغ عن وجود قنبلة في طائرة حربية، فالأمر مفروغ منه.

 

السبت، 19 يناير 2019

سردية منفتحة على أكثر من معنى


د.ظافر محمد العجمي 
كاقتباس مبهم منفتح على أكثر من معنى، سأكتب لكم سردية أندلسية، كانت ضمن اهتمامات 
لـها حضور دائـم فـي ذهـنـي، محورها أن كل حدث رئيس ملزم بترك أثر في الجغرافيا، وبتشكل دول جديدة.

ففي الصيف الماضي دخلت قاعة بني السراج «Abencerrajes‏ Sala de Los‏» في قصر الحمراء في غرناطة بإسبانيا، كانت القاعة مستطيلة 12م × 8م أرضها رخام ولها قبة عالية وفي وسطها نافورة مستديرة ونوافذ يدخل منها النور بطريقة مبهجة، لكنها مصفرة الألوان كابسامة مذنبة تعلقت بضمير صاحبها. ولما لا فقد شهدت القاعدة في حفلة غرائزية غير مسبوقة إبان حكم السلطان أبو الحسن علي بن سعد 1464 – 1482 حيث لا تزال بقع دامية داكنة في قاع الحوض، تأبى الزوال على الرغم من تكرار الغسل والتنظيف شاهداً على ما حدث. بل وأقسم حراس للقاعة من الإسبان بأنه لا تزال تسمع في بعض الليالي أنات وقرقعة سلاح، وأن كثيراً من حراس القصر لمحوا جنوداً مسلمين في ألبستهم العربية يقطعون بهو السباع جيئة وذهاباً، من وإلى قاعة بني السراج. فقد أعد السلطان أبو الحسن وليمة ضخمة، دعا إليها كل أكابر بني السراج، وكلما دخل فرد من أفراد الأسرة إلى القاعة يبادر السياف بذبحه على حافة الحوض الرخامي، حتى قتل جلة فرسان وزعماء بنى سراج وأغلقت أبوابها.

لنكبة بنى سراج أسباب عاطفية، فقد هام محمد بن سراج عشقاً بأميرة من الأسرة المالكة اسمها الفاهمة -هي أصل منظر عازف الغيتار الذي يغني تحت شباك حسناء في الليل- مما أثار عليه غضب السلطان، فقرر سحق الأسرة كلها ودبر مؤامرة لقتلهم. كما إن لها أسباب خارجية فقد تمتع يوسف بن سراج بنفوذ قوي وصل عقد صفقات سرية مع ملوك قشتالة، وتدخلهم في تولية أمير بوساطة من بني سراج. وقيل بل هي من نسج حريم القصر، فقد كان أبو الحسن متزوج بابنة عمه الأميرة عائشة الحرة، ثم تزوج وهو كهل من القشتالية إيزابيلا دي سوليس الملقبة بالثريا - سترتد عن الإسلام هي وأبناؤها بعد السقوط - فحدثت زوبعة سياسية داخلية هزت أرجاء البلاد المتهالكة، فقد نشب خلاف بين المرأتين على ولاية العهد، فقد كانت كل واحدة تريد أن يستأثر أحد أبنائها بهذا المنصب. وفي هذا الصراع أيد بنو سراج الأميرة العربية عائشة الحرة وابنها المنحوس أبا عبدالله الذي سقطت الأندلس على يده، بينما وقفت إلى جانب الأميرة ثريا عائلة أبا القاسم ابن فينيجاس وزير السلطان أبي الحسن، وأقنعوه بأن زوجته عائشة الحرة تدبر له أمراً مع أسرة بني سراج، فقام بسجنها مع ابنها أبي عبد الله، ثم قام أبو الحسن بتنظيم مذبحة بني السراج.

* بالعجمي الفصيح:

من المأثورات إن أولئك الذين لا يستطيعون تذكر تاريخهم محكوم عليهم بتكراره.

* المدير التنفيذي لمجموعة مراقبة الخليج
70 

الثلاثاء، 8 يناير 2019

الاستدارة التركية من كوريا




د.ظافر محمد العجمي


نستطيع الجزم بأن هناك سيولة غير مسبوقة في الأحداث الإقليمية دفعت بجيراننا الأتراك إلى واجهة المشهد، لكن من يقرأ تاريخهم يمكنه فهم تكرار ظهورهم الإقليمي والدولي حيناً بعد حين، ففي ‏زمن مضى –قبل ‏نجاح نظرية صدام الحضارات- حين كان بإمكاننا ترويج قول رسولنا عليه الصلاة ‏والسلام: رأس الأمر الإسلام، وعموده الصلاة، وذروة سنامه الجهاد. حينها كان العثمانيون يتسابقون ‏على لقب «الغازي» الذي يمنح للمجاهدين من قادة ‏الغزوات، وقد يكون اليوم من التسميات الملتبسة لـ»أتاتورك» الذي ألغى الخلافة الإسلامية ورأسها وعمودها وسنامها، ربما -حفظاً لحق الرجل- للبصمة العسكرية التي خلفها في معارك الحرب العالمية الأولى. واستناداً لما سبق ‏لا يمكن تجاوز ‏الروح العسكرية لهذه الأمة.‏

وقبل أسابيع سعدت بمشاهدة الفيلم التركي‏ إيلا «‏Ayla‏» الذي تدور أحداثه حول قصة حقيقية لعلاقة ‏أبوية غريبة ونادرة جمعت بين الجندي التركي سليمان المشارك في الحرب الكورية «1950-1953»، ‏وبين فتاة ‏كورية عمرها 6 أعوام تكفل برعايتها عندما عثر عليها ‏بعد تعرض أهل قريتها ‏للإبادة على يد القوات الكورية الشمالية وكيف استطاعت المشاعر الإنسانية تجاوز حاجز ‏اللغة،‏ وقد سماها عائشة فتحول إلى «آيتشة»، حيث لم يكن ‏من ‏السهل لغير الأتراك لفظه. ‏لكن المحزن تغيير اسمها في الفيلم إلى»إيلا» بدوافع علمانية.‏

الروح العسكرية التركية لم تقرأ دوماً كتحرك سلبي كما يتم التوجس منها حالياً في سوريا، بل أن المحير هو كيف تأخرت الاستدارة الاستراتيجية التركية من كوريا إلى شرق الفرات لمدة نصف قرن؟! ففي كتابه «العودة إلى الصفر» ‏يكشف ستيفن كينزر ‏ Stephen Kinzer Reset: Iran, Turkey, and America’s Future‏، بعض من روح الغازي التي أوصلت الأتراك إلى كوريا، فقد شكل الجنود 15 ألفاً الذين أرسلتهم تركيا إلى كوريا - وجميعهم من المتطوعين ‏الذين التحقوا ‏بعدما أبلغهم قادتهم أن أمريكا في حاجة إلى العون - أغرب لواء يحارب أبداً إلى جانب الجيش الأمريكي، ‏فقد جاءوا جميعهم تقريباً من القرى الأناضولية النائية. ولم يتحدث أي منهم الإنجليزية أو يعرف أين تقع ‏كوريا. ‏وهم أول مجموعة من الأتراك الذين يغامرون في خارج موطنهم منذ تأسيس الجمهورية، ولم ‏يبد عليهم مظهر الجنود الذين سبق لأي أمريكي أن رآهم. ولم يعرف أحد ما يتوقعه منهم .لكن وبناء على كلمات كينزر سرعان ما اكتسب ‏الأتراك الشهرة بأنهم محاربون شرسون يطيعون الأوامر على الفور، ويندفعون طوعا ‏عبر النيران، ولا يكادون يقهرون في الالتحام. وتقول الأسطورة إنهم عمدوا أحياناً إلى قطع رؤوس ‏ضحاياهم وآذانهم. ولما شكك الأمريكيون في ‏الإحصاءات المرتفعة في تقاريرهم عن عدد القتلى، شرع ‏الأتراك في نقل جثث ضحاياهم من الجنود الكوريين الشماليين والصينيين إلى مقر القيادة الأمريكية ‏وتكويمها في الخارج. وقد لحقت باللواء التركي 3 آلاف إصابة. ومازال هناك ‏أكثر من 700 من جنودهم في الأرض الكورية‏.


* بالعجمي الفصيح:


العلاقات الدولية يديرها شخصان هما الدبلوماسي والجندي، وفي كوريا حقق العسكر الأتراك مجداً موثقاً ربطهم بالأمريكان لنصف قرن قادم، فمع انتشار التقارير عن بسالتهم قال الجنرال دوغلاس ماك أرثر قائد القوات الحليفة إن ‏‏»الأتراك هم ‏أبطال الأبطال.. لا يوجد مستحيل على اللواء التركي». وفي نهاية ‏فيلم إيلا «‏Ayla‏» يلتقي بطلا القصة الحقيقيين في مشهد مؤثر، فهل تنتصر الإنسانية العسكرية التركية في منبج؟



الأربعاء، 2 يناير 2019

هل انتصر الأسد؟!

