Gulf security أمن الخليج العربي

الجمعة، 20 سبتمبر 2019

هل في لقاء ترمب روحاني مصلحة خليجية؟


د.ظافر محمد العجمي 

تنفّس وزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف الصعداء بعد رحيل مستشار الأمن القومي الأميركي جون بولتون -الذي دخل المشهد السياسي بخيار القوة العسكرية الأميركية- وغرّد ظريف شامتاً وممنّياً النفس بكثير؛ لسقوط إحدى زوايا خماسي مآسيه، الذي سمّاه «الفريق ب» (B Team)، ويعتبرهم القوى المعادية لإيران، وهم: بولتون، وبومبيو، وبنيامين نتنياهو، وابن سلمان، وابن زايد. فإزاحة بولتون يراها البعض -ومنهم ظريف- خطوة تنازل إيجابية تزيد حظوظ لقاء الرئيس الأميركي دونالد ترمب ونظيره الإيراني حسن روحاني نهاية الشهر الحالي في الجمعية العامة للأمم المتحدة؛ لكن تقدّم فرص اللقاء تساوي في تقديرنا تراجع إمكانية عقده؛ فواشنطن لا تزال مستمرة في حملة الضغوط على إيران، وروحاني يرفض اللقاء قبل رفع العقوبات لبدء الحوار، وما يهم المراقب الخليجي هو: هل للخليج مصلحة في لقاء ترمب روحاني؟

نقرّ أن الموقف الخليجي ليس بتوحّده نفسه كما كان قبل عقد من الزمن؛ فأمرُهم فوضى بينهم، وهناك مواقف خليجية منفتحة تجاه طهران باعتبارها دولة مجاورة، والاتفاق على رفع العقوبات بعد اللقاء أمر سيستفيد منه الجميع؛ لابتعاد شبح الصدام الذي كاد أن يحدث في هذا الصيف. لكن هناك دول خليجية تنظر إلى إيران باعتبارها خطراً استراتيجياً، والعقوبات هي الوسيلة الوحيدة التي يمكن من خلالها التضييق على إيران ومنعها نشر عدم الاستقرار ودعم الجماعات المسلحة في سوريا والعراق واليمن.

وفي تقديرنا أن لقاء ترمب روحاني مصلحة خليجية؛ إذا لم تتنازل الإدارة الأميركية عن بعض شروطها الــ 12 التي نُشرت حين دخلت العقوبات الأميركية على طهران حيّز التطبيق في نوفمبر 2018. فكيف يكون اللقاء لصالح الخليج إذا أُنهي شرط وقف نشر الصواريخ الباليستية والصواريخ حاملة رؤوس نووية ووقف القصف بها عبر الحوثيين أو الحشد الشعبي، أو شرط وقف تهديد الملاحة الدولية كخطف السفينة البريطانية والتعرّض لأربع سفن غيرها؟ كما لا معني لأمن الخليج إذا لم تكشف طهران للوكالة الذرية عن التفاصيل العسكرية السابقة لبرنامج طهران النووي؛ فعدم الالتزام بهذا الشرط يعني إعادة خلق برنامج موازٍ سيتحول إلى سلاح نووي خلال عام واحد. كما لا يمكن التخلي عن لزوم وقف جميع أنشطة التخصيب وإغلاق مفاعل المياه الثقيل «آراك». الحقيقة أن الاتفاق سيعطي طهران مزيداً من الأموال لتزيد غطرستها كما فعل الرئيس أوباما، وإيران لن تقبل بأي من الشروط الأميركية، بدليل مناوراتها باقتراح اتفاقية عدم اعتداء مع دول الخليج، ليس لترميم علاقاتها بالخليجيين؛ لكن لإلغاء مبرر اللقاء بين ترمب وروحاني. فطهران تعلم أن المفاوض الأميركي سيفاوضهم على أدوات القوة الإيرانية، وهم يتحاشون ما حدث لصدّام والقذافي بعد تجريدهما من أدوات قوّتهما.

بالعجمي الفصيح

لن يكون الخليج مكاناً أفضل منه حالياً بعد لقاء ترمب مع روحاني؛ فترمب ممتطياً صهوة التاريخ سيرضى أن يخلد عبر جهد متواضع لا يتعدى التصوير والابتسامات كما فعل في كل صفاقته المنتكسة في بيونج يانج ومع «طالبان»، مقابل السماح بوصول 15 مليار دولار من الدول الأوروبية إلى طهران.

الأربعاء، 11 سبتمبر 2019

الكويت والجانب الصحيح من أزمة إيران


د.ظافر العجمي 

يُعرف الصفر بالرقم المحايد لأنه ليس من الأعداد الموجبة أو الأعداد السالبة وكلاهما من مجموعة الأعداد الحقيقية، وتُعدّ الدولة رقماً صعباً في المعادلات الدولية إذا كان لا يمكن تجاوزها، حيث يصبح الاعتراف بدورها المؤثر في القرارات الدولية أمراً لا مفر منه. والكويت ليست صفراً في معادلات الأمن في الخليج كما يتصور البعض -أو كما يحلو للبعض أن يتهمها- مطلقاً؛ فتقمّص الصفر يُدخلها في الحياد السلبي في الأزمات الدولية كحال سويسرا؛ بل رقماً صعباً؛ فالكويت ترفض صفة الحياد. ولعل من المفيد التذكير بما صرّحت به الكويت عن موقفها من الأزمة الخليجية، حيث استنكرت وصفها بالحياد، وقالت بصوت واضح لا لبس فيها إننا منغمسون في الأزمة وجزء منها؛ فلسنا من الواقفين على الحياد؛ بل جزءاً من تفاعلاتها بدرجة خطرة تكاد تخلق اصطفافات غير واعية داخل المجتمع، ولسنا محايدين لكون حلها يتكئ على المنكب الكويتي.

أما في الأزمة الراهنة بين طهران وواشنطن، فرغم عدم إعلان الكويت أو أي من دول الخليج الحرب على إيران، فإنها لا تخرج عن صفة الجار المتعب في قواميس أغلب دول الخليج. لكن دول الخليج تُصنّف في هذه الأزمة إلى معسكر حمائم ومعسكر صقور، رغم أن دول معسكر الحمائم رفضت دون استثناء توقيع اتفاقية عدم اعتداء تجوّل بملفاتها وزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف ولم يُوفّق في تسويقها. وهنا يبرز دور الكويت بوصفها رقماً صعباً مجدداً في الأزمة الراهنة. ونذكّر تأسيساً لذلك بأن الكويت قادت التحالف الدولي المسمى بقيادة قوة الواجب المختلطة Combined Task Force (CTF)، وكان نجاحها منقطع النظير؛ لأن الكويت لا تعتبر الحرس الثوري الإيراني منظمة إرهابية؛ لذا لم تدخل قوة الواجب تلك في اشتباك معهم، ولو كانت القيادة أميركية أو بريطانية لطاردوا زوارق الحرس الثوري تحقيقاً لمهمتهم في مطاردة الإرهاب. ما حدث أن هذا النجاح قد شجع دول تحالف قوة الواجب المختلطة على ترقية وضع الكويت في هذا الهيكل البحري العسكري، وفي الأسبوع المقبل -كما وصلنا- وبعد تميّز أداء القيادة الكويتية،

سيُرقّى العقيد الركن بحري مبارك العلي الصباح لمنصب مستحدث من قِبل قائد القوات البحرية المشتركة الفريق بحري جيمس مالوي، ليكون العقيد مبارك مساعداً له لتولي الشؤون الإقليمية بمقر قيادة الأسطول الخامس في مملكة البحرين لمدة سنتين. هذا الهيكل الجديد هو لإبراز الدور الكويتي في هذا الهيكل، واستمرار سياسة عدم الاصطدام المباشر مع زوارق الحرس الثوري. ولن تكون مهمة القيادة البحرية الكويتية سهلة؛ فالوضع آخذ في التسخين في مضيق هرمز. لكن من إيجابياتها أن أبناء الخليج صار لهم دور عالٍ في سلم هياكل أمن الخليج الدولية.

بالعجمي الفصيح
ترقية الكويت في هيكل التحالف لمنصب مساعد قائد القوات البحرية المشتركة لتولي الشؤون الإقليمية (الخليج العربي) لمدة سنتين، تعني أن الكويت في الجانب الصحيح من أزمات الخليج.

السبت، 7 سبتمبر 2019

دبلوماسية اصطياد التصريحات


لعل من الموضوعية أن نذكر أن وزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف حقق لبلاده في المفاوضات النووية طوال سنتين، الاتفاق النووي الإيراني المشين للجميع، باستثناء طهران، لضعف الطرف الآخر. لكن عمل الدبلوماسيين في الأزمات يتعدى امتطاء دبلوماسية حافة الهاوية التي يمتشقها ظريف كلما جلس مع المفاوض الغربي، بل تشجيع الحوار والتوصل إلى حلول توافقية وتسوية التوترات بالوسائل السلمية. فالمهمة الأساسية لظريف هي بالانتقال بتوجهات بلده من ثقافة رد الفعل على العقوبات إلى ثقافة الوقاية من العقوبات بعدم اقترافها. وبالتوقف عن خلق الأزمات في محيطه الإقليمي، كتشجيع كيانات ذيلية كالحشد الشعبي والحوثيين وحزب الله، أو باستمرار أزمة عدم حسم خلافات الجرف القاري مع الكويت، أو التوقف عن خطف البحارة الذي وصلوا حتى الآن لــ 50 شخصاً من الخليج ضاعوا في البحر، ووقعوا في يد الحرس الثوري.

لكن كياسة ظريف لم يُرد عليها بأجمل منها من الإدارة الأميركية التي ورثت ما أنجزه الرئيس السابق باراك أوباما، فقد قررت واشنطن بقيادة الرئيس ترمب -بطل تقويض المعاهدات- وعبر وزارة الخزانة الأميركية، فرض عقوبات تشمل تجميد أي أصول لظريف في أميركا، مما يعني تجميد حتى «شنطة» سفره لو دخل بها هيلتون أو شيراتون أو أية كيانات أميركية أخرى، مما يعني انتهاء صلاحية ظريف؛ فما جدوى وزير خارجية لا يسافر، ما دام قاب قوسين من أمر إلقاء القبض عليه!
إن كل ما سبق أعلاه هو تأسيس لتفسير دوافع جولات ظريف الدبلوماسية خلال شهر أغسطس 2019م، فجولات الوزير الإيراني المكوكية في الإقليم وخارجه رغم العقوبات عليه لم تكن لتقديم أوراق اعتماد جديدة؛ فأفكاره ومقترحاته بمعاهدات عدم اعتداء معروفة.. وهي معروفة في دولة الكويت التي زارها. بل هي معروفة أيضاً لأعضاء قمة الدول السبع، بما فيهم الرئيس الأميركي ترمب الذي صرح بعد وصول ظريف قائلاً: «نحن لا نسعى إلى تغيير النظام الإيراني»، بمعني نحن قادرون على تغييره، فلماذا حطّت طائرته في بياريتز الفرنسيّة حيث تعقد القمة؟!
في تقديرنا أن وزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف استنفد ما في جعبته من الأدوات الإيرانية في مجال العلاقات الدولية، وكانت زياراته المكثفة لدول المنطقة ولفرنسا هي لإرساء أجواء إيجابية لحل الأزمة الإيرانية - الأميركية، فالحصول على أي شيء في أغسطس يعد مكسباً للدبلوماسية الإيرانية؛ حتى ولو كان تصريحاً إيجابياً من دول الخليج العربي أو من الغرب. لقد كان ظريف يمارس (دبلوماسية اقتناص التصريحات الإيجابية) لخلق إيحاء للداخل الإيراني قبل العالم الخارجي أن الأمور ليست بالسوء الذي تبدو عليه في الإعلام وفي الشارع الإيراني.

بالعجمي الفصيح
إن صيغة بنود اتفاق يوقع في غرفة عابقة بدخان سيجار مندوبي دول قوية. يساوي في أثره وقف إطلاق نار قسري تحت دخان مدفعية منتصرة في ساحات القتال؛ أما دبلوماسية اصطياد التصريحات الإيجابية فليست ثالثهما.

