Gulf security أمن الخليج العربي

السبت، 23 يوليو، 2016

التعاون الأمني والعسكري الخليجي ـ الإفريقي




المدير التنفيذي لمجموعة مراقبة الخليج


في مناورات تاريخية لامتصاص صدمة المتغيرات الإقليمية والدولية،طفقت دول الخليج تقيم شراكات استراتيجية شرقًا وغربًا. ومن بينها محاولات تعزيز التعاون والشراكة بين الخليج والدول الإفريقية جنوب الصحراء كخيار استراتيجي. فإفريقيا مسرح مناسب لتنافس كثير من القوى الإقليمية والدولية الصاعدة؛لموقعها الهام وتوسطها الممرات الملاحية بين القارات الخمس،ولأنّ عبقرية المكان ستتضاعف في القرن الحادي والعشرين،مما جعلها مهمة لدول الخليج ليس لكون الأمن العالمي مترابط، فحسب، بل لكون دول جنوب الصحراء تعاني من ضعف في الموارد المالية جعلها غير قادرة على السيطرة على قرارها وعلى حدودها. فمن أشكال التنافس على دول جنوب الصحراء الاستنزاف المغلف بمحاربة الإرهاب والقرصنة كدخول الولايات المتحدة وفرنسا والصين والهند وإسرائيل وإيران وتركيا[1]. وفي الأسطر القادمة سوف نحاول تتبع إمكانية تفعيل التعاون الأمني والعسكري بين دول الخليج والدول الإفريقية جنوب الصحراء بالتعرف على التحديات التي تواجهها الدول الإفريقية وارتباط هذه التحديات بأمن الخليج،كما سنحاول بحث المقاربات الخليجية لتعاون ناجح مع هذه الدول.
تحديات تمس الخليج في دول جنوب الصحراء

للطابع الشمولي لتأثيرات العولمة،تداخلت المنظومة المصطلحية الخليجية رغم تعدد صورها،مع مصالح الدول الإفريقية جنوب الصحراء الكبرى. وتضمن ذلك الانغماس المشترك في الصراعات والنزاعات الإقليمية لكن أشدها وضوحًا هو التعامل مع الإرهاب بوصفه تهديدًا عابرًا للحدود ثم التحدي الإيراني لدول الخليج منطلقًا من إفريقيا بكافة صوره.
-الإرهاب ومثلث الرجال والسلاح والمال

دفعت الخيارات الصعبة جراء الظلم وغياب العدل والديمقراطية وتفشي البطالة،الشباب الإفريقي إلى الانضمام للجماعات الجهادية كبديل لقوارب الموت والهجرة غير الشرعية إلى أوروبا،وشكَّلت منطقتا الساحل والقرن الإفريقي فضاء للإعداد والتدريب والتزود للإرهاب، كما كانتا المكان المناسب للإنبات والإعداد لهجمات مسلَّحة في القارَّة وخارجها، ولاحقًا أتاح الربيع العربي إمكانيات وفيرة للتمكين والإعداد للتنظيمات اللإرهابية أما السلاح، فقد أدى سقوط نظام القذافي وانهيار المؤسسات الأمنية في ليبيا إلى تحويل هذا  إلى مستودع أسلحة للإرهاب يضم السلاح الفردي والصواريخ المضادة للدروع وللطائرات. وفي غياب استراتيجية لمواجهة تنظيمات الإرهاب في دول جنوب الصحراء أسهم التمويل الذاتي الوافر لتمدد الإرهاب عبر عمليات خطف وطلب الفدية مقابل إطلاق سراح الرهائن وتوفير الحماية لعمليات تهريب السلع والمخدرات والأسلحة. ويتواجد تنظيم القاعدة في 6 دول إفريقية هي الجزائر مالي النيجر موريتانيا ليبيا والصومال[2]. وحتى ظهور تنظيم الدولة "داعش "في إفريقيا عبر البوابة الليبية عام 2014م، كان يتبع لتنظيم القاعدة جماعات جهادية عدة كتنظيم "جماعة أهل السنَّة للدعوة والجهاد" في نيجيريا، المعروف باسم "بوكو حرام". والقاعدة ببلاد المغرب الإسلامي. وأنصار الشريعة في ليبيا وتونس، وشباب المجاهدين في الصومال، جماعة "المرابطون" بشمال مالي وجنوب ليبيا. والعلاقة شائكة بين تنظيم القاعدة وبين تنظيم الدولة وهي علاقة يلفها الكثير من الغموض مثل تحول "بوكو حرام" لمبايعة تنظيم الدولة الإسلامية وقبول داعش البيعة في 12 مارس 2015م، وكانت تتبع القاعدة وأقامت سمعتها الدموية على دعم القاعدة حيث قتلت أكثر من 20 ألف شخص وأجبرت أكثر من 2,6 مليون آخرين على الفرار[3]. ويوجد تنظيم داعش في أكثر من 10 بلدان إفريقية، فالتنظيم في 7 دول إفريقية على شكل مجموعات مسلحة في مصر، ليبيا، الجزائر، تونس، نيجيريا، مالي، والنيجر، بينما يوجد في شكل خلايا نائمة لا تقل عن 3 وهي المغرب وموريتانيا والسودان. فهناك داعش في نيجيريا ويمثِّله تنظيم بوكو حرام. وهناك داعش في مالي عبر تنظيم "الملثمون" المنشق عن تنظيم "المرابطون" التابع للقاعدة. و داعش في الصومال وهم الشباب المجاهدون التي نفذت العديد من العمليات المسلحة في كينيا. وهناك داعش في السودان في إقليم دارفور. كما أن هناك جيش تحرير أوغندا المسلم وقد بايع "داعش" في خريف 2015م.كما أن هناك جماعات داعشية صغيرة ومنتشرة بجنوب إفريقيا وموريتانيا وبوركينا فاسو[4].
-إيران ونوافذ إفريقيا على جزيرة العرب

متدثرة بمبادئ الإمام الخميني لنجدة قارة المستضعفين، تسربت إيران بصمت في مفاصل إفريقية عدة، ثم شرعت لها نوافذ مطلة على الجزيرة العربية مدخلة منها السلاح للحوثيين والتدخل في شؤون صنعاء والرياض وشكلت تهديدًا جادًا للأمن القومي لدول مجلس التعاون الخليجي. فالاختراقات التي حققتها إيران في إفريقيا شكلت مشروعًا واستراتيجية عبر محاور سياسية واقتصادية وأمنية وثقافية واضحة.
- نجاح إسرائيل في إفريقيا وإبعادها عن الصراع العربي الإسرائيلي، أغرى إيران لتكون قاعدة إفريقيا خلفية لسياستها وحساباتها الإقليمية والدولية. فبدت إفريقيا حاضرة وبقوة في الاستراتيجية الإيرانية ففي المحور السياسي وعبر أكثر من ثلاثين سفارة، تمكنت طهران من الحصول على عضو مراقب في الاتحادالإفريقي. وقد ساهم تواجد جالية لبنانية كبيرة تتبعها طائفيا من تسهيل تغلغلها في بلدان إفريقية عدة، فحظيت من دول غرب إفريقيا بدعم في المحافل الدولية وصل تأييد حقها في امتلاك برنامج نووي سلمي.
 - وفي المجال الاقتصادي بلغ عدد البعثات ومكاتب التمثيل التجاري الإيراني حوالي 26 بعثة ومكتب. فحققت في أفريقيا مكاسب اقتصادية ضخمة، فأصبحت المصدر الأول للنفط لجنوب إفريقيا، ووقعت مع أوغندا العديد من الاتفاقيات التجارية، وأقامت علاقات قوية مع السنغال، كما عرضت على كينيا المساعدة في إقامة مشروعات للطاقة، وهو الباب الذي استخدمته بتوسع كبناء مشاريع البنية التحتية للطاقة، ومصافي النفط، ومحطات توليد الكهرباء، بل وتكنولوجيا الاستخدام السلمي للطاقة النووية. يسند ذلك التوسع خط جوي منتظم لمعظم إفريقيا ،علاوةً على تأسيس خطوط بحرية منها (ممباسا- بندر عباس) يسنده توقيع مذكرة تفاهم حول سبل تعزيز التعاون الإيراني الكيني.
-أعطت إيران أهمية قصوى للحضور البحري الأمني على البحر الأحمر، وأهم مكان لتواجدها هو ميناء عصب اللإريتري، كما كان لها وجود في جمهورية جزر القمر وجيبوتي. ويرجع اهتمامها بالتواجد العسكري في دول جنوب الصحراء لأسباب عدة منها:
- يمكّنها تواجدها بالقرن الإفريقي بالتواصل مع الحوثة في اليمن ودعمهم بالأسلحة، وما يترتب عليه من ضغط على دول مجلس التعاون الخليجي وبشكل خاص المملكة العربية السعودية.
- يتيح تواجدها فرصة المساومة مع القوى المنافسة كالولايات المتحدة وإسرائيل. كما يعطيها نقطة ارتكاز تمكنها من القيام بمهام قتالية ضد القوى الغربية، ولعل سعي إيران لتطوير علاقاتها مع كينيا وتنزانيا وجزر القمر يؤكد هذا المنحى الاستراتيجي في الاختراق الإيراني لإفريقيا.
 - كشف تقرير لمركز بحوث تسليح الصراع عن أنه من بين 14 حالة كشف فيها عن وجود أسلحة إيرانية، هناك فقط 4 حالات كانت مع الحكومات والعشر الباقية مع جماعات غير نظامية، قد دعمت الانفصاليين في السنغال، ومتمردي ساحل العاج، وغامبيا، وحركة الزكزاكي في نيجيريا[5].
-التعاون بالقوة الناعمة اللإيرانية يظهر في إفريقيا بأشكال عدة، فقد عززت وجودها بشرق إفريقيا بإنشاء فرع لرابطة الثقافة والعلاقات الإسلامية الإيرانية، ودعمت إنشاء عدد من المدارس والمساجد والمستوصفات الصحية بعدد من المدن بشرق إفريقيا، وتقوم برعاية الأُسر الفقيرة، وتأسيس جمعيات خيرية، وتعطي منحاً للطلاب للدراسة في إيران. ولكون الغالبية العظمى من المسلمين السنة في دول إفريقيا جنوب الصحراء، تتبع المنهج الصوفي الذي يكره التطرف، فقد تشكلت موجة تحول بين الأفارقة من سنة إلى شيعة. وأشار تقرير إلى أن عدد المتحولين للمذهب الشيعي، في نيجيريا وهي الأكبر من حيث عدد السكان بلغ 12% من سكانها المسلمين، البالغ عددهم 90 مليونًا، وكانت نسبتهم صفر تقريبًا في عام 1980م. وتبلغ نسبة الشيعة في تشاد 21%، من إجمالي عدد المسلمين، و20% في تنزانيا، و8% في غانا [6]
 الشراكات الخليجية مع دول جنوب الصحراء