 هل انتصر الأسد؟!
د.ظافر محمد العجمي 
في مقابلة له قبل سنوات، قال الرئيس السوري رداً على سؤال عن كيف يريد التاريخ أن يشير له، فقال: «سيكتب التاريخ أنني الرجل الذي أعاد توحيد سوريا»، ورغم إيماننا العميق بأن علينا التسليم ‏للزمن بحقه في توضيح الرؤية في سوريا، وأن شخصيات بالغة الصغر قد مرّت وسيمر غيرها أمام نافذة التاريخ الواسعة دون أن تترك اسمها، إلا أننا ‏لا نستطيع تجاوز أن هناك هذيان بالعظمة وشعور بالنصر في دمشق، وعلى ذلك ثلاثة مؤشرات:‏
- تحركات حزب البعث العربي الاشتراكي عبر مؤتمرات ليست لكبار كوادره فحسب، بل لمنظمات طلائع البعث الصغار ‏بنغمة الثورية والمقاومة والصمود بإزالة الآثار الفكرية والإرهابية المفروضة على الشعب السوري.‏
‏- عودة تماثيل حافظ الأسد من المخازن والصناديق -بعد أعوام على إزالتها خوفاً من تحطيمها- إلى ساحات محافظات ‏سوريا الخاضعة لسيطرة النظام بانتظار تطويع الناس لتقديسها.‏
‏- إعلان النظام عن لائحة تمويل الإرهاب التي ضمت 615 شخصاً و105 كيانات من جنسيات عربية وأجنبية في ‏غالبيتهم سوريون، يليهم السعوديون وعددهم 67، ويليهم في المرتبة الثالثة اللبنانيون وعددهم 42 شخصاً، في حين ‏جاء الكويتيون في المرتبة الرابعة وعددهم 30 كويتياً، فيهم نواب ووزراء حاليون وسابقون وسفراء ودعاة‎.‎
‏‏لكن دمشق تتجاهل واحدة من أعمق الجدليات في التاريخ، فالمكوّن الذي ينتصر عسكرياً انتصاراً حاسماً قد ‏يُهزم سياسياً هزيمة مطلقة، فقد انهزم سياسياً بوش الأب وهو المنتصر في عاصفة الصحراء، وقبله تشرشل وهو المنتصر في ‏معركة بريطانيا، ثم ديجول وغيرهم كثير، فالأسد قد أثبت أنه قادر على العمل على كل أنواع فرضيات‏ الصراع، وفي ذلك ‏مقتله، فلديه مخزون من العنف يكفي جيلاً كاملاً، والقراءات التي شكلت معجمه هي المقاومة والصمود والحرب والإرهاب والقتل.‏
وفي ‏محاولة جادة تلتزم الحياد في مقاربة المشهد السوري بعد انتهاء العنف، نعيد التذكير أنه أعاد بناء ‏تماثيل والده بدل إنشاء مجالس محلية لنشر ثقافة السلم والسلوك المدني، ونشر مفاهيم التعايش ‏المجتمعي بعد الصراع، وبدل وضع قوانين بلدية تحد من عودة السكان لتغيير التركيبة ‏الديموغرافية، وتهدف إلى تعقيد عودة النازحين إلى منازلهم، إن انتهاء الحرب في العرف الدولي وفي ‏الحروب الحديثة، يعني إزالة آثار الحرب فوراً، بدل تعليقها على شماعة خطط إعادة الإعمار، ‎بإرجاع الخدمات الأساسية وتعبيد الطرق وبطمر حفر انفجار الألغام والقنابل، وإزالة السيارات المحترقة، وبإعادة المياه الصالحة للشرب ‏والكهرباء بعد هدم الأبنية الآيلة للسقوط، وترميم ما يمكن ترميمه بطرق مهنية لمساكن كل فئات المجتمع، ‏ثم فتح المستشفيات والمدارس مع استبدال المناهج الدراسية القديمة التي لا تواكب ما يجري في العالم‎.

بالعجمي الفصيح:
يعني الانتصار إزالة جميع مظاهر الحرب وعودة الحياة المدنية إلى طبيعتها، وعدم تعليقها على شماعة ‏خطط إعادة الإعمار، وليس توجيه الحكومة جميع جهودها ومواردها نحو الأغراض الانتقامية العسكرية بدل ‏إقامة وزارة إزالة آثار الحرب‎.;

الأربعاء، 26 ديسمبر 2018

انسحابات ترامب وأثرها في الخليج

د.ظافر محمد العجمي 
لا شك في أن الرئيس دونالد ترامب قادر على إرباك خصومه وجعلهم يتفاعلون بشكل ارتجالي، فقد أعلن عن عقيدته أو مبدأ ترامبTrump Doctrine ‏ أسوة ‏ببقية الرؤساء بمبادئهم الإرشادية أو الملزمة كمبدأ ايزنهاور ومبدأ نيكسون ‏ومبدأ كارتر، وملخصه «إذا احتجتني اطلبني»، والاختلاف الحاد عنها أنه ‏يظهر عزوف ترامب عن مبادئ السياسة الخارجية الأمريكية طوال قرن محيراً ‏المراقبين إن كان ما يطرحه رؤية أم ارتجالاً. فقد بدأ بانسحاباته العجولة من ‏مواقع عسكرية مثل سوريا وأفغانستان بل وسبقها سحب الباتريوت من الخليج‏‏.‏

لقد أقام الاستراتيجي القابع مستتراً في هيئة رجل أعمال اسمه ترامب، أقام مبدأ الأمن عند ‏الطلب ‏ Security By Request»‏» حيث يمكنكم طلب البيتزا أو دجاج ‏كنتاكي إذا شعرتم بالجوع وسوف نفرض شروطاً لصالح واشنطن تدفعونها ‏صاغرين، لكنني لن أفتتح مطبخاً في بيتكم، وستعرفون قيمة ما نقدم إذا لم تروه إلا ‏بعد مكابدة عناء التوصيل. ‏

ولم تحير الانسحابات العجولة حليفاً حكومياً في جبال أفغانستان أو كردياً بشمال ‏سوريا أو عربياً على ضفاف الخليج فحسب، بل أثارت جزع أجنحة مؤسسة صنع القرار ‏الأمريكية، الأمنية والاستخباراتية والعسكرية، وكأن ترامب قد تحرر من قيوده ‏الداخلية والخارجية، ففي الداخل هناك شعور بالخيانة مما شرع الأبواب أمام ‏تخرصات منها إمكانية أن يعيد ترامب النظر فيما قرره من انسحابات أو على الأقل عدم ‏الاستعجال في تنفيذه، وفي الخارج نظرة شك في هذه التحركات وتفسيرها على ‏أنها إعادة انتشار وخلق جبهات جديدة.‏

لقد آمنا طويلاً أنه ليس من المستحسن أن يشارك المشرعون في اتخاذ ‏قرارات ‏استراتيجية لميلهم المصلحي لشعبية القرارات، لكن رجل الأعمال المسمى ترامب القابع مستتراً في هيئة رئيس أقوى دولة في العالم أخذ في خفض تكاليف ‏الميزانية الأمريكية في الخارج ليعززها في الداخل، فقد سبق ذلك ضرائب على ‏المستورد من الصلب والألمنيوم، مع استخدام التعرفة الجمركية كسلاح، ثم نجاحه ‏في الحرب التجارية مع الصين عبر إهانة بكين باعتقال مديرة هواوي عملاق تكنولوجيا ‏الاتصالات، وتقديم الصين تنازلات مذلة كخفضها الضرائب على السيارات ‏الأمريكية من 40% إلى 15% فقط بذريعة نزع فتيل الأزمة لتجاوز ركود ‏اقتصادها. ‏

* بالعجمي الفصيح:

إن انسحاب ترامب العجول من ساحات القتال في أفغانستان وسوريا وقبلها ‏سحب بطاريات الباتريوت من الخليج مؤشر على أن الانسحابات القادمة بناء ‏على عقيدة ترامب «إذا احتجتني اطلبني» ستكون من القواعد الأمريكية حول ‏العالم.