القوة الجوية الخليجية المسيّرة

قبل عقد من الزمن، لاحظ زائري المدني أن إحدى مباني الجيش قد كُتب عليها فرع البيولوجي والنووي والكيماوي، فقال: ما شاء الله، لدينا نووي. ولم يضع في نهاية جملته الخبيثة صوت تعجّب أو سؤال. فنهرته بنظرة مفادها: إن كنت تريد تجديد دفتر خدمتك الإجبارية فاسكت. فسكت. وبعد حين، تغيّر الاسم إلى فرع الدفاع ضد أسلحة الدمار الشامل، فخفّ وقع الاسم ولم يتغيّر الإيحاء.

وفي زهو يتحدث محللون يمنيون عن القوة الجوية الحوثية المسيّرة، وكأنها بحجم الاسم الذي تحمله. وهنا نتوقف للقول إن الطائرات المسيّرة الحوثية واقع في سماء معركة اليمن لا يجب إنكاره؛ بل إن هذا الاستطراد قد يقود إلى توسّع لا يغلق قوسه؛ فمن الموضوعية القول إن الحرب اللامتناظرة هي سمة الصراعات في مطلع القرن الحادي والعشرين، ولولاها لما عاش شذّاذ الآفاق من «داعش» نصف عقد وهم يتصدرون أخبار العالم. ولولا الحرب اللامتناظرة، لما وثق حزب الله بنفسه ومهاراته لدرجة التدخل في حروب خارج لبنان في سوريا واليمن والعراق، ولولا الحرب اللامتناظرة لما استطاعت طهران ببرنامجها الصاروخي تعويض ما تعانيه من نقص في الطائرات، ولولا الحرب اللامتناظرة لما قلبت أنفاق الفلسطينيين العقيدة القتالية الصهيونية رأساً على عقب من السماء إلى باطن الأرض؛ فالحرب اللامتناظرة هي التي قادت أميركا ودول الغرب إلى تشكيل وحدات خاصة تقاتل مثل «داعش» بقواعد اشتباك متحللة من الأعراف التعبوية بل والأخلاقية أيضاً، والحرب اللامتناظرة هي ما دفع الحوثيين إلى الطائرات المسيّرة سلاحاً ضد دول التحالف العربي، ونجاح الطائرات المسيّرة هو ما دفع الولايات المتحدة والصهاينة إلى التوسع في هذا السلاح الجديد لمطاردة إرهابيي «القاعدة» و»طالبان» في اليمن وأفغانستان. أو كما فعل الصهاينة عندما أرسلوا طائرتين إلى الضاحية الجنوبية لتدكّ الطائرة الثانية المركز الإعلامي لحزب الله وتتلف الطائرة الأولى التي أرسلت ما صوّرته قبل سقوطها على الهدف. في مجال الطائرات بدون طيار، يقول هولاند مايكل Holland Michel مؤلف كتاب «Counter-Drone Systems» إن هناك سباقاً محموماً في صناعة الطائرات المسيّرة؛ لكن الصراع الأكبر هو على عمليات الاستحواذ على التكنولوجيا المضادة للطائرات بدون طيار وتطويرها؛ بل إن المضادات تستحوذ على أموال أكبر مما لصناعة الطائرات نفسها ضمن أحدث ميزانية لوزارة الدفاع الأميركية. والأسباب كثيرة، منها:

- تصل تكلفة صاروخ «باتريوت» لإسقاط طائرة مسيّرة بـ 500 دولار، إلى حوالي مليون دولار للصاروخ الواحد.
- تخطى عدد من الطائرات بدون طيار الأنظمة المضادة الثمانية التي تم نشرها في أولمبياد ريو عام 2016. ثم في عام 2017، أجرى «البنتاجون» مناورة للتدرب على التصدي للطائرات بدون طيار دامت 5 أيام، وفشل ما قدّمته الشركات المشاركة من الأنظمة الجوية المضادة في كثير من عمليات التصدي.
- لا يمكن لإيران مثلاً أن تصنع طائرة تشبه الطائرات المقاتلة على ظهر الحاملة أبراهام لنكولن مثل «F-18»؛ فأجهزة التمييز في الحاملة تستطيع كشفها، بالإضافة إلى تكلفة صنع سرب منها لتتقرب به من الحاملة ثم تهاجمها؛ لكن الأمر مختلف مع الطائرات المسيّرة الصغيرة، حيث يمكن صنع كثير منها؛ بل ويتوقع الخبراء قصوراً في الأنظمة الجوية المضادة للطائرات بدون طيار للتمييز بين الطائرة المسيّرة الحليفة والطائرة المسيّرة العدوة.

بالعجمي الفصيح
الاستدعاء الخاطئ -من جراء التلاعب بالمفاهيم لسَوْق المتلقي إلى قراءة ليست الوحيدة المحتملة للصورة- أمر مقبول في الأعمال العسكرية؛ لذا لا ضرر من أن ننشئ في أسلحة الجو الخليجية «فرع الطائرات المسيّرة»، ولو كان من باب التصدي لها وليس استخدامها، كما فعلنا مع النووي.

العروبيون الجدد في الخليج

من أسباب ضعف العروبة في الجزء الأول من عصور الانحطاط الراهنة، أن ما سُمّي بـ «القومية العربية» حارب القبيلة رغم أنها مخزون العروبة الحقة، حيث همّشت تلك القومية بخبثٍ قبيلة جزيرة العرب وسفّهت قيمها وضخّمت بداوتها، رغم أن أبناءها فيهم أحفاد الصحابة، ومضاربهم منبع العروبة والإسلام، وحديثهم مفردة لهجات العرب العاربة. لقد كانت قومية الناصريين والبعث العربي وحركة القوميين -من عفلق إلى حبش، إلى وديع حداد، إلى قسطنطين زريق- جمعاً لمن ليس فيه خير؛ لوصوليتهم السياسية، ولعدم اجتماع العروبة والإسلام عندهم. وفي الجزء الراهن من عصرنا، زادت رفاهية التنقل لشاتمي العرب، وذريعتهم الوحيدة أننا خسرنا حرب 48 وحرب 67 مستمتعين دون حساب بترديد دونية العرب والاستهزاء بهم؛ بل وصارت الخليجية اختزالاً للعروبة أو الأعراب أو البدو. ثم جاء الربيع العربي كأفضل الذرائع للتهجّم على العرب؛ ففي الحرب في سوريا لم نعد عرباً وصرنا أعراباً، وعلت صيحات عودوا لخيامكم وإبلكم، ثم تحوّلنا على ألسنتهم من إبل إلى أبقار يحلبها ترمب، وصرنا نُشتم في وقت يتغنى فيه عرب -لا أب لهم- بحضارة فارس وعظمة العثمانيين؛ بل إن هناك همهمات بهيمية لقطيع التطبيع تقول بالشرق الأوسط الكبير في تعويم ممنهج لتذويب العروبة.
من جانب آخر، نجد أن جل من يحقّر العرب هم جماعة يعيشون بيننا ويحملون أسماءنا ويكتبون بلغتنا ويضلّلون الأجيال الشابة التي سحرها إبداعهم الأدبي والفني الذي يسخّرونه لبثّ سموم كره العرب وتحقيرهم، وهم أهل فكر الشعوبية كحركة تتبنى كل اتجاه مناوئ للعروبة منذ القرن الأول الهجري، حيث استغل الشعوبيون مساواة «لا فضل لعربي على أعجمي» في الإسلام للوصول إلى مرتبة صنّاع القرار وطعن العروبة.
الحقد على العرب جحود لا يأتي من قلب مؤمن، ونكران لشجرة العروبة التي يستظلّون بها؛ بل حاول العرب منذ 15 قرناً دمجهم في أغصانها، حيث اعتبر العرب أنفسُهم أن مصطلح «العرب» يشمل كل أبناء النموذج الحضاري الذي نشأ تحت مظلة اللغة العربية والدين الإسلامي؛ فمعظم من يشتركون في صفة العروبة هم شعوب تخلّت طوعاً عن إرثها الحضاري لصالح العروبة. وهذا ما يوجب العودة للأصول وتجاوز «قومجية» القرن الـ 20. وعليه، فكل من يتحدّث العربية ويدين بالإسلام فهو عربي.
وكما يبدو في وسائل التواصل الاجتماعي، لا يزال تحقير العرب يتجدّد زخمه حتى صارأمراً لا يستنكره الشباب العربي أنفسهم الذين أورثهم آباؤهم الرايات المنكّسة والانكسار؛ مما يوجب الدفع بظهور «العروبيون الجدد» بدون هيكل تنظيمي أو شعارات فارغة طلباً للسلطة؛ بل للرد على كل متهجّم على العرب. ومخطئ من يعتقد أن ما نكتب منعزل أو تغريد خارج السرب؛ فهناك حصون عربية ثقافية كثيرة، كمؤسسة الفكر العربي، والمعهد العربي للأبحاث، ومجلس العلاقات العربية والدولية. فحركة العروبيين الجدد تشمل كل من أخذتهم الغيرة على أصولهم ولغتهم العربية لغة الإسلام، وتشمل كل من يرى الانهزاميين والشعوبيين الجدد كسرطان يعيش بين خلايانا علة باطنية لا علاج لها إلا بالاستئصال، ووقفهم عن الاستهزاء بالعرب، وتنوير الأجيال الشابة بتبنّي مفردات جلد الذات والتشرّب بروح الهزيمة.

بالعجمي الفصيح
فقط عند انسيابه ليضيع في ملوحة البحر، يتذكّر النهر منبعه. والخليج وجزيرة العرب من معاقل العروبة، والمنبع الذي يجب أن يدعم حركة العروبيين الجدد؛ فمنهم أحفاد الصحابة، وأرضهم موطن قبائل العرب ومنبع الإسلام.

الاثنين، 19 أغسطس 2019

جاهزية واشنطن القتالية لحماية الخليج


في يونيو2019 ألقيت محاضرة في مقر قيادة الأسطول الخامس الأميركي في البحرين، حضرها ما يزيد عن مائة ضابط أميركي، ومن دول قوات الواجب البحري المختلطة، وقد ركزت حينها على عدم جاهزية واشنطن و»الناتو» على الدخول في أعمال عسكرية لحماية أمن الخليج، بناء على عدم الجاهزية السياسية أو ترتيب الأولويات، أو بناء على استراتيجية احتواء الأزمات في عواصم صنع القرار. ثم دخلنا في مرحلة التصعيد، سواء بالأعمال البحرية العسكرية كالتعرض للسفن أو اقتيادها أسيرة، أو إسقاط الطائرات المسيرة، وقد لاحظنا دون التباس أن هناك مزاجاً غربياً ينحو نحو رفع سقف الخطأ المقبول من طهران، أو تحاشي المواجهة العسكرية مع الحرس الثوري بمزاعم ترمبية عدة مثقلة بتهافت الأعذار، وقد بررنا لذلك بأن الحصار الاقتصادي يسير كما يراد له، ولا داعي للعمل العسكري، وسقنا اللوم على عدم الجاهزية السياسية لحسم الأمور مع طهران. لكن ما تكشّف لنا من مؤشرات عدة يشي بأن عدم الجاهزية السياسية يخفي أيضاً عدم جاهزية عسكرية أميركية بشكل صادم. لقد قبلنا أن تبقى «إبراهام لنكون» في بحر العرب لا داخل الخليج لأسباب سياسية، وحيّدنا التفسيرات القائلة بضعف الحملة البحرية العسكرية الأميركية، وقلنا إن واشنطن لو أرادات الحسم العسكري لحشدت طائراتها في قواعدها في الخليج.
فهل تستطيع ذلك فعلاً!
نشير أولاً إلى أن الجاهزية القتالية الدائمة للقوات المسلحة تعني قدرتها على تنفيذ المهام في مختلف شروط الموقف القتالي، وقدرتها على الانتشار وبدء الأعمال الحربية في الأوقات المحددة، وتنفيذ المهام المسندة إليها بنجاح. وبما أن سلاح الجو الأميركي هو الذراع الطولى لواشنطن، فقد تسرب ما يشير إلى عدم جاهزية هذه الذراع لمنازلة في الخليج، أو أفغانستان، أو البحر الأبيض المتوسط. ففي مسألة الجاهزية لسلاح الجو الأميركي، نشر موقع «إيرفورس تايمز» في 26 يوليو تقرير كتبه ستيفن لوزي Stephen Losey على الرابط: https://tinyurl.com/y4yfzbbt وفيه أرقام تدعو للقلق من اعتمادنا على حليف تتراجع جاهزيته القتالية بشكل درامي، وتضمن التقرير بيانات عن حقيقة جاهزية سلاح الجو الأميركي، توضح الانحدار المستمر الحاد منذ 2012، بفعل خطط أوباما، وعدم قدرة ترمب على تطوير التركة، ومن ذلك الانحدار في الجاهزية القتالية أن بلغ معدل المقاتلات القادرة على الإقلاع وتنفيذ مهامها أقل من 70%. رغم أنه من المعروف أن الجيوش لا تدخل معارك بجاهزية أقل من 50% !! وفي تقرير لوزي Losey هناك 5413 طائرة -مجموع طائرات سلاح الجو الأميركي- من مختلف الأنواع والمهام القتالية، تتقلص جاهزيتها القتالية لتصل لنسبة 69.97% في سنة 2018، ويعني ذلك انخفاضاً بنسبة 8% عن معدلات عام 2012 الذي بدأ فيه تجاهل القوة العسكرية الأميركية.