في الأدبيات السياسية العربية اعتبر ولوقت طويل أن صغر المساحة وقلة عدد السكان للدولة ملاذًا آمنًا للانكفاء على نفسها، وتجنب تضحيات أن تكون مؤثرة في محيطها الإقليمي . لكن دول الخليج قلبت تلك المعادلة وصارت صوتًا مسموعًا ليس في الشرق الأوسط فحسب بل وفي الجوار الآسيوي والإفريقي. ولدول مجلس التعاون الخليجي 30 بعثة دبلوماسية أو قنصلية بالدول الإفريقية جنوب الصحراء، فيما لا يوجد أي تمثيل دبلوماسي لدول مجلس التعاون في 26 دولة إفريقية[7]. ربما لكون دول الخليج تسعى إلى إيجاد علاقات مع عواصم أكثر استقراراً لتضييق الخناق على التمدد الإيراني.
- فبهدف إحداث توازن استراتيجي في المنطقة ضد إيران تحركت السعودية نحو إريتريا، وتوصلت معها إلى اتفاق تعاون عسكري وأمني واقتصادي لمحاربة الإرهاب والتجارة غير المشروعة والقرصنة في مياه البحر الأحمر، وعدم السماح لأي تدخلات أجنبية في الشأن اليمني. وفي الوقت نفسه نجحت الرياض بتعزيز العلاقات مع اثيوبيا وتطويرها. كما شكّلت عمليات "عاصفة الحزم" نقطة تحول في العلاقة بين دول الخليج والخرطوم، فبعد أن كانت موانئ الخرطوم مفتوحة على مصراعيها للسفن الإيرانية، شاركت السودان رسمياً مع التحالف العربي في حرب اليمن ضد حلفاء طهران من الحوثة. كما قدم صندوق التنمية السعودية، خلال عام 2014،13 م، قرضًا ميسَّرًا إلى الدول الإفريقية من إجمالي 20 قرضًا قدمها خلال ذلك العام.[8]كما سعت السعودية إلى بناء قاعدة عسكرية في جيبوتي، المطلة على مضيق باب المندب، ومنحتها 5 زوارق بحرية سريعة ومتطورة، فساهمت جيبوتي بنجاح في تحرير جزيرة ميون اليمنية من سيطرة الحوثة، فاستعادوا السيطرة على مضيق باب المندب، واستلمته قوات الجيش الوطني اليمني الذي وصل هناك عبر جيبوتي.
- نشطت دولة قطر بالقوة الناعمة وحققت نجاحات كبيرة في دول جنوب الصحراء، فكان لها دور سياسي ركزت من خلاله على التوسط لحل النزاعات وإقامة الشراكات، أبرزها الوساطة بين الحكومة السودانية وحركة العدل والمساواة في دارفور 2013م، كما توسطت بين إريتريا وجيبوتي في عام 2010م. والصومال وإثيوبيا، وقضية الصحراء الغربية. أما الدور التنموي فتعد دولة قطر إحدى أكبر الدول الداعمة مالياً لمؤتمرات المانحين في أفريقيا، فساهمت في تشكيل الأساس لتعاون خليجي إفريقي. كما حدث في النيجر والصومال. كما أن هناك مد إعلامي تمثل في قيام قناة الجزيرة بتغطية مناطق جنوب وشرق إفريقيا وكسر احتكار إذاعة "بي بي سي" لتلك المنطقة، بالإضافة إلى دورها الإغاثي في القارة من خلال الهلال الأحمر القطري وجمعيات ومنظمات أهلية وخيرية، لبناء المساجد، ودعم المدارس الإسلامية، والمراكز الصحية بمواقع الصراعات المسلحة الخطرة [9]. ومن جهة أخرى ساهمت القوات المسلحة القطرية بلعب دور بارز بالإسهام في قوات حفظ السلام التي شكلتها الأمم المتحدة في العديد من مناطق العالم، فكانت في ليبيا ثم تواجدت قوة الواجب القطرية لمراقبة الحدود الجيبوتية الإريترية لحين توصل البلدين لاتفاق سلام نهائي حدودي. 
-  أشادت مصادر أممية بالمؤسسات الإماراتية الإنسانية العاملة في مجال الإغاثة في القرن الإفريقي. كما نجحت استثمارات تجارية إماراتية عدة في دول جنوب الصحراء. ولم تفشل دولة الإمارات العربية المتحدة في ترجمة المبلغ الضخم الذي بموجبه أصبحت ثالث أكبر مستورد للأسلحة في العالم في 2009م.بل أصبحت قوة عسكرية فعالة مقارنة بالقوى العسكرية الأخرى بجوارها الإقليمي، حيث حققت معادلة جيش صغير وفعال، وسجلت العسكرية الإماراتية أكبر حضور عربي في ساحات القتال الاقليمية والدولية خلال العقدين الماضيين[10]. وفي 1993م، شاركت في عملية إعادة الأمل بالصومال. وشاركت مع قطر وحلف شمال الأطلسي في إسقاط الطاغية معمر القذافي 2011م، كما دعمت 'عملية القط المتوحش' في مالي 2013م.
- وتستند الكويت في تواجدها في دول جنوب الصحراء على إرث تاريخي حمله الصندوق الكويتي للتنمية الاقتصادية العربية، وجدده رجل بقامة إنسانية عالية هو الدكتور عبد الرحمن السميط عبر منظمة العون المباشر. ففي أقل من 30 عامًا، قامت هذه المنظمة ببناء أكثر من 800 مدرسة، و200 عيادة طبية، وأكثر من 200 مركز لتدريب النساء. كما حفرت الآلاف من آبار المياه، وساعدت ببناء العديد من المشاريع الزراعية والري ووزعت آلاف الأطنان من المواد الغذائية والإمدادات الطبية في المناطق المنكوبة. أما في المجال العسكري فشاركت القوة البرية الكويتية عام 1992م، في قوة حفظ السلام في الصومال.
المسارات الخليجية المطلوبة

