Gulf security أمن الخليج العربي

الأربعاء، 12 ديسمبر 2018

الخليج والسترات الصفراء

 الخليج والسترات الصفراء
د. ظافر محمد العجمي

في كل عطلة نهاية أسبوع، يتجدد السؤال عن إمكانية سقوط «باستيل» ماكرون، وقد قوّى هذا المنحى أن الشرطة الفرنسية تتعاطف مع السترات الصفراء، والتاريخ يقول إن اقتحام سجن الباستيل بباريس تقع مسؤوليته على عاتق قادة العسكر في ساحة دي مارس 14 يوليو 1789، فقد امتنعوا عن التدخل فسقط «الباستيل»، والتاريخ يعيد نفسه في المرة الأولى مأساة، والمرة الثانية «مسخرة»، لكن ما يخيف المراقب الخليجي هو أن يكون من الارتدادات المتعددة للثورة الجديدة ما يضرّ دول الخليج، فالثوار يبحثون عن أهداف لتسليط غضبهم عليها، فالمطالب لها شعارات زائفة ذات وقع تحرري، وهي محلية الطابع لكن أطرافها عبّروا عن نفس شعبوي، فاليسار الفرنسي له شعبوية اقتصادية يحمّل المهاجرين القدامى والجدد جزءاً منها، واليمين الفرنسي شعبوي أصلاً في هيكله البنيوي، والعرب والمسلمون هم ضحية الشعبوية، وهو الاسم المهذّب للعنصرية البغيضة.
لقد وضع الرئيس السابق هولاند منطقة الخليج الغنية بالنفط أولوية ضمن توجهات السياسة الفرنسية، ورددنا له التحية بأجمل منها، فمدّت الصناديق السيادية الخليجية بذراعها حول خصر باريس المغرية، وفي القمة التشاورية لقادة دول المجلس 2015، حضر «هولاند العربي» وفقاً لوصف الصحافة الفرنسية، في امتداد لتقارب فرنسي خليجي بدأه ساركوزي، للاستفادة من فتور العلاقات الخليجية الأميركية أيام «الأوبامية» الكئيبة، حيث ألقت باريس بثقلها الدبلوماسي عبر مبيعات السلاح، فتشاركت مع الخليج في الرؤية نفسها في ملفات عدة تتعلق بالتحوّلات السياسية التي شهدتها المنطقة، خصوصاً سوريا.
ورغم أن رؤوس الأموال الخليجية في فرنسا كبيرة، لكن صناديقنا فشلت في ترجمة المبلغ الضخم ليصبح قوة فعّالة تسند الوجود الخليجي في باريس، فلا «لوبيات» ولا تأهيل لأصدقاء فرنسيين أقوياء في قطاع الأعمال أو الصناعات العسكرية، حتى يخال لي وأنا أتجول في الشانزليزيه، أننا لا نعدو أن نكون أسماء تزيّن قمصان الصبية الفرنسيين الرياضية ولوحات الإعلانات.
فقلقنا مردّه هشاشة العلاقات العامة التي تحمي استثماراتنا، وما دام الثوار يبحثون عن أهداف لتسليط غضبهم عليها، فسنكون بدون شك هدفهم المقبل عبر نقد النظام الضريبي الفرنسي، على الاستثمارات الأجنبية بدل المواطن الفرنسي.
أما الأمر المرجح الآخر، فهو أن يحول ماكرون وحكومته ضربات الثوار إلى العرب الخليجيين، فنحن مصدرو النفط غالي الثمن -رغم نزول الأسعار- فنحن العرب الجشعون منذ منتصف السبعينيات، وهو لم يرفع الضرائب إلا لارتفاع سعر النفط، أما الأمر المحتمل الثالث، فهو التعرض للسياح المترفين من قبل الغوغاء، جراء حياد الشرطة الفرنسية الأخير.

بالعجمي الفصيح:
خاف ماكرون من مصير ماري أنطوانيت يوم حنّت فرنسا لإرثها الثوري، وليس قلقنا في الخليج مردّه الخوف من تفاعل الشارع الخليجي معها، فبذورها لا تنبت في أرضنا، بل لأن الثوار والحكومة سيبحثون عن أهداف لتسليط غضبهم عليها، فرؤوس أموالنا يمكن رفع الضرائب عليها لا على المواطن، ونفطنا هو الذي ارتفع سعره على ماكرون فرفعه على شعبه.;

الأربعاء، 5 ديسمبر 2018

ديسمبر وإعادة تعريف الشراكة الخليجية


مثل كلمة «الوحدة» التي كانت تزين كل أدبيات الفكر الخليجي، صارت كلمة «الأزمة» هي الدارجة ‏في زمن لا تخضع فيه العلاقات الخليجية - الخليجية لتعريف إيجابي إلا بصعوبة. وفي زمن مضى كنا ‏بتهكم ننتظر «ديسمبر شهر ترحيل بنود التكامل من قمة لقمة»، أما الآن فنبحث عن الستر لبقاء ‏المجلس كهيكل واحد بكل مكوناته. ‏

إن الحجر الأول المنتزع من هرم مجلس التعاون كمنظمة إقليمية هو عدم اكتمال نصاب المجلس ‏الأعلى. واستمرارإشاعات الحضور والغياب هو الاضطراب الانحداري الذي سيسبق حالة الانفراط ‏المفاجئ الخالي حتى من التمهيد. ومن قارئٍ هضم بإمعان تاريخ الخليج العربي من منظور العلاقات ‏الإقليمية والدولية نعيد التذكير بأولويات بسيطة لتلافي المآلات المأسوية لانهيار مجلس التعاون:‏

*‏ ليس في البال كلمة من الكلمات التي ادخرتها للغضب لأصف بها الارتباك الاستراتيجي الذي تعانية دول ‏الخليج إذا اعتقدت أن الأخطار التي أدت لقيام مجلس التعاون قد زالت، فإيران لا زالت تقع بين خطي ‏عرض «25-40» وخطي طول «44-62» درجة شمالاً. وحين قام المجلس لم يكن لدى طهران مكملات ‏استراتيجية كالحشد والحوثة و»حزب الله» مقيمة على حدودنا من الجهات الأربع. ولم يكن ترامب يبتزنا بل ‏كنا في عزلة مريحة في ظل عقيدة كارتر «‏Carter Doctrine‏» التي ربطت أمن الخليج بأمن ‏أمريكا 1980.‏

*‏ لقد قيل إن الشركات التجارية الخاصة تنهار في الجيل الثالث، وإن الدول مثلها، كما لا يفلت من هذا القدر ‏إلا القليل من المنظمات الإقليمية، وقد أسال هذا الإسقاط عن مجلس التعاون الكثير من الحبر محملاً هذا ‏الجيل الاختمار السياسي الحالي، وانقضاء عصر الفروسية الذي جلل بالفخر اللحظات التأسيسية ‏للمجلس. وهي منابع ربما لاخيار إلا بالعودة لها، فنحن من المراهنين على دبلوماسية الأدب الجم ‏ودبلوماسية حب الخشوم الخليجية التي أدت لتجاوز الكثير من الخلافات وتقدير ما تعتمر به النفوس لا ‏الاتفاقيات والنصوص، فلنعد للروح الخليجية.‏

‏* لقد تم تزييفِ مسرودات تاريخ التعاون الخليجي تحت مظلة المجلس، فتم تقديم منجز التنقل بالبطاقة، ‏والفخر بربط نظام المخالفات المرورية على التسويق لمنجزات لم تتحقق في أعرق المنظمات ‏الإقليمية، كقيام منطقة تجارة حرة والمواطنة التجارية وتوحيد مدركات مجالات النفط والغاز ‏والبتروكيماويات والصناعة والربط الكهربائي وحزام التعاون والربط الراداري، وهي خير دافع لبقاء ‏المجلس. ‏

‏* نعيش في زمن توازنات حرجة في الأمن والاقتصاد والسياسة، وقد استشرفت ذلك دول عدة فانضوت ‏تحت هياكل منظمات إقليمية، وكنا على نفس النهج نسير حتى أصبح مجلس التعاون منظمة لها شأن ‏رفيع بين الكتل الإقليمية في السنوات العشرين الماضية، والتحول الملاحظ هو أن التعاون أصبح بين ‏الكتل الإقليمية بدل الدول، فهل من صالح الكويت مثلاً أن تتعامل مع كتلة «آسيان» منفردة أو أن تتعامل عمان ‏منفردة مع كتلة «الناتو»!‏

* بالعجمي الفصيح: ‏

مرت منظمات إقليمية بما يمر به مجلس التعاون حالياً، وقد تجاوزتها حين لم تترك خلافات تقودها معطيات ‏ظرفية متغيرة، تطغى على حقيقة أن مساحات الاتفاق، تفوق مساحات الاختلاف، فهل نملك رفاهية ‏الاختيار بين الاستمرار أو الانهيار!‏

الثلاثاء، 27 نوفمبر 2018

السودان بين تمر "الخلاص" أو "القند" أو "راحة الحلقوم"د

د.ظافر محمد العجمي 

في زمن تحولت فيه الأنظار صوب أحداث أخرى -لا تملك مقاييس القدرة على تغيير المشهد ‏الاستراتيجي- يمد كبار مرابي البنك الدولي يدهم للسودان، مستغلين ما مر به من الأزمات السياسية ‏والحروب الأهلية، وعملية انفصال الجنوب التي أخذت معها معظم إنتاج النفط، في زمن عقوبات أمريكية ‏للتو رفعت بعد 20 عاماً.‏

والسودان الضعيف اقتصادياً هو البلد العربي الذي تجاوزته أفعاله ومساهماته رغم الضعف‏، والتي كان آخرها وقوفه المشرف في قضية اليمن، لكون الرؤى الاستراتيجية الحاكمة لسياسته هي ‏الوقوف موقف العربي النبيل حين تستدعي الحاجة. وربما يحتاج الأمر لدراسات مطولة لتوسيع دائرة ‏الأمثلة من أجل إضاءة إشكالية الارتباط السوداني مع طهران ثم القفزة العروبية ضدها في اليمن.‏

وبالاعتماد على اقتباسات يستقيها المتابع من وسائل الإعلام السودانية تظهر صورة قاتمة في ‏شوارع الخرطوم الشقيقة دون أن تثار معها ضجة إيجابية في وسائل الإعلام العربية، فهناك ارتفاع ‏بأسعار الأغذية وقد بلغ التضخم أعلى مستوياته فسجلت ولاية البحر الأحمر 97.86%، وفي الخرطوم ‏‏60%. وارتفع الطلب على السيولة النقدية بسبب التضخم، وضعف الثقة في النظام المصرفي، لذا تسعى ‏الحكومة لتفادي انهيار اقتصادي من خلال خفض حاد في قيمة العملة وإجراءات تقشف عاجلة. ولتقييد ‏المعروض النقدي لحماية الجنيه السوداني نفدت العملة من الكثير من ماكينات الصرف الآلي في ‏العاصمة السودانية الخرطوم حيث يعيش المواطن السوداني في أزمة اقتصادية حقيقية. ‏

محددات التعاطي مع الازمة الاقتصادية في السودان أجبرت صانع القرار على الأخذ بالمرحلية ومتغيرات ‏اللحظة، لكن مع النظر للخارج شرقاً وغرباً دون النظر لمحيطه العربي ربما بسبب إخفاقات سابقة. فقد ‏طلبت الخرطوم بأن يقوم الاتحاد الأوروبي بجهود لتخفيف الديون بل إن ما يقدمه من مساعدات لمقابلة ‏احتياجات اللاجئين غير كافية. كما رفضت الخرطوم مقترحاً من صندوق النقد الدولي لتعويم الجنيه ‏السوداني رغم أن البنك المركزي السوداني قد خفض قيمته بشكل حاد مرتين. وهنا نتذكر أن البنك ‏المركزي السوداني قد أصدر قراراً، بحظر التعامل مع المصارف الإيرانية، التزاماً بالحظر الاقتصادي، ‏مما يعني إغلاق سبيل كان بالإمكان الاستفادة منه بوديعة إيرانية تعدل الأوضاع الاقتصادية. ‏

* بالعجمي الفصيح: ‏

إن الفوضى تدرس ملامح المدن السودانية، جراء الأزمة الاقتصادية المسكوت عنها، والقول إن الخرطوم ‏اقتربت من طهران حين بلغ الهوس الديني أوجه عالمياً، قياس فاسد لا يستقيم مع منطق أن الاقتصاد ‏محرك للتوجهات الدولية. وتحقيق الاستقرار، ومعدل النمو السوداني ممكن بطعم «تمرة خلاص» خليجية، ‏فطعم «راحة الحلقوم» التركية لا يختلف كثيراً عن طعم مكعبات «سكر القند» الإيراني.