بالعجمي الفصيح
الارتباك الأميركي في الخليج ليس مرده تدني الجاهزية السياسية، أو تضارب الأولويات بقدر ما هو تدنّ في الجاهزية القتالية الأميركية. وربما لذلك يغطي الرئيس ترمب على العجز العسكري بالصراخ.

لماذا يتم تسليح ميناء الفاو بقاعدة عسكرية؟!


يقال إن سبب تسمية منطقة الفاو العراقية، هو أن سفينة اسمها «الفاو» غرقت في نهر اللبان وهي تشتري التمر، فسميت المنطقة محل غرق الفاو، ثم الفاو، وغير صيد الأسماك لم يذكر أن أهل المنطقة أهل غوص وأسفار كبقية شعوب الخليج، وبذلك نستطيع القول إن اسم المكان يرتبط بالبحر أكثر من سكان المنطقة أنفسهم، فأهل السود عموماً مزارعون لا بحارة، لكن بغداد بهدف «تأمين المياه الإقليمية» أعلنت إنشاء أكبر قاعدة بحرية عسكرية ملحقة بميناء الفاو الكبير جنوب البصرة، بطول كيلو متر واحد وعرض نصف كيلو متر، وفيها أرصفة للبواخر العسكرية والزوارق العسكرية الكبيرة. وحين نتذكر أن ميناء الفاو الكبير لا يزال قيد الإنشاء منذ 2010، تفتح الحيرة أمامنا باب شك أن هناك أهدافاً غير معلنة وراء هذه الخطوة، ومن توجساتنا:

1- لماذا لم تطرح فكرة القاعدة مع المشروع قبل عشرة أعوام؟! وهل يمكن إنكار أن صانع القرار العراقي يقع أحياناً تحت ضغط قوى تتبع طهران أيديولوجياً؟ وعليه فالقاعدة قد تعشش فيها ميليشيات الحشد الشعبي!
2- يمكن أن تكون القاعدة إحدى مناورات طهران للفرار من الحصار الأميركي، وربما لتكون مستقبلاً نهاية خط قطار إيران - سوريا.
3- لماذا يتركز التعمير في الجنوب من أموال إعادة إعمار وتعويضات جمعت لأهل الموصل لإصلاح ما دمره الحشد الشعبي وهو يقاتل شذاذ الآفاق من «داعش»؟ أليس للموصل والأنبار حق في مليار دولار يهدر لبناء كاسر الأمواج للقاعدة البحرية؟! أليست بغداد والبصرة أحق بـ 8 مليارات دولار لتوفير الماء والكهرباء ووقف التلوث وإكمال خطط التنمية بدل رصدها لميناء الفاو؟!
4- يملك العراق قوة بحرية ترتيبها 44 عالمياً بعد دول الخليج، وتضم 5 آلاف رجل فقط، وفي تقديرنا لا يحتاج العراق لمثل هذه القاعدة، فقد تنازلت الكويت لهم عن ميناء أم قصر، فهل سيكمل الحرس الثوري بزوارقه سد نقص البحرية العراقية في قاعدة الفاو كضيف دائم، مرة بذريعة التدريب ومرة لإصلاح زوارقهم؟ أم سيكون العراق صريحاً ويعطيهم تسهيلات في القاعدة الجديدة؟!
5- لا يشعر المراقب الخليجي بالارتياح جراء وجود قاعدة بحرية في ميناء الفاو المدني، قبالة ميناء مبارك الكويتي والجبيل وميناء سلمان وميناء حمد وجبل علي، وسيكون مؤشراً على عدم الاستقرار، ولا شك أن موانئ الخليج بينها تكامل وتنافس اقتصادي مشروع، فلمَ لا يتم تسليح أي ميناء بقاعدة عسكرية إلا ميناء الفاو؟!
6- الشكل التعبوي لميناء الفاو الكبير قد يدفع الكويت لبناء قاعدة بحرية في ميناء مبارك، أو قاعدة جوية في جزيرة وربة أو بوبيان أو بناء قاعدة لقوات درع الجزيرة، فيتكرر في الخليج صراع الجمهوريات البحرية الإيطالية أمالفي وبيزا وجنوة والبندقية عسكرياً وتجارياً!

بالعجمي الفصيح:
حين بدأت الكويت مشروع ميناء مبارك الكبير أقام بعض العراقيين حفلة ردح كبيرة، وليس ما نكتبه اليوم رداً لذلك السلف، فالعراق جار شقيق تسامينا على خلافاتنا معه، لكن مشاريعه التعبوية في غياب أية تهديدات عليه تدعونا للحذر من خروج مارد التوسع العراقي من البحر، وليس من البر ككل مرة.

بوريس جونسون وإيران - كونترا


تقول خريطة جينات رئيس الوزراء البريطاني بوريس جونسون، إنها اخترقت ثلاث قارات وثلاثة أديان، فقد تنقل أجداده من تركيا الإسلامية إلى أميركا ثم بريطانيا، حيث اختلط الدم المسيحي باليهودي، فهل يعني ذلك تحرره من قيود الشرق وتشربه بأمصال الغرب؟! لقد سقطت منذ القدم مقولة أرسطو إن القيادة موهبة فطرية موروثة، وصرنا نقول إن العوامل الخارجية هي المؤثر الأول في صنع شخصية الفرد، لذا نملك حق الحكم على رئيس الوزراء الجديد بمعزل عن تاريخه الجيني، فأهم ما يميز جونسون هو عدم التزامه بالنظم المؤسسية والتقاليد البريطانية وارتفاع قابلية التصرف بخشونة لديه، فهل قرأت طهران هذا التحرر كما ينبغي؟!
في علاقاتها الدولية، تُعد طهران خير من يطبّق سياسة حافّة الهاوية، وتعرف أنها تستطيع مع البريطانيين تحقيق مكاسب جمّة عن طريق تصعيد الأزمة حول اقتياد ناقلات النفط البريطانية، وسجن موظفة إغاثة بريطانية، فهي تعرف أنها إذا أحسنت دفع الأزمة، فسيكون هناك تبادل بشروط طهران، لكن طهران في قراراتها السياسية براجماتية حتى النخاع، فما المسارات المتوقعة للأزمة مع بريطانيا: التصعيد أم الانصياع؟
قبل أن نعود مرة أخرى إلى طهران، سنبحر أولاً إلى أميركا، في ديسمبر 1979م حيث البلد كله مجلّل بحزن وانكسار لم تخطئه عين شاب مثلي يتعرض للمضايقة يومياً، اعتقاداً من الأميركيين أنه من الطلبة الضباط الإيرانيين الذي أُنزلوا من طائرات التدريب وراحوا يترجون صديقاتهم المكسيكيات للزواج، فعودتهم وهم من مدللي الشاه تعني الإعدام، وكانت شوارع أميركا مليئة بصور مرشح معروف نسبياً هو رونالد ريجان، لكن التقييمات تقول إن منافسه -وهو الرئيس جيمي كارتر- يبقى خياراً أفضل من ممثل يلاعب القردة، ثم تكشفت قوة ريجان التفاوضية بمعرفته سرّ طهران وهو البراجماتية، فراح يبرم الصفقات بإطلاق سراح من في السفارة من رهائن بقوا لمدة 444 يوماً، نظير تسليح الإيرانيين في حربهم ضد صدام، أو الخيار الثالث وهو ضربة أميركية لإيران، ستجعل أعلام العراق ترفرف فوق طهران، ووافق الإيرانيون على العرض، وأفرج عن الرهائن رسمياً بعد دقائق من أداء رونالد ريجان اليمين كرئيس أميركي جديد.
وضع بوريس جونسون 2019 يشبه وضع رونالد ريجان في 1980م، ففي قضية المحتجزين هناك قضية موظفة الإغاثة نازنين راتكليف البريطانية التي تتنقل حالياً بين قسم الأمراض النفسية بالمستشفى إلى أحد سجون طهران، وما زال تعامل بوريس جونسون القاصر حيال قضيتها حديث الشارع البريطاني، كما أن هناك محتجزة أخرى هي ناقلة النفط البريطانية «ستينا إمبيرو»، وبما أن تواطؤ طهران مع رونالد ريجان -لتأجيل إطلاق سراح 52 رهينة أميركية لما بعد الانتخابات نظير صفقة سلاح- هو من أدبيات البراجماتية السياسية الإيرانية، وبما أن عقيدتهم العسكرية دفاعية ودورها إعاقة أي احتلال وفرض حلّ دبلوماسي في حال وجود أعمال عدائية، فهل نتوقع تفاهماً إيرانياً مع بوريس جونسون حول موظفة الإغاثة، أم لتبادل الأسرى من السفن فقط؟!

بالعجمي الفصيح
البراجماتية المصلحية السياسية عملة أزلية سبقت تداول التومان في طهران، فهل عرف بوريس جونسون طريقه لصرافي العملات في البازار الإيراني؟!

الأربعاء، 24 يوليو 2019

الأمن كسلعة في خطابات ترامب

د.ظافر محمد العجمي 
حتى في عصر الرئيس ترامب لا تزال الولايات المتحدة هي الحليف الاستراتيجي الأهم لدول الخليج العربي، وهذا ما يجعل كل مراقب سياسي يعرف سهولة تحملنا الكثير من تصريحاته الانتخابية التي يكررها عن قدرته على تحويل الأمن إلى سلعة على الزبون دفع ثمنها بعد أن جرد الأمن من قيمته الاستراتيجية وجدواه للمصالح الأمريكية، فهي كما نعلم تصريحات يكررها للإعلام وأمام ناخبيه من العمال في بنسلفينيا والفلاحين بنبراسكا، لكن – كما تابعنا شخصياً – لم نجد له تصريحاً واحداً حول تدفيعنا لثمن الأمن صادر منه أمام من يحاسبه حساباً عسيراً من المشرعين الأمريكيين في الكونغرس أو أمام النخب الفكرية في الجامعات أو مراكز الأبحاث الاستراتيجية فترامب يدرك أن غثاء السيل هذا يجب أن يكون محسوباً أين يلقيه بدقة.

ولسنا بحاجة للكثير لتفادى الوقوع في أسر شرك بلاغة وتهديدات خطابات ترامب، ويكفي أن نرى شعور الأوروبيين واليابان وكوريا الجنوبية وما يقوله تجاه إيران وكوريا الشمالية وروسيا وتركيا بعد صفقة S400 لندرك أن من العبث الأخذ بما يقوله بجد عن بيع الأمن لنا كسلعة. فهو كثير الوعيد والتهديد بل أن جل تغريداته هي تهديدات ومعارك ضد خصوم داخليين وخارجيين. وعلى من يتشمت في دول الخليج حين سماع كل خطاب ترويجي للأمن الأمريكي الذي يسوقه ترامب أن يدرك أننا لم نعد في عهد جون كينيدي الذي أوقف السفن السوفيتية في عرض البحر بتهديد لم يتجاوز بضع كلمات، ولا ريغان الذي باشر دون تهديد دك قصور القذافي فوق رأسه فقتل بعض بناته وشرد نسائه في العراء وكسر قدم زوجته.

ترامب الذي يسعد الشامتين بنبرة الابتزاز منه لا يؤخذ بحمل الجد دوماً فقد وسع من حيز الخطأ المقبول من إيران بوتيرة غير قابلة للفهم، قبل من يتابع تسويقه للأمن الأمريكي. فقد رفع راية حماية الأمن البحري في الخليج وأرسل مخفره الأمامي إبراهام لنكولن بخطوة قاصرة فلم يدخل مضيق هرمز، وروج بأنهم في مرحلة الردع وليس الهجوم، فتم التعرض للسفن الإماراتية والسعودية والنرويجية، فاكتفى المخفر بإرسال «محقق» بدل قوة لمطاردة المعتدين. ثم تم التعرض الثاني فتكرر إرسال المحقق وعرض الأدلة بفيديو، وبعد إسقاط طهران الطائرة الأمريكية المسيرة ومسارعة ترامب لتبرير الحادث مستبقاً التبرير الإيراني تأكد لنا أن عقيدة ترامب القتالية الجديدة هي توسيع حيز الخطأ المقبول من إيران.