- المسارات الأمنية الخشنة

في التقرير الصادر عن موقع "جلوبال فاير باور 2015" المتخصص في تنظيم القوة العسكرية للدول لأقوى جيوش العالم، جاء ترتيب دول جنوب الصحراء الإفريقية بجيش دولة جنوب إفريقيا كأكثرها تأهيلًا ،ثم الجيش النيجيري، والجيش الإثيوبي، وجيش دولة كينيا، وجيش أنجولا، وجيش النيجر، وجيش أوغندا، و جيش تشاد، وجيش زيمبابوي، وجيش ساحل العاج، و جيش جمهورية الكونغو الديمقراطية، وجيش غانا، وجيش جمهورية إفريقيا الوسطي، وجيش ناميبيا، وجيش مدغشقر، وجيش جمهورية الكونغو، وجيش الجابون، وجيش الكاميرون، وجيش تنزانيا، وجيش جنوب السودان ، وجيش زامبيا، وجيش مالي، وجيش موزمبيق. وما يقلق أن التحديات التي تواجه دول الخليج وتحديدًا الإرهاب، والتغلغل الإيراني نجدها في أقوىهذه الدول وأضعفها على حد سواء، كنيجيريا في رأس القائمة ومالي في أسفلها.
 -المقاربة الأمنية الخليجية عبر الهياكل الأممية: كالقوات الأممية ممثّلة في بعثة الأمم المتحدة المتكاملة لتحقيق الاستقرار في إفريقيا الوسطى "مينوسكا"، والتي تشكّلت مطلع 2014م، وقوامها أكثر من 10 آلاف رجل، لمراقبة حدود إفريقيا الوسطى مع الكاميرون وتشاد[11]. 
-المقاربة الأمنية الخليجية عبر الهياكل الغربية: حيث ظلت الاستراتيجية المتبعة من قبل دول الغرب تنصبُّ على المقاربة الأمنية، وبشكل خاص من قبل فرنسا والولايات المتحدة كالتالي:
- حددت المصالح الفرنسية السياسة التي قامت بتنفيذها فرنسا في القارة الإفريقية، في مجالات ثلاثة هي المصالح الاقتصادية، والمصالح الاستراتيجية بالسيطرة على المواقع الهامة، فوصلت قواعدها العسكرية بالستينيات لـ 100 قاعدة عسكرية، وكانت أكبرها جيبوتي وداكار في السنغال، وليبرفيل في الجابون ونجامينا في تشاد، وقاعدة يوريون في ساحل العاج، وتتمركز فيها قوات للمشاة والبحرية وقوات جوية. وقد شاركت دول الخليج في عمليات القوات الفرنسية في عملية القط المتوحش" المسماة عملية سيرفال" 2013م، ونجحت في استعادة معظم شمال ووسط مالي من الجماعات المسلحة. ثم عملية "سانغاريس" 2013. لتتسلّم الواجب بعدها عملية" برخان" لمطاردة المجموعات الإرهابية الناشطة في الساحل الإفريقي 2014. وهي عمليات ناجحة يمكن المشاركة فيها لولا محاذير منها بعض التعاطف هناك جراء الادعاء أن القاعدة وبوكوحرام حركة تحرر من الهيمنة التاريخيةالفرنسية[12].
- الركائز الأربع للاستراتيجية الأميركية تجاه البلدان الإفريقية جنوب الصحراء الكبرى كما قال الرئيس أوباما هي: لتقوية المؤسسات الديمقراطية، ولتحفيز النمو الاقتصادي، والتجارة، والاستثمار، ثم لدفع السلام والأمن قُدمًا، و أخيرًا تعزيز الفرص والتنمية،بالعمل مع الأمم المتحدة وغيرها من الجهات الفاعلة[13].وفي أعقاب هجمات 11 سبتمبر دشَّنت الولايات المتحدة ما سُمِّي بشراكة مكافحة الإرهاب عبر الصحراء واستهدفت مساعدة حكومات موريتانيا، ومالي، وتشاد، وبوركينا فاسو، والنيجر، ونيجيريا، والسنغال والاستعانة بالاتحاد الإفريقي كمنظمة إقليمية. وفي 2008م، أقامت واشنطن "أفريكوم" كقيادة عسكرية موحَّدة للقارة، ونقلت إليها مسؤوليات مبادرة مكافحة الإرهاب. ثم خلال 2011 -2012م، وضعت أمريكا اعتمادات بلغت 95 مليون دولار لفائدة مبادرة التعاون الأمني مع دول غرب إفريقيا. ومن المرجح أن تكون واشنطن أنشأت خلال السنوات الأخيرة ما لا يقل عن 12 قاعدة عسكرية "سرية" صغيرة في العديد من البلدان الإفريقية، بدليل أن الأمريكان نفّذوا ما بين 10 إلى 14 غارة بطائرات دون طيار، وما بين 8 إلى 11 عملية سرية في الصومال منذ عام 2011م [14].والمساندة الخليجية يمكن أن تتم على أشكال عدة أهما:
-مساندة ميدانية مباشرة: من خلال قوات واجب خليجية بعضها سبق له التمركز على الأرض في المناطق المعنية أو في محيطها، والأخرى تضطلع بمهام الرصد والدعم اللوجستي للقوات الإفريقية نفسها، فسلاح النقل الجوي الخليجي فاعل ومتطور وله خبرة كبيرة في إفريقيا نتيجة عمليات الإغاثة.
- المساندة الاستخبارية: فالدول الخليجية عانت من العمليات الإرهابية، ولديها قاعدة بيانات كبيرة عن الإرهابيين، وقد واكتسبت خبرة في تتبعهم، ولها نجاحات مشهودة بالتبادل المعلوماتي، والتي أعاقت عمليات إرهابية عدة خارج حدودها.
-المسار التنموي والتوغل الثقافي

يجزم البعض بالدور الإيجابي لـ "التحالف الإسلامي العسكري"، بقيادة الرياض، في التصدّي للإرهاب في القارة الإفريقية، إلاّ أنّ هناك من يرى أنّ هذا الإئتلاف الذي يضم 34 دولة، سيواجه ذات "العقبة المحورية" التي طرحت على "القوة الإفريقية المشتركة" للتصدّي لـ "بوكو حرام" في حوض بحيرة تشاد. وهي "التعثّر وغياب التنسيق[15].  وعليه يمكن إلحاق الهزيمة بالإرهاب ليس بالحل العسكري، بل عبر تحرك تنموي بهدف اجتثاث الأسباب التي أوجدته، وتوفير فرص عمل للشباب الإفريقي، بالضبط كما نجحت الرياض فيسبعينيات القرن الماضي من انتشال اندونيسيا من السقوط في براثن الشيوعية بتوفير فرص عمل لشبابها.
ولكون إفريقيا مرتكز للتحولات الكبرى ، يمكن مساعدة شعوبها باليقظة الإسلامية الشعبية بإرسال رجال الدين المسلمين من إفريقيا والخليج، ومن خارجها بطريقة تطوّعية لمعاضدة جهود الجيوش النظامية، وشرح الإسلام الحقيقي، فعدم الاهتمام بالعلاقات الثقافية، والاقتصار على الجوانب الاستثمارية غير مبرر، كما أن القنوات الثقافية للجانب العربي ستكون أكثر تأثيرًا أمام التوغل الإيراني الطائفي، فالعلاقة الثقافيةوالتنموية بين الدول العربية وإفريقيا عميقة الجذور، وهي أكثر ديمومة من التواصل العسكري، فكما ان الدولالعُظمى لا تحتضر على الفراش بل تحتضر في أماكن قوتها ، فالدول الصاعدة الطموحة قد تضيع في أدغال إفريقيا.

[1]. ريم سليم . توليد الفرص ومجابهة التحديات: نحو شراكة اقتصادية إفريقية شرق أوسطية . المركز الإقليمي للدراسات الاستراتيجية.القاهرة.17 مايو 2016 م http://tinyurl.com/ht7ssj3
[2]. الحسين الشيخ العلوي . صراع النفوذ بين القاعدة وتنظيم الدولة في إفريقيا . مركز الجزيرة للدراسات. 1 فبراير, 2016http://studies.aljazeera.net/ar/reports/2016/02/2016217925474124.html
[3]. قمة أبوجا تدعو إلى بذل جهد أكبر لهزيمة « بوكو حرام ».صحيفة الخليج الإماراتية. 16 مايو2016م
http://www.alkhaleej.ae/alkhaleej/page/0ea349fb-c9ae-4b09-9711-90514bd3d04d
[4]. صراع النفوذ بين القاعدة وتنظيم الدولة في إفريقيا . مركز الروابط للبحوث.2 فبراير,2016 
http://rawabetcenter.com/archives/19800
[5]. - إيران في إفريقيا اختراقات وإخفاقات , .موقع البرهان .2 مايو 2016م http://alburhan.com/Article/index/8325
[6]. مسلم عباس . الشيعة وسبل اقتناص الفرصة المناسبة . موقع النبأ .15 مايو2016م http://annabaa.org/arabic/rights/6361
 [7]. محمد صادق أمين . إفريقيا والأمن الاستراتيجي الخليجي.. من الإهمال إلى عاصفة الحزم . الخليج اون لاين .9 نوفمبر 2015م
http://klj.onl/Z1tJyAP
[8]. ريم سليم . توليد الفرص ومجابهة التحديات : نحو شراكة اقتصادية إفريقية شرق أوسطية . المركز الاقليمي للدراسات الاستراتيجية.القاهرة.17 مايو2016م. http://tinyurl.com/ht7ssj3
[9]. محمد صادق أمين .الدبلوماسية القطرية في إفريقيا.. نضج خليجي سابق الزمن.29الخليج أون لاين . نوفمبر 2015م
http://klj.onl/1WuVbP
[10]ظافر العجمي .مالي وثقافة التدخل الخليجي المسلح في القضايا الاقليمية والدولية. جريدة الان.23 يناير 2013م
 http://www.alaan.cc/pagedetails.asp?nid=131436&cid=46#.V1MTH_l96M8
[11]. أفريقيا.. من يواجه "بوكو حرام "؟وكالة الأناضول.17 مارس  2016
http://tinyurl.com/hynlpln
[12]. رسائل هجوم أبيدجان: إفريقيا مجال للقاعدة وداعش تتفكك لصالحها. موقع العرب . 18 مارس 2016م
http://www.alarab.co.uk/m/?id=75666
[13]. باراك أوباما . الاستراتيجية الأميركية تجاه البلدان الأفريقية جنوب الصحراء الكبرى. خطاب 14  يونيو، 2012م
http://iipdigital.usembassy.gov/st/arabic/texttrans/2012/06/201206187611.html#ixzz4A4D0i3RP
[14]. القواعد العسكرية الأميركية السرية تجتاح إفريقيا . ميدل ايست أونلاين.30 اكتوبر2015م
http://www.middle-east-online.com/?id=210395