* المدير التنفيذي لمجموعة مراقبة الخليج

الأربعاء، 21 نوفمبر 2018

القوة البحرية الخليجية.. بحر واحد وأفق مختلف


تربى تشنغ خه «‏Zheng He‏» أو حجي محمود شمس المولود لأسرة مسلمة في بلاط أمير منطقة بكين، ما بين عام 1405 و1433، وقام ‏بسبع رحلات بحرية استغرقت 28 عاماً، في جنوب آسيا وأفريقيا ووصل إلى منطقة ‏الخليج والبحر الأحمر ومكة المكرمة، وقد احتفلت الصين عام 2005 بمرور 600 سنة ‏على أولى رحلاته. وبعد انكفاء غير مبرر عادت الصين للبحر مدعومة بصناعة بحرية ‏ضخمة، حيث بلغت وتيرة تصنيعها إنجاز فرقاطة وغواصة كل شهر مع طموح لتجاوز ‏الولايات المتحدة في هذا المجال، مما دفع أوباما قبل عشر سنوات لوضع خطة ‏الاستدارة الأمريكية نحو الشرق لوقف حجي محمود شمس الجديد والقوة البحرية ‏الصينية الجدية. لكن الصين سيكون لديها 6 حاملات طائرات، أما السفن الحربية من حجم ‏كورفيت ‏corvettes‏ فقد قفز من 16 سفينة في 2012 إلى 56 اليوم. أما ‏المدمرات ‏destroyers‏ فقفزت من 18 إلى 29 مدمرة صينية.‏

أما الإرث البحري الأمريكي فيورد أن الضابط البحري الأمريكي الأميرال ألفريد ماهان ‏قد وضع قبل قرنين مفهوماً جديداً للقوى البحرية في التاريخ، فقوى البحر تتفوق دائماً على ‏قوى البر. حيث إن قوى البحر أكثر حصانة لإحاطة المياه بها من كل جانب، وهي التي ‏تتحكم في حركة التجارة البحرية أثناء السلام والحرب، وعليه سادت أمريكا العالم من ‏هذا المبدأ وليس كما يعتقد البعض بالقوة النووية. ثم عقد معرض لوبورجيه الفرنسي»‏Le Bourget‏» للقوة البحرية الأوروبية، وكان اهم مخرجات ذلك المعرض هو أن العالم في سباق تسلح بحري، كما أن من ‏المؤشرات عودة القوة البحرية الأوروبية، وقد دفعت الأوروبيين لذلك حقائق منها أن ‏هناك 40 دولة تملك غواصات، وأن العدو المفترض وهي موسكو قد أضافت 28 ‏سفينة حربية في عام 2018 لوحدة. كما أن من الأسباب أن الأوروبيين كانوا ‏يتصدرون المركز الثالث بعد أمريكا وروسيا قبل عشرين عاماً وانتهاء الحرب الباردة ‏. أما الآن فقد سبقتهم الصين واليابان فصاروا في المركز الخامس، والسادس. ومن ‏مؤشرات الرجوع الأوروبية تركيز بريطانيا على حاملات الطائرات من نوع إليزبيث ‏الثانية لتقلع منها طائرات ‏ F-35B‏. أما فرنسا فبرنامجها لتطوير قوتها البحرية ‏سيتحقق 2030 وتركز على الطائرات بدون طيار والعصر الرقمي في كل ما تصنع. ‏تليها ألمانيا التي تصنع قوة بحرية تتكفل بالدفاع عن الجناح الشمالي لحلف الناتو ‏بشراكة مع النرويج وفرنسا وهولندا.‏

أما البحرية الخليجية رغم الواجب البحري الضخم عليها إلا أنها الخاصرة الضعيفة في ‏الجهد البحري الخليجي منفردة او مجتمعة، فقد استثمرنا في القوة الجوية بوتيرة عالية ‏طوال ثلاثة عقود، تليها القوة البرية. ولا ننكر أن هناك جهد للنهوض بالبحرية ‏الخليجية لكنه لا يرقى لرفعها عن مستوى عمليات خفر السواحل، ولنا في عدم مقارعة ‏قوارب الحرس الثوري الإيراني في هرمز أو قوارب الحوثة في باب المندب خير دليل. ‏

* بالعجمي الفصيح:

‏القصور الأكبر للبحرية الخليجية أنه رغم أن تعاونهم يتم تحت سماء واحد لكن كلن له أفقه.

* المدير التنفيذي لمجموعة مراقبة الخليج

السبت، 17 نوفمبر 2018

ترامب فوق حطام السلطة الرابعة


رغم أن أول من استخدام مصطلح «السلطة الرابعة» هو المفكر والسياسي الأيرلندي إدموند بورك في ‏‏1787 خلال مناقشة في البرلمان، ولم يربطها في حينه بالسلطات الدستورية الثلاث، التشريعية والتنفيذية ‏والقضائية، بل القوة التي تؤثر في الشعب وتعادل، أو تفوق، قوة الحكومة. رغم ذلك لايزال الفهم الخاطئ للتعبير متداولاً، لكن الرئيس ترامب، اعتبر كون الصحافة والإعلام هي السلطة الرابعة مفهوماً مجادلاً فيه.‏

ومن مبدأ إذا كان سيفك قصيراً فأطله بالتقدم خطوة نحو الغريم، تقدم ترامب مهاجماً وسائل الإعلام ‏الأمريكية واصفاً إياها بإعلام الأخبار الزائفة وأنها حزب المعارضة. وأضاف في تغريدة ‏مشهورة «إنه أمر سيئ للغاية بالنسبة لبلادنا العظيمة.. ولكننا في سبيلنا للفوز» فترامب ‏يشعر أن وسائل الإعلام تشن هجوماً مدروساً ضده أكثر من أي وقت مضى، وضد ‏نصف البلاد من الذين يدعمونه، ويسفهون بآراء من انتخبه ويحقرون اختيارهم له.‏

وما يهمنا هنا أن الإعلام وترامب يمتلكان أدوات كثيرة لكن لم يوظفوها في الإثارة الرخيصة، على ‏الأقل حتى الآن. رغم أن الصحافة الأمريكية المناوئة لترامب قامت عبر تضامن حوالي ‏‏350 منصة إعلامية وصحافية أمريكية بنشر مقالات افتتاحية 16 أغسطس 2018، ‏تهاجم سياسته، حيث وصفت تصنيفه للصحافة بأنها عدو على أنه وصف استراتيجي ‏يهدف إلى تقويض السلطة الرابعة‏.‏ ورغم كل ذلك إلا أن ما جرى بين الطرفين لم يخرج ‏عن القيم الديمقراطية الأمريكية. وقد راهن الكثيرون أن صدام ترامب مع السلطة ‏الرابعة يعني تقهقره السريع نحو تدمير نفسه، فالصحافيان كارل برنستين وبوب وود ورد من ‏»واشنطن بوست» أسقطا الرئيس نيكسون في فضيحة تجسسه على مقر الحزب ‏الديمقراطي المعروفة باسم ووترغيت 1972 مما أدى إلى خلق ديكتاتورية الإعلام ‏التي سيطرت على بقية القرن العشرين. ويمكننا القول بنجاح ترامب في هزيمة ‏الصحافة في الجولة الأولى بدليل بقائه في السلطة عامين حتى الآن وعبر القيم الديمقراطية، بدون أن ‏يستعين بدرس من دروس قادة بعض دول العالم الثالث في تعاملها مع الإعلام.‏

إن ما نكتب حيال صراع ترامب مع السلطة الرابعة ليس فقط نظرة تحليلية، بل استشرافية لتصرفات رجل ‏يفتتح سوق الكلام في كل مؤتمر يعقده بطرد الإعلاميين، لأنه يعتمد على بتويتر. وبما أن السلطة الرابعة لم تهزمه ومازال في ‏منصبه فهو بالضرورة المنتصر. وفي ما يشبه العبور إلى اللحظة التي تتهاوى فيها أبراج الصهاينة ‏الإعلامية ألا يجدر بنا الابتهاج!‏

* بالعجمي الفصيح:

لقد خلقت ووترغيت من الصحافة ديكتاتورية فضة، فكيف تستمر هيمنة سلطة، أخذت ‏شرعيّتها من عصر آخر، وفي تقديرنا أن هناك احتمالات أخرى غير مرصودة الآن جراء ‏ضربات ترامب، فربما ترقى بالسلطة الرابعة وتقوم اعوجاجها. ولينظر من يخالفنا لانحياز الإعلام للصهاينة والتعتيم الذي تفرضه على قضايانا.

* المدير التنفيذي لمجموعة مراقبة الخليج

الثلاثاء، 6 نوفمبر 2018

متى سنشعر بالرهاب الإلكتروني "cyberphobia"



د.ظافر محمد العجمي 


في الولايات المتحدة تعد بعض الإجراءات غير المنطقية ضرورية لتؤسس وعي مجتمع الأمن الأمريكي بنفسه وبالعالم حوله، ومن ذلك نشر وزارة الدفاع الأمريكية إعلاناً يدعو قراصنة الإنترنت لاختراق أنظمتها، ولم يكن ذلك من باب التحدي بل عبر عقد عمل بقيمة 34 مليون دولار تحت مسمى مكافآت الاختراق السيبيري «bug bounties». جرعة القلق الإيجابية الأمريكية مردها الانتخابات التشريعية النصفية التي بدأت 6 نوفمبر 2018، والخوف من الاختراق الروسي أو الصيني والتلاعب بالنتائج تحريضاً أو تزويراً أو تخريباً. فهناك تقرير مفزع صدر عن شبكة «Breaking Defense» المختصة بالشؤون العسكرية تذهب إلى استنفار في وزارة الدفاع الأمريكية لدعم وزارة الأمن الداخلي، حيث يقول مساعد وزير الدفاع للأمن السيبراني الجنرال إدوين ويلسون «Edwin Wilson» إن أمريكا لم تستنفر قواتها السيبرانية لكنها أصدرت أوامر الاستعداد.