وليست دوافع ذلك بخافية على المراقب الخليجي فهناك أسباب داخلية مرتبطة بالانتخابات وبصعوبة قرار الحرب، وضعف القوة البحرية الأمريكية في الخليج وصعوبة اعتراض صواريخ طهران بدليل العجز عن إسقاط صواريخ بيونغ يانغ فوق كوريا الجنوبية واليابان. كما أن من أسباب توسيع ترامب لحيز الخطأ الإيراني ورفع سقف لغة الابتزاز ضعف التحالف حوله فليس هناك إجماع خليجي. ولا إجماع ناتو فألمانيا شرطي للاتفاقية. وفرنسا لم يتوقف مندوبيها عن استجداء طهران وكأنها صاحبة اليد العليا. بل أن هياكل ترامب العسكرية في المنطقة قاصرة، لذا ينشئ كل يوم هيكل جديد.

* بالعجمي الفصيح:

لا نمانع في الخليج من أن ندفع نظير الأمن الحقيقي لا الزائف، لكن من يقنعنا أن عدم الكفاءة لا تضرب بأطنابها في بيت ترامب، مما دفعه لوضع الأمن كسلعة في سوق حراج بخس بدل الالتزام بالاتفاقيات الأمنية.

* كاتب وأكاديمي كويتي

تصعيد أقل من الحرب وأعلى من التهديد

د.ظافر محمد العجمي 
الإشكالية الرئيسة التي منها تنبع سائر الإشكاليات الأخرى وإليها تعود في الأزمة الحالية بين إيران والغرب هي إشكالية مفاهيم؛ فرغم أن الجملة الأكثر استهلاكاً هي «تحاشي التصعيد»؛ إلا أن التصعيد يسير بوتيرة شبه ممنهجة لاختلاف فهم التصعيد. فقد تعرضت السفن في الخليج إلى الاعتداء، ثم أسقطت الطائرات المسيرة من الطرفين رغم تبادل النفي والتأكيد، ثم بدأت حرب المضائق من مضيق جبل طارق إلى مضيق هرمز باستيلاء البريطانيين على ناقلة نفط إيرانية ثم استيلاء الحرس الثوري على ناقلة نفط في مياه الخليج، مع توقعنا أن تشمل أعمال التصعيد -المنكر من الطرفين- مضائق باب المندب ومضيق قناة السويس ومضيق مالقا في شرق آسيا.

فالتصعيد في الأزماتConflict Escalation مرحلة تنمو بها الصراعات بمرور الوقت و يتم فيها رفع درجة التوتر وتوسيع ميدان الصراع . وزيادة الضغط والعنف لإرغام الخصم على عمل ما أو تحجيمه من السير في حالة معينة. وللتصعيد دور تكتيكي في الصراع العسكري الذي كان المزاج الخليجي يطالب به، ثم بعد نضوج قبح الأحداث وصل المزاج الخليجي للرشد وتمنى زوال التصعيد.

تصعيد الأزمات اقتناص ظروف مواجهة أفضل - على الأقل في العقيدة الغربية - لكنه في إيران مرحلة من مراحل حافة الهاوية The Edge of the Abyss ولا يقصد التصعيد لذاته بل يقام كأساس ليس للقفز أو التقدم بل للتراجع والنكوص بعد إيصال الغريم وداعميه وهم دول الخليج لحالة الإرهاق النفسي جراء الاستعداد والارتباك الطويل. فطهران تتبنى «التصعيد الثوري» لكونه مواصلة لخطة عمل تمليه ثورة لا دولة. ويتم التصعيد باستخدام الأدوات الثورية كالاعتماد على الجماهير أو الشعب أولاً الذين يمثلهم الحرس الثوري وليس البرلمان أو الجيش النظامي الإيراني. ثانياً يتم التصعيد الثوري بتكثير الأعداد المتضررة من ضغط واشنطن وتوسيع قاعدة المرهقين بالحصار لتبرير ما تقوم به طهران. وثالث الأساليب هو التصعيد النوعي فمرة بالصواريخ الحوثية ومرة بالطائرات المسيرة ومرة بمهاجمة السفن بالزوارق السريعة، ثم اختطافها. ولعل عيب التصعيد الإيراني هو عدم جاهزيته للصراع العسكري الحق، فالتصعيد هنا جزء من خطة حافة الهاوية، وهذا خطأ حيث لا يصح أبداً المناداة بالتصعيد قبل تشكيل مجموعات العمل والأنشطة والفعاليات أو ما يسمى بإجراءات ما قبل المعركة. ومن تبعات ذلك على طهران ركود الحس الثوري بدلاً من إيقاظه، فالتصعيد بدون عزيمة قتال حقة يؤدي دوماً للإحباط والإخفاق.

أما تصعيد الأزمة Conflict Escalation في الفكر العسكري الغربي فهو رفع درجة التوتر وتوسيع ميدان الصراع. لكن ما يمكن قراءته من المشهد هو أن الجانب الأمريكي/البريطاني عنصر رد فقط، وليس مسؤولاً عن التصعيد بل يجري بمبادرة من الإيرانيين. فالتصعيد هو توقف الحرس الثوري عن القيام بمهمة ضبط النفس.

ويمكن القول إن عملية التصعيد الجارية في الخليج لصالح القيادة الإيرانية فقد توحد الشعب خلفها بخلق شعور الضحية الملاحقة. وهو جيد للحرس الثوري كمبرر للميزانيات الإضافية رغم العوز، والتصعيد تدريبات بالذخيرة الحية، وتجريب لأسلحة مطورة، وفرصة لقادة الحرس الثوري الجدد ولسيرتهم الذاتية، ولتصدر وسائل الإعلام، فقد ملت طهران من تكرار اسم سليماني، وجعفري وحان تلميع حسين سلامي.

بالعجمي الفصيح

صار الخليج خلال التصعيد الحالي بدون عزيمة قتال حقة، يقف على مسافة متساوية من الطرفين؛ وأدي لإحباط الخليجيين أكثر من غيرهم، فانطبق علينا مثل»الشيخ راكان» بعد أن أصبحنا أمام «جمعين والثالث بحر»

الأربعاء، 17 يوليو 2019

الرمح الكويتي في وجه الشيطان في سماء الكويت في 2 أغسطس1990م



الثاني من أغسطس: يوم أسقطنا 50 طائرة في 5ساعات

محليات وبرلمان

دور القوة الجوية الكويتية في صد الغزو العراقي الغاشم عام 1990

د.ظافر محمد العجمي 

لم ينتصر الرمح الكويتي عندما قارع الشيطان في سماء الكويت في 2أغسطس1990م ,لكنه لم ينكسر أيضا،ولا نجد أشد إيلاما من ذلك إلا بقاء العمليات العسكرية للجيش الكويتي في ذلك النهار مغيبة ،حتى إن كل ما نشر عنها  لا يتعدى المذكرات الخاصة التي ينفي بعضها الأخر .فملحمة القوة الجوية الكويتية في مطلع الثاني من أغسطس1990م قصيدة فخر يحق لنا تلقين الأجيال القادمة قوافيها.فقد أظهرت المواجهة الجوية طيب معدن صقورنا،ومدى استيعابهم للتدريب العالي المستوى، تدفعهم شجاعة نادرة قلما تتوفر للكثير من الطيارين في نفس الظروف التي أحاطت بهم يوم الغزو الغاشم للكويت .
ولايمكن لمراقب منصف إن يتجاوز عدة حقائق حيال تلك المعركة الجوية بين القوة الجوية الكويتية وسلاح الطيران العراقي. ومن تلك الحقائق ضخامة الجهد الجوي العراقي مقارنة بما نملك من طائرات ورجال،ونجاح صقورنا في إسقاط أضعاف مضاعفة من الطائرات العراقية مقارنة بما فقدناه رغم عدم فقداننا أصلا لطائرة واحدة في المواجهة معهم بلو في حوادث في يوم المعركة. وفي ست ساعات اسقط رجالنا مايفوق عدد الطائرات التي خسرها العراق في ثمان سنوات خلال الحرب العراقية الإيرانية رغم ضخامة وتطور سلاح الجو الإيراني الذي كان لايزال يعمل بتقنية 14F Tomcat الأمريكية ونظام التسليح والتدريب الغربي . أما الحقيقة الأخيرة فهي إن أبطالنا قد قاموا بكسر ذراع العراق الطويلة المتمثلة بسلاح طيرانه،و قد هيئ ذلك  بعد ستة أشهر،النصر لقوات التحالف في الحملة الجوية حيث تحققت السيادة الجوية المطلقة لهم نتيجة غياب طائرات العراق عن سماء المعركة.

   كان قد مضى أكثر من عامين على نهاية الحرب العراقية الإيرانية التي توقفت في  الأسبوع الأول  من أغسطس عام  1988م وعليه  فلم تكن القوة الجوية  الكويتية في حالة طوارئ،كما لم يكن متوقعا أن تتصاعد الأمور إلى ما  وصلت إليه بسبب التأكيدات التي أعطاها القادة العرب للحكومة الكويتية،و ظن الجميع أن اجتماع جدة الذي حضره سمو الأمير الوالد  المرحوم الشيخ سعد العبدالله الصباح في أول أغسطس 1990 سيؤدي إلى إنهاء المشكلة .
   وفي مهمة تصوير جوي للتجسس قامت في صباح اليوم الأول من أغسطس عام 1990م  طائرة عراقية من نوع ميغ25 MIG 25 R FOXBAT بالتحليق على علو مرتفع جدا وبسرعة تفوق سرعة الصوت فوق الكويت وحتى مدينة الظهران في المملكة العربية السعودية الشقيقة وهي تكاد لا تشاهد بالعين المجردة،بل تلمع وتومض فقط عندما ينعكس شعاع الشمس على بعض الأجزاء المعدنية لهيكلها،لكن حسن النوايا من قبل الكويت والسعودية في حينه أدت إلى خطأ جسيم في قراءة النوايا الصدامية عشية الغزو العراقي الغاشم لدولة الكويت . ثم بدأ العدوان العراقي على دولة الكويت قبل منتصف ليلة 1/2 أغسطس 1990م بدفع ما يعرف بتشكيل ما قبل المعركة والمكون من مفرزتَين متقدمتَين في اتجاه الحدود الكويتية الشمالية بهدف الوصول إلى مشارف مدينة الكويت. المفرزة المتقدمة الأولى كانت بقوة لواء مدرع من فرقة  المشاة الآلية 9 المسماة (توكلنا على الله).  وكانت مدعومة بفوج استطلاع  وقد تقدمت على محور أم قصر ـ الصبية ـ جسر بوبيان . وكانت مهمتهما الوصول إلى منطقة بحرة خلال 3 ساعات على أن تواصل تقدمها إلى مدينة الكويت. والمفرزة المتقدمة الأخرى كانت أيضا بقوة لواء مدرع من الفرقة 23 المدرعة (حمورابي) مدعمة بفوج استطلاع. تتقدم على محور صفوان ـ العبدلي ومهمتها الوصول إلى منطقة الجهراء  في الوقت نفسه الذي تصل فيه المفرزة المتقدمة الأولى إلى منطقة بحرة ة ثم تواصل تقدمها إلى الوفرة. كانت تلك القوات تابعة للفيلق الثامن من الحرس الجمهوري، ومع فرقة (المدينة المنورة) التي تبعتهم من السالمي لاحقا شكلت فرق حمورابي وتوكلنا على الله رأس خنجر الغدر العراقي المسموم في خاصرة الكويت النائمة المطمئنة1ً. وكان من وضع خطط وإعداد القوات اللازمة لغزو الكويت، في سِرية تامة بأوامر مباشرة من الطاغية صدام هو اللواء نجم الدين عبدالله ،الذي سحب من قيادة الفِرقة 30التابعة للفيلق العراقي الثالث لتنفيذ مهمة الغدر.  