[15]. محمد عبد لاوي. الحرب على الإرهاب بأفريقيا.. "التحالف الإسلامي العسكري" في مواجهة معضلة التنسيق.وكالة الأناضول  18 ديسمبر 2015م http://tinyurl.com/z4xqbv9

أسباب الانقلابات العسكرية



د. ظافر محمد العجمي
 
ما إن نطوي في عالمنا الثالث صفحة انقلاب عسكري، حتى يفتح الانقلابيون صفحة جديدة،بعكس الغرب الذي لم تطو صفحة الانقلابات فيه يد النسيان بل مزقتها أرباً.
حيث نرى أن من أسباب الانقلابات العسكرية ما يلي:
- تحرض ثقافة الفروسية والفتوحات وتمجيد الجنس العسكري في التاريخ العربي و الإسلامي إلى تكرار الانقلابات. فالأمة عطشى حتى تحصل على قائد يشفي غليل تاريخها المفجوع بالانتكاسات العسكرية.
- يرى العسكر في الدول النامية أحقيتهم في إدارة الأمور، لكونهم الأكثر تأهيلاً فنياً، وتعليماً،وتنظيماً.فليس فيهم استراتيجيين ومفاوضين فحسب،بل ومهندسين وأطباء.
-يرى العسكر أنهم الأكثر وطنية،بل إن الوحدة الوطنية هي الهيكل الذي يتحركون ضمنه يومياً. والوطن هو محور عملهم، وهم من يبذلون حياتهم للوطن.وهم الأمهر في إدارة البلد بالتنظيم والانضباط الذي يمارسونه.
-كما إن فساد الساسة يدفع بالعسكر للميل للاستيلاء على الجزء الأكبر من العائدات الوطنية باسم التنمية، التي فشل الساسة في تحقيق برمجها، مما يجعل تقليص نفوذ الطبقات السياسية التقليدية،الطريق الوحيد لإقامة اقتصاد وطني.
- يفرض عدم كفاءة الساسة حتمية التدخل العسكري، وخير مثال على عدم كفاءة الساسة تخبط حكومة المنطقة الخضراء،التي فشل جيشها في منع داعش من دخول الموصل، ثم فشله في إخراجهم من الفلوجة دون كفاءة قاسم سليماني. لعدم اختيار الرجال على أسس المهنية والكفاءة والقدرة القيادية لا الدوافع الفئوية.
-يعد الانقلاب ناجحاً متى تمكن الانقلابيون من فرض سيطرة تامة على الشارع فقط، ومن مغريات الانقلاب سعة نطاق المبادرة لمن يتولون قيادة قطاعات من وحدات المناورة، كما حدث ليلة 16 يوليو بتركيا فقد وصف رئيس وزراء تركيا بن علي يلدريم ما يحدث بــ»تحركاً عسكريا دون تسلسل قيادة» يوحي بأن هناك محاولة انقلاب عسكري في البلاد.
-وكما يصدر الساسة فشلهم الداخلي لصراعات خارجية، يؤدي ضعف روح الاحتراف بين فئة من الضباط جراء فقر التأهيل العسكري، لتحميل الساسة فشلهم في الجبهات الخارجية. وبطفولية عسكرية تفتقد الحس الاستراتيجي يقفزون للسلطة كحل لتعديل أوضاع فشل فيها الساسة وهم أهلها.
بالعجمي الفصيح
لا يمكننا القول إن محاولة الانقلاب التركي الأخير مفاجئة جداً، و تخلو حتى من التمهيد؛ فتنامي عسكرة الحياة في تركيا جراء الأدوار التي يفرضها جوارها الإقليمي، وانخفاض البصمة الديمقراطية فيها، يجعلنا قادرين على القول براحة ضمير إن تركيا جزء من عالم فيه أسباب الانقلابات كامنة في كل ثكنة.

الثلاثاء، 19 يوليو، 2016

د. ظافر العجمي بعد أحداث تركيا: ما أكثر هشاشة الخليج استراتيجيا


د. ظافر العجمي بعد أحداث تركيا: ما أكثر هشاشة الخليج استراتيجيا


الخليج العربي- متابعات:
قال د. ظافر العجمي المدير التنفيذي لمجموعة مراقبة الخليج التي يقع مقرها في الكويت، ما أكثر هشاشة الخليج استراتيجيا؛ كيف لضربات جناحي فراشة بحديقة ميدان تقسيم خلق أمواج بمياه الخليج.
وتساءل في تغريدة له عبر تويتر " أين الهياكل الأمنية بيننا أو مع الحلفاء !
وأوضح في تغريدة أخري كمثقف لك أن لا تحب أردوغان؛لكن محظور أن تكره الديموقراطية؛ فالانقلابات شرعة همجية ينفذها عسكر كهول قساة متغطرسين، يقولها من كان ضابط30سنة
و شهدت العاصمة أنقرة ومدينة إسطنبول، في وقت متأخر من مساء الجمعة الماضية، محاولة انقلابية فاشلة، نفذتها عناصر محدودة في الجيش، تتبع لـ"منظمة الكيان الموازي" الإرهابية، حاولوا خلالها إغلاق الجسرين اللذين يربطان شطري مدينة إسطنبول، والسيطرة على مديرية الأمن فيها وبعض المؤسسات الإعلامية الرسمية والخاصة، وفق تصريحات حكومية وشهود عيان.
وقوبلت المحاولة الانقلابية، باحتجاجات شعبية عارمة في معظم المدن والولايات التركية، حيث توجه المواطنون بحشود غفيرة تجاه البرلمان ورئاسة الأركان، ومديريات الأمن، ما أجبر آليات عسكرية حولها على الانسحاب مما ساهم في إفشال المحاولة الانقلابية.

ما أكثر هشاشة الخليج أستراتيجيا؛كيف لضربات جناحي فراشة بحديقة ميدان تقسيم خلق أمواج بمياه الخليج

أين الهياكل الامنيةبيننا او مع الحلفاء !
— د.ظافر محمد العجمي (@z4alajmi) ١٧ يوليو، ٢٠١٦


كمثقف لك أن لا تحب أردوغان؛
لكن محظور أن تكره الديموقراطية؛
فالانقلابات شرعة همجية ينفذها عسكر كهول قساة متغطرسين

يقولها من كان ضابط30سنة
— د.ظافر محمد العجمي (@z4alajmi) ١٨ يوليو، ٢٠١٦

http://alkhaleejelarabi.com/ar/articles/%D8%AF-%D8%B8%D8%A7%D9%81%D8%B1-%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%AC%D9%85%D9%8A-%D8%A8%D8%B9%D8%AF-%D8%A3%D8%AD%D8%AF%D8%A7%D8%AB-%D8%AA%D8%B1%D9%83%D9%8A%D8%A7-%D9%85%D8%A7-%D8%A3%D9%83%D8%AB%D8%B1-%D9%87%D8%B4%D8%A7%D8%B4%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%AE%D9%84%D9%8A%D8%AC-%D8%A7%D8%B3%D8%AA%D8%B1%D8%A7%D8%AA%D9%8A%D8%AC%D9%8A%D8%A7?platform=hootsuite

الثلاثاء، 5 يوليو، 2016

الفراغ الاستراتيجي بعد داعش















د.ظافر محمد العجمي

مايجري في العراق وسوريا ليس تغيير زلزالي يحطم المدن ويترك أخاديد سياسية، واقتصادية،وعسكرية،ونفسيةبين الفرقاء في الوطن الواحد؛حيث يعودون بعد تجاوزها لإصلاح حالهم. بل إن مايجري تغيير بركاني إنبثقت منه الحمم،والغازات ،والرماد،وسالت في هيئة لوافظ ساخنةوصلت تبعاتها الجوار الاقليمي .وبعد ان تبرد البراكين عادة تزداد خصوبة التربة فيسيل لعاب القوى الإقليمية والدولية لتلك المناطق الغنية التي غاب عنها أصحابها وباتت شاغرة.لقد خسر تنظيم  داعش نصف الأراضي التي كان قد احتلها منذ انكساراته الكبرى في عين العرب والفلوجة. صحيح اننا أمة تعاني  خاصرتها من مرض الفراغ الاستراتيجي المزمن منذ سقوط الدولة العباسية، لكن الفراغ المتشكل بعد رحيل شذاذ الافاق من داعش سيكون هو الاخطر.فنحن المخاطب في فكرة «نهاية التاريخ» الذي يمهد لعولمة الموارد، ونحن المقصود في «صدام الحضارات» الممهدة لوسم الإسلام بالتحدي الاكبر.
          سينتهي الامر بداعش بلا وطن كما هي حال القاعدة،وقد تقاوم الذوبان الى حين عبر بيان ذئب منفرد قبل ان يمزق جسده حزام ناسف،أو عبوة في سيناء أوليبيا أواليمن أوأفغانستان أوبوكو حرام،أو في علم أسود بالعالم الافتراضي. ولن تستطيع بغداد التي اضحت خرابه ومرتعاً جاهزا لنشأة هياكل ارهابية اخرى ان تملأ الفراغ.كما لن تستطيع دمشق المهدر دمها من قبل ستين فصيل مسلح ان تسترد ماترك داعش. وسيكون السباق على ملء الفراغ الاستراتيجي بين المشروع القومي التركي والمشروع القومي الإيراني.والمشروع القومي الكردي والمشروع الصهيوني.كما سيكون هذا الفراغ في  شبكة مصالح  روسيا، لكونها الاقرب والأقوى .أما واشنطن  التي  نفذت 42 عملية عسكرية في المنطقة منذ الحرب العالمية الثانية، فلن تفرط في هذا الارث بعد زوال " الارتباكية الأوبامية" المرحلية .ولكون القومية العربية ،والتضامن الاسلامي والتي شكلتا حائط صد ملأ الفراغ الاستراتيجي معنويا تعيشان حاليا أسوأ حالاتهما لانهيار نظام الامن العربي وارتفاع الاسلامفوبيا ؛ لايبقى إلا دبلوماسية تناقضات الاطراف المتصارعة ، و إقناعهم بوضع ترتيب سياسي مستدام ،حتى لا تصل تلك القوى الى اتفاق.

