Gulf security أمن الخليج العربي

الأحد، 2 فبراير، 2020


Site Meter

الخميس، 11 ديسمبر، 2014

الدوافع النفطية لعودة المشاريع النووية بالخليج


الدوافع النفطية لعودة المشاريع النووية بالخليج

د.ظافر محمد العجمي-المدير التنفيذي لمجموعة مراقبة الخليج


للفرار من صوت تدحرج براميل النفط بأسعارها إلى الهاوية، من النادر أن تجد حاليا من لا يشعر بالرغبة في القفز نحو استشراف نتائج تهاوي الأسعار حتى ولو كانت نتائج موجعة. فهل سيصبح انهيار أسعار النفط في الخليج العربي خميرة لتحولات استراتيجية حادة؟ يذهب البعض إلى أن انخفاض أسعار النفط يطمئن الخليجيين بمقدار ما يُقلقهم، فهبوط أسعار النفط يميل لصالحهم وصالح الغرب وضد روسيا وإيران، بل إن البعض قال: إن دول الخليج وفي ظل وفرة مالية تحمي اقتصاداتها قد أعلنت «الحرب النفطية» لتركيع إيران وروسيا. فاعتماد كلا البلدين على إيرادات النفط اعتمادا كبيرا يعرض ميزانيتهما للعجز عند الأسعار الحالية، وسيضعف موقفيهما في العراق وفي مفاوضات البرنامج النووي وفي سوريا وفي أوكرانيا. لكن ما يقلقنا هو أن الدراسات النفطية تتوقع أن تستمر الأسعار المنخفضة على حالها لمدة لن تقل عن خمس سنوات بناء على عبرة تاريخية مستمدة من سجلات أوبك. فهل ستقبل طهران أن تغلب في سوق حرب الأسعار النفطية وهي التي قاومت العزلة الدبلوماسية وتملصت من الحصار الاقتصادي تلو الحصار منذ تشكل الجمهورية الإسلامية 1979م؟

إن من الأعمال الممكنة التي قد تقوم بها طهران:

- سيناريو «قطع الأعناق ولا قطع الأرزاق» كما قال صدام في مؤتمر القمة العربي في 30/5/1990 متهما الكويت والإمارات بإغراق الأسواق بنفط تقل أسعاره عن 7 دولارات للبرميل الواحد، لمنع بغداد من إعادة بناء قوتها العسكرية؛ صحيح أن إيران لن تغزو دول الخليجي لكنها ستفتح الأبواب لعدم الاستقرار ليتسلل كالثعابين إلى شوارعنا الآمنة.

- لن تتردد طهران في خلق ملف جديد باسم حرب أسعار النفط، وعرضه على مجموعة «5+1»، المختصة بالتفاوض حول برنامجها النووي، وإجبارهم على جعله أولوية يتم من خلالها ثني دول الخليج وواشنطن عن تدمير الاقتصاد الإيراني عبر الحرب النفطية.

- إذا لم ترتفع الأسعار وتتوقف سياسة الإغراق ستتوقف طهران عن التعاون مع مجموعة «5+1» حيال توسيع وتحديث قطاعي النفط والغاز لعدم جدواهما. وستعود إلى التخصيب بنسبة %5 و%20 كما كانت سابقا والتوسع في مشاريعها النووية في مجال الأبحاث والتطوير التي يرى الغرب أنها لأجل الأسلحة النووية.

- سيصل التعاون بين موسكو وطهران لذروته عبر إبرام شراكة استراتيجية للخروج بأقل الأضرار من «الحرب النفطية» وسيشمل التعاون خلق البديل النووي ليحل محل النفط في محطات الطاقة الإيرانية، ليتم تحرير جزء كبير من النفط الإيراني من الاستهلاك المحلي وتصدير ما يستخرج.

وعلى الجانب الخليجي يبدو المشهد أقل وضوحا تجاه المشاريع النووية؛ حيث تتقدم دولة وتتراجع دولة خليجية أخرى. فخادم الحرمين الشريفين قال في ربيع 2009م: إنه «إذا امتلك الإيرانيون سلاحاً نووياً سنمتلك سلاحاً مماثلاً». يقابل ذلك العزم تراجع كويتي وإلغاء خطط مشروعها النووي 2011م، ثم يتغير الوضع مع الإمارات العربية المتحدة بخطوات نووية سلمية رائدة ومقبولة من الوكالات الدولية جراء تعهد أبوظبي بالتخلي عن تخصيب اليورانيوم في مفاعلاتها النووية التي ستقام بخبرات كورية جنوبية وغربية.