      في الوقت نفسه قضت خطة العدو بضرب قلب الدفاع الجوي الكويتي والقضاء على مراكز القيادة الجوية ومدارج الطائرات وتدمير الطائرات وتدمير مرافق الصيانة ليكون سلاح الجو الكويتي عديم النفع . لقد كانت مهام سلاح الجو  العراقي تنفيذ الاستطلاع الجوي، في نطاق هجوم الفيلق الثامن، وحتى عمق دولة الكويت والمناطق المجاورة. و توفير الحماية لقوات الفيلق الثامن، بالتعاون مع قوات الدفاع الجوي. و قتال احتياطيات القوات الكويتية، على المستويات المختلفة، أثناء تحركها وفتحها للقتال. و إبرار قوات الإبرار الجوي و تأمينها ومعاونتها في أعمال قتالها. وأخيرا تأمين منطقة العمليات، ومنع أي تدخّل معادٍ، غير متوقع2.
  في مواجهة ميزان قوى ظالم و قاهر ضد الكويت جرت مواجهة ملحمية كان هدف صقور القوة الجوية الكويتية خلالها هو منع سلاح الجو العراقي من الإنفراد بالسيطرة الجوية المطلقة Air supremacy وحماية القوات البرية الكويتية الصغيرة بقدر الإمكان ومنع إبادتها من قبل قوات تفوقها بعشرات المرات . وكان الطيارون الكويتيون يعرفون إن احتمال إسقاطهم كبير جدا لكنهم اقلعوا بشجاعة نادرة لمواجهة قوات متفوقة عليهم في كل شيء ،وقد أفلحت تلك الشجاعة في خلخلة مفهوم السيطرة الجوية التي اعتقد العراقيون بقدرتهم على تحقيقها سريعا، وانه لن تكون هناك قدرة لدى القوة الجوية الكويتية على القيام بردات فعل ناجحة . لقد تمثل ميزان القوى الظالم بين الطرفين في امتلاك العراق لمايزيد على 650 طائرة حربية فيما لم يكن لدى القوة الجوية الكويتية إلا 70 طائرة فقط ، كان نصفها مخصص للنقل . فقد كان لدى العراق 650 طائرة حربية مقاتلة كان من ضمنها 120 طائره MIRAGE F-1EQ فرنسيه68 طائره MIG-19 FARMER سوفيتية 80 مقاتله XIAN F-7 صينيه  81 مقاتله MIG-21 FISHBED سوفيتية 74 مقاتله MIG-23 FLOGGER سوفيتية 30مقاتله MIG-27 FLOGGER للجهوم الأرضي سوفيتية25 مقاتله اعتراضيه MIG-25 FOXBAT أسرع من الصوت سوفيتية8 مقاتلات MIG-25R FOXBAT B للاستطلاع والتجسس سوفيتية80 مقاتله SU-22 FITTER سوفيتية  60 مقاتله MIG-29A   سوفيتية30 مقاتله SU-25 FOGFOOT للهجوم الأرضي سوفيتية48 مقاتله هجوم ارضي من نوع SU-24 FENCER سوفيتية8 قاذفات بعيده المدى من نوع TU-22 BLINDER سوفيتية12 قاذفه بعيده المدي من نوع TU-16 BADGER سوفيتية52 طائره تدريب من نوع PILATUS PC-7 سويسريه 80 طائره تدريب من نوع TUCANO 60 هليوكوبتر مضاد للدبابات أمريكي من نوع MD500 DEFENDER 40 هليوكوبتر مضاد للدبابات من نوع MI-24 و MI-25 سوفيتية50 هليوكوبتر فرنسي مضاد للدروع من نوع SA-342 GAZELLE 40 هليوكوبتر BO-105 ألمانية مضاد للدروع 40 هليوكوبتر متعدد المهام من نوع MI-8 سوفيتي16 هليوكوبتر من نوع SUPER FRELON فرنسية  هليوكوبتر SEA KING بأعداد غير معروفه30 هليوكوبتر PUMA فرنسية  هليوكوبتر ALOUETTE III الفرنسي بأعداد غير معروفه  هليوكوبتر MI-2 سوفيتي بأعداد غير معروفه   صواريخ جو - جو من نوع MAGIC الفرنسية    صواريخ جو-جو فرنسيه من نوع MATRA SUPER R530 بعيده المدي    صواريخ جو - جو سوفيتية للقتال قصير المدي من نوع AA-2 ATOLL   صواريخ قتال جوي قصيره المدي من نوع AA-11 ARCHER سوفيتية  صواريخ قتال جوي بعيده المدي من نوع AA-6 ACRID سوفيتية  صواريخ قتال جوي بعيده المدي من نوع AA-10 ALAMO السوفيتية .
أما طائرات القوة الجوية الكويتية خلال الغزو فكانت 70 طائرة منها 24 سكاي هوكA-4 Skyhawk 24 ميراج إف MIRAGE F-1 فرنسيه 12 طائرة هوك للتدريب 2 طائرة نقل هيركوليز C130 دسي 9 16 طائرة تدريب أساسي من نوع شورتس توكانو4 مروحيات سوبر بيوما9و مروحيات بيوما16 مروحية من نوع غزال GAZELLE . 
   ورغم استغلال العدو لعنصر المفاجأة إلا إن القوة الجوية الكويتية تفتخر بالدور الذي قامت به للتصدي للغزو العراقي للكويت ، حيث شاركت كافة صفوفها في الرد على المعتدي على عدة جبهات وهي القيادة والسيطرة الإنذار المبكر ثم الطيران وأخيرا وسائل الدفاع الجوي.

معركة مركز عمليات القوة الجوية الكويتية الرئيسي
  وصل آمر القوة الجوية الكويتية المرحوم العميد الركن طيار داوود سليمان الغانم  لمركز العمليات الرئيسي ليجد طاقم مركز العمليات المناوب ومسئولهم منشغلا بالتعامل  مع الإنذارات  الواردة  من  وحدات الإنذار المبكر عندما عبرت الطائرات العراقية الحدود الكويتية ليلة 2/8/1990 وفي صباحه الباكر. وقد قام رحمه الله  بإدارة المعركة الجوية حيث تواصلت الأحداث  في مركز العمليات ،فقد وصلت برقية من مركز العمليات المشترك في رئاسة الأركان العامة باحتلال القوات العراقية لثلاث مراكز كويتية  جريشان – العبدلي- الرتقة ، وتم على أساس ذلك رفع حالة الاستعداد في قاعدة على السالم الجوية ووحدات الدفاع الجوي.
  ولو توقفنا عند تفاصيل ذلك الفجر البعيد لشاهدنا نقط الغدر الضوئية تتكاثر كالشعاب السرطانية على شاشة رادار مركز توجيه المقاتلات،كما شوهدت على شاشة رادار البالون أهداف بطيئة أخرى وبكثافة وهي تتتحرك على الشاشة كالديدن الخضراء فوق منطقة البصرة متجهة إلى الكويت ،وفي الساعة 03:30 صباحا كانت الأعداد التي تم رصدها ما بين 50 إلى 70 هدفا جميعها لطائرات هيلوكبتر، كما تم رصد طائرات تقوم بالتشويش على أجهزة رادار صواريخ الدفاع الجوي في جزيرة فيلكا ،حيث طلب من قاعدة على السالم الجوية إقلاع طائرات الميراج لصد الهجوم،و بدأت الطائرات بالإقلاع اعتبارا من الساعة 03:55 صباحا.
   وفي الساعة 05:30 وصل للمركز رئيس الأركان الكويتي اللواء مزيد الصانع ومعه نائب رئيس الأركان العميد الركن جابر الخالد الصباح،وأعقب ذلك وصول الأمير الوالد  المرحوم الشيخ سعد العبدالله الصباح،كما كان حاضرا في مركز العمليات وزير الدفاع في حينه سمو ولي العهد الشيخ نواف الأحمد الذي جلس بقرب قائد المركز يراقب العمليات الجوية ويتشاور مع الأطقم في مجريات الإحداث . 
     كان الهجوم مستمرا، وفي الساعة 05:25 صباحا قامت الطائرات القاذفة العراقية بهجوم ثلاثي متزامن على كل من مطار الكويت الدولي وقاعدة على السالم الجوية وقاعدة أحمد الجابر الجوية. وبناء على تقدير الموقف العلمياتي أصدر آمر القوة الجوية الكويتية  المرحوم العميد الركن طيار داوود سليمان الغانم أمرا بإخلاء الطائرات من قاعدة على السالم الجوية والتوجه إلى قاعدة أحمد الجابر الجوية نتيجة محاصرة قاعدة على السالم وذلك اعتبارا من الساعة 06:00 صباحا وحتى 09:0 صباحا، ولكونها في مرمى المدفعية العراقية . كما أصدر رحمه الله الأمر لطائرات السكاي هوكA-4 Skyhawk بمهاجمة أرتال عراقية على طريق السالمي، وطريق المطلاع،ومحاولة مهاجمة الدبابات التي تحاصر قاعدة على السالم الجوية، حيث كان الهجوم ناجحا وأسفر عن إصابة العديد من آليات الحرب العراقية.
   كما نجح المركز في إرسال الطائرات الاعتراضية اعتبارا من الساعة 04:000 صباحا لإسقاط الطائرات المعادية التي  كانت تحاول التشويش على رادارات جزيرة فيلكا، كما أعطيت الأوامر لكافة وحدات صواريخ الهوك بالاشتباك مع الطائرات .
   كان لابد من شل العقل المدبر للجهد الجوي الكويتي ، وفي  الساعة 13:30 فشلت محاولة عراقية للإنزال في مركز العمليات الرئيسي وتم إسقاط طائرتين. ثم أعطى آمر القوة الجوية الكويتية  المرحوم العميد الركن طيار داوود سليمان الغانم  الإذن لكافة العسكريين في قاعدة المطار الدولي بإخلاء القاعدة اعتبارا من الساعة 15:30 والتوجه إلى قاعدة أحمد الجابر الجوية. و في الساعة 19:00 أطبقت لحظات هائلة من الحزن حين أعطى آمر القوة الجوية الكويتية  الأوامر للفنيين بإتلاف أجهزة الكمبيوتر والشاشات في المركز لكي لا يستطيع العراقيون تشغيل المركز عند احتلاله، وفي الساعة 24:00 تم إغلاق مركز العمليات الرئيسي وظلت قاعدة على السالم الجوية وقاعدة أحمد الجابر الجوية  تقاتل عبر  قيادات ذاتية3.
معركة قاعدة علي السالم الجوية

   تقع القاعدة على بضع أميال من مخالب العدو البعثية السوداء، و في الساعة  03:45  مزق سكون الليل جرس إنذار الإقلاع الفوري في دشم الطائرات حيث أقلعت طائرات الميراج MIRAGE F-1 المسلحة بالصواريخ والمدافع الرشاشة للتصدي للعدو بعد أن وصلت الأوامر الأولى من مركز العمليات الرئيسي للقاعدة تفيد بهجوم كبير تقوم به 70 طائرة عراقية على الكويت. وكانت معارك جوية مجيدة تلك التي خاضتها القاعدة بقيادة قائدها العسكري الفذ العقيد الركن الطيار صابر محمد السويدان والذي خلف داوود الغانم في إمرة القوة الجوية الكويتية وعمل على إعادة بنائها بعد دمار الغزو . فقد أطلقت القاعدة صقورها الحرة من أوكارها بتشكيل مكون من 4 طائرات ميراج في الساعة 03:55 صباحا وأسقطت 8 طائرات هيلوكبتر عراقية كانت على بعد 10 أميال شمال القاعدة . 
     لم يختلف ذلك اليوم عن غيرة فقد تعود صقور الجو على الإحساس بأنهم كلما انطلقوا انطلق معهم ملك الموت. لكن مهمة ذلك اليوم كانت تتطلب أن يرسلوا العدو إلى الموت قبل أن يكتب الله لهم الشهادة. فقد أشتبك النقيب طيار محمد محماس الدوسري وهو يقود الطائرة رقم 723 مع العدو في معركة جوية واستخدم صاروخين جو / جو نوع ماجيك حيث أسفرت المواجهة عن سقوط طائرتين عراقيتين . كما اشتبك الملازم أول طيار هابس المطيري بالطائرة رقم 703 مستخدما صاروخين جو/جو نوع ماجيك وأسقط طائرتين. وعلى نفس الوتيرة قام الملازم أول طيارعبد الله السويلم بالطائرة رقم 727 واستخدم صاروخين جو/جو نوع ماجيك وأسقطت هو الأخر طائرتين معاديتين. أما المرحوم الملازم أول طيار على مشهور العنزي الذي استشهد بعد التحرير في حادث تحطم طائرة ، فقد اقلع بالطائرة رقم 701 وأسقط طائرتين عراقيتين. 
   لم يكن العراقيون ندا لصقور القوة الجوية الكويتية في ذلك الفجر الدامي، واستثمارا للفوز كما تقول مبادئ الحرب،أقلعت طائرتي ميراج في الساعة 4:15 صباحا ،فكان الرائد طيار طاهر الطاهر الفيلكاوي على الطائرة رقم 710، وأسقط 3 طائرات عراقية معادية، اثنتان منهما بصاروخين ماجيك بينما تكفل مدفع الطائرة الرشاش بالثالثة لتهوي وفي أثرها نهر من الدخان . أما الملازم أول طيار بسام جويعد فكان يقود الطائرة رقم 719 حيث أسقط طائرتين عراقيتين باستخدام صاروخين ماجيك. ولكون الطائرات العمودية العراقية قريبة من بعضها البعض قام أكثر صقور القوة الجوية الكويتية بالتأكد من تحطم الطائرات عبر إعادة الطيران فوق الهدف مرة أخرى رغم ما يشكله ذلك من خطر جسيم.