بالعجمي الفصيح


سقوط داعش يعني تقاسم الفراغ،وإذا لم تكن دول الخليج قد تهيأت لمثل هذا اليوم الذي يتحول فيه الشركاء الإقليميين الى غرماء إقليميين، فذلك قصور إستراتيجي لا أسم له.

الأربعاء، 29 يونيو، 2016

التبعات "الأمنية "على الخليج من خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي

د. ظافر محمد العجمي


يشبه خروج بريطانيا «Brexit» من الاتحاد الأوروبي في 2016، خروجها من الخليج في 1971. هذا ما تبادر لذهني جراء مساحات الفراغ الكثيرة في صورة الانسحاب الحالي. وهو تأصيل للنزعة البراغماتية البريطانية، ففي الانسحاب الأول تقرر سحب جميع القوات البريطانية من شرق السويس حتى لا تصبح لندن شركة أمن خاصة لشركات النفط الأمريكية. وفي حينه بادرت إمارات الخليج بمناشدة بريطانيا التريث نظير تحملها تكاليف البقاء. ويشبه ذلك موقف القلق المتكرر الذي أظهرته النمسا بمناشداتها القوية لبريطانيا لتظل في الاتحاد الأوروبي. ورغم أن الانعكاسات العملية لن تشمل احتلال روسيا لأجزاء من أوروبا كما احتلت إيران الجزر العربية، إلا أن هناك محاذير أمنية نركز على ما يخص دول الخليج منها.
- من إيجابيات الخروج البريطاني لنا في الخليج توفير مزيد من حرية الحركة الدفاعية للندن، فتخلصها من غطرسة فرنسا وأنانية ألمانيا المحركين التاريخيين للاتحاد الأوروبي يعني تتبع مصالحها منفردة، كالقدرة على التخلي عن الاتفاقات الأوروبية لحقوق الإنسان، وبيعنا سلاحاً وذخائر بدون قيود ظاهرها أخلاقي وباطنها مآرب أخرى، كما أن الخروج يعني نهاية الحديث عن جيش أوروبي موحد يثير قلقاً كبيراً لتجاوزه مرحلة التكامل البعيد كما كحال «الناتو».
- أما سلبيات الخروج البريطاني فيعني تبني أوروبا سياسة تهدئة إزاء روسيا جراء التغييرات البنيوية بدون بريطانيا العظمى المسلحة نووياً والمحركة للإرادة الجماعية لأوروبا، مما يعني إطلاق يد موسكو لتعيث فساداً في جوارنا الإقليمي بسوريا وليبيا وربما اليمن والعراق. كما يعني فقداننا للمعلومات الاستخبارية من خلال ما يسمى بترتيبات «الأعين الخمسة». ويعني أن باقي الشركاء يستطيعون تبني مواقف فردية أنانية غامضة أو طرق سهلة بشأن عقوبات روسيا أو برنامج إيران النووي. والأهم التقاء المتطرف دونالد ترامب مع نظيره البريطاني القادم، فيما يشبه تعاون ريغان وتاتشر ومواقفهما في ليبيا ولبنان. ويعني تراجع قيمة الجنيه، وانكماشاً، تتبعه بطالة في المجمع الصناعي العسكري، فتجبر دول الخليج على دعمه عبر صفقات سلاح لا جدوى منها.
* بالعجمي الفصيح:
يجب أن يؤسس خروج بريطانيا من الاتحاد وعي الخليجيين بتأصل النزعة البراغماتية البريطانية. فالعلاقات الدولية الحالية تمر بمرحلة تغير في مراكز القوى Power shifting، وهو تغير تم تنفيذه في عالمنا العربي قسراً عبر الفوضى الخلاقة، وشكلته الظروف الدولية على أوروبا سلماً. فما يجري هناك هو الفوضي الخلاقة بالنسخة الأوروبية عبر القيم الديمقراطية لأن «لكل شارب مقص».


* المدير التنفيذي لمجموعة مراقبة الخليج

الأربعاء، 22 يونيو، 2016

غزوة قوم لوط

 د.ظافر محمد العجمي/ المدير التنفيذي لمجموعة مراقبة الخليج

لم تمر(غزوة قوم لوط) الإرهابية التي شنها ذئب منفرد، وتبناها تنظيم شذاذ الآفاق «داعش» في أورلاندو، دون أن يستثمر في أسهمها الأفاقون الآخرون المشاركون في «غزوة البيت الأبيض» سعياً لرئاسة أمريكا. فقد عاجلنا القبيح دونالد ترامب بجعله من الحادثة برنامجاً دعائياً له لمنع المسلمين من دخول أمريكا تحت عنوان «ألم أقل لكم؟»، ولم يكن ذلك خارج سياق القبح الذي يجري في دورته الدموية، لكن أن تقول المرشحة هيلاري كلنتون «على السعوديين والكويتيين والقطريين منع مواطنيهم من التحويلات للإرهابيين»، فلا يبقى إلا أن نقول حتى أنتِ يا هيلاري!
لقد اعتدنا على أن العلاقات العربية الأمريكية لا تخضع إلا بصعوبة لتعريف إيجابي خلال السباق الرئاسي الأمريكي، وبعد الاستدارة الأمريكية عن الخليج العربي يبدو أننا مربوطون قسراً بتمويل الحملات الانتخابية الأمريكية بالإرهاب، كما يريد المتسابقون وليس بالأموال كما يفعل الصهاينة، فنحن الذريعة التي يبحث عنها كل مرشح لإرضاء «أيباك» لجنة الشؤون العامة الأمريكية الإسرائيلية «AIPAC»، فعند كل عملية ينفذها ذئب داعشي أعرج لابد من تحميل الخليج جريرته، حتى ولو كان من «بوكو حرام». ولن نفلت من دور الملام حتى لو كانت لدينا نظرية أمنية لمكافحة الإرهاب واضحة، وذات مبادئ مترابطة، وتشكل كلاً متكاملاً، وستبقى جهودنا مستباحة، يغتصب منها كل مرشح ما يشاء ويترك ما يشاء. والغاية من هذه القصدية العالية هي أن علينا تقديم أوراق اعتماد جديدة في البيت الأبيض كلما وصلت إدارة جديدة. ففي تقديرنا لم يكن قرار أوباما التوقف عن بيع ذخائر القنابل العنقودية للتحالف العربي مستمداً من مرجعيات موثقة بسقوط المدنيين منها في اليمن، بل كان مستمداً من حفريات التحامل في المزاج الصهيوني حوله، وركوب الموجة الحالية المناوئة للرياض والخليج عامة. ويبدو أن علينا الترويج لردودنا الحازمة بوصفها منتجات سياسية ناجحة، وقابلة للتكرار، كتنفيذ «عاصفة الحزم» دون مشاورة البنتاغون، والتهديد بسحب الودائع فتراجعهم عن اتهام الرياض بأحداث 11 سبتمبر بعد عملية جس نبض لئيمة، والاعتذار الأمريكي المهين من السفيرة حتى الناطق الرسمي، للدوحة في حادثة البيرق، وقبلها التأنيب البحريني المذل لسفيرهم السابق الذي كان يدس أنفه في غير محله.
* بالعجمي الفصيح:
يظهر جلياً أن الرد الخشن المحمل بنزعات تضاهي تصرفاتهم اللاعقلانية هو الذي سيعيد البيت الأبيض ورؤساءه الآفلين والقادمين إلى تفهم أن للخليجيين حيز مناورة كافياً للرد عليهم.