إن الدوافع النفطية لعودة المشاريع النووية لطاولة صناع القرار بين دول الخليج أقوى من دوافع السباق النووي. وعليه فإن اتجاه طهران للخيار النووي سلميا كان أو عسكريا يعني أن العواصم الخليجية ستدرس الخيار النووي ليس لردع نفوذ إيران فحسب بل كبديل للنفط، وما ذلك إلا طبقة من مرحلة تراكمية للأزمة المستمرة على ضفتي الخليج العربي.


الخميس، 4 ديسمبر، 2014

ماذا ينقص المصالحة الخليجية؟

ماذا ينقص المصالحة الخليجية؟





د. ظافر محمد العجمي
بهذا المقال أعد القارئ الكريم أن تنتهي ثلاثية «المصالحة الخليجية»، وهي سلسلة مكونة من ثلاث مقالات كتبتها حول المصالحة في 16 نوفمبر بالرياض 2014م، وكان أولها بعنوان «غياب المحور الشعبي عن المصالحة الخليجية»، ثم مقال «تحصين المصالحة الخليجية»، واليوم أكتب ثالثهما عما ينقص هذه المصالحة. 
لقد دفعني للتذكير بها غبطة وسرور المراقب بخبر توجه رئيس مجلس الشورى السعودي عبدالله آل الشيخ إلى قطر، على رأس وفد سعودي يضم عددا من أعضاء وكبار موظفي مجلس الشورى للمشاركة في الاجتماع الدوري لرؤساء المجالس التشريعية في دول المجلس. وكأن إنهاء القطيعة استجابة منهم «للومنا» لهم على غياب المحور الشعبي الخليجي، فكيف! ونحن مجتمع تعتبر فيه المبادرات الشعبية للمصالحة آلية محلية ناجحة للقفز فوق عسر القوانين وطول إجراءاتها، فلم لا تكون «الجاهية الشعبية» آلية للقفز فوق معوقات التعاون الخليجي! كما أنه مما يسعد المراقب الخليجي أن اجتماع البرلمانيين الخليجيين هو استجابة لما ذكرنا من ضرورة تحصين المصالحة الخليجية بجعل الشعب الخليجي شاهدا عليها، عبر هياكل المجالس والبرلمانات الخليجية.
ولأن لكل حرب ضحاياها، ومعظم ضحايا الحروب هم الجنود وليس الضباط، وبما أن ما جرى كان مماحكات إعلامية، فقد انجلت الأزمة عن ضحايا من الكتاب والصحافيين والإعلاميين والتويتريين والشعراء، حيث جند كل طرف سرايا عديدة منهم، ثم تصالح الشيوخ وعاد السفراء، فيما بقي الضحايا يتزاحمون على قوائم ممنوع الدخول في المطارات والحدود