   وفي الساعة 06:30 صباحا أقلعت طائرتي ميراج MIRAGE F-1 الأولى بقيادة النقيب طيار أيمن المضف بالطائرة رقم 701 حيث اسقط طائرتين هيلوكبتر نوع غزال GAZELLE بالقرب من الصبية باستخدام صاروخين ماجيك، بينما اتجه الملازم أول طيار سيف برجس بالطائرة رقم 272 بعد معركة طويلة إلى الظهران نتيجة تدمير ممرات الهبوط في قاعدة علي السالم الجوية ونفاذ وقوده تقريبا .أما في الساعة 09:25 صباحا فقام الملازم أول طيار فيصل الحمود بإسقاط هيلوكبتر عراقية باستخدام صاروخ ماجيك بالطائرة رقم 725.
   ومما سبق تفصيله نجد أن عدد الطائرات التي أسقطتها طائرات الميراج MIRAGE F-1 التابعة للسربين الثامن عشر والحادي والستين من قاعدة على السالم الجوية هو 16 طائرة عراقية في الفترة من 04:00 صباحا وحتى الساعة 09:30 صباحا  من يوم الغزو الأول ، ولم تفقد القاعدة طائرة واحدة.
   وفي الساعة 05:25 تعرضت القاعدة لغارة جوية قصفت  فيها الممر الرئيسي والممر الفرعي وحظائر الطائرات وبعض الأبنية في القاعدة، وعلى الرغم من ذلك تمكنت بعض الطائرات من الإقلاع من القاعدة رغم الحفر والقنابل والشظايا في ممرات الطيران . وكان أن أعطى آمر القاعدة العقيد صابر السويدان الأوامر للطائرات التي كانت عائدة للقاعدة بالتحول إلى قاعدة أحمد الجابر الجوية،أو الذهاب إلى قاعدة الملك عبد العزيز الجوية في الظهران في المملكة العربية السعودية الشقيقة، كما تم إقلاع ما تبقى من طائرات الهيلوكبتر إلى قاعدة احمد الجابر الجوية، ومن ثم إلى النويصيب على الحدود الكويتية السعودية. وفي الساعة 4:45 قبل مغيب الشمس تم قصف القاعدة من الجو مرة أخرى. ثم اقتحمت الدبابات العراقية من الفرقة 23 المدرعة  المسماة (حمورابي (القاعدة وسقطت بعد قتال مجيد في الساعة 09:00من صباح يوم الجمعة 3/8/1990 حيث تم اسر من فيها .

معركة قاعدة أحمد الجابر الجوية
   عندما تصبح عسكريا تتراجع رفاهية الخيارات لتسيطر على مسار حياتك قسوة الواجبات، وفي ذلك اليوم اختلطت المفاجأة،والغدر،واللايقينية،والصدمة معاً لتشكل أضلع إطار الصورة المأساوية لما سمي باختصار 28 ،حيث يصف لنا العميد الركن طيار محمد الزواوي (شفاه الله) ماجرى داخل ذلك الإطار قائلاً4: كان لازال باقيا من رصيد إجازتي السنوية عشرة أيام ، لذا لم أكن في الثانية صباحا سعيدا بسماع صوت آمر السرب التاسع المقدم خميس سلطان وهو يبلغني بضرورة التحاقي بالقاعدة،خصوصا أنني كنت مساعد آمر السرب، وقد كان ذلك نداء الواجب الذي افسد رفاهية أمسيات السهر الرقيقة والاستيقاظ متأخرا. وعلى دوار البدع شاهدت دبابات وجنود، ورغم أنني ارتدي بدلة الطيران إلا أنني لم أتردد في رفع يدي لتحيتهم معتقدا أنهم كويتيون هبوا للاستعداد لما قد تأتي به التهديدات الصدامية التي اشتعلت قبل أسبوع.ثم توقفت في محطة تعبئة وقود قبل أن اسلك طريق كبد المؤدي لقاعدة أحمد الجابر، وفي محطة الوقود سمعت دوي انفجار، وصوت طلقات رشاش متواصلة قادمة من جهة منطقة جيوان، حيث يقع مقر رئاسة الأركان العامة الكويتية.و لم تتضح ماهية الخطر الذي أحسست به إلا بعد أن اقتربت من القاعدة وشاهدت طائرتي MIG-27 FLOGGER عراقيتين تغادران سماء القاعدة بعد تدميرهما لمدرجات الطيران ، وفي أثرهما طائرتي طائرتي ميراج MIRAGE F-1 عراقيتين للمرافقة وحماية منفذي الغارة .
   ولايستطيع كاتب هذه السطور تجاوز ما اختلج في صدره من مشاعر جياشة عندما كان العميد الزواوي  يذكر معارك قاعدة أحمد الجابر الجوية، فقد كانت محطتى الأولى لرحلة  بدأت في القوة الجوية الكويتية واستمرت 30 عاما ،وبقيت القاعدة رغم فراقها بمنزلة الحبيب الأول. وقد بنيت قاعدة أحمد الجابر الجوية في منتصف السبعينيات لتكون القاعدة الرئيسية للقوة الجوية الكويتية ،لذا وكما كان متوقعا فقد تعرضت القاعدة لقصف جوي شديد ومحكم الدقة من الطيران العراقي . ففي الساعة 05:30 صباح يوم 2/8/1990م تمت مهاجمة الممرات الجوية وحظائر الطيران ومخازن قطع الغيار حيث أصيبت تلك الأهداف إصابات مباشرة، كما خلفت قنابل موقوتة استمرت في الانفجار طوال اليوم بالإضافة إلى الشظايا المتطايرة والمنتشرة كالحراب على أرض القاعدة . 
 

   يكمل رفيق السلاح العميد الركن طيار محمد الزواوي روايته فيقول : كانت الحيرة هي سيدة المكان فطلبت من ضباطي في السرب ارتداء بدلة الطيران،واستدعيت الملازم أول طيار مبارك القحطاني ،المكلف في السرب بتنسيق جدول الطيران،وعليه تم وضع كل اثنين من الطيارين معا حتى يحمي احدهما زميله من الخلف لأن طائرة سكاي هوك A-4 Skyhawk  عماد أسراب الطيران المقاتل في قاعدة احمد الجابر الجوية كانت قاذفة bomberوليست اعتراضية Interceptor ،ولا مؤهلة للاشتباك الجوي Dog fight بل إن سلاحها لهذا النوع من القتال لم يكن إلا صاروخين فقط من نوع سايدوايندرSidewinder .ينفذان بعد مواجهة واحدة فتصبح اسير الجو الواسع حيث لا مكان للتخفي عن عين العدو وأنت اعزل . يكمل صقر الجو الكويتي قائلا :قفزت إلى مقصورة قيادة طائرتي وقفز الملازم عدنان عبد الرسول في طائرة أخرى لنشكل فريق قتال.لكن المستحيل كان يقف بيننا وبين سماء الكويت ،التي كنا نؤمن أننا لو استطعنا التحليق فيها لغيرنا بعض مما يجري في تلك الساعات. لقد كان من معوقات وصولنا للسماء أن المدرجات قد دمرت مما جعلنا سجناء في الدشم،وكانت القنابل الموقوتة على المدرج تهديد آخر يذكرنا بشراسته بين دوي الانفجار والأخر . لكنني قررت الانطلاق بأي تكلفة، حتى ولو كان ذلك من خلال الإقلاع عبر الممرات القصيرة Taxi Wayالتي تصل الدشم بالمدرج،ثم زاد الطين بلة عدم اشتغال طائرة عدنان عبد الرسول إلا بعد عدة محاولات . وفوق السالمي أبلغني مركز توجيه المقاتلات بوجود هدف قريب ، فهاجمت أول أعدائي في ذلك النهار،وكانت طائرة هيلوكبتر عراقية سوفيتية الصنع من نوع Hind المرعبة الشكل،وقد حاولت الطائرة العراقية ان تنفذ مناورة للتخلص من الاشتباك سريعا،لكنها فشلت فأرسلتها إلى الأرض كتلة مشتعلة وهي ترسل عويلها كوحش يحتضر . ولم يبقى معي إلا صاروخ واحد، كنت أريد أن أرسله تحية حارة للجنود الذين شاهدتهم مع دباباتهم على دوار البدع، ولا اعلم حتى الآن لماذا رافقني الحنق عليهم أكثر من أية شي آخر طوال ذلك اليوم، وربما كان السبب هو أنني حييتهم بحسن نية مستبعدا الغدر . لكن مركز توجيه المقاتلات ابلغني بوجود طائرتين تحاولان قصف محطة تقوية الإرسال الإذاعي في كبد قرب قاعدة أحمد الجابر. وهاجمت الطائرتين مع عدنان عبد الرسول ، حيث رمي الأولى فأخطأها ،ثم سدد للأخرى فأصابها ، كما اسقطنا الطائرة الأخرى ، ورجعنا لقاعدة أحمد الجابر لنهبط بين القنابل والدمار على المدرج .    
   منذ صباح ذلك اليوم قامت طائرات سكاي هوك A-4 Skyhawk المسلحة بذخيرة جو/أرض زنة 500 رطل شديدة الانفجار وقنابل عنقودية بالهجوم على ارتال عسكرية عراقية تسير متجهة إلى الكويت على طريق السالمي والمطلاع حيث دمرت عدة عربات مدرعة ودبابات وسيارات ذخيرة في عمليات هجومية جريئة. كما تعاملت وحدات الدفاع الجوي في القاعدة مع بعض الطائرات المغيرة وأسقطت منها طائرتين ، ورغم  كون طائرات سكاي هوك قاذفة إلا أنها أسقطت 4 طائرات في عمليات تمت كالتالي:
     أسقط مقدم طيار علاء الصايغ بالطائرة رقم 827 طائرة هيلوكبتر واحدة بعد أن أطلق صاروخين الأول لم يصب الهدف والثاني أصاب الهدف في الساعة 08:30 صباحا. واسقط المقدم طيار حسين القطان طائرة هيلوكبتر بإطلاق صاروخ سايدوايندرSidewinderالساعة 8:30 صباحا بالطائرة رقم 807. كما اسقط المقدم طيار محمد الزواوي طائرتين هيلوكبتر عراقية باستخدام صاروخ جو/جو نوع سايدوايندرSidewinderالساعة 10:00 صباحا وذلك بالطائرة رقم 824. ثم الملازم أول طيار عدنان عبد الرسول الذي اسقط طائرة هيلوكبتر بإطلاق صاروخ سايدوايندرSidewinderالساعة 10:00 صباحا بالطائرة رقم 814.
      كما كان للطائرات القاذفة من نوع سكاي هوك مجهود آخر تمثل في تدمير أرتال عراقية معادية في منتصف يوم 2/8/1990م باستخدام القنابل المتعددة الأغراضGB زنة 500 رطل والقنابل العنقودية في المطلاع وطريق السالمي. حيث قامت بـ8 غارات دمرت بها في الرتل الأول 62 عربة مصفحة مختلفة وفي الرتل الثاني 42 عربة. وبعد ذلك تم قصف قاعدة أحمد الجابر الجوية وتعطيل الممرات وأخليت الطائرات إلى الظهران.