الخميس، 16 يونيو، 2016

الأوتاد الاستراتيجية الإيرانية شمال الخليج


د. ظافر محمد العجمي

المدير التنفيذي لمجموعة مراقبة الخليج   
 
عند إبعاد المجهر للخلف، كي تظهر الصورة الأوسع للمشهد الإيراني، يتضح لنا أن اهتمام طهران غير منصب فقط على جنوب الخليج العربي كما يعتقد البعض، بل وعلى شماله أيضاً.ورغم تصريحات مرشد الثورة الإيرانية علي خامنئي بأن ضمان أمن منطقة الخليج ينبغي أن يكون بيد دولها[1]، ورغم سعي إيران إلى إظهار قوتها الإقليمية، وقدرتها على تنفيذ تهديدها الدائم بإغلاق مضيق هرمز كما يفعل قادة الحرس الثوري عند كل مناورة، ورغم إطلاق التصريحات العدائية ضد مملكة البحرين، سواء عبر مسؤوليها أو أتباعها في المنطقة، ورغم زيارة الرئيس محمود نجاد الاستفزازية لجزيرة أبو موسى الإماراتية المحتلة، رغم ذلك كله نعتقد أن الأمر لا يعدو أن يكون تحركات ومصطلحات ذرائعية تصكها وتوظفها طهران للتغطية على هدفها النهائي، وهو الهيمنة الكاملة على الخليج، جنوبه وشماله.ولكون جنوب الخليج يضم مضيق هرمز، وهو قصبة تنفس جهاز تزويد العالم بالطاقة، فقد سلطت الأضواء على الأنشطة الإيرانية فيه، وفي الأسطر القادمة سنلقي الضوء على شمال الخليج العربي والأوتاد الاستراتيجية الإيرانية التي لم تتوقف طهران عن دقها، وحيز المناورة لدول الخليج لإيقاف الخطط الإيرانية هناك.
• الأوتاد الاستراتيجية الإيرانية
دقت طهران أوتادها في الجزر العربية الثلاث المحتلة، لما تتمتع به من مميزات استراتيجية مهمة، فالجزر صمام يشرف على امتداد الطريق الضيق الذي يعبر الخليج العربي نحو مضيق هرمز، ومنه إلى خليج عُمان. كما أن عدداً من حقول النفط والغاز البحرية تقع على مقربة من الجزر الثلاث، مما يعطيها أهمية استثنائية [2].أما الوتد الثاني ففي مضيق هرمز، حيث لم يتوقف الحرس الثوري الإيراني منذ ثلاثة عقود عن إقامة مناورات عسكرية بحرية واسعة في المضيق، وتستمر أياماً عدة، منطلقة من جزيرة لارك عند مدخل المضيق، ومعكرة السلم البحري جراء الرمايات بالذخيرة الحية وزرع الألغام البحرية، وإطلاق صواريخ بالستية، ومحاكاة استهداف سفن عدو افتراضي، ثم السيطرة على المضيق بإغراق سفن لإغلاقه.ويعد شمال الخليج العربي (الأحواز– البصرة – الكويت – الأحساء) أكبر حوض نفطي في العالم بإنتاجه واحتياطيه، وهو حوض عربي الوجه واليد واللسان، ففي شمال الخليج العربي، يسكن العرب في البصرة والكويت والأحساء، وفي العديد من مدن عربستان التي أهمها الأحواز والمحمرة. ويعيش شمال الخليج حالياً حالة من الصراع على النفوذ بين جبهتين، الأولى دول الخليج العربي، تدعمها بعض الضمانات الغربية الهشة، والثانية إيران. وهذا الصراع أخذ أشكالاً عدة، منها الصراع السياسي والاقتصادي والعسكري. وتبنت إيران استراتيجية خاصة تجاه الخليج العربي، مفادها أن أمن الخليج جزء من الأمن القومي الإيراني، وينبغي الحفاظ عليه من أي تدخل أجنبي، وهي تعتبر الوجود العسكري الغربي في منطقة الخليج العربي تهديداً لأمنها[3]. وفي ظل هذه التفاعلات، بدأت إيران في دق أوتاد استراتيجيته خاصة بها، من خلال مجموعة مشاريع استراتيجية ضخمة طويلة الأمد في شمال الخليج كالتالي:
 شط العرب
تشغل إيران مكانة بارزة في المعادلة الإقليمية والدولية، بوصفها نقطة صراع بين القوى العظمى، بناء على نظرية قلب الأرض “heart land” التي وضعها ماكندر “Mackinder”، وتقول إن من يسيطر على مناطق الساحل، يسيطر على مناطق الظهير، وبالتالي السيطرة على قلب العالم. فالأهمية الأصلية هي لسواحل الخليج العربي وخليج عمان وبحر العرب، وبالتالي أتت أهمية منطقة الظهير الإيرانية[4]. وإذا كانت إيران حققت نجاحات في فرض إرادتها على مضيق هرمز، وهو منفذ الخليج العربي الجنوبي؛ فإن طموحاتها في السيطرة على منفذه الشمالي، وهو نهر شط العرب، قديمة قدم حضارة النهرين اللذين يصبان فيه. ويبلغ طول الشط نحو 200 -204 كلم من بدايته في القرنة إلى مصبه في الخليج في رأس البيشة جنوب الفاو، أما عرضه فمتفاوت، فهو عند المصب يبلغ أكثر من كيلومترين، في حين يبلغ عند البصرة حوالي الكيلومتر الواحد[5].ورغم تراجع الخلافات الإيرانية – العراقية حول نهر شط العرب إبان الملكيات الهاشمية والبهلوية المتدثرة بالحكم البريطاني، ثم تحت عمامة الهدنة المذهبية الراهنة، إلا أن ما بين العراق وإيران يبقى أطول حقد دولي تاريخي موثق. فلتأمين تحرك ناقلات النفط الإيراني من مصافي عبدان، لم يقتنع الشاه محمد رضا بهلوي بـ16 كلم متر منحت له إبان حكم البريطانيين، فأعلن عام 1970 إلغاء معاهدة 1937 من طرف واحد بعد أن وضعت الولايات المتحدة يدها على أكثر من 80% من النفط الإيراني، وظهرت حاجتها أيضاً لشط العرب. وقامت طهران بتحريض أكراد العراق ضد الجيش العراقي، فاضطر العراق إلى إبرام اتفاقية الجزائر، وقدم نصف شط العرب مقابل وقف الدعم الإيراني للأكراد[6].ورغم أن كل شط العرب حتى 1975 كان نهراً داخلياً للعراق، إلا أن العراق بموجب اتفاقية الجزائر تنازل عن الشاطئ الشرقي، وأصبحت الملاحة مشتركة.
وبعد سقوط البعث، وفي ظل ظروف سيادية غير متكافئة، وتحت إدارة حكومات طارئة مؤقتة تحتمي بالمنطقة الخضراء لتمارس سوء الإدارة والفساد، استغلت طهران الفرصة لتمارس تغيير جغرافية شط العرب المحتل، ليتساوى مع ما تقوم به في الجزر الإماراتية المحتلة، إذ أعلن قائد قوات حرس الحدود الإيراني العميد قاسم رضائي في أبريل 2016 أن مناورات ستنفذ قريباً في نهر شط العرب “أروند”، ومصبه شمال الخليج، وسيتم تسيير دوريات بحرية  إيرانية، وكأن ملكية إيران منفردة للشط، حيث تجاوز رضائي حقيقة أن اتفاقية الجزائر كانت سبب حرب السنوات الثماني قبل أن يتراجع نظام صدام ويعلن التزامه بها، بعيد غزو الكويت 1990، وسيكون التدخل الحالي بذوراً لحروب قادمة هي جزء من قدر هذا المصب المائي[7].
 تفريس الأحواز
-كشفت دراسات عن أسرار الجفاف الذي ضرب منطقة الأنهر الأحوازية بأنه في إطار مخطط إيراني عمره 12 عاماً، يستهدف التأثير على البيئة العربية، ودفع المزارعين الأحواز إلى هجر المنطقة بعدما تم قطع المياه عن أراضيهم الزراعية الخصبة، بل وتعمل طهران على حرف أكبر مجرى لمصدر الحياة في الأحواز المتمثل في نهر قارون إلى بعض المدن الإيرانية كـ “إصفهان، وشهركرد، ورفسنجان” لدعم مشاريع زراعة الفستق والزعفران، والتي تمثل أهم مصادر الدخل للعديد من القيادات في النظام الإيراني. فضلاً عن إعلان إيران عزمها إقامة عدد من الشركات الضخمة لتعبئة المياه المعدنية، وإعلانها الوصول للمراحل النهائية لمشروع سد “بختياري” في منطقة الأحواز، وهو أعلى سد إسمنتي في العالم، مما أدى لجفاف المنطقة الشمالية للخليج العربي[8]، في مقابل ازدهار زراعي واقتصادي وصناعي إيراني، وحصول طهران على ورقة ضغط أمنية تهدد الأمن القومي العربي في شمال الخليج. كما أن هذا السد والطرق التي فوقه سيكسبان الحرس الثوري سرعة التحرك العسكري باتجاه الأحواز.