الخليجية. فلماذا يستمر تحميل هذه المجموعة كل تبعات ما جرى! فالمعروف أن كل طبقة سائدة تفرض ثقافتها؛ وثقافة تلك المرحلة المتوترة كانت التقاذف، فلم يكن مقبولا من كاتب في دولة خليجية ألا يكون جزءا من الصراع من باب عدم قبول من «لا يرمي ولا يجمع الحصى»، ومن جراء ذلك لم ينأ بنفسه عن تلك الغارات الافتراضية إلا من رحم ربي. ولم تكن قوائم الممنوعين الخليجيين من دخول دولة خليجية أخرى بأمر جديد، فقد سبق أن كتبنا فيه مقال «ممنوع دخول الخليجي» في أبريل 2013م، حيث ضمت قوائم الممنوعين الخليجيين رجال دين وناشطين سياسيين ومغردين ومحرضين، وجلها نتيجة تحريض رجال دين ضد رجال دين وإعلاميين وكتاب ضد بعضهم بذريعة إهانة الدولة ورموزها. واقترحنا في حينه أن من الأجدى رفع قضية على الممنوع من دخول البلاد في وطنه ورد كرامة الدولة المانعة عبر القانون، بدل منعه وخلق بطل تويتري. وكيف أن بعض دول الخليج رفعت بضغط من الأمم المتحدة قرارات كانت تمنع المصابين بالايدز من دخول أراضيها، بينما ما زالت تمنع دخول بعض الخليجيين، فكيف جعلت آراءهم أشد خطرا من الإيدز؟ كما نكرر القول بأن قوائم المنع تهدم مشروع الوحدة الخليجية المستقبلية في العمق، ونخاف أن ينهار المشروع الخليجي القائم لأسباب تافهة كالتوسع في إجراء (ممنوع من دخول البلاد) ويقابله إجراء (المعاملة بالمثل) فنطيح بكلّ طموحٍ توهّميّ بأننا نتلمس أطراف الوحدة الخليجية. نكرر دعوتنا ونطلب عون البرلمانيين الخليجيين ليتبنوا قرارا بتصفير قوائم الممنوعين الخليجيين لأسباب تتعلق بالأزمة الماضية، فالمصالحة مشروع كامل ولبنة في بناء صرح التعاون الخليجي.
وهنا أعيد سؤالا طرحته سابقا على د.عبداللطيف الزياني الأمين العام لمجلس التعاون، وهو: كيف اشتملت الاتفاقية الأمنية الخليجية في الفصل 5 على 13 بندا حول تسليم المواطن من بلد خليجي إلى آخر، دون إشارة واحدة إلى آلية لرفع المواطن لاسمه من قوائم المنع الخليجية؟ لا نبحث عن جواب بل عن إجراء بإدراج هذا البند ضمن جدول أعمال قمة الدوحة ديسمبر 2014م
.