     ففي الساعة 05:45 وقبل مغيب شمس يوم 2/8/1990م تعرضت القاعدة لهجوم جوي آخر ،وفي  الساعة 03:45 صباحا تم إعطاء الأمر للطائرات المقاتلة والطائرات الهيلوكبتر  بالتوجه إلى قاعدة الملك عبد العزيز الجوية في الظهران. وفي الساعة 09:30 صباح يوم الجمعة تعرضت القاعدة لهجوم جوي مكون من 6 طائرات عراقية 4 منها نوع سخوي و2 ميراج F-1 وقد أسقطت إحدى الطائرات من قبل وسائل الدفاع الجوي المحمولة على الكتف نوع سام /7. وفي الساعة 01:00 ظهرا يوم الجمعة قامت الدبابات العراقية من الفرقة 21 المدرعة المسماة (المدينة المنورة )باقتحام القاعدة حيث سقطت بعد أن أدت دورا بطوليا استمر 32 ساعة في وجه القوات المغيرة5.
معركة قاعدة عبدالله المبارك(المطار الدولي)
   كان'السلاح' هو الاسم المتداول بين  أبناء القوة الجوية الكويتية  لقاعدة المطار التي كانت مقر لطائرات النقل ،فقد كان سلاح الطيران هو الاسم الرسمي السابق بدل القوة الجوية ولا زال يحتل الجزء الشمالي من القاعدة منذ أن  تأسس مطار الكويت في عام 1961م .وقد عرف المطار العمليات العسكرية قبيل افتتاحه عندما نزلت الوحدات الجوية البريطانية في أطرافه قادمة من البحرين وعدن إبان أزمة عبد الكريم قاسم 1961م . وفي الساعة 04:30 من صباح يوم 2/8/1990م تم استدعاء منتسبي القاعدة، قبل أن تبدأ الطائرات العراقية بقصفها بنصف ساعة ، ولولا بطولة صقور سرب النقل لتم تدمير ما نملك من طائرات نقل ضخمة ،فخلال القصف قام طيارو النقل بعمل انتحاري تمثل في الإقلاع بطائرتين من نوع C-130. في الفترة  الزمنية  05:45 – 05:55 صباحا .ولتبسيط الأمر نقول أن العملية كانت تتطلب لتحريك ذلك الوحش الكبير وسط تطاير الرصاص إلى طيار بمواصفات رائد الفضاء في الشجاعة وقوة العزيمة والدقة.
   القوة هي الحق وليس الحق هو القوة، ومن هذه القناعة لم ينظر أبناء القوة الجوية الكويتية إلى ضخامة حجم العدو، فبأسلحة فردية لاتتعدى البندقية الذاتية وبعدد لا يتعدى السرية وقفوا صفا واحدا ورفضوا أن يحتل الغزاة قاعدتهم،حيث جرى تبادل إطلاق النار بين المهاجمين والعسكريين الكويتيين نتج عنه عدة إصابات بين رجالنا ،واستشهاد عسكري كويتي واحد. وقد كان ذلك يجري مع استمرار القنابل الموقوتة التي ألقتها الطائرات العراقية المغيرة بالانفجار تباعا منذ الصباح وحتى الساعة 13:00.ثم تم تطويق قاعدة المطار من جهة الشمال والجنوب والشرق بعدد كبير من الدبابات العراقية . وفي الفترة ما بين الساعة 15:00 والساعة 16:00 تم الإطباق على القاعدة. 

   لقد كانت أسراب النقل في القوة الجوية الكويتية هي يد الخير الكويتية التي كان جل مهامها أعمال الإغاثة الإنسانية في جميع أصقاع الأرض، ولهذا شاءت قدرت الله ان يحفظها رغم كبرها وسهولة إسقاطها . وبعد التشاور مع آمر القوة الجوية المرحوم العميد الركن طيار داوود الغانم  في مركز العمليات الرئيسي صدرت التعليمات بإخلاء قاعدة المطار الدولي والاتجاه إلى قاعدة أحمد الجابر الجوية، حيث وصلت آخر المجموعات إلى قاعدة أحمد الجابر الجوية الساعة 18:00 قبل قليل من تعرضها للقصف الجوي الثاني6.
معركة وسائل الدفاع الجوي الكويتية-صواريخ الهوك:
   في مجال الدفاع الجوي اعتبرت الكويت في الثمانينات إحدى الدول القليلة التي امتلكت أفضل ما لدى المنظومة الغربية والشرقية معا في مجال أسلحة الدفاع الجوي ، وقد اظهر رجالنا قدرة عالية على تشغيل أسلحة الدفاع الجوي المعقدة والمتطورة وصيانتها ،وحماية أجواءنا من أي تدخل سواء كان على شكل صواريخ بالستية أو طائرات معادية. فقد حموا سماءنا لمدة ثمانية أعوام إبان الحرب  العراقية الإيرانية ، وكانوا مؤهلين لمتابعة كل نقطة مضيئة تظهر على رادارات سرايا الإنذار ،فاجتازوا اختبار صعب تمثل في كيفية التعامل مع الأهداف الخطرة التي كانت تشبه لكثرتها الشرر المتطاير من نيران الجيران المستعرة، وفي الوقت نفسه الحذر الشديد في عدم التعرض للطائرات المدنية وإبقاء أجواء الكويت مفتوحة للطائرات التي كانت تصل الكويت بأعداد كبيرة ، لقد اجتاز رجال الدفاع الجوي تلك التحديات لكن 28 كان غدر يستحيل التعامل معه بنفس الاسلوب .
      ومع ذلك صدرت الأوامر لرفع حالة الاستعداد الساعة 11:45 قبل منتصف الليل وحال تلقي الأمر تم توزيع الأفراد على جميع المواقع القتالية ووزعت الذخيرة وأنشأت نقاط بصرية للمراقبة وتم توزيع صواريخ هوك HAWK missile system إضافية على السرايا باستثناء سرية الهوك الاقتحامية في جزيرة فيلكا التي قامت القوات العراقية المتواجدة في رأس الأرض في السالمية بمصادرة الصواريخ قبل ركوبها العبارة فجر 2أغسطس .
   تعرضت رادارات الهوك منذ الصباح الباكر إلى تشويش شديد استمر حتى نهاية يوم المشئوم، واشتبكت صواريخ الهوك منذ الصباح مع وحدات عراقية وأسقطت العديد من الطائرات وقد بلغ عدد الاشتباكات 18 تم خلالها إطلاق 24 صاروخا. كما تم تدمير 15 هدفا بينما لا يعرف ما حدث لبقية الأهداف، ومن هذه الأهداف 6 أهداف لطائرات مقاتلة و 9 أهداف لطائرات هيلوكبتر.وبعد سيطرة العدو على الكويت صدرت الأوامر من مركز العمليات الرئيسي لوحدات الدفاع الجوي هوك بالانسحاب من مواقعها في جزيرة فيلكا الساعة 05:30 مساء، والساعة 10:00 مساء للوحدات الأخرى.
صواريخ الاستريلا (سام/ 7):
   تم رفع الحالة قبل منتصف الليل، واستدعى جميع المجازون الساعة 05:00صباحا ،حيث اشتبكت حظائر من الكتيبة مع طائرات هيلوكبتر عراقية الساعة 10:15صباحا حيث شوهد من 28 إلى 32 طائرة عراقية فوق لواء الدفاع الجوي ،و تم التعامل معها وأسقطت 3 طائرات بعد مهاجمتها وإطلاق 8 صواريخ. 
   في الساعة 13:30 بعد الظهر تم إرسال مجموعة من الصواريخ إلى قاعدة احمد الجابر الجوية لإسنادها، كما انسحبت عدة مواقع إلى قاعدة أحمد الجابر الجوية حيث تم التعامل مع 6 طائرات مقاتلة عراقية كانت تهاجم القاعدة وأسقطت طائرة واحدة.
دور الكتيبة / 45 (هوك)
قامت السرية الثانية في موقع جزيرة فيلكا بالاشتباك مع 7 أهداف كالتالي:
     إطلاق صاروخ على هدف شمال شرق الجزيرة وكان بسرعة عالية (طائرة مقاتلة) وتم تدمير الهدف الساعة 04:50صباحا. تم إطلاق صاروخ على هدف في شمال شرق الجزيرة وكانت سرعته عالية (طائرة مقاتلة) وتم تدمير الهدف الساعة 05:30 صباحا. كما تم إطلاق صاروخين على هدف شرق الجزيرة وكانت سرعته عالية (طائرة مقاتلة) وتم تدمير الهدف الساعة 06:15 صباحا. وفي الساعة 07:00صباحا ،تم إطلاق صاروخ واحد على هدف شمال الجزيرة وكانت سرعته عالية (طائرة مقاتلة) وتم تدمير الهدف على الرغم من وجود تشويش الكتروني على موقع السرية . وفي الساعة 09:15 صباحا تم إطلاق 3 صواريخ على 3 أهداف تطير بسرعة بطيئة شمال غرب الجزيرة (هيلوكبتر) وتم تدمير الهدف ولم يتم تأكيد إصابة 3 طائرات أو طائرة واحدة. كما قام رجالنا باطلاق صاروخ واحد على هدف بطئ شمال شرق الجزيرة وتم تدمير الهدف الساعة 14:20 بعد الظهر.

أما السرية الثالثة في موقع الأحمدي فقد اشتبكت مع خمسة أهداف كالتالي:
   تم إطلاق صاروخ على هدف شمال الموقع بسرعة بطيئة (هيلوكبتر) ولم يتم إصابة الهدف الساعة 05:10 صباحا. كما تم إطلاق صاروخ على هدف شمال شرق الموقع بسرعة بطيئة (هيلوكبتر) وتم تدمير الهدف الساعة 07:25 صباحا. وايضا تم إطلاق صاروخ على هدف شمال غرب الموقع بسرعة بطيئة (هيلوكبتر) وتم تدمير الهدف الساعة 08:30صباحا. واطلق صاروخ على هدف جنوب غرب الموقع بسرعة بطيئة (هيلوكبتر) وتم تدمير الهدف الساعة 10:30صباحا.كما تم إطلاق صاروخ على هدف شمال الموقع بسرعة بطيئة (هيلوكبتر) وتم تدمير الهدف الساعة 14:15صباحا.

كما قامت السرية الرابعة في موقع الأدعمي بالاشتباك مع 6 أهداف كالتالي:
    إطلاق صاروخ على هدف بسرعة بطيئة (هيلوكبتر) جنوب الموقع وتم تدمير الهدف الساعة 09:15صباحا. وإطلاق 3 صواريخ على هدف بسرعة بطيئة (هيلوكبتر) جنوب الموقع وتم تدمير الهدف الساعة 07:25صباحا. و إطلاق صاروخ على هدف بسرعة بطيئة (هيلوكبتر) جنوب شرق الموقع وتم تدمير الهدف الساعة 12:20 ظهرا.و إطلاق صاروخ على هدف بسرعة بطيئة (هيلوكبتر) شرق الموقع وتم تدمير الهدف الساعة11:00 صباحا.
   ثم إطلاق صاروخين على هدف شمال الموقع بسرعة عالية (طائرة مقاتلة) ولم يدمر الهدف وذلك الساعة 13:35ظهرا. وفي عصر ذلك اليوم تم إطلاق صاروخ على هدف شمال غرب الموقع بسرعة بطيئة (هيلوكبتر) ولم يصب الهدف الساعة 17:00. وللأسف كان هناك هدف واحد اعتبر هدف صديق تم إسقاطه نتيجة التحليق في منطقة مفتوحة النيران.
دور صواريخ السام/ 7
المحمولة على الكتف من الكتيبة 31
     إسقاط 3 طائرات هيلوكبتر فوق لواء الدفاع الجوي الساعة 10:156 صباحا.كما تم م إسقاط طائرة واحدة مقاتلة من أصل 6 طائرات كانت تهاجم قاعدة أحمد الجابر الجوية الساعة 09:30صباحا. 
 إدامة الجاهزية القتالية
   في العام القادم سيكون قد مضى 20 عاما  على الغزو العراقي الغاشم،ومع تقادم الحوادث في الذاكرة، يشيخ الرجال ويتقادم أيضا ما تم بناءه في فورة الحماس لبناء القوة الجوية الجريحة في تلك السنين البعيدة، وتضعف الذراع الطويلة للكويت، مما يحتم ضرورة إكمال بناء وإدامة فعالية المنظومة الدفاعية والقتالية المتكاملة التي بدأت الكويت في إقامتها بعد حرب التحرير. ومن ذلك شراء طائرات جديدة سواء كانت الرافال الفرنسية الجديدةRafal ،أو تطوير مقاتلة إف 18 F/A-18 Hornet والتي هي مقاتلة متعددة المهام تعمل في كل الظروف الجوية، وبإمكانها تدمير الأهداف الجوية والبرية على السواء، والتي وصلت قضية عدم  جاهزيتها في العام الماضي إلى أروقة مجلس الأمة الكويتي في سابقة خطيرة.لم يطفئها ويثلج صدورنا إلا ما قاله أمر القوة الجوية اللواء ركن طيار يوسف ضويان العتيبي من إن القوة الجوية الكويتية تمتلك أحدث ورش الصيانة والتدريب ، وان الجاهزية عالية .
     كما يتطلب أمن الكويت إدامة جاهزية أسلحتنا الجديدة الأخرى مثل الأباتشي AH-64Apache Longbow  التي لدينا منها كما قال سرب مقاتل يمتلك قوة نيران هائلة إضافة إلى أنها من طائرات الإسناد القتالي المتعددة الأدوار، كما ان الطيارين الكويتيين مشهود لهم بالكفاءة وفق المعايير العالمية، وان القوة الجوية الكويتية حققت مستوى متقدم من الكفاءة في التدريب، وليس أدل على ذلك من تلقي العديد من رجال الجيوش العربية والخليجية تدريباتهم في الكويت7 . إضافة إلى صواريخ الباتريوت Patriot التي يتم تطويرها لتصبح من نوع PAC3  ، ومنظومة آمون القتالية والدفاعية ومنظومة ستاربريست.
   لقد سقط الطاغية عام 2003م وتحررت العراق من عبث البعثيين،وسيعاد بناء جيش العراق الجديد الذي هو ذخر لإخوانه العرب بمقايس الدفاع لا بنزعة العدوان،متمنين من إخواننا في العراق مراعاة مشاعرنا ومشاعر إخواننا في إيران كأهل شهداء ذاقوا الغدر والاستباحة والقتل على يد جحافل الشيطان من منتسبي الحرس الجمهوري، في عدم إعادة تشكيل ما يحمل اسم فرق الغدر مثل ' فرقة حمورابي' و ' فرقة توكلنا على الله' و'فرقة المدينة المنورة '.