كما قامت طهران بعملية استيطان إيراني في الأحواز بتجمعات سكانية غير عربية، تحتوي على بنية تحتية خدماتية وأمنية متكاملة، وتستوعب أعداداً ضخمة من الإيرانيين الذين يتم جلبهم من خارج الأحواز. وكان الاستيطان الإيراني في الأحواز السبب الأساسي وراء اندلاع انتفاضة أبريل عام 2005م في المنطقة، حيث سرب ناشطون وثيقة تدعى “المشروع الأمني الشامل لمحافظة خوزستان”، وهي عبارة عن خطة أمنية شاملة تهدف لإجهاض الحراك العربي في الإقليم الأهوازي بمختلف الطرق، ومنها قمع الحركات السياسية، والاستمرار في مخطط التغيير الديمغرافي، وتهجير العرب من مناطق سكناهم[9].وفي أكتوبر 2008 وحدها تم توثيق تهجير 500 عائلة أحوازية من منطقة الشعيبية، وجلب مستوطنين إيرانيين لتفريس الأحواز[10].ولفرض الثقافة الفارسية، تم اعتبار التحدث باللغة العربية في الأماكن العامة على رأس المحرمات، تحت طائلة العقاب، كما قررت إيران أن تكون مناهج الدراسة في المدارس باللغة الفارسية فقط، ولا يجوز التحدث بأي لغة أخرى، ومُنع الأحوازيين من تسمية مواليدهم بأسماء عربية، ومنع لبس الزي العربي، واستبدل باللبس البهلوي الفارسي[11]. كما صدرت تعليمات بتأسيس قنوات ووسائل إعلام باللغة العربية ذريعة مواجهة التكفيريين والوهابية في الإقليم.
 قطار طروادة الفارسي
منذ تأسيسها، امتهن أغلب سكان الكويت الأعمال البحرية، الأمر الذي ساعد على تحويل الكويت إلى مركز تجاري في شمال الخليج العربي، بل وميناء رئيسي لكل من شبه الجزيرة العربية وبلاد الرافدين؛ وما كان إنشاء ميناء مبارك الكبير شرق جزيرة بوبيان الواقعة شمال الكويت إلا استمراراً لإرث الكويت التجاري البحري، حيث سيضم الميناء 60 رصيفاً، ليكون واحداً من أكبر الموانئ في الخليج العربي. وسيكون بوابة الكويت للانفتاح على العالم تجارياً واقتصادياً. وحال الشروع في بناء الميناء مارس 2011 ثارت احتجاجات إعلامية وبرلمانية عراقية تزعمها وزير النقل هادي العامري، من التحالف الوطني مع 15 عضواً آخر قريبين لإيران، بحجة أن ميناء مبارك عائق بحري سيخنق منفذ العراق على مياه الخليج، وسيفقد ميناء الفاو الكبير العراقي قبالته أية جدوى [12].لكن حقيقة الأمر أن ميناء مبارك الكبير قلق إيراني أكثر منه قلقاً عراقياً، فالأموال التي رصدت لميناء الفاو الكبير استنفدها وبددها الفساد القابع في المنطقة الخضراء ببغداد. فإيران لا تعجبها فكرة الميناء الكويتي، وتراها تكريساً للوجود الغربي في الكويت، وقاعدة لوجستية للجيش الأمريكي في منطقة شمال الخليج الغنية بالنفط. وبالتالي فإن إيران هي من حرضت بعض الأحزاب العراقية الموالية لها على افتعال مثل هذه الزوبعة الإعلامية والسياسية، لأن لها مشاريع لا يسهل نجاحها بوجود كتلة اقتصادية ضخمة بحجم ميناء مبارك الكبير، ومن تلك المشاريع عزم إيران ربط مراكزها الإنتاجية بشمال الخليج، عبر إنشاء سكة حديد تربط الوسط بالخليج، ثم ربطها بمشروع سكة حديد المحمّرة – بغداد – دمشق.وفي مشروع إيران لربط شمال الخليج بمراكز إنتاج السلع في وسط  إيران، يجري إنشاء سكة حديد طولها 490 كلم، تتضمن 8 محطات “بافق، ويزد، ونظر آباد، وميبد، وأردكان، وسيستان، وأصفهان، وزين شهر”. وليتم افتتاح المشروع صيف 2017 بهدف تقليص المسافة الزمنية لقطارات الشحن من 18 إلى 12 ساعة. إضافة إلى توظيف استثمارات بـ25 تريليون ريال، واسترجاع الاستثمارات في غضون 6 سنوات. ورفع طاقة الحمل المحوري من 25 إلى 30 طناً، في سابقة هي الأولى بمنطقة الشرق الأوسط[13].وقد وجدت طهران أن الانتقال من الهامش إلى مركز الأحداث في شمال الخليج يتطلب ربط هذه السكة الداخلية ببعد خارجي، لذا ظهر للإعلام مشروع سكة حديد المحمّرة – بغداد – دمشق متكاملاً في سبتمبر 2010م، وهو مشروع بدأ التخطيط له عقب الاحتلال الأمريكي للعراق 2003م، ومن خلاله ستلتحم سكك الحديد في سوريا وإيران عبر سكك الحديد العراقية. فالمشروع يمهد لوحدة جغرافية محورها إيران، وتشمل الهلال العربي الخصيب من الشام وحتى شمال الخليج العربي.
ويذهب البعض إلى أن للخط مخاطر على الأمن القومي العربي؛ فالخط كحصان طروادة إيراني لوضع بغداد بين كماشة النظامين الإيراني والسوري، وسكة الحديد هذه التفاف على العقوبات الدولية، وهذا ما حدث بالفعل، إذ حولت إيران العراق إلى سوق ضخم للمنتجات الإيرانية بغض النظر عن جودتها، بل إن بعض المنتجات يتم تصديرها للعراق ولا تباع في الأسواق الداخلية بسبب رداءة المنتج، وعدم مطابقته لأدنى معايير الجودة[14].وبهذا الخط ستكون العراق طرفاً رئيساً في إعادة تأهيل الاقتصاد السوري، ولتصبح إيران منطقة ربط بين الشام وآسيا الوسطى، والخط يمكن أن يكون تمويهاً لنقل الجنود تحت غطاء نقل ملايين الزوار الإيرانيين لكربلاء، خصوصاً أن “شركة خاتم الأنبياء” إحدى شركات الحرس الثوري ربحت صفقة الخط، ووصفت طهران المخطط بالمشروع الاستراتيجي وبالحلم القديم الذي عطّل صدام تنفيذه[15].
 إنتاج المزيد من الميليشيات شمال الخليج
لم تكن مشكلتنا مع إيران يوماً في إنتاجها المزيد من المفاعلات النووية، بل في إنتاج المزيد من الميليشيات، حيث ظهر الحشد الشعبي بالعراق – وهو شكل من أشكال الأذرع العسكرية الإيرانية – بإيحاءات من طهران. ويدعم خروجه ظرف طارئ سهل ظهور فتوى “الجهاد الكفائي”، التي أطلقتها مرجعية النجف الأشرف، بعد سيطرة تنظيم داعش على مساحات واسعة من العراق. ولا ينكر أحد في العراق الدور الإيراني في ولادة الحشد الشعبي وإرضاعه، فالدعم الإيراني للحشد شمل الأسلحة والخبرات العسكرية، كما اعترف بذلك نوري المالكي بأنه لولا الدعم الإيراني لكان الوضع في العراق صعباً جداً؛ وكان الدعم الإيرانيّ جدياً وسريعاً، حيث سحب الحرس الثوري السلاح للحشد من مخازنه[16]. وفي ظهور الحشد كذراع إيرانية تأكيد لاستراتيجية أخذت بوادرها في الظهور شمال الخليج العربي، حيث صرح علي يونسي مستشار الرئيس الإيراني حسن روحاني قائلاً: “إيران اليوم أصبحت إمبراطورية كما كانت عبر التاريخ وعاصمتها بغداد حالياً، وهي مركز حضارتنا وثقافتنا وهويتنا اليوم كما في الماضي”[17]. ومن بغداد ستبدأ الخطوات الأخرى القادمة ممتطية الحشد الشعبي، ومنها استعداد الحرس الثوري الإيراني للتحرك باتجاه الكويت والمملكة العربية السعودية، حيث تجري حالياً استعدادات لبناء قواعد ومعسكرات قرب الحدود مع المملكة تحت إشراف وتوجيه مباشر من الحرس الثوري الإيراني.كما أن من الخطوات الأخرى زج آلاف المنتسبين في هذه القواعد والمعسكرات، من ميليشيات يشرف عليها فيلق القدس قاسم سليماني من البحرين ولبنان وأفغانستان بل ومن السعودية، وهم الذين ظهروا مشاركين في الهجوم على الفلوجة، محتمين براجمات صواريخ تحمل صورة “نمر النمر”. أما الخطو الثالثة فستكون شرعنة هذه الميليشيات بتأسيس الحرس الثوري العراقي، والزج به ضد دول الجوار، بعد أن صار للحرس الثوري الإيراني وجود مباشر ورسمي في العراق[18].
 أخيرا ً