فماذا أعددنا في الخليج لمرحلة الانسحاب من القواعد بعد اكتمال ‏الانسحاب من الصراعات؟

* المدير التنفيذي لمجموعة مراقبة الخليج

الأربعاء، 19 ديسمبر 2018

مراكز الدراسات الاستراتيجية تسوّق للحروب

مراكز الدراسات الاستراتيجية تسوّق للحروب
د. ظافر محمد العجمي


حين تواصلت مع المحلل الاستراتيجي توني كوردسمان ‎،Anthony H. ‎Cordesman‏ أول مرة -حينها كنت طالب دكتوراه ‏‏2002- لم يكن سخياً معي، وأما المرة الثانية ففي مؤتمر مؤسّسة الفكر العربي «فكر 16» في دبي ‏أبريل 2018‎، فرغم تناوله الغداء على طاولتي فإنه كان متحفظاً أيضاً، وفي ‏الدورة الخامسة لمنتدى دراسات الخليج بالدوحة 2 ديسمبر 2018، استفزني ‏حين قال في كلمته، إنه لا تعاون ولا قدرات ملموسة بين دول الخليج، فكانت ‏مداخلتي أن تحليلاته تقوم على إحصائيات ينقلها من كمبيوتره، ويتحاشى ‏الوصول إلى نتائج تكشف أن من لم يشم دخان الحرب يوماً لا يمكن أن ‏يستشرف مستقبل الصراعات المسلحة، بل إن السيد كوردسمان نفسه لم يدخل ‏معسكراً خليجياً واحداً ليعلم إن كنا نتعاون أم لا! ورحت أعدّد له مجالات التعاون ‏العسكرية المنشورة في موقع مجلس التعاون، وبعد أن أخرجت ما «يقرقع ‏بخاطري» وجدت الرجل العجوز يسأل عني الزميلة العزيزة هدى الدخيل، فقد نسي غداء العام الماضي، وفي ‏اليومين التاليين تناولنا الوجبات الثلاث معاً في حوارات عميقة عن الاستراتيجية ‏والبدو وحياته في شيكاغو وأقربائه الفلاحين، لكن ‏توني العجوز الطيب في 2 ديسمبر 2018م، عاد وفياً للقيم الرأسمالية التي يعتنقها بالتسويق للحرب كمنتج وبضاعة من ‏خلال تخويفنا بحرب مقبلة مع إيران، معتمداً على ما حصل عليه من إحصائيات ‏بالأسلحة من معهد ستوكهولم للسلام «SIPRI»، ومن مجلة جينز «JANES»، دون إشارة من قريب ‏أو بعيد لمعلومات استخبارية يمكن أن يكون قد حصل عليها عن تمرينات إنزال أو مناورات انفتاح عن بعد ‏من إيران أو من دول الخليج، بل راح في مقاله في صفحة مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية «csis» المعنون: «الخليجيون وإيران: شراء الأسلحة، التحديث، وتحول ميزان القوى» ‏The Arab Gulf States and Iran: Military Spending, ‎Modernization, and the Shifting Military Balance راح يستعرض سباق التسلح وتوازن القوى العسكرية في منطقة ‏الخليج، مذكّراً بأنها باتت قضية عسكرية خطيرة في الشرق الأوسط، وأن المخاطر الناجمة عن سباق التسلح في الإقليم لم تتراجع مع مرور الزمن، بل ارتفعت بحدة جملة من ‏العناصر الخاصة بالسباق في السنوات الأخيرة، محذّراً من اندلاع اشتباكات ‏عسكرية في المدى القريب، استناداً لقواعد الصراع مع إيران، التي يتمدد ‏نفوذها في الخليج والعراق وسوريا، وفي الحرب اليمنية، وخلص بالقول إن ‏الرد الإيراني على انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق النووي وتنامي ‏معدلات التوتر بين دول الخليج، والنتيجة غير المحسومة في الحرب ضد «‏داعش» والحرب الأهلية في سوريا، كلها عوامل تساهم باطراد في تدهور ‏المناخ الأمني لمستويات مقلقة وتقود إلى الحرب.

بالعجمي الفصيح‏
في تسويق رأسمالي فج للحروب، تربط مراكز الأبحاث الاستراتيجية الغربية التسلح بقيام الصراعات، متجاوزة أن جيوش دول مجلس التعاون تمر بمراحل بناء، ثم تطوير، ثم تحديث، وأن ‏الأسلحة تُشترى لخلق التوازن الاستراتيجي، كما تُشترى للردع، وليس ‏بالضرورة لدخول الحروب.‏;













الأربعاء، 12 ديسمبر 2018

الخليج والسترات الصفراء

 الخليج والسترات الصفراء
د. ظافر محمد العجمي

في كل عطلة نهاية أسبوع، يتجدد السؤال عن إمكانية سقوط «باستيل» ماكرون، وقد قوّى هذا المنحى أن الشرطة الفرنسية تتعاطف مع السترات الصفراء، والتاريخ يقول إن اقتحام سجن الباستيل بباريس تقع مسؤوليته على عاتق قادة العسكر في ساحة دي مارس 14 يوليو 1789، فقد امتنعوا عن التدخل فسقط «الباستيل»، والتاريخ يعيد نفسه في المرة الأولى مأساة، والمرة الثانية «مسخرة»، لكن ما يخيف المراقب الخليجي هو أن يكون من الارتدادات المتعددة للثورة الجديدة ما يضرّ دول الخليج، فالثوار يبحثون عن أهداف لتسليط غضبهم عليها، فالمطالب لها شعارات زائفة ذات وقع تحرري، وهي محلية الطابع لكن أطرافها عبّروا عن نفس شعبوي، فاليسار الفرنسي له شعبوية اقتصادية يحمّل المهاجرين القدامى والجدد جزءاً منها، واليمين الفرنسي شعبوي أصلاً في هيكله البنيوي، والعرب والمسلمون هم ضحية الشعبوية، وهو الاسم المهذّب للعنصرية البغيضة.
لقد وضع الرئيس السابق هولاند منطقة الخليج الغنية بالنفط أولوية ضمن توجهات السياسة الفرنسية، ورددنا له التحية بأجمل منها، فمدّت الصناديق السيادية الخليجية بذراعها حول خصر باريس المغرية، وفي القمة التشاورية لقادة دول المجلس 2015، حضر «هولاند العربي» وفقاً لوصف الصحافة الفرنسية، في امتداد لتقارب فرنسي خليجي بدأه ساركوزي، للاستفادة من فتور العلاقات الخليجية الأميركية أيام «الأوبامية» الكئيبة، حيث ألقت باريس بثقلها الدبلوماسي عبر مبيعات السلاح، فتشاركت مع الخليج في الرؤية نفسها في ملفات عدة تتعلق بالتحوّلات السياسية التي شهدتها المنطقة، خصوصاً سوريا.
ورغم أن رؤوس الأموال الخليجية في فرنسا كبيرة، لكن صناديقنا فشلت في ترجمة المبلغ الضخم ليصبح قوة فعّالة تسند الوجود الخليجي في باريس، فلا «لوبيات» ولا تأهيل لأصدقاء فرنسيين أقوياء في قطاع الأعمال أو الصناعات العسكرية، حتى يخال لي وأنا أتجول في الشانزليزيه، أننا لا نعدو أن نكون أسماء تزيّن قمصان الصبية الفرنسيين الرياضية ولوحات الإعلانات.
فقلقنا مردّه هشاشة العلاقات العامة التي تحمي استثماراتنا، وما دام الثوار يبحثون عن أهداف لتسليط غضبهم عليها، فسنكون بدون شك هدفهم المقبل عبر نقد النظام الضريبي الفرنسي، على الاستثمارات الأجنبية بدل المواطن الفرنسي.
أما الأمر المرجح الآخر، فهو أن يحول ماكرون وحكومته ضربات الثوار إلى العرب الخليجيين، فنحن مصدرو النفط غالي الثمن -رغم نزول الأسعار- فنحن العرب الجشعون منذ منتصف السبعينيات، وهو لم يرفع الضرائب إلا لارتفاع سعر النفط، أما الأمر المحتمل الثالث، فهو التعرض للسياح المترفين من قبل الغوغاء، جراء حياد الشرطة الفرنسية الأخير.

بالعجمي الفصيح:
خاف ماكرون من مصير ماري أنطوانيت يوم حنّت فرنسا لإرثها الثوري، وليس قلقنا في الخليج مردّه الخوف من تفاعل الشارع الخليجي معها، فبذورها لا تنبت في أرضنا، بل لأن الثوار والحكومة سيبحثون عن أهداف لتسليط غضبهم عليها، فرؤوس أموالنا يمكن رفع الضرائب عليها لا على المواطن، ونفطنا هو الذي ارتفع سعره على ماكرون فرفعه على شعبه.;

الأربعاء، 5 ديسمبر 2018

ديسمبر وإعادة تعريف الشراكة الخليجية


مثل كلمة «الوحدة» التي كانت تزين كل أدبيات الفكر الخليجي، صارت كلمة «الأزمة» هي الدارجة ‏في زمن لا تخضع فيه العلاقات الخليجية - الخليجية لتعريف إيجابي إلا بصعوبة. وفي زمن مضى كنا ‏بتهكم ننتظر «ديسمبر شهر ترحيل بنود التكامل من قمة لقمة»، أما الآن فنبحث عن الستر لبقاء ‏المجلس كهيكل واحد بكل مكوناته. ‏

إن الحجر الأول المنتزع من هرم مجلس التعاون كمنظمة إقليمية هو عدم اكتمال نصاب المجلس ‏الأعلى. واستمرارإشاعات الحضور والغياب هو الاضطراب الانحداري الذي سيسبق حالة الانفراط ‏المفاجئ الخالي حتى من التمهيد. ومن قارئٍ هضم بإمعان تاريخ الخليج العربي من منظور العلاقات ‏الإقليمية والدولية نعيد التذكير بأولويات بسيطة لتلافي المآلات المأسوية لانهيار مجلس التعاون:‏