الجمعة، 28 نوفمبر، 2014

تحصين المصالحة الخليجية

د.ظافر محمد العجمي - المدير التنفيذي لمجموعة مراقبة الخليج  

تحصين المصالحة الخليجية
عندما نراقب ردود الفعل المختلفة تجاه المصالحة الخليجية، نلاحظ أن هناك من هنّأ الدول المتصالحة بقرارها، إلا أن المشهد لم يخل من امتداد لموروثات قديمة، فبعض النخب تعاملت مع المصالحة بتوجس بدائي وصل مخزون أجدادهم من الأمثال اللاذعة التي منها «لا تفرحين بالعرس ترى الطلاق باكر» وذهب آخرون إلى أن ساعة انفضاض قمة المجلس القادمة هي ساعة نهاية المزاج التصالحي وعودة التوتر الصامت. حينها يغمرنا شعور بالسفه يدعو إلى الرثاء فكيف نؤمن بقيمة هذه المصالحة الخليجية ولا نملك همة النهوض لبناء الحد الأدنى من إجراءات تحصينها!
لقد احتوى بيان الديوان الملكي السعودي 19 نوفمبر 2014م كلمات لخادم الحرمين الشريفين قادرة على أن تقصي كل الانقسامات فقد جاء فيها أن الاتفاق جاء لينهي كافة أسباب الخلافات الطارئة، وهو إيذان لبدء صفحة جديدة ليس بين دول الخليج فحسب بل لنبذ الخلاف في مواجهة التحديات التي تواجه أمتنا العربية والإسلامية، فحرص على تأكيد الوقوف إلى جانب جمهورية مصر العربية. ولأن الإيجابي لا تنضب أفكاره والسلبي لا تنضب أعذاره نقترح بضع إجراءات قد تساعد في احتواء المواقف السلبية التي سيتم تسويقها بمختلف الذرائع والأعذار لنقض المصالحة ومنها:
-الحذر من الوقوع في أسر الحتمية، فباب الاختلاف سيبقى مشرعا طالما لم تتحقق الوحدة الخليجية في قرارات السياسة الخارجية التي هي جذر مآسينا. فالوحدة الخليجية لم تعد سهلة التحقيق كما كان الحال إبان الربيع العربي، فقد تراجع المزاج الوحدوي بشكل مريع وراحت الانقسامات البسيطة في التضخم حتى أغلقت الطريق إلى وحدة كنا نكاد أن نتلمسها بأيادينا.
- كما أن تحصين المصالحة الخليجية يتطلب القضاء على مفجرات النزاع التي كتبت فيها المعلقات وتكررت على لسان العدو قبل الصديق فيما نحن نتهرب بذرائعية فذة عن مهمة نزع فتيلها. ولعل في جمع وتصنيف المعلومات ونشرها ما يساعد في عملية التوعية وفي الإحاطة علما بطبيعة الفروق والاختلالات في الأوضاع القائمة، وإنهاء لنهج الإدارة بالغموض .
- ويتطلب تحصين المصالحة الخليجية أن نشهد الشعب الخليجي عليها، سواء عبر هياكل المجالس والبرلمانات أو عبر وسائل الإعلام الرسمية التي فشلت في ترجمة الإنجاز الضخم ليصبح محركا وحدويا فعالا حيث اكتفى بالاحتفال لا الاحتفاء بالحدث لمدة يومين لا ثالث لهما.
- إن القاعدة العامة في مجلس التعاون أن المشاكل تعرض على القادة ويتم تبادل وجهات النظر وطرح مقترحات الحلول تمهيدا لوضع الدول أمام مسؤولياتها. وفي غياب نظام حلول ملزمة فإن الممارسة وحدها هي التي بلورت عرف «الزعل « بين دول الخليج بسحب السفراء أو الانسحاب من المنافسات الرياضية فإلى متى والتعاون الخليجي نظام لا ينطوي على التزامات أو عقوبات.
- لقد تضمن بيان خادم الحرمين الشريفين حرص دول الخليج على أن تكون المصالحة الخليجية نهرا يصب في حوض خير يجمع أمتنا العربية والإسلامية، لكن الجهد العربي والإقليمي كان غائبا عن المصالحة الخليجية، مع أن الخليجيين كانوا يصالحون الفرقاء من كافة القارات. فهل ما مرت به العلاقات الخليجية من توتر صامت هو الخلاف الذي كان يريده الجميع، أو على الأقل سكت عنه الجميع ليستثمروا فيه ولم يبادروا بالمصالحة بذريعة تمنع الخليجيين عنها. وهل للجامعة العربية دور مستقبلي في تحصين المصالحة التي تمت. وفي نفس السياق، قد يكون من الصعب تصور مبادرة طهران لمصالحة دول الخليج مع بعضها، لكن في ذلك قصور لإدراك أن الخلافات خلقت اصطفافات رفعت نفقات مواجهة طهران لجبهة خليجية قوية أضلاعها الرياض والمنامة وأبوظبي فلا تستغربوا أن تهرع مستقبلا لمصالحة الخليجيين.
وبعيدا عن التفاؤل المحشو بالقوالب النمطية، ستبقى قضية سحب السفراء مخزنا للذكريات الخليجية الأليمة ولعل في استرجاعها بين فترة وأخرى ما يمنع تكراراها .