الاستطراد السابق عن الهم الأمريكي ضروري لربط مفاصل موضوع ثغرتنا السيبيرية الخليجية، حيث يبدو أننا في دول الخليج لا نشعر بالرهاب الإلكتروني «cyberphobia» مطلقاً، ولن نحيد عن موضوعنا لنتحدث عن «سياسة كتمان الاختراقات» التي تتعرض لها مؤسسات خليجية عدة، فسياسة الكتمان هي مثل الأخطاء الطبية التي لا يعلم بها إلا الله ثم الطبيب وجثة الضحية. وفي مقالة ضمن التحضير لصد الهجمات على الانتخابات يذهب الجنرال ويلسون إلى أنهم يتوقعون التعرض لهجمات لكنه يقلل حجم الدمار الذي ستحدثه. وفي ذلك تناقض مع الإجراءات المتخذة حيث يذكر أن جاهزية فريق الدفاع السيبراني تتم خلال ساعات، متجاوزاً حقيقة أن الحرب السيبيرية تتم في أجزاء من الثانية. ثم يقع في التناقض التالي وهو أن عدد رجال الدفاع السيبيري لوزارة الدفاع الأمريكية لا يتعدى المائة رجل. في الوقت الذي يبلغ فيه عدد الهاكرز الصينيين الـ2000 مخترق مما جعل الصين صاحبة 95% من عمليات الاختراق الناجحة على مستوى العالم. ويعود التخلف السيبراني الأمريكي بناء على رأي الجنرال ويلسون إلى البيروقراطية وعدم وضوح الأدوار بين مؤسسات الأمن الأمريكية، ولمن السلطة في تنسيق الأدوار، وسبب التداخل في أدوار المؤسسات. لكن الأخطر أن هذه العيوب يتم تقاذف الملامة فيها بين المشاركين ثم ضياع المحاسبة وكأنهم في دولة من دول العالم الثالث. على كل حال ستظهر نتائج الانتخابات النصفية جودة الحرب السيبرانية الأمريكية، لكن أهم ما في الدرس الأمريكي لنا في الخليج هو أن التطبيع بين وزارات الدفاع الخليجية ومؤسسات الدولة الأخرى يجب أن يتم فيه النظر. وجعل الحرب السيبرانية بنفس النسق الذي تقدم فيه المؤسسة العسكرية في حالة الحرب الماء والغذاء والطاقة والطبابة للجهات المدنية.

* بالعجمي الفصيح:

تحتم الهجمات السيبرانيّة المعلومة والمجهولة التي تعرضت لها دول الخليج ضرورة وجود هندسة أمنيّة جديدة تحت مظلة درع الجزيرة ولنبدأ بإبقاء وزراء الدفاع ورؤساء الأركان في مكاتبهم وليجتمع المبرمجون والمشغلون للأنظمة فهم أقدر على التعرف على الخطر.

* المدير التنفيذي لمجموعة مراقبة الخليج



الأربعاء، 31 أكتوبر 2018

فلسطين بين ‏تحرك استراتيجي ومجاملة دبلوماسية

د.ظافر العجمي 

منذ أن وعينا، ونحن نسمع بشكل متكرر عن وصول القضية الفلسطينية لطاولة مفاوضات، ‏لنكتشف أنها كانت تصل لطاولة تنس تتعرض خلاله للضرب من كلا الجانبين، ورغم الضرب فإن هناك ‏من يخفف ما تتعرض له القضية بالقول، إن دبلوماسية تنس الطاولة بين بكين وواشنطن كان لها تأثيرها ‏في تحسن العلاقات بين البلدين في السبعينيات.‏
وفي الأيام القليلة الماضية، ظهر ما يشي بضجر العالم من أزمة الشرق الأوسط، وأن هناك من ينظر ‏للصراع العربي الصهيوني كدورة تاريخية اكتملت ثم انتهت، وثمة مؤشرات قد تُقرأ لصالح هذا التحليل، ‏بل إن هناك من يذهب إلى أن الأمر لم يعد مجرد تحليلات مبنية على مؤشرات فرنسية ‏وأميركية وفلسطينية متناثرة، بل أكثر، ولعل آخرها لقاء على آخر حدود جزيرة العرب، سبقته زيارة لعباس، لكن حركة فتح وصفت زيارة نتنياهو بنسف لمبادرة السلام العربية، ‏القائمة على أساس الأرض مقابل السلام الشامل، ومن ثم إقامة العلاقات بين الدول العربية وإسرائيل.
المؤشر الفرنسي هو فيما قاله المسؤول في وزارة الخارجية الصهيونية ألون أوشبيز للجنة في الكنيست: إنه في ‏حال لم يقم الرئيس الأميركي دونالد ترمب بطرح خطته للسلام الإسرائيلي-الفلسطيني في الشهر المقبل، ‏فإن الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون سيطرح اقتراحاً خاصاً به، وقد أوعز ماكرون لوزارة خارجيته في ‏أواخر أغسطس بدراسة أفكار لإنهاء الصراع.‏
أما المؤشر الأميركي، فسيظهر مدى صدقه في النصف الأول من الشهر المقبل، ففي 6 نوفمبر ستجرى ‏انتخابات التجديد النصفي، وهي الانتخابات التي يتوقع أن يحقق الديمقراطيون فيها مكاسب في ‏الكونجرس، وهو أمر ليس في صالح إسرائيل، ولا في صالح ترمب الذي سيضطر حينها إما لعرض خطته «صفقة القرن» التي طال انتظارها، أو الوفاء بوعده لماكرون بالضغط على رئيس الوزراء ‏نتنياهو لقبول مبادرة سلام، حيث سيلتقي ترمب ونتنياهو في 11 نوفمبر في باريس، للمشاركة في ‏مراسم الذكرى المئوية للحرب العالمية الأولى.‏
أما المؤشر الأخير، فهو فلسطيني التفاصيل، فبعد أن أوصل صمود «حماس» إلى تفاهم استراتيجي كبير مع الصهاينة، ‏صمد عباس من جهته كرئيس للسلطة في وجه الضغوط الأميركية، حيث تم تهميش دور واشنطن ‏في القضية الفلسطينية بعد قطع التمويل الأميركي عن «الأونروا»، وخلق توازن دولي غطى العجز ‏الذي واجهته المؤسسة الأممية، بعد جمع تعهدات بقيمة 320 مليون دولار.

بالعجمي الفصيح:
يكبّل إرث الأجيال الراحلة نظراءهـم الأحياء، لكن الضجر من الإرث الفلسطيني ‏يبقى أفضل من تبني الحلول العجولة بمجاملات دبلوماسية، وليس بتحرك استراتيجي محكم.;

الأربعاء، 24 أكتوبر 2018

مطوع يقرأ على عسكري

د.ظافر العجمي
في الولايات المتحدة يقوم ما يقارب الــ 20 جندياً من العائدين من الحرب ‏بقتل أنفسهم كل يوم، مما يعني قتيلاً كل 72 دقيقة، ليموت 7300 جندي في ‏السنة،‎ ‎وهو رقم يفوق عدد الجنود الأميركان الذين قتلوا في المعارك في ‏العراق وأفغانستان. وتسمى الحالة النفسية التي تقود الجندي لقتل نفسه اليوم ‏اضطراب ما بعد الصدمة، كما سُميت بـ «متلازمة ‏حرب الخليج»، ومن قبلها «متلازمة فيتنام»، وفي الحرب الكورية سميت بـ «إعياء المعركة»، أما في الحرب العالمية الثانية فقد سموها «تعب المعركة‎»، فالمرض قديم قدم حيرة قابيل بعدما قتل أخاه هابيل. وقد شاهدت قبل أيام الفيلم العسكري الجديد «‏‎ ‎Thousand Yard Stare»، والذي يروي الأعراض الجسدية والنفسية التي ظهرت على ‏الجنود المشاركين في الحرب. وكيف يختلف تفاعل الرجال مع هول المعارك، فتستمر الأعراض ‏عند البعض أياماً، والبعض الآخر يصاب بصدمة المعركة المتصلة‎ ‎حتى ينهي حياته ‏بنفسه، أو يعيش مرتاعاً، يعاني من أعراض أكثرها شيوعاً السرحان، والصمت ‏الطويل، والتردد، وتباطؤ زمن رد الفعل، وبطء التفكير‏‎، وصعوبة تحديد أولويات ‏المهام، وصعوبة تنفيذ المهام الروتينية اليومية، والغضب بهياج، وفقدان التركيز، بالإضافة إلى الإرهاق، والشعور ‏بالاستنفاد.‏ وقبل سنوات سألت عن كيف أتعامل ‏كضابط مع جندي الإغرار الصغير حين يصاب بصدمة المعركة‎ ‎‏أو حتى المناورة فيلقي سلاحه، ويصيح فاراً نحو عدو أو حقل ألغام؟
فقال من سألت مغلفاً جهله بسخرية: «أضربه كفين إلى أن يصحى»، وقال آخر: «خل مطوع الكتيبة يقرأ عليه».
وبناء على ما حدثني به المختص في هذا المجال د. عدنان الشطي لا يوجد كتاب خليجي واحد يوثق مشروعاً عن الآثار النفسية للحروب التي شارك ‏بها العسكري الخليجي، سواء إقليمية أو مع قوات القبعات الزرق، ومعظم الكتابات كانت حول ‏الظاهرة لا تتجاوز إبداء الرأي، أو عن مرض حرب الخليج بشكل عام.‏ ‏المهم في الموضوع أن قوات التحالف العربي تخوض في اليمن من الجو والبر والبحر حرباً ‏ضروساً، يتعرض فيها رجالنا منذ أعوام لكافة الضغوط النفسية و‎هول المعارك وضراوتها‎، بل ‏إن المتفجرات فيها أقوى، والألغام أكثر مراوغة، والقناصة أكثر خبثاً، مما يجعل أولادنا يعيشون ‏حالة من الاستنفار لا يمكن أن يزول بمجرد مغادرتهم الجبهة، فكيف يتم تأهيل من عانوا ‏صدمة المعركة من الجنود الخليجيين الذين يهز نفوسهم رد الضربات الصاروخية عابرة ‏الحدود، ويدمي وجدانهم الكوابيس التي يرون فيها رفاق سلاحهم يحترقون في الآليات، أو تنهار ‏عليهم صخور الجبال! وإن تجاوزوا ذلك فكيف يتجاوزون منظر مجاعة الملايين من اليمنيين ‏الذين يحرمهم الحوثي من الإمدادات، أو إصابة مئات الآلاف في أسوأ أزمة للكوليرا.‏

بالعجمي الفصيح
أتمنى أن يكون الطب النفسي العسكري بمستوى التحدي، فحين يصاب جندي خليجي في انفجار قنبلة زرعها الحوثي على جانب الطريق ينظف المسعف الجرح، ويخرجون الشظايا، ثم يضمدونه منعاً للالتهاب؛ لكن من يضمّد جندي التحالف العربي نفسياً من صدمة المعركة الممتدة؟;

الأربعاء، 17 أكتوبر 2018

لا يموت ترامب ولا تفنى الغنم

د.ظافر العجمي 
تظهر مأساة التغلغل البدوي في معاييرنا السياسية عند الحديث عن العلاقات الخليجية الأمريكية ‏في عهد الرئيس ترامب. حيث يتباهى بقدرته على التفاوض وعقد الصفقات، وهو يلوح بالقوة للوصول ‏للنتائج التي يريد. كقوله: نحمي دول الخليج، ومن غيرنا لن يكونوا آمنين، ومع ذلك يواصلون رفع أسعار ‏النفط! حينها يظهر على جبيننا العربي ما امتص بشكل مبالغ فيه من الخصائص البدوية. فنقعقع بالشنان دفاعاً عن الكرامة، بالضرب على قربة جافة مثقوبة كما فعل أجدادنا العرب ونصيح حتى تهج ‏الإبل في وجه العدو.‏