*‏ ليس في البال كلمة من الكلمات التي ادخرتها للغضب لأصف بها الارتباك الاستراتيجي الذي تعانية دول ‏الخليج إذا اعتقدت أن الأخطار التي أدت لقيام مجلس التعاون قد زالت، فإيران لا زالت تقع بين خطي ‏عرض «25-40» وخطي طول «44-62» درجة شمالاً. وحين قام المجلس لم يكن لدى طهران مكملات ‏استراتيجية كالحشد والحوثة و»حزب الله» مقيمة على حدودنا من الجهات الأربع. ولم يكن ترامب يبتزنا بل ‏كنا في عزلة مريحة في ظل عقيدة كارتر «‏Carter Doctrine‏» التي ربطت أمن الخليج بأمن ‏أمريكا 1980.‏

*‏ لقد قيل إن الشركات التجارية الخاصة تنهار في الجيل الثالث، وإن الدول مثلها، كما لا يفلت من هذا القدر ‏إلا القليل من المنظمات الإقليمية، وقد أسال هذا الإسقاط عن مجلس التعاون الكثير من الحبر محملاً هذا ‏الجيل الاختمار السياسي الحالي، وانقضاء عصر الفروسية الذي جلل بالفخر اللحظات التأسيسية ‏للمجلس. وهي منابع ربما لاخيار إلا بالعودة لها، فنحن من المراهنين على دبلوماسية الأدب الجم ‏ودبلوماسية حب الخشوم الخليجية التي أدت لتجاوز الكثير من الخلافات وتقدير ما تعتمر به النفوس لا ‏الاتفاقيات والنصوص، فلنعد للروح الخليجية.‏

‏* لقد تم تزييفِ مسرودات تاريخ التعاون الخليجي تحت مظلة المجلس، فتم تقديم منجز التنقل بالبطاقة، ‏والفخر بربط نظام المخالفات المرورية على التسويق لمنجزات لم تتحقق في أعرق المنظمات ‏الإقليمية، كقيام منطقة تجارة حرة والمواطنة التجارية وتوحيد مدركات مجالات النفط والغاز ‏والبتروكيماويات والصناعة والربط الكهربائي وحزام التعاون والربط الراداري، وهي خير دافع لبقاء ‏المجلس. ‏

‏* نعيش في زمن توازنات حرجة في الأمن والاقتصاد والسياسة، وقد استشرفت ذلك دول عدة فانضوت ‏تحت هياكل منظمات إقليمية، وكنا على نفس النهج نسير حتى أصبح مجلس التعاون منظمة لها شأن ‏رفيع بين الكتل الإقليمية في السنوات العشرين الماضية، والتحول الملاحظ هو أن التعاون أصبح بين ‏الكتل الإقليمية بدل الدول، فهل من صالح الكويت مثلاً أن تتعامل مع كتلة «آسيان» منفردة أو أن تتعامل عمان ‏منفردة مع كتلة «الناتو»!‏

* بالعجمي الفصيح: ‏

مرت منظمات إقليمية بما يمر به مجلس التعاون حالياً، وقد تجاوزتها حين لم تترك خلافات تقودها معطيات ‏ظرفية متغيرة، تطغى على حقيقة أن مساحات الاتفاق، تفوق مساحات الاختلاف، فهل نملك رفاهية ‏الاختيار بين الاستمرار أو الانهيار!‏

الثلاثاء، 27 نوفمبر 2018

السودان بين تمر "الخلاص" أو "القند" أو "راحة الحلقوم"د

د.ظافر محمد العجمي 

في زمن تحولت فيه الأنظار صوب أحداث أخرى -لا تملك مقاييس القدرة على تغيير المشهد ‏الاستراتيجي- يمد كبار مرابي البنك الدولي يدهم للسودان، مستغلين ما مر به من الأزمات السياسية ‏والحروب الأهلية، وعملية انفصال الجنوب التي أخذت معها معظم إنتاج النفط، في زمن عقوبات أمريكية ‏للتو رفعت بعد 20 عاماً.‏

والسودان الضعيف اقتصادياً هو البلد العربي الذي تجاوزته أفعاله ومساهماته رغم الضعف‏، والتي كان آخرها وقوفه المشرف في قضية اليمن، لكون الرؤى الاستراتيجية الحاكمة لسياسته هي ‏الوقوف موقف العربي النبيل حين تستدعي الحاجة. وربما يحتاج الأمر لدراسات مطولة لتوسيع دائرة ‏الأمثلة من أجل إضاءة إشكالية الارتباط السوداني مع طهران ثم القفزة العروبية ضدها في اليمن.‏

وبالاعتماد على اقتباسات يستقيها المتابع من وسائل الإعلام السودانية تظهر صورة قاتمة في ‏شوارع الخرطوم الشقيقة دون أن تثار معها ضجة إيجابية في وسائل الإعلام العربية، فهناك ارتفاع ‏بأسعار الأغذية وقد بلغ التضخم أعلى مستوياته فسجلت ولاية البحر الأحمر 97.86%، وفي الخرطوم ‏‏60%. وارتفع الطلب على السيولة النقدية بسبب التضخم، وضعف الثقة في النظام المصرفي، لذا تسعى ‏الحكومة لتفادي انهيار اقتصادي من خلال خفض حاد في قيمة العملة وإجراءات تقشف عاجلة. ولتقييد ‏المعروض النقدي لحماية الجنيه السوداني نفدت العملة من الكثير من ماكينات الصرف الآلي في ‏العاصمة السودانية الخرطوم حيث يعيش المواطن السوداني في أزمة اقتصادية حقيقية. ‏

محددات التعاطي مع الازمة الاقتصادية في السودان أجبرت صانع القرار على الأخذ بالمرحلية ومتغيرات ‏اللحظة، لكن مع النظر للخارج شرقاً وغرباً دون النظر لمحيطه العربي ربما بسبب إخفاقات سابقة. فقد ‏طلبت الخرطوم بأن يقوم الاتحاد الأوروبي بجهود لتخفيف الديون بل إن ما يقدمه من مساعدات لمقابلة ‏احتياجات اللاجئين غير كافية. كما رفضت الخرطوم مقترحاً من صندوق النقد الدولي لتعويم الجنيه ‏السوداني رغم أن البنك المركزي السوداني قد خفض قيمته بشكل حاد مرتين. وهنا نتذكر أن البنك ‏المركزي السوداني قد أصدر قراراً، بحظر التعامل مع المصارف الإيرانية، التزاماً بالحظر الاقتصادي، ‏مما يعني إغلاق سبيل كان بالإمكان الاستفادة منه بوديعة إيرانية تعدل الأوضاع الاقتصادية. ‏

* بالعجمي الفصيح: ‏

إن الفوضى تدرس ملامح المدن السودانية، جراء الأزمة الاقتصادية المسكوت عنها، والقول إن الخرطوم ‏اقتربت من طهران حين بلغ الهوس الديني أوجه عالمياً، قياس فاسد لا يستقيم مع منطق أن الاقتصاد ‏محرك للتوجهات الدولية. وتحقيق الاستقرار، ومعدل النمو السوداني ممكن بطعم «تمرة خلاص» خليجية، ‏فطعم «راحة الحلقوم» التركية لا يختلف كثيراً عن طعم مكعبات «سكر القند» الإيراني.

* المدير التنفيذي لمجموعة مراقبة الخليج

الأربعاء، 21 نوفمبر 2018

القوة البحرية الخليجية.. بحر واحد وأفق مختلف


تربى تشنغ خه «‏Zheng He‏» أو حجي محمود شمس المولود لأسرة مسلمة في بلاط أمير منطقة بكين، ما بين عام 1405 و1433، وقام ‏بسبع رحلات بحرية استغرقت 28 عاماً، في جنوب آسيا وأفريقيا ووصل إلى منطقة ‏الخليج والبحر الأحمر ومكة المكرمة، وقد احتفلت الصين عام 2005 بمرور 600 سنة ‏على أولى رحلاته. وبعد انكفاء غير مبرر عادت الصين للبحر مدعومة بصناعة بحرية ‏ضخمة، حيث بلغت وتيرة تصنيعها إنجاز فرقاطة وغواصة كل شهر مع طموح لتجاوز ‏الولايات المتحدة في هذا المجال، مما دفع أوباما قبل عشر سنوات لوضع خطة ‏الاستدارة الأمريكية نحو الشرق لوقف حجي محمود شمس الجديد والقوة البحرية ‏الصينية الجدية. لكن الصين سيكون لديها 6 حاملات طائرات، أما السفن الحربية من حجم ‏كورفيت ‏corvettes‏ فقد قفز من 16 سفينة في 2012 إلى 56 اليوم. أما ‏المدمرات ‏destroyers‏ فقفزت من 18 إلى 29 مدمرة صينية.‏