   في الثاني من أغسطس 1990م أسقطت القوة الجوية الكويتية سواء بالطائرات أو وسائل الدفاع الجوي 39 طائرة عراقية منها 7 طائرات مقاتلة و32 طائرة هيلوكبتر.لكن العراقيون اقروا بفقدانهم 50 طائرة في ذلك اليوم . فأين ذهبت وكيف سقطت ومن أسقطها؟
   لم تهرب الطائرات العراقية المفقودة إلى جمهورية إيران الإسلامية، فقد حدث هروبهم في حرب التحرير. واكتشفنا لاحقا إن كل ذرة من تراب الكويت قد اشتركت في مقاومة الغزاة، فأسقطت خطوط الضغط العالي الكهربائية، التي أعمى الله بصيرة الغادرين عنها 11 طائرة أخرى.

 

 

الثلاثاء، 9 يوليو 2019

خجل المبادرة الخليجية عن الأزمة السودانية!

خجل المبادرة الخليجية عن الأزمة السودانية!
قد يرد على عنواننا سوداني «يا نحلة لا تقرصيني ومش عايز عسل»؛ ولا نلومه ففي الربيع العربي قيل إن النحل الخليجي قرص الكثيرين رغم ما بذله من عسل. فالأزمة السودانية انتهت إن شاء الله، فالمجلس العسكري الانتقالي الذي خاض تجاذبات سياسيّة مع قوى إعلان الحرية والتغيير وصل إلى اتفاق معهم في 4 يوليو حول تقاسم المجلس السيادي مناصفة. أما غياب مبادرة خليجية للأزمة السودانية فكان انكفاء غير مبرر، فوجودها كان لصالح السودان قبل أن يكون مصلحة خليجية لما تتطلبه الظروف الإقليمية الراهنة ومن ذلك:

- صارت العواصم الخليجية هي مركز الثقل العربي بعد غياب دمشق والقاهرة وبغداد عن الأزمات العربية، ويتطلب ذلك منا موقفاً من كل أزمة إقليمية، فما بالكم بالشقيقة السودان عمقنا الإقليمي غرباً!

- يمتلك صانع الدبلوماسية الخليجية مهارة في إدارة الأزمات وطرح المبادرات حتى إن «المبادرة الخليجية» كلمات مرادفة لمعظم أزمات العالم العربي مما خلق إرثاً تتكئ عليه العواصم الخليجية لنجاح المصالحات العربية.

- تمتلك دول الخليج أدوات سياسية واقتصادية قادرة بسخائها على حل معضلات دول تعود مشكلاتها لجذر اقتصادي في الأساس ومنها السودانية.

- ندرك أن هناك وساطة إثيوبية ومن الاتحاد الأفريقي لكنها راوحت مكانها طويلاً حتى ولدت مؤخراً مما يفتح باب تأويل هشاشتها لعدم الكفاءة أو المصلحية للمتدخلين.

- نحن في الخليج العربي أولى من وساطة إثيوبيا والاتحاد الأفريقي، فعروبة السودان قبل أفريقيته والثقة بيننا أكبر.

- الاستراتيجية تكره الفراغ فقد تقفز القوى الإقليمية من أنقرة إلى طهران إلى القوى الدولية، لذا يجب احتواء الأزمة عربياً وعدم تدويلها أو جعل أبوابها مشرعة.

- كان يجب أن تكون المبادرة الخليجية إحدى «مرجعيات» الحل السياسي في السودان، فالمبادرة الخليجية كانت مفتاحاً مهماً لإنقاذ بلدان عربية لكونها مقدرة من المجتمع الدولي.

- الجيش السوداني في حرب اليمن مقدر من قبلنا، وقد كانت هناك مطالب بسحبه من حرب إعادة الشرعة في اليمن، وبقاؤه هناك مصلحة خليجية قد يضيعها غيابنا عن المشهد السوداني.

- المبادرة الخليجية لو حدثت مبكراً لانتقلت السلطة سلمياً وتجنب البلد الفوضى التي أدت لمقتل 120 سودانياً. ولقطعت الطريق على من يحاولون إيجاد بعض الطبخات السياسية السيئة التي تجري بيد تنظيم سياسي أو أيديولوجي أو بيد خارجية.

أخيراً، إن موقف سياسة «النأي بالنفس» التي شوه تبنيها بعض العواصم العربية، موقف لم يخلق لدول الخليج؛ والمبادرة الخليجية في الأزمة السودانية ليست خياراً بل اضطرار تجاهلناه وسيكون له تبعات، والخروج عن الانكفاء الخليجي غير المبرر مطلوب في هذه الأزمة.

بالعجمي الفصيح

تبني دول الخليج الدبلوماسية الاستباقية، وروح المبادرة، ونشر نهج الدبلوماسية الوقائية، والدور القيادي المستقبلي للخليج في العالم العربي كلها أمور تتعارض مع خجل المبادرة الخليجية عن الانخراط النبيل في الأزمة السودانية.

تأخر الخليج في التعرّف على ألمانيا

تأخر الخليج في التعرّف على ألمانيا
على منصة «الحوار الخليجي الألماني حول الأمن والتعاون 26-28 يونيو 2019 - برلين» كنت متردداً في درجة العتاب الخشن، هل هو موقف ألمانيا المتردد حيال بعض القضايا الخليجية أم الغياب الخليجي عن برلين كموقف يصعب الدفاع عنه؟ بدأت بالهجوم على الألمان بورقة تحت عنوان «الخليج في الأعمدة الخمسة للسياسة الخارجية الألمانية» بينت أن العمود الأول: الشراكات الاستراتيجية «Strategic partnerships»، لم تراعِ فيه برلين انتقال مركز الثقل العربي إلى الخليج. وكيف أنه رغم كون ألمانيا ثاني متبرع لليمن بحجم المساعدات، إلا أنها لا تراعي تقارير المنظمات الحقوقية التي قادت لمسار تصادمي في بيع السلاح، وكانت حجتي أن المحركات الإنسانية -رغم نبلها- لا تصنع سياسة خارجية متكاملة فقد أضعفت السيدة ميركل بعد أن غلبت عواطفها على المصلحة الأوروبية في قضية اللاجئين مما مهد لتقدم المتطرفين في الانتخابات.

أما في عمود إطفاء الحرائق «Putting Out Fires» فقد بينت أن ترحيبنا بالتدخل الألماني في قضايا الخليج لا يعني كماله، فمازال قاصراً ومتردداً مقارنة بجهد الأمريكان والبريطانيين والفرنسيين. رغم أن ألمانيا ماهرة في لعب دور الوسيط كما فعلت في القضية الأوكرانية. وفي عمود إيمان برلين بتعدد الأقطاب «Multi-polarity» بينت كيف أن ألمانيا تتبني الموقف الإيراني أكثر من تفهمها لوجهة النظر الخليجية، كحرصها على الشق النووي وتجاهل العبث الإقليمي. وقد أغاظ مدير الجلسة وصفي برلين بـ»الشرطي الحامي لاتفاق 5+1» كموازن للموقف الأمريكي. وفي العمود الرابع وهو مواجهة الإرهاب «Risks of Terrorism» تحدثت كيف تغض برلين النظر عن إرهاب الدولة وكيف لم تحذُ حذو حليفتها واشنطن بتصنيف المنظمات الإقليمية كإرهابية. وفي العمود الخامس عن الجيوش الموازية «Parallel Armie» تعرضت بالنقد للف والدوران الألماني دون اعتبار الحشد الشعبي والحوثيين وحزب الله جيوشاً غير معترف بها وموازية فكيف لا نخشى وصول السلاح الألماني عبر الجيوش الحكومية للجيوش الموازية! حيث غرد البعض «د.ظافر العجمي يغسل شراع السياسة الألمانية في الخليج».

فيما يخص الخليجيين أعتقد أن الغيبوبة التاريخية الخليجية عن ألمانيا غير مبررة، فليس بيننا إرث استعماري مشين، فمن يصدق -ثلاث حروب وربيع عربي وحشود طوال أربعة عقود- أن هذا هو المؤتمر الخليجي الألماني الأول، فشكراً لجمعية الصداقة العربية الألمانية ممثلة في الرجل العروبي حسام معروف @MaaroufBerlin الذي تواصل ونظم حتى شارك أكثر من 100 دبلوماسي ومثقف من دول الخليج الست، وشكراً للأكاديمية الفدرالية للسياسات ال،منية ولمؤسسة كونراد إدناور وغيرهم. ورغم الهم الخليجي إلا أن فلسطين كانت حاضرة فطالب الخليج ألمانيا بالاعتراف بفلسطين دولة مستقلة عاصمتها القدس، وكان أبلغ ما قيل عن صفقة القرن أنها كائن له يد ورجل ورئة ورأس لكن لا قلب له. كما كانت أبرز الخلاصات إمساك طهران بمفاصل القرار السياسي الألماني، رغم تجارة بيننا تبلغ 40 مليار$، فيما تبلغ مع إيران 450 مليون $ فقط أي 1% من التجارة معنا. لذا يجب استمرار الحوار ودعمه وتعميق الشراكة الاستراتيجية.

* بالعجمي الفصيح:

لقد كان لجهاز الأمن الوطني الكويتي وأمانة مجلس التعاون وسفارات المجلس الست دور جعل برلين تتلقى طرحنا بحرارة كان أبسط أشكالها تكرار مفردة «الخليج العربي». وبدل الركون لجملة الحماية التبريرية «أن نبدأ خير من ألا نبدأ» يجب استمرار التواصل فهناك مشكلة عدم وضوح الصورة «Image problem» بيننا.

* كاتب وأكاديمي كويتي

Gulf seurity أمن الخليج العربي

Kuwait
تبين هذه المدونة كيف تمتع الخليج بأهمية كبيرة أدت إلى خلق عبء استراتيجي على أهله بصورة ظهرت فيها الجغرافيا وهي تثقل كاهل التاريخ وهي مدونة لاستشراف مستقبل الأمن في الخليج العربي The strategic importance of the Gulf region creates a strategic burden and show a good example of Geography as burden on history. This blog well examine this and forecast the Gulf's near future and events in its Iraq, Iran ,Saudi Arabia ,Kuwait, Bahrain ,Qatar, United Arab Emirates and Oman

أرشيف المدونة الإلكترونية