لكن واقع الأمر يؤكد أن ترامب يتحدث كرجل دولة ورئيس القوة العظمى الوحيدة في العالم حتى ‏وإن كان بأسلوب صدامي ومباشر في طرحه. وحتى وإن تنامي التوتر بينه وبين حلفائه الأقرب من ‏الدول الأوروبية بعد تطبيق نهج معاقبة الحلفاء عليهم، رغم أنه نهج لمواجهة الخصوم.‏

لقد خلقت الدبلوماسية لتجاوز خسائر القوة، ونحن في الخليج لم ننتهج دبلوماسية توقف سوء ‏التواصل مع ترامب، رغم أن ذلك يمثل خصماً من رصيد عمل مضنٍ تأسس مع واشنطن منذ ما يقرب من ‏ثلاثة أرباع القرن. فليس صحيحاً أن الولايات المتحدة لا تعرف من هم أصدقاؤها الحقيقيون.‏ فواشنطن لن ‏تجازف بخسارتنا، لأسباب نفطية أو اقتصادية، فلأهمية الخليج جوانب أخرى تعيها حين لم يكن لدينا نفط ‏ولا ثروة مالية. وعلى الخليجيين مراجعة اللغة الدبلوماسية التي نستخدمها مع ترامب واختيار قوالب جديدة يفهمها رجل في السبعين ينام وحيداً ويفكر كتاجر ورجل أعمال وعقار، يدفعه للنهوض من فراشه ‏كل يوم إحساس أنه رئيس أقوى دولة في العالم وهو شعور موازٍ للإحساس الحاد بالكرامة، والحساسية المفرطة تجاه الإهانات والذي يتقمصنا حين التعامل مع مؤثر خارجي.‏

‏نقترح للتعامل مع ترامب نظرية لا يموت الذيب ولا تفنى الغنم، وبأن تبقى السيوف في غمدها للمكاره ‏الكبرى. والسعي لتوطيد العلاقة مع ترامب باستعمال نبرة صوت وألفاظ يفهمها. وترك مساحة تسويق ‏انتخابية له ليتذمر قليلاً، ويُعبر عن رأيه للتنفيس عن مشاعر ناخبيه الداخلية. ثم إظهار تفهمنا لتصرفاته، ومراعاة الفروق بيننا في القيم الديمقراطية والسياسة الأمريكية. مع الثبات على الرأي وعدم ‏التساهل في قضايا السيادة بطريقةٍ يفهم منها عدم قدرتنا على تحمل التقلبات في المعايير.‏

* بالعجمي الفصيح:

المرونة السياسية «‏Compromise‏» وضع بعضاً من أسسها الشاعر الكبير صقر النصافي المولود ‏بالكويت 1878، والملقب بشاعر الجزيرة العربية الأول، حتى وفاته 1948، حيث قال في ترامبية ذلك ‏العصر:‏

إذا بلاك الله بعاقة

من مقاريد الرفاقه

فاحتمل منه الحماقة

حتى ربك يقلعه ‏


* المدير التنفيذي لمجموعة «مراقبة الخليج»

الأربعاء، 3 أكتوبر 2018

هل كل الحروب شر؟


د.ظافر العجمي 
عندما تقول إن الأسلوب الأمثل لتحقيق الأهداف الاستراتيجية الوطنية هو الحرب، يقفز من يتهمك بالموبقات التي اقترفها الجنرال الأمريكي كستر حين قتل الهنود الحمر فحصد الاشمئزاز الشعبي الأمريكي عامة. أو رودولفو غرزياني القائد الإيطالي الذي اغتال عمر المختار. ولأنك أصبحت من الجنس العسكري أو «دعاة الحرب» فقد تحيط بك الذئاب المسالمة، والثوار بلا قضية والمتنقلون من قضية أنقذوا الحيتان، إلى المرددين أغنية البيتلز أعط السلام فرصة «Give Peace a Chance» ليحملوك وزر كل الحروب الظالمة والعادلة. وحين تنطق الجملة الأخيرة يقفز متحذلق: إن كان هناك حرب عادلة أصلاً! وبلا طائلة نوضح أن الأمم تذهب إلى الحرب لسبب من ثلاثة، الشرف أو الخوف أوالمصلحة‏، وأن واقع السياسة الفعلي هو «الحرب»، وأن السلم ما هو إلا لحظة مؤقتة ‏واستثنائية، فإذا لم تكن هناك حرب تقليدية قائمة فهناك حرب هياكل لا متماثلة أو حرب سيبرانية. لسنا بوقاً يبرر الحرب، بل متفكرون في قول الله تعالى «كُتب عليكم القتال وهو كرهٌ لكم وعسى أن تكرهوا شيئاً وهو خير لكم وعسى أن تحبوا شيئاً وهو شر لكم والله يعلم وأنتم لا تعلمون»، «سورة البقرة: الآية 216». بل ونحن منتقدون تقصير مراكز الأبحاث في سوء تقييم الأوضاع السياسية والاقتصادية والاجتماعية قبل وبعد الحروب.‏

ومن حق البعض الاستغراب حين نقارن ما لا يقارن، فعدم الحرب قد يعني الذل وليس السلم، فحرب الاستنزاف مثلاً كانت عادلة لنا، فقد كبدت الصهاينة خسائر أكثر من كل الحروب مادياً ومعنوياً، ونعمت عظامهم لتلقي ضربة أكتوبر1973، وحرب تحرير الكويت 1991 كانت عادلة ليس لأنها أعادت شعباً إلى أرضه فحسب بل قد كفت بقية دول الخليج مشقة إخراج القوات العراقية من كل دول الخليج لو أكمل جيش الظلام مسيره الهمجي في أغسطس 1990. كما أن حروب الشعوب المطحونة قد أسقطت الكثير من الطغاة حول العالم وكانت عادلة كما قال إنجلز «الحرب على القصور والسلام للأكواخ‏». فالحرب في بدايتها تجعل الاقتصاد ديناميكياً، وتطور الصناعات والتكنولوجيا العسكرية، ففي حرب اليمن يتم حالياً تجربة منتجات المصانع العسكرية الخليجية. أما معنوياً فالحرب تصنع تاريخ الشعوب عبر صنع الأبطال والبطولات، فما أتعس شوارع تحمل أسماء الوجهاء ويغيب عنها الشهداء، والحرب تفرض هيبة الدولة وتزيد اعتزاز المواطنين ببلدهم وقادتهم، وتؤجج الوحدة الوطنية، والحرب تزيد من ثقة الشعوب في نفسها، وتفرض ثقافات السلام على ثقافة الحرب ولو على الشعوب المهزومة.

* بالعجمي الفصيح:

الحرب فعل نبيل، إذا كان هدفها نبيلاً، لكن البلادة السياسية قد تدفع للحرب لقصور في العمل السياسي المحكم. ويدفع لاستمرار الحرب من يود البقاء على رأس صناعة القرار، وتجار الحرب، ومن يلهي الناس عن أولوياتها الحقة، والأسوأ هو من يدعي ضبط المعاناة الإنسانية الناتجة عن الحرب فيما هو مغرق في الاستفادة من تضييع فرص السلام.

* المدير التنفيذي لمجموعة مراقبة الخليج

الثلاثاء، 18 سبتمبر 2018

صناعة السلاح الخليجية في حرب اليمن

د.ظافر محمد العجمي 
للحرب صفة مرحلية لإزالة المعوقات التي تعترض سبيل الحياة السلمية، لكن دورات الأيام المثقلة ‏بعبق البارود جعلت صناعة السلاح تروج للحرب بوصفها منتج جديد. وقبل ‏أيام لفت نظري صورة وتعليق عن آلية القتال «نمر» التي صممتها وصنعتها مجموعة بن جبر ‏الإماراتية واقفة شامخة أمام بوابة قوس النصر في مدخل مدينة الحديدة، فهل نقلت حرب اليمن صناعة ‏السلاح الخليجية من الهامش إلى المركز؟

بصورة ملحوظة قفزت الصناعة العسكرية الإماراتية من محط الأنظار إلى رغبات طلب الشراء من دول عدة. فليس من ‏المستغرب إذاً أن نجد في مسرح عمليات اليمن صاروخ «الطارق» وآليات «جيس» المدرعة لمهام الاستطلاع والدوريات، والطائرات دون طيار «يبهون ينايتد 40»، وبندقية القتالية «كاراكال» 5.56 ملم، التي باعتها أيضاً للبحرين، والعراق، والأردن، ‏والجزائر.

أما السعودية الشقيقة التي أولت منذ تسلم الملك سلمان، اهتماماً بالغاً بمسألة توطين الصناعات العسكرية ‏والدفاعية، فلديها الكثير من الأسلحة في مسرح عمليات إعادة الشرعية اليمنية فرؤية السعودية ‏‏»2030» راعت مسألة توطين الصناعات العسكرية بنسبة 50% مقارنة مع 2% من قبل، لذا ‏تدعم قوات التحالف العربي مصانع سعودية للذخيرة ولقذائف المدفعية ومقذوفات ‏الهاون، وكذلك القذائف الثقيلة وقنابل الطائراتMk84 ‏ والتي تتراوح أوزانها بين 500 و2000 رطل، ‏فأغلب الذخائر الخفيفة والمتوسطة في حرب اليمن تصنع في السعودية. بالإضافة إلى مشاركات العربة المدرعة ‏الشبل 1 والشبل 2 ومدرعة طويق. وأنظمة الاتصالات العسكرية. بل وحتى الطائرات بدون ‏طيار «الرينبو» المصنعة بالمملكة.‏

إن وجود السلاح المصنع خليجياً في حرب اليمن يتجاوز أن يكون عنواناً مشبعاً بالرمزية والإيحاء، فدول ‏الخليج جهزت نفسها جزئياً وكلياً في بعض الجوانب من صنع يديها، يدفعها لذلك أمور منها:‏

- إن السلاح الخليجي تطلبه دول عدة في المعارض التي تقام سنوياً ‏وتلك تزكية دولية له.

- إن غياب المشتري لا يعني كساد المنتج، فحرب إعادة الشرعية خير زبون.

- لقد هيأت حرب اليمن تجربة السلاح الخليجي في الظروف التي صنع من أجلها «Battle-tested».

- تلكؤ الإدارة الأمريكية والقيود الأوروبية الجائرة على بيع الأسلحة خير دافع لاستخدام ما نصنع.

‏- إن كبرى شركات التصنيع العسكري في العالم في حل من قوانين إرسال الأسلحة لدول التحالف العربي طالما كانت الصناعة تتم في دول الخليج.‏

- صارت دول الخليج مركز هياكل عسكرية كثيرة كالتحالف الإسلامي، وتمرين رعد الشمال، وقوات درع ‏الجزيرة وأخيراً تحالف الشرق الأوسط الاستراتيجي»‏MESA‏»، فالحاجة مستقبلاً كبيرة للسلاح الخليجي.

* بالعجمي الفصيح:

إن القراءات المجتزأة التي تشوش على المتابع صورة جهد دول الخليج في اليمن، تغيب جوانب إيجابية كثيرة ابسطها وجود السلاح المصنع خليجيا في يد رجالنا لإعادة الشرعية.