أما الإرث البحري الأمريكي فيورد أن الضابط البحري الأمريكي الأميرال ألفريد ماهان ‏قد وضع قبل قرنين مفهوماً جديداً للقوى البحرية في التاريخ، فقوى البحر تتفوق دائماً على ‏قوى البر. حيث إن قوى البحر أكثر حصانة لإحاطة المياه بها من كل جانب، وهي التي ‏تتحكم في حركة التجارة البحرية أثناء السلام والحرب، وعليه سادت أمريكا العالم من ‏هذا المبدأ وليس كما يعتقد البعض بالقوة النووية. ثم عقد معرض لوبورجيه الفرنسي»‏Le Bourget‏» للقوة البحرية الأوروبية، وكان اهم مخرجات ذلك المعرض هو أن العالم في سباق تسلح بحري، كما أن من ‏المؤشرات عودة القوة البحرية الأوروبية، وقد دفعت الأوروبيين لذلك حقائق منها أن ‏هناك 40 دولة تملك غواصات، وأن العدو المفترض وهي موسكو قد أضافت 28 ‏سفينة حربية في عام 2018 لوحدة. كما أن من الأسباب أن الأوروبيين كانوا ‏يتصدرون المركز الثالث بعد أمريكا وروسيا قبل عشرين عاماً وانتهاء الحرب الباردة ‏. أما الآن فقد سبقتهم الصين واليابان فصاروا في المركز الخامس، والسادس. ومن ‏مؤشرات الرجوع الأوروبية تركيز بريطانيا على حاملات الطائرات من نوع إليزبيث ‏الثانية لتقلع منها طائرات ‏ F-35B‏. أما فرنسا فبرنامجها لتطوير قوتها البحرية ‏سيتحقق 2030 وتركز على الطائرات بدون طيار والعصر الرقمي في كل ما تصنع. ‏تليها ألمانيا التي تصنع قوة بحرية تتكفل بالدفاع عن الجناح الشمالي لحلف الناتو ‏بشراكة مع النرويج وفرنسا وهولندا.‏

أما البحرية الخليجية رغم الواجب البحري الضخم عليها إلا أنها الخاصرة الضعيفة في ‏الجهد البحري الخليجي منفردة او مجتمعة، فقد استثمرنا في القوة الجوية بوتيرة عالية ‏طوال ثلاثة عقود، تليها القوة البرية. ولا ننكر أن هناك جهد للنهوض بالبحرية ‏الخليجية لكنه لا يرقى لرفعها عن مستوى عمليات خفر السواحل، ولنا في عدم مقارعة ‏قوارب الحرس الثوري الإيراني في هرمز أو قوارب الحوثة في باب المندب خير دليل. ‏

* بالعجمي الفصيح:

‏القصور الأكبر للبحرية الخليجية أنه رغم أن تعاونهم يتم تحت سماء واحد لكن كلن له أفقه.

* المدير التنفيذي لمجموعة مراقبة الخليج

السبت، 17 نوفمبر 2018

ترامب فوق حطام السلطة الرابعة


رغم أن أول من استخدام مصطلح «السلطة الرابعة» هو المفكر والسياسي الأيرلندي إدموند بورك في ‏‏1787 خلال مناقشة في البرلمان، ولم يربطها في حينه بالسلطات الدستورية الثلاث، التشريعية والتنفيذية ‏والقضائية، بل القوة التي تؤثر في الشعب وتعادل، أو تفوق، قوة الحكومة. رغم ذلك لايزال الفهم الخاطئ للتعبير متداولاً، لكن الرئيس ترامب، اعتبر كون الصحافة والإعلام هي السلطة الرابعة مفهوماً مجادلاً فيه.‏

ومن مبدأ إذا كان سيفك قصيراً فأطله بالتقدم خطوة نحو الغريم، تقدم ترامب مهاجماً وسائل الإعلام ‏الأمريكية واصفاً إياها بإعلام الأخبار الزائفة وأنها حزب المعارضة. وأضاف في تغريدة ‏مشهورة «إنه أمر سيئ للغاية بالنسبة لبلادنا العظيمة.. ولكننا في سبيلنا للفوز» فترامب ‏يشعر أن وسائل الإعلام تشن هجوماً مدروساً ضده أكثر من أي وقت مضى، وضد ‏نصف البلاد من الذين يدعمونه، ويسفهون بآراء من انتخبه ويحقرون اختيارهم له.‏

وما يهمنا هنا أن الإعلام وترامب يمتلكان أدوات كثيرة لكن لم يوظفوها في الإثارة الرخيصة، على ‏الأقل حتى الآن. رغم أن الصحافة الأمريكية المناوئة لترامب قامت عبر تضامن حوالي ‏‏350 منصة إعلامية وصحافية أمريكية بنشر مقالات افتتاحية 16 أغسطس 2018، ‏تهاجم سياسته، حيث وصفت تصنيفه للصحافة بأنها عدو على أنه وصف استراتيجي ‏يهدف إلى تقويض السلطة الرابعة‏.‏ ورغم كل ذلك إلا أن ما جرى بين الطرفين لم يخرج ‏عن القيم الديمقراطية الأمريكية. وقد راهن الكثيرون أن صدام ترامب مع السلطة ‏الرابعة يعني تقهقره السريع نحو تدمير نفسه، فالصحافيان كارل برنستين وبوب وود ورد من ‏»واشنطن بوست» أسقطا الرئيس نيكسون في فضيحة تجسسه على مقر الحزب ‏الديمقراطي المعروفة باسم ووترغيت 1972 مما أدى إلى خلق ديكتاتورية الإعلام ‏التي سيطرت على بقية القرن العشرين. ويمكننا القول بنجاح ترامب في هزيمة ‏الصحافة في الجولة الأولى بدليل بقائه في السلطة عامين حتى الآن وعبر القيم الديمقراطية، بدون أن ‏يستعين بدرس من دروس قادة بعض دول العالم الثالث في تعاملها مع الإعلام.‏

إن ما نكتب حيال صراع ترامب مع السلطة الرابعة ليس فقط نظرة تحليلية، بل استشرافية لتصرفات رجل ‏يفتتح سوق الكلام في كل مؤتمر يعقده بطرد الإعلاميين، لأنه يعتمد على بتويتر. وبما أن السلطة الرابعة لم تهزمه ومازال في ‏منصبه فهو بالضرورة المنتصر. وفي ما يشبه العبور إلى اللحظة التي تتهاوى فيها أبراج الصهاينة ‏الإعلامية ألا يجدر بنا الابتهاج!‏

* بالعجمي الفصيح:

لقد خلقت ووترغيت من الصحافة ديكتاتورية فضة، فكيف تستمر هيمنة سلطة، أخذت ‏شرعيّتها من عصر آخر، وفي تقديرنا أن هناك احتمالات أخرى غير مرصودة الآن جراء ‏ضربات ترامب، فربما ترقى بالسلطة الرابعة وتقوم اعوجاجها. ولينظر من يخالفنا لانحياز الإعلام للصهاينة والتعتيم الذي تفرضه على قضايانا.

* المدير التنفيذي لمجموعة مراقبة الخليج

الثلاثاء، 6 نوفمبر 2018

متى سنشعر بالرهاب الإلكتروني "cyberphobia"



د.ظافر محمد العجمي 


في الولايات المتحدة تعد بعض الإجراءات غير المنطقية ضرورية لتؤسس وعي مجتمع الأمن الأمريكي بنفسه وبالعالم حوله، ومن ذلك نشر وزارة الدفاع الأمريكية إعلاناً يدعو قراصنة الإنترنت لاختراق أنظمتها، ولم يكن ذلك من باب التحدي بل عبر عقد عمل بقيمة 34 مليون دولار تحت مسمى مكافآت الاختراق السيبيري «bug bounties». جرعة القلق الإيجابية الأمريكية مردها الانتخابات التشريعية النصفية التي بدأت 6 نوفمبر 2018، والخوف من الاختراق الروسي أو الصيني والتلاعب بالنتائج تحريضاً أو تزويراً أو تخريباً. فهناك تقرير مفزع صدر عن شبكة «Breaking Defense» المختصة بالشؤون العسكرية تذهب إلى استنفار في وزارة الدفاع الأمريكية لدعم وزارة الأمن الداخلي، حيث يقول مساعد وزير الدفاع للأمن السيبراني الجنرال إدوين ويلسون «Edwin Wilson» إن أمريكا لم تستنفر قواتها السيبرانية لكنها أصدرت أوامر الاستعداد.