فإن الخلاصات الأساسية التي يمكن الوصول إليها، هي أنه إذا كانت العلاقات الخليجية – الإيرانية في جنوب الخليج مرة بطعم النووي ونكهة اليورانيوم، فهي ليست بطعم مستساغ في شمال الخليج. وستكون أشد مرارة حين تنتهي طهران من مشاريعها، و”تطويع” شمال الخليج بالمعنى الحاد للعبارة. ولكن هل بدأت الجبهة الخليجية بالتجوف من الداخل وآيلة للانهيار بشكل لا براء منه؟في تقديرنا أن هناك حيزاً للمناورة الخليجية؛ ففي ما يخص تواصل إنتاج المزيد من الميليشيات الموالية لطهران في شمال الخليج، يمكننا بجهد استخباري محكم، ودبلوماسية يحركها سفراء زادهم الاستراتيجيا لا مهارات العلاقات العامة، يمكننا تغيير خريطة الهياكل العسكرية في العراق. حيث كان الحرس الثوري حاضراً في سياقات تشكل تلك الهياكل، ونجح قاسم سليماني في خلق نقطة التحوُّل والمسار المستقبلي للعسكرية العراقية.أما نقطة ضعف المنظومات التي أقامها سليماني، فتكمن في تبنيها العقيدة العسكرية الإيرانية التي لا تتعدى كونها دفاعية ومصممة لإعاقة أي احتلال لإيران وفرض حل دبلوماسي لا يناسب مصالحها.فالميليشيات العراقية الموالية لإيران تفتقد الروح التعرضية أو المبادرة بالهجوم، وانتكاسات وطول فترة اقتحام الفلوجة خير دليل على ذلك. وعلينا أن نبدأ بتفكيك التحالفات الإيرانية العشائرية السنية التي تمت بدعاوى حرب الإرهاب، ثم إعادة تركيبها كغريم لطهران. كما يمكن الولوج إلى عمق تحالف ميليشيات الحشد الشعبي نفسه مع سليماني، فهي كانت نتيجة علاقة غير متكافئة بين ثقافتين متناقضتين، فقاسم سليماني ينتمي إلى ثقافة قومية فارسية عقائدية إمامية، تستند إلى الإيمان المطلق بثوابت القومية والعقيدة، ولا يمكن فصل إحداهما عن الأخرى. بينما تعلمت فصائل الحشد منذ أيام الشتات في عصر طغيان البعث الثقافة البراغماتية والمنهج التجريبي المصلحي، فالفرق الفكري هو الثغرة لتؤسس الأصابع الخليجية فيها لحظات التحريض .
وامتداداً لنفس النهج، يمكننا تطوير واستثمار مبادرات لإعادة صنع عروبة العراق، حيث كان ترك بغداد في يد المرضعة الفارسية مدة طويلة غباء استراتيجياً، تشكل بفعل غياب الخطائين التوابين استراتيجياً. ولعله آن الأوان لعودة ابنة الرشيد لحضن أمها العربية. حتى لا يصبح العرق مثل الأحواز ويتم تذويب عروبته بحجة تبعيته لولاية الفقيه، فالمذهبية عابرة للقوميات في الفكر الإيراني. وما دمنا في مرحلة إعادة تدوير لمياه آسنة، يجب دعم حق الأحوازيين في الاحتفاظ بهويتهم. فقد استنفدت دول الخليج حصتها من اللامبالاة. وفي تقديرنا أن امتداد الزمن العسكري والتمرد المسلح لحل مشكلة عربستان غير واقعي لضمور الروح الثورية المسلحة بين الأحوازيين أنفسهم. والحل في تقديرنا هو اعتماد تقرب غير تحريضي، كما يفعل العرب مع فلسطينيي الداخل، بنشر توجيهات حازمة بتحريم بيعهم لأراضيهم، وبيوتهم لغير العرب، وإقامة مراكز لحفظ تراث الأحواز التاريخي، وتنشيط المرجعية والحسينية العروبية، ورفع المستوى التعليمي، ومحو الأمية والمستوى الصحي، والوعي الثقافي، لضمان عدم ذوبان الجنس العربي.لقد كان شط العرب نهراً داخلياً للعراق، ولم تظهر تلك الخريطة المثخنة بجراح الحروب إلا نتاجاً للموقف السلبي من حركة التاريخ لتحقيق مكاسب آنية مرة للتفرغ لحرب الأكراد ومرة لإرضاء الولي الفقيه، حتى أصبح شط العرب مكباً للنفايات وميداناً لمناورات زوارق خفر السواحل الإيرانية، ولعل جذب نظر العالم للكوارث البيئية فيه خير مدخل لاستعادته لواجهة الأحداث، وإن لم يكن فلتدويله، بدل السيطرة الإيرانية الكاملة بتواطؤ مع صانع القرار والمشرع العراقي الفاسد في المنطقة الخضراء، حينها لن يكون ميناء مبارك الكبير الكويتي خطراً على ازدهار ميناء الفاو أو الملاحة في شط العرب والبصرة، بل مكمل لكتلة اقتصادية عربية ناجحة في شمال الخليج العربي.
[1]
[1] كريم مجدي ماذا يحدث حالياً عند مضيق هرمز؟ موقع ساسة بوست.22مايو2015م. http://goo.gl/R7wMAh
[2]
[2] توماس ماتيرالجزر الثلاث المحتلة لدولة الإمارات العربية المتحدة:طنب الكبرى وطنب الصغرى وأبو موسى. مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية. 2005م. http://tinyurl.com/z8ycxn5
[3]
[3] . إياد عايد والي البديري. الدور الاستراتيجي لإيران في منطقة الخليج العربي. مجلة القادسية للعلوم الإنسانية المجلد الحادي عشر : العدد 3 /2008م.ص358
[4]
[4] .  !http://goo.gl/w26bjn  .Bhimasen Hantal.Mackinder’s Heartland Theory – Explained
[5]
[5] . د. خيون العكيلي. تدهور نوعية مياه شط العرب.. المشكلة والحل. موقع الصباح الجديد. 8 سبتمبر 2015مhttp://www.newsabah.com/wp/newspaper/60329
[6]
[6] . د. عبد الله الأشعل. القضايا القانونية والسياسية في العراق المحتل. آفاق معرفة متجددة.4 يوليو2014م. https://goo.gl/Y7taAm
[7]
[7] . ظافر العجمي. شط العرب المحتل. صحيفة العرب القطرية. 25 مايو 2016م. http://tinyurl.com/h3rz7de
[8]
[8] . تفاصيل المخطط الإيراني لتجفيف شط العرب والأنهر الأحوازية. شبكة الدفاع عن السنة .14 سبتمبر 2009م. http://goo.gl/RntP6l
[9]
[9] . المشروع الأمني الشامل لخوزستان يهدف إلى تهجير عرب الأهواز. العربية نت.7 أبريل 2016م http://tinyurl.com/gu8xfux
[10]
[10] . One dead in Ahwaz clash.alarabiya.16 April 2011  http://goo.gl/Mxv3aD
[11]
[11] . حمد سالم المري. الأحواز العرب المنسية. الوطن الكويتية. 9 مارس 2016م http://alwatan.kuwait.tt/articledetails.aspx?id=471506&yearquarter=20161
[12]
[12] . عبد الرحمن الماجدي. ميناء مبارك الكبير: أزمة جديدة تدخل أروقة البرلمان العراقي. صحيفة إيلاف الإلكترونية.5 سبتمبر 2011م. http://elaph.com/Web/news/2011/9/680874.html
[13]
[13] . إنشاء خط سككي يربط الخليج الفارسي بالمراكز الإنتاجية وسط  إيران. موقع وكالة أنباء فارس 4 مايو 2016.  http://ar.farsnews.com/economy/news/13950215000611
[14]
[14] . محمد السلمي. الانتقام الإيراني من العراق. الوطن السعودية.8 يونيو 2016م.  http://www.alwatan.com.sa/Articles/Detail.aspx?ArticleId=30860
[15]
[15] . خالد الزرقاني. مخاطر خط حديد المحمّرة - بغداد - دمشق على الأمن القومي العربي. شبكة البصرة.22 أكتوبر 2010. http://www.albasrah.net/ar_articles_2010/1010/zrqani_221010.htm
[16]
[16] . المالكي: الحشد الشعبي والدعم الإيراني أوقفا انهيار الجيش العراقي. راديو إيران. 25 نوفمبر 2014.  http://tinyurl.com/hak6ekc
[17]
[17] . محمد السلمي. الانتقام الإيراني من العراق. الوطن السعودية.8 يونيو 2016م.  http://www.alwatan.com.sa/Articles/Detail.aspx?ArticleId=30860
[18]
[18] . مرجع شيعي: إيران تستعد لإقامة قواعد عسكرية بالعراق قرب حدود السعودية. وكالة (آكي) الإيطالية للأنباء 9 يونيو 2016.  http://www.adnki.net/AKI/?p=6583

Gulf seurity أمن الخليج العربي

Kuwait
تبين هذه المدونة كيف تمتع الخليج بأهمية كبيرة أدت إلى خلق عبء استراتيجي على أهله بصورة ظهرت فيها الجغرافيا وهي تثقل كاهل التاريخ وهي مدونة لاستشراف مستقبل الأمن في الخليج العربي The strategic importance of the Gulf region creates a strategic burden and show a good example of Geography as burden on history. This blog well examine this and forecast the Gulf's near future and events in its Iraq, Iran ,Saudi Arabia ,Kuwait, Bahrain ,Qatar, United Arab Emirates and Oman

أرشيف المدونة الإلكترونية