* المدير التنفيذي لمجموعة مراقبة الخليج

الأربعاء، 12 سبتمبر 2018

البصرة مدينة الانتفاضات

د.ظافر العجمي
      
قبل أن يموت في المستشفى الأميري في الكويت «1964»، كتب بدر شاكر السياب رائعته «غريب على الخليج» فقال: جلس الغريب، يسرّح البصر المحيّر في الخليج.. إلى أن يقول.. صوت تفجّر في قرارة نفسي الثكلى: عراق.. ثم يتفجر السياب مجدداً: الريح تصرخ بي عراق. والموج يعول بي عراق، عراق، ليس سوى عراق. لكن «شاعر المطر» يموت ولا يعود للبصرة التي ولد فيها. لكن البصرة الوفية بنت له تمًثالا «1971»، على شط العرب، فيطاله العبث الأيديولوجي والطائفي كغيره من رموز البصرة، وحين رمم مؤخراً، وبدل إحاطته بسور من الزهورأاحيط بسياج حديدي وكأن السياب سجين وهو تمثال.

وقبل أن ترفع الحياة الكلفة مع أهل البصرة، وقبل أن يصل الطغاة إلى سدة الحكم في العراق، كانت البصرة منتجعاً فخماً للخليجيين ولها ارتباط وثيق بهم. لذا لم نتقبل أن تقفز البصرة إلى أعلى قائمة الأخبار مؤخراً فقط بعد حرق القنصلية الإيرانية، وكأن القنصلية هي أهم ما في البصرة. فبروز خبر حرق القنصلية لا يظهر تغلل إيران بالعراق فحسب، بل أظهر كيف ضاق «الزلم» العراقيين ذرعاً بالشادور الإيراني الذي ألبسوهم إياها فلا هم يرون النور ولا هم يظهرون كرجال قادرين على صناعة مستقبلهم. إن ما يحدث مؤشر لرفض العراقيين للخضوع التام للفساد القادم من الشرق والذي نفذه رجال المنطقة الخضراء عبر مشاريع التنمية التي لا وجود لها على الأرض. فالعراق العظيم ليس هشاً ضعيفاً ليسودها رعاع الطائفية. فللبصرة أمجادها التي ستستقي منها الصمود كصمودها في الحرب مع إيران والثورة الشعبانية، ووقفوهم في وجه صولة الفرسان الأمريكية - المالكية.

إن من المحزن أن يتساقط القتلى بنيران الأجهزة الأمنية وتدمر المدينة وتقطع الطرق ويموت الأبرياء. فالساسة لاهون في المنافسة على تولي رئاسة الوزراء. بل إن الأشد إيلاماً هو غياب السيد آية الله السيستاني، إلا من دعوة ألقيت بالنيابة عنه في خطبة الجمعة تدعو إلى «إصلاح الوضع السياسي في بغداد ووقف العنف بحق المتظاهرين السلميين» في مدينة البصرة. ففي البصرة مدينة الانتفاضات ظهرت المرجعية في حماس أقل من حماسها حين أفتت بتشكيل الحشد الشعبي، فهل يكون مصير مدينة الانتفاضات كمصيرها المظلم بعد كل انتفاضاتها الماضية!!

نحن في الكويت والخليج أولى بالاهتمام بما يجري في البصرة، فهي بوابة مآسينا، منها لعلع غازي، وحشد قاسم، وغزانا صدام. لذا يجب أن تكون البصرة سداً أمام جنون العراق لا ثغرة يتسرب منها. فخراب البصرة هو خراب للخليج كله فهي الجسر البري بين حضارتين متحديتين لبعضهما.

* بالعجمي الفصيح:

حتى لا يكون مصير مدينة الانتفاضات كمصيرها المظلم بعد كل انتفاضاتها الماضية، علينا أن نساعد في إطفاء حرائق البصرة وكأنها دولة خليجية وأن نطالب بقمة عربية ومبادرة عربية لاستقرار البصرة المطلة على الخليج وعلينا.

* المدير التنفيذي لمجموعة مراقبة الخليج

الثلاثاء، 4 سبتمبر 2018

أين سيتكرر السيناريو الفنزويلي؟!

د.ظافر العجمي 

بعد رحيل الرئيس الفنزويلي شافيز بقيت رؤية خلفه نيكولاس مادورو، تدور حول الصورة شبه ‏الكلاسيكية للنظام المعادي لواشنطن والرأسماليه والغرب بشكل عام. مما عرض بلاده لأسوأ أزمة ‏اقتصادية واجتماعية في تاريخها الحديث. لقد اجتمعت معاول كسر الاقتصاد المعروفة على فنزويلا، كتراجع أسعار ‏النفط، والتضخم، والبطالة، وانهيار العملة جراء العقوبات الأمريكية، مما أوقف التمويل الخارجي ومنع ‏التبادلات الاقتصادية .‏

كما كان هناك إخفاق في تعريف ما يجري كانعدام أبسط الاحتياجات ببلد غني بالنفط وتضخم ‏بأرقام لا تصدق وصلت أن الراتب يشتري بيضتين فقط، بالإضافة إلى الخوف من المستقبل حيث أدت مجتمعة ‏لفرار المواطنين الفنزويليين لدول الجوار كالبرازيل وتشيلي وبيرو والإكوادور وكولومبيا. والمصيبة أن ‏دول الجوار لم تفتح ذراعيها لهم لأسباب كثيرة أولها الأزمات الاقتصادية في هذه البلدان، وآخرها ‏التوصية الأمريكية بردهم ليشكلوا مطرقة تهشم النظام الحاكم، وهذا ما جرى حين انهال حرس الحدود ‏البرازيليين عليهم بالهروات.‏

ميراث الدولة الثورية لا يزال ثقيلاً في شوارع كراكاس، والاعتراف بعدم القدرة على تجاوز الأزمة ‏جاء بأشكال متعددة، كالشكوى على واشنطن في محكمة العدل الدولية بظلم العقوبات، وطرد ‏وزراء يحملون ملفات التجارة والاقتصاد، والقيام بإجراءات بخصوص العملة، والوعد ‏ بإصلاحات غير ‏واقعية وغير قابلة للتطبيق، والتهديد بعقوبات كيدية كإغلاق قناة بنما ومنع مرور السفن، واتباع حرس ‏الحدود البرية والبحرية سياسة غض الطرف بدل التشدد تجاه عربات أو قوارب اللاجئين، بل وإرشاد ‏اللاجئين للجهات التي يقصدونها. ففي ذلك فائدة لتحميل الدول المضيفة عبء ‏ما تتعرض له من عقوبات.‏ ‏فموجات اللاجئين ستصبح سلاحا جديدا سنراه في الخليج والمحيط الهادي كما فعل الأسد مع تركيا وأوروبا. ويتفق كثير من المحللين ان أزمة تبعات العقوبات الامريكية تعود الى استراتيجيات البقاء التي اتبعها ‏النظام منذ قيام «الثورة البوليفارية» على يد هوغو شافيز، الذي شيطن واشنطن والغرب، وأراد تصدير ‏مبادئ حكمه لجواره الاقليمي، وبدد دخل شعبه المرتفع من النفط في مغامرات، بل وكرس ديكتاتورية ‏القائد الاعلى عبر المعاملة الوحشية للمواطنين والفتك بالمعارضة وتخوين كل من يطالب بالحريات.‏

‏ وليس وصفنا ما يجري في فنزويلا إيحاء معتمداً أريد له أن يصبح استنتاجاً في النهاية عبر ‏الخلط بين دولتين تشابهت ظروفهما وما تمران به حد التطابق، مما يجعل فرار شعب الثانية حتمي كما ‏في الأولى، بل يتجاوز لسؤال دول الجوار إن كانت مستعدة للمهاجرين الفارين كما استعدت البرازيل ‏بالهراوت، أم تستقبلهم كما استقبلت ميامي الكوبيين لستة عقود بالأحضان، وكما - سبق أن توقعنا - فهم فارون!‏

* بالعجمي الفصيح:

مر سهل بن مالك الفزاري بحي فسأل عن سيده، فقالت له حسناء، هو حارثة الطائي، لكنه غائب، وأنا أخته ‏حياك الله. فنزل فأكرمته، ثم خرجت من الخباء فبهت من جمالها، وأراد أن يقول ما لا يجرحها، فأنشد :

يا أخت خير البدو والحضارة /كيف ترين في فتى فزارة‏

أصبح يهوى حرة معطارة/إياك أعني واسمعي يا جارة

فلما سمعت قوله علمت أنه إياها يعني، فصار قوله «اسمعي يا جارة» مثلاً.

* المدير التنفيذي لمجموعة مراقبة الخليج

الاثنين، 3 سبتمبر 2018

مجلس التعاون.. الأندلس الصغير

د.ظافر العجمي 
قبل أن نصل إلى مدينة غرناطة عند سفح جبال سييرا نيفادا وطوال الطريق البالغ 900 كلم كان يكفي أن تقف وتصور بأي اتجاه بدون تحديد الكادر، وبدون مهارة بالتصوير، لتحصل على لقطة يعلق مثلها في صالة منزل بأي بقعة من العالم، فتدرج لون التلال من الذهبي إلى الأخضر مرصعة ببيوت صغيرة بيضاء يتوجها قرميد أحمر، فيما زرقة السماء تظهر شدة بياض قطع السحاب، كلها مناظر تحيي ملكة التذوق التي غيبتها مرارة الأيام. وفي ثنايا جمال الأندلس يقفز تفسير مقنع لتجشم كهل عمرة 75 عاما، اسمه موسى بن نصير، ليقطع على حصان مشقة سفر 3 آلاف كلم ليرى ما تم فتحه عام 711م، لقد كان القائد العظيم بن نصير - والذي كان بيده قرار فتح الأندلس فأرسل الجنرال الفذ طارق بن زياد - يسير في جنة الله في الأرض.

وفي تقديرنا أن نزعة الاتكال المفرط على الدروس التاريخية، هي تكريس للقوالب وحائل دون التفكير خارج الصندوق، إلا رواية الأندلس من جوانب ملتبسة. ومن ذلك ملاحظة عدم يأس الأسبان طول ثمانية قرون من اخراج المسلمين رغم الحضارة والرقي والنعيم الذي بناه المسلمون، فالوطن المحتل جحيم حتى يتم تحريره، فالإسبان شعب عظيم مما يجعل لحكمنا لهم معنى نفخر به. أما الأمر الثاني فهو أن مقاومة الأسبان للمسلمين قد بدأت مبكرة، واشتدت حتى تساقطت الإمارات الإسلامية واحدة بعد الأخرى من العاصمة قرطبة إلى بلنسية ثم إشبيلية، وعليه فحكم العرب للأندلس كان خمسة قرون فقط، وتساقط قطع الدومينو قد لا يعاصره جيلين فيعتاد عليه من يخلفهم. أما أهم ما يلفت النظر فهو نموذج غرناطة أو كما اتفق على تسميتها «الأندلس الصغيرة». فلم يبقَ سوى مملكة غرناطة التي بقيت صامدة في بحر من الكيانات المسيحية قرابة قرنين ونصف رغم صغر مساحتها وقلَّة سُكَّانها، حيث حافظت على قوتها وثقلها السياسي كصانعة للاحداث ليس في العلاقات المسيحية الإسلامية بل كانت تتدخل بين القوى المسيحية نفسها. ويرجع صُمودها لاسباب كثر، أبرزها بعدها من يد الممالك المسيحية القوية، واتكائها على المغرب كعمق استراتيجي، وارتفاع جاهزية أهلها العسكرية بالتدريب والسلاح والحصون، بالإضافة إلى قوة العقيدة بضرورة البقاء التي قواها تصميم الهاربين إليها من سائر مُدن الأندلُس على الصُمود والتضحية، والجهاد. لكن الاندلس الصغيرة سقطت في النهاية 1492. ولم ينفع غرناطة أن المُسلمين في المشرق كان يُحققون النصر تلو الآخر تحت رَّاية سُليمان القانوني العُثمانيَّة، الذي اتفق مع أمير البحار خيرُ الدين بربروسا «Barbarossa» لاسترجاع الأندلُس، فقد اندفع الإسبان والبرتُغاليّون بأساطيلهم لِتطويق المسلمين عبرالمُحيط الهندي، ولم يحقق الاميرال الاعرج الاعور ذواللحية الحمراء كما تصوره السرديات الغربية إلا حمل الهاربين من محاكم التفتيش.