الاستطراد السابق عن الهم الأمريكي ضروري لربط مفاصل موضوع ثغرتنا السيبيرية الخليجية، حيث يبدو أننا في دول الخليج لا نشعر بالرهاب الإلكتروني «cyberphobia» مطلقاً، ولن نحيد عن موضوعنا لنتحدث عن «سياسة كتمان الاختراقات» التي تتعرض لها مؤسسات خليجية عدة، فسياسة الكتمان هي مثل الأخطاء الطبية التي لا يعلم بها إلا الله ثم الطبيب وجثة الضحية. وفي مقالة ضمن التحضير لصد الهجمات على الانتخابات يذهب الجنرال ويلسون إلى أنهم يتوقعون التعرض لهجمات لكنه يقلل حجم الدمار الذي ستحدثه. وفي ذلك تناقض مع الإجراءات المتخذة حيث يذكر أن جاهزية فريق الدفاع السيبراني تتم خلال ساعات، متجاوزاً حقيقة أن الحرب السيبيرية تتم في أجزاء من الثانية. ثم يقع في التناقض التالي وهو أن عدد رجال الدفاع السيبيري لوزارة الدفاع الأمريكية لا يتعدى المائة رجل. في الوقت الذي يبلغ فيه عدد الهاكرز الصينيين الـ2000 مخترق مما جعل الصين صاحبة 95% من عمليات الاختراق الناجحة على مستوى العالم. ويعود التخلف السيبراني الأمريكي بناء على رأي الجنرال ويلسون إلى البيروقراطية وعدم وضوح الأدوار بين مؤسسات الأمن الأمريكية، ولمن السلطة في تنسيق الأدوار، وسبب التداخل في أدوار المؤسسات. لكن الأخطر أن هذه العيوب يتم تقاذف الملامة فيها بين المشاركين ثم ضياع المحاسبة وكأنهم في دولة من دول العالم الثالث. على كل حال ستظهر نتائج الانتخابات النصفية جودة الحرب السيبرانية الأمريكية، لكن أهم ما في الدرس الأمريكي لنا في الخليج هو أن التطبيع بين وزارات الدفاع الخليجية ومؤسسات الدولة الأخرى يجب أن يتم فيه النظر. وجعل الحرب السيبرانية بنفس النسق الذي تقدم فيه المؤسسة العسكرية في حالة الحرب الماء والغذاء والطاقة والطبابة للجهات المدنية.

* بالعجمي الفصيح:

تحتم الهجمات السيبرانيّة المعلومة والمجهولة التي تعرضت لها دول الخليج ضرورة وجود هندسة أمنيّة جديدة تحت مظلة درع الجزيرة ولنبدأ بإبقاء وزراء الدفاع ورؤساء الأركان في مكاتبهم وليجتمع المبرمجون والمشغلون للأنظمة فهم أقدر على التعرف على الخطر.

* المدير التنفيذي لمجموعة مراقبة الخليج



الأربعاء، 31 أكتوبر 2018

فلسطين بين ‏تحرك استراتيجي ومجاملة دبلوماسية

د.ظافر العجمي 

منذ أن وعينا، ونحن نسمع بشكل متكرر عن وصول القضية الفلسطينية لطاولة مفاوضات، ‏لنكتشف أنها كانت تصل لطاولة تنس تتعرض خلاله للضرب من كلا الجانبين، ورغم الضرب فإن هناك ‏من يخفف ما تتعرض له القضية بالقول، إن دبلوماسية تنس الطاولة بين بكين وواشنطن كان لها تأثيرها ‏في تحسن العلاقات بين البلدين في السبعينيات.‏
وفي الأيام القليلة الماضية، ظهر ما يشي بضجر العالم من أزمة الشرق الأوسط، وأن هناك من ينظر ‏للصراع العربي الصهيوني كدورة تاريخية اكتملت ثم انتهت، وثمة مؤشرات قد تُقرأ لصالح هذا التحليل، ‏بل إن هناك من يذهب إلى أن الأمر لم يعد مجرد تحليلات مبنية على مؤشرات فرنسية ‏وأميركية وفلسطينية متناثرة، بل أكثر، ولعل آخرها لقاء على آخر حدود جزيرة العرب، سبقته زيارة لعباس، لكن حركة فتح وصفت زيارة نتنياهو بنسف لمبادرة السلام العربية، ‏القائمة على أساس الأرض مقابل السلام الشامل، ومن ثم إقامة العلاقات بين الدول العربية وإسرائيل.
المؤشر الفرنسي هو فيما قاله المسؤول في وزارة الخارجية الصهيونية ألون أوشبيز للجنة في الكنيست: إنه في ‏حال لم يقم الرئيس الأميركي دونالد ترمب بطرح خطته للسلام الإسرائيلي-الفلسطيني في الشهر المقبل، ‏فإن الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون سيطرح اقتراحاً خاصاً به، وقد أوعز ماكرون لوزارة خارجيته في ‏أواخر أغسطس بدراسة أفكار لإنهاء الصراع.‏
أما المؤشر الأميركي، فسيظهر مدى صدقه في النصف الأول من الشهر المقبل، ففي 6 نوفمبر ستجرى ‏انتخابات التجديد النصفي، وهي الانتخابات التي يتوقع أن يحقق الديمقراطيون فيها مكاسب في ‏الكونجرس، وهو أمر ليس في صالح إسرائيل، ولا في صالح ترمب الذي سيضطر حينها إما لعرض خطته «صفقة القرن» التي طال انتظارها، أو الوفاء بوعده لماكرون بالضغط على رئيس الوزراء ‏نتنياهو لقبول مبادرة سلام، حيث سيلتقي ترمب ونتنياهو في 11 نوفمبر في باريس، للمشاركة في ‏مراسم الذكرى المئوية للحرب العالمية الأولى.‏
أما المؤشر الأخير، فهو فلسطيني التفاصيل، فبعد أن أوصل صمود «حماس» إلى تفاهم استراتيجي كبير مع الصهاينة، ‏صمد عباس من جهته كرئيس للسلطة في وجه الضغوط الأميركية، حيث تم تهميش دور واشنطن ‏في القضية الفلسطينية بعد قطع التمويل الأميركي عن «الأونروا»، وخلق توازن دولي غطى العجز ‏الذي واجهته المؤسسة الأممية، بعد جمع تعهدات بقيمة 320 مليون دولار.

بالعجمي الفصيح:
يكبّل إرث الأجيال الراحلة نظراءهـم الأحياء، لكن الضجر من الإرث الفلسطيني ‏يبقى أفضل من تبني الحلول العجولة بمجاملات دبلوماسية، وليس بتحرك استراتيجي محكم.;

الأربعاء، 24 أكتوبر 2018

مطوع يقرأ على عسكري

د.ظافر العجمي
في الولايات المتحدة يقوم ما يقارب الــ 20 جندياً من العائدين من الحرب ‏بقتل أنفسهم كل يوم، مما يعني قتيلاً كل 72 دقيقة، ليموت 7300 جندي في ‏السنة،‎ ‎وهو رقم يفوق عدد الجنود الأميركان الذين قتلوا في المعارك في ‏العراق وأفغانستان. وتسمى الحالة النفسية التي تقود الجندي لقتل نفسه اليوم ‏اضطراب ما بعد الصدمة، كما سُميت بـ «متلازمة ‏حرب الخليج»، ومن قبلها «متلازمة فيتنام»، وفي الحرب الكورية سميت بـ «إعياء المعركة»، أما في الحرب العالمية الثانية فقد سموها «تعب المعركة‎»، فالمرض قديم قدم حيرة قابيل بعدما قتل أخاه هابيل. وقد شاهدت قبل أيام الفيلم العسكري الجديد «‏‎ ‎Thousand Yard Stare»، والذي يروي الأعراض الجسدية والنفسية التي ظهرت على ‏الجنود المشاركين في الحرب. وكيف يختلف تفاعل الرجال مع هول المعارك، فتستمر الأعراض ‏عند البعض أياماً، والبعض الآخر يصاب بصدمة المعركة المتصلة‎ ‎حتى ينهي حياته ‏بنفسه، أو يعيش مرتاعاً، يعاني من أعراض أكثرها شيوعاً السرحان، والصمت ‏الطويل، والتردد، وتباطؤ زمن رد الفعل، وبطء التفكير‏‎، وصعوبة تحديد أولويات ‏المهام، وصعوبة تنفيذ المهام الروتينية اليومية، والغضب بهياج، وفقدان التركيز، بالإضافة إلى الإرهاق، والشعور ‏بالاستنفاد.‏ وقبل سنوات سألت عن كيف أتعامل ‏كضابط مع جندي الإغرار الصغير حين يصاب بصدمة المعركة‎ ‎‏أو حتى المناورة فيلقي سلاحه، ويصيح فاراً نحو عدو أو حقل ألغام؟
فقال من سألت مغلفاً جهله بسخرية: «أضربه كفين إلى أن يصحى»، وقال آخر: «خل مطوع الكتيبة يقرأ عليه».
وبناء على ما حدثني به المختص في هذا المجال د. عدنان الشطي لا يوجد كتاب خليجي واحد يوثق مشروعاً عن الآثار النفسية للحروب التي شارك ‏بها العسكري الخليجي، سواء إقليمية أو مع قوات القبعات الزرق، ومعظم الكتابات كانت حول ‏الظاهرة لا تتجاوز إبداء الرأي، أو عن مرض حرب الخليج بشكل عام.‏ ‏المهم في الموضوع أن قوات التحالف العربي تخوض في اليمن من الجو والبر والبحر حرباً ‏ضروساً، يتعرض فيها رجالنا منذ أعوام لكافة الضغوط النفسية و‎هول المعارك وضراوتها‎، بل ‏إن المتفجرات فيها أقوى، والألغام أكثر مراوغة، والقناصة أكثر خبثاً، مما يجعل أولادنا يعيشون ‏حالة من الاستنفار لا يمكن أن يزول بمجرد مغادرتهم الجبهة، فكيف يتم تأهيل من عانوا ‏صدمة المعركة من الجنود الخليجيين الذين يهز نفوسهم رد الضربات الصاروخية عابرة ‏الحدود، ويدمي وجدانهم الكوابيس التي يرون فيها رفاق سلاحهم يحترقون في الآليات، أو تنهار ‏عليهم صخور الجبال! وإن تجاوزوا ذلك فكيف يتجاوزون منظر مجاعة الملايين من اليمنيين ‏الذين يحرمهم الحوثي من الإمدادات، أو إصابة مئات الآلاف في أسوأ أزمة للكوليرا.‏