* بالعجمي الفصيح:

مثل غرناطة كان مجلس التعاون ولازال آخر معقل من معاقل الوحدة العربية فقد تهاوت قبله كل اشكال الوحدة التي قامت، بالاستعمار والاحتلال والخلافات والربيع العربي. ومثل الاندلس الصغيرة ها هي أركان أندلسنا تهتز، وإن طال فلن ينفعنا بربروسا.

* المدير التنفيذي لمجموعة مراقبة الخليج

السبت، 25 أغسطس 2018

تنمر المنظمات الدولية ضد دول الخليج

د.ظافر العجمي 
الحديث عن التنمر في الغرب يركز على التنمر وتسلط الأقران على بعض في المدارس وما يحدث في البيئات التعليمية. ولأن الغرب يعي أن الأنظمة في العالم الثالث تواجه بصفة عامة ثلاثة تهديدات لبقائها وهي الانقلابات والثورات والتدخل الأجنبي، وبعد أن وجدت صعوبة توجيه مخرجات الانقلابات والثورات عادت للتدخلات، لكن حتى تلك أصبحت ذات أكلاف مادية وسياسية عالية، فلجأت إلى التدخل عبر أذرع اخترعتها في البداية لتحقيق قيم وأهداف إنسانية نبيلة. ويقول مستشار الأمن القومي الأمريكي بريجينسكي إن استخدام تعبير الحرب على الإرهاب كان بهدف خلق ثقافة الخوف عن عمد لأنها تحجب العقل، وتزيد من حدة المشاعر، وتجعل من الأسهل على السياسيين الغوغائيين تعبئة الجمهور بالسياسات التي يرغبون في تمريرها. وقد سبق الحرب على الإرهاب تعبير حقوق الإنسان والحريات ثم حق حماية الشعوب من حكوماتها The Responsibility to Protect التي لم تطبق إلا في بلد عربي هو ليبيا.

في فساد الأزمنة تتعرض الدول في شرقنا العربي لتنمر هياكل ما بعد الدول، كتنمر محطة تلفزيونية دولية على الكويت قبل أسبوعين، أو تنمر جمعيات السلام الأخضر ضد شركات النفط، أو تنمر مراكز الأبحاث والدراسات الاستراتيجية التي تهدد عبر دراسات منمقة بإمكانية تقسيم الدول، أو ضمها، أو تعرضها للغزو، أو الزوال. وتحدث الشوفينية عندما تحاول منظمة دولية أو مؤسسة إعلامية قوية فرض ما تريده على بلد ما، وسلاحها التهديدات للدولة المستهدفة بأنه لن يُسمح لها بالانضمام إلى منظمة التجارة. أو بالحصول على قروض من البنك الدولي أو حق استيراد الأسلحة الحديثة من الدول الكبرى. وتشمل تكتيكات تشويه السمعة القدح والذم والتشهير في مجالات حقوق الإنسان للمواطنين في قضايا الرأي أو حقوق العمالة الأجنبية وظروف عملهم بطريقة يصعب فيها إثبات دعوى الافتراء، لتركيز هذه المنظمات الحقوقية والإنسانية والبيئية على حالات فردية معزولة عن الحالة العامة في البلد المستهدف.

ووفقاً لقانون العقوبات، تعاقب معظم الدول الأفراد على جريمة التشهير التي تشمل كل ما يجرح كرامة الشخص، بل وتوسعت في ذلك ليكون للمؤسسات حق مقاضاة من يمارس التشهير ضدها بعقوبة السجن أو بدفع غرامة مالية من قبل المعتدي إن كان فرداً أو مؤسسة. وفي الوقت نفسه تخلو وثائق الأمم المتحدة ومحكمة العدل الدولية من حق الدول في اللجوء لها لوقف تنمر هذه الهياكل من غير الدول، وتجاوزها الحد المعقول في حماية حقوق الإنسان سواء كان مواطناً أو عاملاً أجنبياً عبر امتطاء هذه المنظمات سبل تنتهك بها خصوصية الدول بدواعٍ ظاهرها نبيل وخافيها تحامل وتشهير ظالم.

* بالعجمي الفصيح:

يتساوى المراهق المتنمر مع المنظمات الحقوقية أو الإنسانية أو البيئية عندما تمارس تسلطها على بعض الدول دون الاعتماد على وقائع حقيقية فهم يشربون من بئر واحد‏ة. ومخزونات الانفعالات في دول الخليج أكبر من سواها لتعرضها للتشهير من قبل هياكل تعاني تستخدم الفقر الأخلاقي لسد فقرها المادي.

* المدير التنفيذي لمجموعة مراقبة الخليج

حروب الاصطفافات الأمريكية


د.ظافر العجمي 
تشبه تغريدات الرئيس ترامب أوامر العمليات العسكرية التي تعد حين صدورها خارج ثنائية ‏القبول والرفض، فقد كتب مؤخراً أن العقوبات الإيرانية فُرضت رسمياً. هذه العقوبات هي الأكثر إيذاء ‏التي يتم تطبيقها على الإطلاق، وفي نوفمبر، سيتم تشديدها إلى مستوى جديد. ومحتوى هذه التغريدة ‏مهم غير أنه ليس مقدساً بالضرورة، رغم أن ترامب هدّد بأن أي جهة تقوم بأعمال تجارية مع ‏الجمهورية الإسلامية لن يُسمح لها بالقيام بأعمال تجارية مع الولايات المتحدة. لكن سيل التصريحات التي أتت من عواصم القرار العالمي كانت أشبه بفترة تدريبية علنية على ‏صدام مع ترامب، وليس دعماً له كما اراد. فالصين رفضت طلباً أمريكياً بوقف استيراد النفط من إيران، ووافقت فقط على عدم زيادة مشترياتها من النفط الإيراني.‏ وروسيا ترى أن العقوبات على إيران تُشكل ‏مثالاً واضحاً على انتهاك واشنطن للقرارات الدولية. كما أعلنت تركيا أنها تعارض العقوبات الأمريكية ‏على إيران، وأنها ليست ملزمة بتطبيقها. أما أشدها فجاء من حلفاء واشنطن فالاتحاد الاوروبي وعلى ‏لسان الممثلة العليا للاتحاد، فيدريكا موغريني، أعلن أن الاتحاد يشجع زيادة التجارة مع إيران.‏ بل إن ‏بريطانيا على لسان وزير خارجيتها قد أعلنت أنه يمكن حماية الشركات الأوروبية من العقوبات الأمريكية ‏الجديدة على إيران. وهو يشير إلى سريان قانون جديد للاتحاد الأوروبي يحمي الشركات الأوروبية سعياً ‏للحد من تأثير ما يصفه مسؤولون بالاتحاد بأنه توسع غير قانوني للعقوبات خارج الحدود الأمريكية.

أين المفارقة؟!

لقد أيقظت هذه المشكلة في ذهن المراقب قضيّة انتكاسات حروب الاصطفافات ‏الامريكية، ففي صيف 2001 دعا الرئيس الأمريكي جورج بوش الابن حلفاء الولايات ‏المتحدة إلى دعم أقوالهم بأفعال والمساهمة العملية في الحرب ضد الإرهاب، وحذر بوش ‏الابن - وألم تفجيرات برجي التجارة العالمي تعتصره - بنفس لهجة الرئيس ترامب التي ‏نسمعها اليوم من أن الدول التي ليست مع الولايات المتحدة فهي ضـدها. وأضاف أن ‏أي شريك في التحالف الدولي يجب ألا يعبر عن تعاطفه فحسب بل يجب عليه أن يشارك ‏بعمل.

* بالعجمي الفصيح:

لا شك أن في الأفق احتمالات أخرى غير مرصودة حتى الآن، فقد تجنح طهران أو ‏واشنطن إلى ما يرضي الطرف الآخر، لكن المؤكد أن جورج دبليو بوش الابن قد أطلق ‏عقيدة أو مذهب تقسيم العالم معسكرين هما معسكر أمريكا، ومعسكر أعدائها، وهو ‏الحيز الذي يناور فيه ترامب الآن.‏

* الرئيس التنفيذي لمجموعة مراقبة الخليج

الأربعاء، 8 أغسطس 2018

العسكر في العلاقات الأميركية التركية

د.ظافر محمد العجمي

لم أتبين لماذا كان أحد الضباط الأميركان من رجال الحرب الباردة يناديني «Oscar» ونحن في قاعدة لاكلاند الجوية في تكساس بخريف 1979 حتى وجدته ينادي الكابتن البحري التركي عاطف فيجيب نداءه، ويوضح لي أن معناها «عسكر»، وهو اسم ينادي به العسكر الأميركان زملاءهم الأتراك؛ مثل تسميتهم للفيتناميين تشارلي «Charlie»، والعراقيين حاجي»Hadji»؛ فيما يدعوهم العالم كله «Yankee» حتى ولو كانوا من ولاية جورجيا الجنوبية التي تكره اليانكي من أهل الشمال، أما دونتس «Doughnuts»، فهو الاسم الذي وجدتهم يسموننا به في الخليج، ربما بسبب العقال، وربما بسبب حلاوة مذاقنا!!
كان «Oscar» اسم يعتمد عليه، حين كانت أنقرة في الدورة الدموية العسكرية لأميركا، فقد كان ولا يزال الجيش التركي هو أكبر جيش بري يمكن أن يقف حامياً لأوروبا الغربية ضمن الناتو، فما الذي أوصل الحليفان إلى وضع لا يُثلج الصدور؟ وكيف وصلت قامات سياسية وعسكرية لا تخطئها عين ‏في كلا البلدين إلى القيام بإجراءات كالقرار التركي/ الأميركي بفرض عقوبات على وزراء في كلا الحكومتين!! قد تكون قضية القس الأميركي محركاً مؤقتاً للأحداث، وكأن هناك يداً خفية لإلحاق الضرر بعلاقات البلدين، وقد يصل التدخل الشيطاني لقتل القس، وهو شعور راود الأمن التركي فحشد التدابير الأمنية حوله، فالإدارة الأميركية أصبحت تحت سيطرة الإنجيليين وهو منهم، ومنهم أيضاً نائب الرئيس الأميركي مايك بنس ذو التعصب الديني المفرط الذي أدى لنقل السفارة الأميركية للقدس. لكن الدور العسكري في الأزمة عاد للواجهة، حيث لم يرحّب الأتراك بزيارة الجنرال سكاباروتي « Scaparrotti» قائد الناتو في أوروبا، وقائد القوات الأميركية في أوروبا، لمقر قيادة الناتو؛ لأنها في إزمير، ولأن القس الأميركي برانسون المتهم بالتجسس خاضع للإقامة الجبرية في إزمير.
في تقديرنا أن الدور العسكري لتركيا هو المحرك الحقيقي لعلاقات أنقرة بكل جوارها الإقليمي، والخلاف الراهن كان مخططاً له مسبقاً، وليس وليد اللحظة، فالطموح التركي خارج العقال الأميركي في الشرق الأوسط مثير، وأردوغان عارف ومدرك للكلف المترتبة. وهو يريد أن يكون موازناً عسكرياً لإيران وإسرائيل، ومتفوقاً على غيرهم، ومسؤولاً أمام القوى الدولية بدرجة ما عن أمن الشرق الأوسط وجمع الأهداف الثلاثة -وهي أهداف لكل الدول الإقليمية الكبرى- لن تتحقق إلا بإعادة تعريف تركيا لنفسها . فالتعاون الكردي الأميركي تحد عسكري، والخلاف حول صفقة بطاريات «S-400» وطائرات «F-35» تحد عسكري، وما جمع إيران وروسيا وتركيا في سوريا هو تحد عسكري لواشنطن.
بالعجمي الفصيح
في 1964 منع الرئيس جونسون أنقرة، تحت حكم عصمت إينونو، من التدخل لحماية القبارصة الأتراك، مهدداً بتركهم لقمة للسوفييت، لكن الرئيس فخري كوروترك تحدى الأميركان خلال «عملية السلام في قبرص»، ونزلت القوات التركية بقبرص 1974، ففرض نيكسون حظراً لتصدير السلاح لهم حتى 1978. وفي تقديرنا أن سقف التصعيد بين البلدين ليس ببعيد، وسيقود عسكر البنتاغون التقارب، لمنع تقارب عسكري مضاد مع موسكو وطهران.;

الثلاثاء، 31 يوليو 2018

ماذا بعد نقل السفارة، ثم يهودية الدولة!