بالعجمي الفصيح
أتمنى أن يكون الطب النفسي العسكري بمستوى التحدي، فحين يصاب جندي خليجي في انفجار قنبلة زرعها الحوثي على جانب الطريق ينظف المسعف الجرح، ويخرجون الشظايا، ثم يضمدونه منعاً للالتهاب؛ لكن من يضمّد جندي التحالف العربي نفسياً من صدمة المعركة الممتدة؟;

الأربعاء، 17 أكتوبر 2018

لا يموت ترامب ولا تفنى الغنم

د.ظافر العجمي 
تظهر مأساة التغلغل البدوي في معاييرنا السياسية عند الحديث عن العلاقات الخليجية الأمريكية ‏في عهد الرئيس ترامب. حيث يتباهى بقدرته على التفاوض وعقد الصفقات، وهو يلوح بالقوة للوصول ‏للنتائج التي يريد. كقوله: نحمي دول الخليج، ومن غيرنا لن يكونوا آمنين، ومع ذلك يواصلون رفع أسعار ‏النفط! حينها يظهر على جبيننا العربي ما امتص بشكل مبالغ فيه من الخصائص البدوية. فنقعقع بالشنان دفاعاً عن الكرامة، بالضرب على قربة جافة مثقوبة كما فعل أجدادنا العرب ونصيح حتى تهج ‏الإبل في وجه العدو.‏

لكن واقع الأمر يؤكد أن ترامب يتحدث كرجل دولة ورئيس القوة العظمى الوحيدة في العالم حتى ‏وإن كان بأسلوب صدامي ومباشر في طرحه. وحتى وإن تنامي التوتر بينه وبين حلفائه الأقرب من ‏الدول الأوروبية بعد تطبيق نهج معاقبة الحلفاء عليهم، رغم أنه نهج لمواجهة الخصوم.‏

لقد خلقت الدبلوماسية لتجاوز خسائر القوة، ونحن في الخليج لم ننتهج دبلوماسية توقف سوء ‏التواصل مع ترامب، رغم أن ذلك يمثل خصماً من رصيد عمل مضنٍ تأسس مع واشنطن منذ ما يقرب من ‏ثلاثة أرباع القرن. فليس صحيحاً أن الولايات المتحدة لا تعرف من هم أصدقاؤها الحقيقيون.‏ فواشنطن لن ‏تجازف بخسارتنا، لأسباب نفطية أو اقتصادية، فلأهمية الخليج جوانب أخرى تعيها حين لم يكن لدينا نفط ‏ولا ثروة مالية. وعلى الخليجيين مراجعة اللغة الدبلوماسية التي نستخدمها مع ترامب واختيار قوالب جديدة يفهمها رجل في السبعين ينام وحيداً ويفكر كتاجر ورجل أعمال وعقار، يدفعه للنهوض من فراشه ‏كل يوم إحساس أنه رئيس أقوى دولة في العالم وهو شعور موازٍ للإحساس الحاد بالكرامة، والحساسية المفرطة تجاه الإهانات والذي يتقمصنا حين التعامل مع مؤثر خارجي.‏

‏نقترح للتعامل مع ترامب نظرية لا يموت الذيب ولا تفنى الغنم، وبأن تبقى السيوف في غمدها للمكاره ‏الكبرى. والسعي لتوطيد العلاقة مع ترامب باستعمال نبرة صوت وألفاظ يفهمها. وترك مساحة تسويق ‏انتخابية له ليتذمر قليلاً، ويُعبر عن رأيه للتنفيس عن مشاعر ناخبيه الداخلية. ثم إظهار تفهمنا لتصرفاته، ومراعاة الفروق بيننا في القيم الديمقراطية والسياسة الأمريكية. مع الثبات على الرأي وعدم ‏التساهل في قضايا السيادة بطريقةٍ يفهم منها عدم قدرتنا على تحمل التقلبات في المعايير.‏

* بالعجمي الفصيح:

المرونة السياسية «‏Compromise‏» وضع بعضاً من أسسها الشاعر الكبير صقر النصافي المولود ‏بالكويت 1878، والملقب بشاعر الجزيرة العربية الأول، حتى وفاته 1948، حيث قال في ترامبية ذلك ‏العصر:‏

إذا بلاك الله بعاقة

من مقاريد الرفاقه

فاحتمل منه الحماقة

حتى ربك يقلعه ‏


* المدير التنفيذي لمجموعة «مراقبة الخليج»

الأربعاء، 3 أكتوبر 2018

هل كل الحروب شر؟


د.ظافر العجمي 
عندما تقول إن الأسلوب الأمثل لتحقيق الأهداف الاستراتيجية الوطنية هو الحرب، يقفز من يتهمك بالموبقات التي اقترفها الجنرال الأمريكي كستر حين قتل الهنود الحمر فحصد الاشمئزاز الشعبي الأمريكي عامة. أو رودولفو غرزياني القائد الإيطالي الذي اغتال عمر المختار. ولأنك أصبحت من الجنس العسكري أو «دعاة الحرب» فقد تحيط بك الذئاب المسالمة، والثوار بلا قضية والمتنقلون من قضية أنقذوا الحيتان، إلى المرددين أغنية البيتلز أعط السلام فرصة «Give Peace a Chance» ليحملوك وزر كل الحروب الظالمة والعادلة. وحين تنطق الجملة الأخيرة يقفز متحذلق: إن كان هناك حرب عادلة أصلاً! وبلا طائلة نوضح أن الأمم تذهب إلى الحرب لسبب من ثلاثة، الشرف أو الخوف أوالمصلحة‏، وأن واقع السياسة الفعلي هو «الحرب»، وأن السلم ما هو إلا لحظة مؤقتة ‏واستثنائية، فإذا لم تكن هناك حرب تقليدية قائمة فهناك حرب هياكل لا متماثلة أو حرب سيبرانية. لسنا بوقاً يبرر الحرب، بل متفكرون في قول الله تعالى «كُتب عليكم القتال وهو كرهٌ لكم وعسى أن تكرهوا شيئاً وهو خير لكم وعسى أن تحبوا شيئاً وهو شر لكم والله يعلم وأنتم لا تعلمون»، «سورة البقرة: الآية 216». بل ونحن منتقدون تقصير مراكز الأبحاث في سوء تقييم الأوضاع السياسية والاقتصادية والاجتماعية قبل وبعد الحروب.‏

ومن حق البعض الاستغراب حين نقارن ما لا يقارن، فعدم الحرب قد يعني الذل وليس السلم، فحرب الاستنزاف مثلاً كانت عادلة لنا، فقد كبدت الصهاينة خسائر أكثر من كل الحروب مادياً ومعنوياً، ونعمت عظامهم لتلقي ضربة أكتوبر1973، وحرب تحرير الكويت 1991 كانت عادلة ليس لأنها أعادت شعباً إلى أرضه فحسب بل قد كفت بقية دول الخليج مشقة إخراج القوات العراقية من كل دول الخليج لو أكمل جيش الظلام مسيره الهمجي في أغسطس 1990. كما أن حروب الشعوب المطحونة قد أسقطت الكثير من الطغاة حول العالم وكانت عادلة كما قال إنجلز «الحرب على القصور والسلام للأكواخ‏». فالحرب في بدايتها تجعل الاقتصاد ديناميكياً، وتطور الصناعات والتكنولوجيا العسكرية، ففي حرب اليمن يتم حالياً تجربة منتجات المصانع العسكرية الخليجية. أما معنوياً فالحرب تصنع تاريخ الشعوب عبر صنع الأبطال والبطولات، فما أتعس شوارع تحمل أسماء الوجهاء ويغيب عنها الشهداء، والحرب تفرض هيبة الدولة وتزيد اعتزاز المواطنين ببلدهم وقادتهم، وتؤجج الوحدة الوطنية، والحرب تزيد من ثقة الشعوب في نفسها، وتفرض ثقافات السلام على ثقافة الحرب ولو على الشعوب المهزومة.

* بالعجمي الفصيح:

الحرب فعل نبيل، إذا كان هدفها نبيلاً، لكن البلادة السياسية قد تدفع للحرب لقصور في العمل السياسي المحكم. ويدفع لاستمرار الحرب من يود البقاء على رأس صناعة القرار، وتجار الحرب، ومن يلهي الناس عن أولوياتها الحقة، والأسوأ هو من يدعي ضبط المعاناة الإنسانية الناتجة عن الحرب فيما هو مغرق في الاستفادة من تضييع فرص السلام.

* المدير التنفيذي لمجموعة مراقبة الخليج

الثلاثاء، 18 سبتمبر 2018

صناعة السلاح الخليجية في حرب اليمن

د.ظافر محمد العجمي 
للحرب صفة مرحلية لإزالة المعوقات التي تعترض سبيل الحياة السلمية، لكن دورات الأيام المثقلة ‏بعبق البارود جعلت صناعة السلاح تروج للحرب بوصفها منتج جديد. وقبل ‏أيام لفت نظري صورة وتعليق عن آلية القتال «نمر» التي صممتها وصنعتها مجموعة بن جبر ‏الإماراتية واقفة شامخة أمام بوابة قوس النصر في مدخل مدينة الحديدة، فهل نقلت حرب اليمن صناعة ‏السلاح الخليجية من الهامش إلى المركز؟

بصورة ملحوظة قفزت الصناعة العسكرية الإماراتية من محط الأنظار إلى رغبات طلب الشراء من دول عدة. فليس من ‏المستغرب إذاً أن نجد في مسرح عمليات اليمن صاروخ «الطارق» وآليات «جيس» المدرعة لمهام الاستطلاع والدوريات، والطائرات دون طيار «يبهون ينايتد 40»، وبندقية القتالية «كاراكال» 5.56 ملم، التي باعتها أيضاً للبحرين، والعراق، والأردن، ‏والجزائر.

أما السعودية الشقيقة التي أولت منذ تسلم الملك سلمان، اهتماماً بالغاً بمسألة توطين الصناعات العسكرية ‏والدفاعية، فلديها الكثير من الأسلحة في مسرح عمليات إعادة الشرعية اليمنية فرؤية السعودية ‏‏»2030» راعت مسألة توطين الصناعات العسكرية بنسبة 50% مقارنة مع 2% من قبل، لذا ‏تدعم قوات التحالف العربي مصانع سعودية للذخيرة ولقذائف المدفعية ومقذوفات ‏الهاون، وكذلك القذائف الثقيلة وقنابل الطائراتMk84 ‏ والتي تتراوح أوزانها بين 500 و2000 رطل، ‏فأغلب الذخائر الخفيفة والمتوسطة في حرب اليمن تصنع في السعودية. بالإضافة إلى مشاركات العربة المدرعة ‏الشبل 1 والشبل 2 ومدرعة طويق. وأنظمة الاتصالات العسكرية. بل وحتى الطائرات بدون ‏طيار «الرينبو» المصنعة بالمملكة.‏

إن وجود السلاح المصنع خليجياً في حرب اليمن يتجاوز أن يكون عنواناً مشبعاً بالرمزية والإيحاء، فدول ‏الخليج جهزت نفسها جزئياً وكلياً في بعض الجوانب من صنع يديها، يدفعها لذلك أمور منها:‏

- إن السلاح الخليجي تطلبه دول عدة في المعارض التي تقام سنوياً ‏وتلك تزكية دولية له.

- إن غياب المشتري لا يعني كساد المنتج، فحرب إعادة الشرعية خير زبون.

- لقد هيأت حرب اليمن تجربة السلاح الخليجي في الظروف التي صنع من أجلها «Battle-tested».

- تلكؤ الإدارة الأمريكية والقيود الأوروبية الجائرة على بيع الأسلحة خير دافع لاستخدام ما نصنع.

‏- إن كبرى شركات التصنيع العسكري في العالم في حل من قوانين إرسال الأسلحة لدول التحالف العربي طالما كانت الصناعة تتم في دول الخليج.‏

- صارت دول الخليج مركز هياكل عسكرية كثيرة كالتحالف الإسلامي، وتمرين رعد الشمال، وقوات درع ‏الجزيرة وأخيراً تحالف الشرق الأوسط الاستراتيجي»‏MESA‏»، فالحاجة مستقبلاً كبيرة للسلاح الخليجي.

* بالعجمي الفصيح:

إن القراءات المجتزأة التي تشوش على المتابع صورة جهد دول الخليج في اليمن، تغيب جوانب إيجابية كثيرة ابسطها وجود السلاح المصنع خليجيا في يد رجالنا لإعادة الشرعية.

* المدير التنفيذي لمجموعة مراقبة الخليج

الأربعاء، 12 سبتمبر 2018

البصرة مدينة الانتفاضات

د.ظافر العجمي
      
قبل أن يموت في المستشفى الأميري في الكويت «1964»، كتب بدر شاكر السياب رائعته «غريب على الخليج» فقال: جلس الغريب، يسرّح البصر المحيّر في الخليج.. إلى أن يقول.. صوت تفجّر في قرارة نفسي الثكلى: عراق.. ثم يتفجر السياب مجدداً: الريح تصرخ بي عراق. والموج يعول بي عراق، عراق، ليس سوى عراق. لكن «شاعر المطر» يموت ولا يعود للبصرة التي ولد فيها. لكن البصرة الوفية بنت له تمًثالا «1971»، على شط العرب، فيطاله العبث الأيديولوجي والطائفي كغيره من رموز البصرة، وحين رمم مؤخراً، وبدل إحاطته بسور من الزهورأاحيط بسياج حديدي وكأن السياب سجين وهو تمثال.

وقبل أن ترفع الحياة الكلفة مع أهل البصرة، وقبل أن يصل الطغاة إلى سدة الحكم في العراق، كانت البصرة منتجعاً فخماً للخليجيين ولها ارتباط وثيق بهم. لذا لم نتقبل أن تقفز البصرة إلى أعلى قائمة الأخبار مؤخراً فقط بعد حرق القنصلية الإيرانية، وكأن القنصلية هي أهم ما في البصرة. فبروز خبر حرق القنصلية لا يظهر تغلل إيران بالعراق فحسب، بل أظهر كيف ضاق «الزلم» العراقيين ذرعاً بالشادور الإيراني الذي ألبسوهم إياها فلا هم يرون النور ولا هم يظهرون كرجال قادرين على صناعة مستقبلهم. إن ما يحدث مؤشر لرفض العراقيين للخضوع التام للفساد القادم من الشرق والذي نفذه رجال المنطقة الخضراء عبر مشاريع التنمية التي لا وجود لها على الأرض. فالعراق العظيم ليس هشاً ضعيفاً ليسودها رعاع الطائفية. فللبصرة أمجادها التي ستستقي منها الصمود كصمودها في الحرب مع إيران والثورة الشعبانية، ووقفوهم في وجه صولة الفرسان الأمريكية - المالكية.

إن من المحزن أن يتساقط القتلى بنيران الأجهزة الأمنية وتدمر المدينة وتقطع الطرق ويموت الأبرياء. فالساسة لاهون في المنافسة على تولي رئاسة الوزراء. بل إن الأشد إيلاماً هو غياب السيد آية الله السيستاني، إلا من دعوة ألقيت بالنيابة عنه في خطبة الجمعة تدعو إلى «إصلاح الوضع السياسي في بغداد ووقف العنف بحق المتظاهرين السلميين» في مدينة البصرة. ففي البصرة مدينة الانتفاضات ظهرت المرجعية في حماس أقل من حماسها حين أفتت بتشكيل الحشد الشعبي، فهل يكون مصير مدينة الانتفاضات كمصيرها المظلم بعد كل انتفاضاتها الماضية!!

نحن في الكويت والخليج أولى بالاهتمام بما يجري في البصرة، فهي بوابة مآسينا، منها لعلع غازي، وحشد قاسم، وغزانا صدام. لذا يجب أن تكون البصرة سداً أمام جنون العراق لا ثغرة يتسرب منها. فخراب البصرة هو خراب للخليج كله فهي الجسر البري بين حضارتين متحديتين لبعضهما.

* بالعجمي الفصيح:

حتى لا يكون مصير مدينة الانتفاضات كمصيرها المظلم بعد كل انتفاضاتها الماضية، علينا أن نساعد في إطفاء حرائق البصرة وكأنها دولة خليجية وأن نطالب بقمة عربية ومبادرة عربية لاستقرار البصرة المطلة على الخليج وعلينا.

* المدير التنفيذي لمجموعة مراقبة الخليج

Gulf seurity أمن الخليج العربي

Kuwait
تبين هذه المدونة كيف تمتع الخليج بأهمية كبيرة أدت إلى خلق عبء استراتيجي على أهله بصورة ظهرت فيها الجغرافيا وهي تثقل كاهل التاريخ وهي مدونة لاستشراف مستقبل الأمن في الخليج العربي The strategic importance of the Gulf region creates a strategic burden and show a good example of Geography as burden on history. This blog well examine this and forecast the Gulf's near future and events in its Iraq, Iran ,Saudi Arabia ,Kuwait, Bahrain ,Qatar, United Arab Emirates and Oman

أرشيف المدونة الإلكترونية