د.ظافر محمد العجمي 

إن كل من يستفتي التاريخ ثم يذهب ليستفتي الاستراتيجيات- بعد اعتراف واشنطن بالقدس ‏عاصمة لإسرائيل ونقل السفارة الأمريكية لها - يدرك أن تل أبيب تعيش في أزهى عصورها حيث تنعم ‏بدعم أمريكي لا يراعي الحسابات التي تحكم إدارة الصراع العربي الإسرائيلي. ووصل الأمر أنه يمكن لأي ‏مواطن أمريكي يهودي وبكل شرعية ارتداء لبس جنود لواء غيلاني من قوات الصفوة وقتل إخواننا في ‏فلسطين. لكن إن ذهب أمريكي مسلم لبلد مسلم آخر فهو إرهابي حتى وإن كان عضواً ‏بلجنة إغاثة.‏

وفي 2011م طرح عضوا الكنيست آفي ديختر وزئيف إلكين مشروع قانون "الدولة ‏القومية للشعب اليهودي" والذي مر الخميس 19 يوليو2018 مكرساً أن إسرائيل ‏‏"الوطن القومي للشعب اليهودي" حيث أعاد القانون تعريف إسرائيل في قالب يهودي ‏عرقي على حساب جميع مواطنيها، وبالتالي إعلان نهاية مبادئ الحرية والعدل والسلام ‏والمساواة التي أدعتها وثيقتها التأسيسية. مما يعني عملية تديين للدولة. أما أهمية ذلك للصهاينة ‏فهي:‏

‏- أن الاعتراف بإسرائيل دولة يهودية سيجعل من الصعب الدفع قدماً بأفكار تحويلها إلى ‏دولة لجميع مواطنيها فقد قال برلمانيين دروز أن الشاب الدرزي الذي يهب دمه وأبناءه لدولة ‏إسرائيل، يعتبر قانون الدولة القومية هو بصقة في وجهه. وليس ببعيد عنهم بدو النقب الذين هم وبدو سيناء بالأصل مجتمع واحد وينتمون للقبائل ذاتها ويبلغون 367 ألف نسمة؛ حيث كانت تل أبيب تتفاخر بدمج البدو في جيشها، بل تعتمد عليهم، في مهمات قتالية نوعية، وتحاول بذلك إيصال رسالة أن جيشها هو "جيش الشعب" عرباً وبدواً مسلمين ودروزاً ومسيحيين لكن القانون الحالي نسف ذلك.

‏- سيجعل من الصعب على العرب أن يطلبوا حقوقاً قومية متساوية. رغم أنهم يشكلون ‏‏20% من مواطني الدولة ويملكون فقط 2.1% من أراضيها. كما إن القول بأن إسرائيل دولة يهودية يعني عدم السماح لعرب إسرائيل بحمل جواز ‏سفر مزدوج إسرائيلي وفلسطيني.‏ بل وسيشرعن عملية استبعاد المواطنين العرب.‏

‏‏- سيخدم قانون الدولة ‏القومية للشعب اليهودي تل أبيب لرد آلاف الفلسطينيين الذين سيأتون بناء على حقهم في العودة جراء طردهم من موطنهم 1948 أو في أي وقت بعد ذلك وهو حق وثقته الأمم المتحدة وينطبق على كل فلسطيني وذريته مهما بلغ عددها وأماكن تواجدها ومكان ولادتها، مع العلم أن عدد الفلسطينيين حول العالم يبلغ وفق إحصاءات رسمية، نحو 12.4 مليون نسمة.

بالعجمي الفصيح

إن تعودنا على أنماط الاستجابة العربية حول ماذا بعد قانون يهودية الدولة؛ يشير إلى أن المقاومة لم تعد قابلة للترميم؛ وستكون المتوالية التالية لما بعد نقل السفارة ويهودية الدولة هو أن لا تعتبر إسرائيل عدواً للعرب.

الأربعاء، 25 يوليو 2018

عودة العشائر للمشهد التعبوي العربي ‏


د. ظافر محمد العجمي

‏جراء قصور حركة الأفندية والملالي، قادت العشائر العراقية ثورة العشرين في العراق ضد الاحتلال البريطاني صيف 1920. وفي ساحة ‏ثورة العشرين، بمحافظة النجف تجمع المتظاهرون بعد ما يقرب من مائة عام بمشاركة شيوخ العشائر الذين شاركوا المتظاهرين ورفعوا ‏بيارق ورايات بأسمائهم، فدب الهلع في قلب المنطقة الخضراء. فرؤساء العشائر صاروا يساهمون بشكل فاعل في صياغة العملية ‏السياسية، لتراجع الكيان السياسي لسلطة الدولة، بل وأعلن مجلس شيوخ العشائر عن براءتهم من أبنائهم في القوات الأمنية ممن يعتدون ‏على المتظاهرين، لكن وساطات قادتها الحكومة مع شيوخ عشائرية كبحت "مليونية الجمعة" 20 يوليو 2018، مما جسد بشكل واضح ‏تجدد دور العشيرة في فرض آليات الضغط المجتمعي. والصورة نفسها تكررت أكثر من مرة، ففي سوريا يحاول النظام تعبئة العشائر ‏ضد الوجود الأمريكي والغربي فيما يشارف بدعم روسي على إحكام السيطرة على جنوب سوريا مما دفع الملتقى الوطني للقبائل ‏والعشائر بالحسكة للتلاحم مع النظام. وفي اتجاه معاكس أعلن المجلس الأعلى للعشائر والقبائل السورية، 19 يوليو 2018، عن رفضه ‏منح الشرعية للنظام السوري. أما في لبنان فيحاول حزب الله تشكيل "لواء القلعة"على شاكلة قوات الحشد الشعبي في العراق، من ‏العشائر في البقاع. ويتكرر اعتماد الحكومة التعبوي على العشائر في سيناء. أما ليبيا فمازالت كما وصفها هيرودوت منذ 2500 عام ‏قبائل بدو رحل متحالفة لغاية، أو متناحرة لغاية وإن اختلف ترحلهم وتنوع اليوم عن سابقه، وصار ترحلاً ولائياً، بعدما كان مجرد ترحل ‏مكاني. -كما كتب عبدالواحد حركات- والمعركة القادمة في ليبيا ستكون بين ثلاث حكومات تتنازع على إدارتها هي المؤقتة والوفاق و‏الإنقاذ، وكل طرف يحاول توحيد مختلف عشائر ليبيا خلفه انتخابات 10 ديسمبر القادم. وفي الخليج لم تعد القبيلة في الكويت -كما ‏كتب مبارك الجِرِي- "مجرد تنظيم اجتماعي بدوي، قائم على استحضار العادات والتقاليد من التاريخ، ولم تعد القيم الصحراوية المصدر ‏الوحيد الذي يشكل الشخصية والتفكير"، بل نكاد أن نقول نحن إن القبيلة بانخراطها في الحياة السياسية واللجان الخيرية التي تتبعها ‏وتخدم كل المجتمع تكاد أن تتحول إلى إحدى منظمات المجتمع المدني، خصوصاً أن أمير القبيلة لم يعد المسؤول عن توجهات ‏القبيلة أو المرجع السياسي لها، وهذا ما يفسر قلة ترشح أمراء القبائل في المعارك الانتخابية البرلمانية مؤخراً. وهذا يؤكد أن البنية ‏العشائرية أبرز سمات المجتمع العربي؛ لكن فكرة القبيلة همشتها حركة القوميين من جورج ‏حبش، ووديع حداد، وميشيل عفلق تأثراً ‏بقسطنطين زريق، الذين بحثوا في الظاهرة القبلية بصفة تعسفية في الشرق، وفي المغرب كان ينظر القوميون للاماغيزية كقبلية رجعية ‏أيضاً مما دق إسفيناً يهدد بالتقيح ولو بعد حين.‏

بالعجمي الفصيح

عودة العشائر للمشهد التعبوي العربي تشي بأن العشيرة لم تعد مجرد تنظيم اجتماعي بدوي، بعد أن صارت شكلاً ‏لمجتمع ما قبل الدولة، والآن شكلاً ‏لمجتمع ما بعد الدولة أيضاً في العراق وليبيا وسوريا، فبداوة القبيلة تهمة وتحضر غيرها تهمة أيضاً.

السبت، 21 يوليو 2018

صفقات القرن الحقيقية تتوالد

د. ظافر محمد العجمي
  
فيما كان كريستوفر كولومبوس يتخبط في المحيط الأطلسي، ومسمياً كل ما صادفه من يابسة بالهند منذ أن نزل في الجزر الكاريبيه 1492م؛ كان البرتغالي فاسكو دي جاما يصل بسفنه إلى الهند الحقيقية في 20 مايو من عام 1498م. ويمكن مقارنة صفقة القرن الترمبية بخصوص فلسطين والصفقات التي تتم حالياً، بما جرى قبل خمسة قرون، لكنها ستكون مقارنة على أرضية أقل صلة بين الحدثين لكنها تشبهها. فقد قيل قبل عام إن جاريد كوشنر المستشار الخاص لترمب ورئيس فريقه لعملية السلام يضع اللمسات الأخيرة على "الاتفاق النهائي" الذي وضعه الرئيس دونالد ترمب للسلام بين الفلسطينيين وإسرائيل، والذي يعرف بـ "صفقة القرن"، فشنّ عليها الشرق والغرب هجوماً أعادها إلى صفة الخطة الغامضة، وهي بحق مبهمة وغير واضحة المعالم.
الصفقات الحقيقية تكتب حالياً في موسكو وهيلسنكي وواشنطن وسوريا والكويت، ففي الصفقة السورية -حين نتجاوز المنعرجات التي سلكها خيار واشنطن- التي تتمثل في قرار أميركي بترك سوريا لروسيا التي اندفعت لحماية أحد حلفائها الدوليين، بعد تزايد عزلتها الدولية عقب الأزمة الأوكرانية، وسهلها أن ترمب نفسه وضع الانسحاب من سوريا وعداً انتخابياً لازم التنفيذ -من رجل إن قال فعل- ولا يمنعه إلا ضغوط هزيلة من دول شرق أوسطية حليفة. كما لا يوجد ما يمكن لواشنطن أن تخسره في الأزمة السورية، فواشنطن لم تمتلك دمشق حتى تشعر بخسارتها، بل إن الخروج من سوريا هو مكسب أميركي كبير، يعتقد البعض أنه يساوي التضحية بأوكرانيا، على حساب أهداف واشنطن في سوريا. 
وهنا نأتي للصفقة الحقيقة الثانية، والتي تتمثل بالخروج الأميركي مقابل أن تخرج موسكو الإيرانيين من سوريا، وهذا ما ظهر من اجتماع هيلسنكي. فروسيا تملك الأوراق التي يمكن من خلالها الضغط على إيران في ما يتعلق بالأزمة السورية. وقد مارست دور الكابح لتحركات طهران ومكملاتها الاستراتيجية في سوريا في أكثر من مرة؛ كالتعهد ببقاء الميليشيات التابعة لها بعيداً عن الكيان الصهيوني، ففي النهاية أكثر ما يقلق الدوائر الأميركية هو التعاون العسكري بين موسكو وطهران ودمشق ضد تل أبيب.
أما الصفقة الحقيقية الأخيرة، رغم ما رافقها من الاتجاهات التحريفية التي وصفناها في مقالنا السابق «كسر مقولة السيفان لا يجتمعان في غمد واحد» فهي ما أثمرت عنه الزيارة التي قام بها أمير الكويت الشيخ صباح الأحمد الجابر الصباح إلى الصين، ووقع فيها على عدد من الاتفاقيات ومذكرات التفاهم بين الدولتين في عدد من مجالات التعاون المختلفة، لتكون معبراً دولياً يربط الشرق بالغرب، ضمن المبادرة الصينية الدولية العملاقة «الحزام والطريق»، والتي قد تمثل تخلي الصين عن نفوط من مصادر عدة، واعتماد نفط الكويت مصدراً رئيسياً لمشترياتها البترولية. 

بالعجمي الفصيح
لا يظهر الفرق بين الرؤية والارتجال للمراقبين مباشرة، لكن ظهور الصفقات التي أشرنا لها على أرض الواقع يشبه قراءة صفحة تكذب كل الصفحات السابقة في الكتاب الذي ضيعت وقتك في تصفحه كصفقة القرن لجاريد كوشنر.;

الاثنين، 16 يوليو 2018

كسر مقولة «السيفان لا يجتمعان في غمد واحد»


 د. ظافر محمد العجمي
  
قبل أسبوع أخذت الضباع تنهش في اسم الكويت، متهمة إياها بتوقيع اتفاقية مع الصين للفكاك من ‏ضغوط إقليمية ودولية. بل إن وجود الصينيين في ميناء مبارك يهدد بعودة التحديات لإكماله؛ هذه ‏التبسيطية الفظة وجدت ملاذاً في أذهان الكثيرين بعد منتدى التعاون الصيني العربي، والذي حضره 17 ‏وزيراً عربياً وقعوا كلهم اتفاقيات مماثلة. وكأن الكويت مقدر لها أن تأخذ نصيبها من جرعة المنغصات جراء ‏خطوة تخدم الكويت وجوارها الإقليمي والخليجي حين إقامة منطقة تجارة حرة، استكمالاً ‏للحور الاستراتيجي بين مجلس التعاون والصين.‏
لقد كانت المشجعات لتوقيع الكويت للاتفاقيات السبع مع بكين كثيرة؛ فليس بيننا وبينهم فترة ‏استعمارية. كما لم يكن هناك احتكاك سلبي في المحافل الدولية إبان فترة ‏صراع المحاور والأيديولوجيات‎، وهو أمر مشجع للدوحة والمنامة ومسقط وبقية دول الخليج لتحذو حذو ‏الكويت، التي قد تكون لها ميزة معرفة طريقها إلى الصين منذ 1971م. كما أن من المشجعات أن ‏مشروع الحزام والطريق سيضم 70 % من سكان الكرة الأرضية، و55 % ‏من الناتج الخام عالمياً‎.‎
ومن المعروف أن الدول تنهار وتضطهد الشعوب حين تطلق الحكومات العنان لمبادرات غير ‏محسوبة العواقب، مما يعرضها لدفع تكاليف باهظة؛ بعكس الصين التي ودعت ضيوفها، وقد تعزّز نفوذها الاقتصادي والسياسي؛ وتعزز نفوذها العسكري‎ ‎من ‏خلال الاتفاقيات التي تغطي هذه المحاور مع 17 دولة في يومين فقط. فالصين تعول على الأسواق الاستهلاكية، ليس عند الكويت فحسب بل في ‏جوارها الإقليمي أيضاً، كما تريد الوصول للطاقة النفطية الوفيرة، وتريد إطلالة استراتيجية ‏بناء على موقع الكويت، الذي سيقود طريق الحرير إلى أوروبا‎. فالصين تبحث عن أدوار أعظم في ‏النظام العالمي مستقبلاً، وهي حالياً تجني المنافع من هذا التقرب للخليج في غمرة حرب تجارية يشنها ‏عليها الأميركيون.‏
صحيح أن صورة التعاون الصيني الكويتي والخليجي بصورة عامة مشرقة، لكنها لا تخلو من ‏نقاط تباعد، خصوصاً في المجال الأمني، فتكنولوجيا السلاح الصيني تركز على الصواريخ، ولا تتماشى مع ‏متطلبات العقيدة العسكرية الخليجية، التي تعتمد على الطائرات المقاتلة كذراع طويلة. كما تقيم بكين علاقات ‏جادة مع دول تعتبر تحدياً إقليمياً لدول الخليج، بل إن الموقف الصيني لا يتجاوب مع القلق الخليجي في ‏سوريا واليمن. ‏
الجدير بالملاحظة أنه في وقت توقيع الاتفاقيات السبع في بكين كان الجنود الأميركيون يقتربون من الانتهاء من تشييد «‏Cargo ‎City‏»، في مطار الكويت الدولي، كأضخم مرفأ تفريغ وإنزال على مستوى منطقة الشرق الأوسط، ‏وكنقطة إمداد استراتيجية أميركية ضخمة.‏

‏ بالعجمي الفصيح

فيما تواصل -أطراف لا تعجبها مواقف الكويت- فجورها وتقواها؛ يرفع الشيخ صباح الأحمد سقف التحرك الاستراتيجي بكسر مقولة ‏‏«السيفان لا يجتمعان في غمد واحد» فالأميركيون في الجنوب، والصينيون في الشمال لتحقيق رؤية الكويت ‏‏2035.;

السبت، 14 يوليو 2018

لكي لا تصل قوارب اللاجئين الإيرانيين لدول الخليج


د.ظافر محمد العجمي 

يتشكل مشهد قاتم في سماء الخليج؛ إن لم يتم تداركه بآليات غير ‏جولة روحاني وتغريدات ترمب التي تقوضها. فقد يذهب بالأمور لما لا يحمد عقباه؛ ليس على طهران فحسب بل على دول الخليج أيضا؛ سواء نتيجة تعرض ‏إيران لهجوم عسكري أو جراء الأزمة الاقتصادية الطاحنة التي بدأت تظهر في الطبقات الاجتماعية القريبة من الرصيف. وهنا نستذكر حالة اللاجئين السوريين، فبعد تصاعد الأزمة تم تسجيل أكثر من ستة ملايين لاجئ سوري في دول الجوار وأوروبا خلال 3 سنوات ‏فقط. و كأي حدث رئيسي يترك أثرا في السياسة، سيترك عدم ‏الاستقرار أثرا ديموغرافي بالهجرات داخل إيران ‏نفسها، أو هجرات عبر الخليج العربي، وسيكون ملاذ قوارب اللاجئين الإيرانيين ‏دبي التي لا تبعد عن بندر عباس برحلة بحرية إلا ‏‏4 ساعات، أوالكويت التي تصلها القوارب من عبدان في ساعتين في نفس .

ستتبع طهران سياسة غض الطرف بدل التشدد البحري تجاه قوارب اللاجئين الإيرانيين ، وستقف خفر السواحل الإيرانية في عرض البحر لإرشاد سفن اللاجئين ‏الإيرانيين ليس لبندر عباس أو عبدان؛ بل لدبي والدوحة والدمام وميناء الكويت والمنامة ومسقط لأسباب عدة منها:

أولا: تنفيذ مخطط تحميل دول الخليج عبء ‏ما تتعرض له من عقوبات كما فعل الأسد مع تركيا وأوروبا.

ثانيا:تحويل قوارب اللاجئين الإيرانيين كسلاح إيراني قاتل يشجعه ما تعانيه أوروبا من المهاجرين اليوم لتخاذل أوروبا في الأمس حل أزمات دول الشرق الأوسط .

ثالثا:قوارب اللاجئين الإيرانيين هو تنفيذ مخطط ‏إيراني لم تتوقف عنه على مر العقود، وهو استمرار لسياسة تشجيع الهجرة إلى دول الخليج بصورة شرعية وغير شرعية والتي كانت قمة ‏عنفوانها في الستينيات من القرن الماضي فور اكتشاف النفط الخليجي.

رابعا: ان عدد سكان إيران الكبير، وقلة اهتمام النظام بمواطنيه قد ‏يجعل مسألة غرق القارب الأول فاجعة وطنية إيرانية لكن غرق عشرات القوارب بعد ذلك مسألة عدد، ما دامت تقارع بهم الشيطان ‏الأكبر، وندعم سردنا هذا بحرب الموجات البشرية الإيرانية التي كان الطاغية صدام يفنيهم بالألغام ولم يهتز لطهران جفن طوال 8 ‏سنوات.‏

لتلافي سقوط النظام، ولإشاعة الفوضى الإقليمية، وللفت نظر العالم، ولكسب تعاطفه، ستحاول طهران تحميل دول الخليج أكلاف العقوبات ‏الأمريكية بتشريع الأبواب لقوارب اللاجئين الإيرانيين الهاربين من الحرب الأمريكية عليهم بالطائرات والصواريخ، أو جراء الأزمة الاقتصادية ‏الخانقة من الحصار الأمريكي ومنع تصدير إيران لنفطها وإغلاق هرمز.

بالعجمي الفصيح

ماذا أعد الخليجيون! إبعاد من تستطيع إبعادهم. أم ستحاصرالمنظمات الخيرية الإسلامية التي ستساعدهم، أم ستنصاع للنفس الطائفي والقومي وتتخلى عن قيم التكافل الإسلامية بإقامة معسكرات بؤس تجعل اجتياز الخليج أقل جذباً لهم! نتمنى أن تشغل هذه الأسئلة بال صانع القرار الخليجي ففي تقديرنا أن ظهور آثار الأزمة الاقتصادية الإيرانية مطلع الشتاء القادم.

Gulf seurity أمن الخليج العربي

Kuwait
تبين هذه المدونة كيف تمتع الخليج بأهمية كبيرة أدت إلى خلق عبء استراتيجي على أهله بصورة ظهرت فيها الجغرافيا وهي تثقل كاهل التاريخ وهي مدونة لاستشراف مستقبل الأمن في الخليج العربي The strategic importance of the Gulf region creates a strategic burden and show a good example of Geography as burden on history. This blog well examine this and forecast the Gulf's near future and events in its Iraq, Iran ,Saudi Arabia ,Kuwait, Bahrain ,Qatar, United Arab Emirates and Oman

أرشيف المدونة الإلكترونية