الاثنين، 24 نوفمبر، 2014

دول الخليج والانهيارات في الجوار الإقليمي



(الجزيرة)
ملخص
تُعتبر الاتفاقية الأمنية الخليجية مغلَّفةً بالمعنى "البوليسي" المحلي للكلمة، كما أنّ اتفاقية الدفاع الخليجي المشترك تتضمن من الرمزية الكثير، حيث أراد لها البعض أن تكون "قوات درع الجزيرة" نفسها بعد أن سلبتها روحها الاتفاقيات الأمنية المنفردة التي وقّعتها دول المجلس مع القوى العظمى كل على حدة.
ولا شك أن الإرهاب من القضايا الدولية العابرة للحدود، وقد لا يكون تهديد تنظيم الدولة الإسلامية لدول الخليج أكثر مباشرةً منه للعراق وسوريا ولبنان والأردن، لكن خطورة هذا التنظيم على دول الخليج تكمن في أمور عدة ستاتي الورقة على ذكرها وتحليلها.
يعي صانع القرار الأمني في الخليج أننا نعيش مع "الدولة الإسلامية" في مرحلة "إرهاب ما بعد القاعدة"؛ ولكن هل يعي أيضًا أنها مرحلة تحتاج إلى إجراءات "ما بعد الرئيس أوباما" المتردد، والذي حرص على جعل العملية العسكرية طويلة الأمد عبر تقسيمها لمراحل "التصدي" لتنظيم الدولة الإسلامية و"إضعافه"، وفي نهاية المطاف "دحره" عبر احتواء التنظيم ومنع تمدده بدل إنجاز العملية والقضاء عليه بخطوة واحدة ؟
لقد أكدت الولايات المتحدة الأميركية في ختام الاجتماع الإقليمي الذي عُقد في جدة في 11 سبتمبر/أيلول 2014، العمل مع ائتلاف قاعدته العريضة من دول عربية ودول أوروبية لمحاربة تنظيم "الدولة الإسلامية". فقد قررت واشنطن إعلان الحرب عليه رسميًا وسط تهليل دولي، فلا بواكي لتنظيم الدولة الإسلامية في مفارقة غريبة ومشهد معقد لحرب غريم الغريم؛ فدول الخليج وهي غريمة الأسد سيكون لها دور مركزي في محاربة هذا التنظيم، مقارنة بدورها إبان حرب بوش الإبن على الإرهاب والتي كان بعض دول الخليج فيها قرب خط الاتهام.
أخيرًا يؤكد الباحث على أنه من المهم في التحالفات العسكرية الكبرى أن تُختَم الأشياء بطريقة صحيحة بدل انسحابات عجولة، كتلك التي قام بها الرئيس أوباما في كل من العراق وأفغانستان.
مقدمة
خلافًا لما يتم تداوله في وسائل الإعلام الخليجية، يمكن الجزم بعدم وجود الجاهزية الأمنية الخليجية لغياب النظرية الأمنية الخليجية الواضحة، ذات المحاور المترابطة التي تشكّل كُلاً متكاملاً للاستجابة لأي انهيار مفاجئ في الجوار الإقليمي. فالاتفاقية الأمنية الخليجية مغلَّفة بالمعنى "البوليسي" المحلي للكلمة، واتفاقية الدفاع الخليجي المشترك فيها من الرمزية الكثير، حيث أراد لها البعض أن تكون "قوات درع الجزيرة" نفسها بعد أن سلبتها روحها الاتفاقيات الأمنية المنفردة التي وقّعتها دول المجلس مع القوى العظمى كل على حدة.
بل إن الانهيارات الحالية تبدو وقد وضعت دول الخليج بين فكي كماشة تنظيم الدولة الإسلامية في الشمال وجماعة الحوثي في الجنوب. فما مواقف دول الخليج من تطورات المشهد الأمني في المنطقة جرّاء تقدم وسيطرة داعش في شمالًا على أجزاء من العراق وسوريا؟ وما موقفها من القبضة الحوثية جنوبًا؟ وما دورها في بوادر تشكُّل حلف دولي بقيادة الولايات المتحدة الأميركية للقضاء على التنظيمات الإرهابية في المنطقة؟
لا شك أن الإرهاب من القضايا الدولية العابرة للحدود، وقد لا يكون تهديد تنظيم الدولة الإسلامية لدول الخليج أكثر مباشرة منه للعراق وسوريا ولبنان والأردن، لكن خطورة هذا التنظيم على دول الخليج تكمن في أمور عدة، منها:
  • تنظيم الدولة الإسلامية، منظمة شريرة ووحشية (1)، تحارب تحت بيرق الإسلام وليس لها صلة به. ورغم الارتباط الفكري والتنظيمي والمالي بين التنظيمات الإرهابية التي تدّعي الإسلام مرجعيةً لها في العالم؛ إلا أنَّ جملة من الوقائع تروّعنا؛ فوحشية هذا التنظيم في قتل أسراه وتعامله مع الأقليات يكاد أن يدفع تنظيم "بوكو حرام" خاطف الفتيات والنساء لأن يصدر بيانًا يدين فيه جرائم تنظيم الدولة الإسلامية البشعة، كما لن يكون أيمن الظواهري مغاليًا لو سماهم خوارج العصر، كما فعل غيره من السلفيين الخليجيين الذين اعتبروهم «متطرفين لا يجب التعاطف معهم» (2).
  • أن الخلاصات التي أفضت إليها الحروب السابقة في مخزن الذكريات الأليمة لرجال مكافحة الإرهاب في أفغانستان والشيشان والعراق رغم بُعدها تشير بوضوح إلى أنه سيكون هناك انجذاب ظاهر للمقاتلين الخليجيين لمعسكرات تنظيم الدولة الإسلامية، القريب منهم، بأعداد كبيرة، وسيعودون لدولهم لاحقًا ليشاركوا في التخطيط لهجمات ضدّ بلادهم نفسها؛ حتى أصبحت جدوى فتح بعض دول الخليج قنوات حوار مع طالبان والمنظمات التي تستوعب المجاهدين الخليجيين واحدة من أعمق الجدليات وأكثرها خلقًا للخلافات الخليجية. 
  • يحتوي تهديد الإرهاب من تنظيم الدولة الإسلامية على كم هائل من العُقد، والمرجح أن يكون تهديد "الدولة الإسلامية" مستمرًّا ويستدعي استراتيجية طويلة الأمد لتحديد التهديدات والتصدّي لها؛ مما يعني حالة الاستعداد الطويلة وإرهاق الميزانيات والمعدات والرجال، فالإمكانيات الواضحة لـ"الدولة الإسلامية" ومواردها وطموحاتها واستراتيجيات البقاء لديها تشير كألف شاهد لخطرٍ صلاحيتُه طويلة الأمد. 
  • أن أي ضغط على "الدولة الإسلامية" في ميادين القتال هو رش ماء في وجه الخلايا الإرهابية النائمة في الخليج من مؤيدي هذا التنظيم المتطرف لتنفيذ هجمات استباقية (3)؛ وهذا ما جعل بريطانيا وأستراليا ترفعان درجة الخطر، فيما انحرف الحديث في الخليج بشكل مؤسف عن مساره حول الاستعدادات الأمنية، وتحول عبر وسائل الإعلام إلى جدل عقيم حول شرعية الحديث عن تلك الإجراءات وإن كانت سرية أم أنه يجوز البوح بها (4).
مواقف دول الخليج من تطورات المشهد الإقليمي
يعي صانع القرار الأمني الخليجي أننا نعيش مع "الدولة الإسلامية" في مرحلة "إرهاب ما بعد القاعدة"؛ فهل يعي أيضًا أنها مرحلة تحتاج إلى إجراءات "ما بعد أوباما" المتردد، والذي حرص على جعل العملية العسكرية طويلة الأمد عبر تقسيمها لمراحل "التصدي" لتنظيم الدولة الإسلامية و"إضعافه"، وفي نهاية المطاف "دحره" عبر احتواء التنظيم ومنع تمدده بدل إنجاز العملية والقضاء عليه بخطوة واحدة؛ فألهانا بغارات جوية مكلفة يدمر فيها صاروخ مافريك "Maverick"، وقيمته 90 ألف دولار، شاحنة تويوتا لتنظيم الدولة الإسلامية عليها رشاش لا تتعدى قيمته المادية 15 ألف دولار ولا تتعدى قيمته العملياتية سوى نصب نقطة سيطرة وتفتيش؛ فضاع بمثل هذه الطلعة الجوية وقت ثمين لحين اقتناع رئيس أقوى قوة في العالم بالاستراتيجية الكاملة التي قد يتشكل التحالف ويتفكك قبل أن يقوم أوباما من خلالها بشيء ملموس على الأرض؟ وهل يعي صانع القرار الخليجي أن الانقياد لواشنطن المترددة يعني عودة العلاقات الخليجية-الإيرانية لمرحلة الاصطفافات في معسكرات متنافرة، بعد انفراج بسيط منذ زوال النجادية ودخول إيران في مرحلة الروحانية المهادنة؛ فقد تم رسميًا رفض حضور إيران للمؤتمر الدولي حول العراق الذي عٌد في الخامس عشر من سبتمبر/ أيلول في باريس ومحاربة تنظيم الدولة افسلامية باعتبار أن مشاركة طهران لن تكون في محلها بسبب تورطها في وحل الحرب في سوريا.
وهي تهمة قد تكال لدول الخليج لعدم قدرة هذه الدول على فصل قضية مواجهة "الدولة الإسلامية" عن القضايا الأخرى التي تتبنى مواقف مختلفة تجاهها كصعوبة الفصل بين القوى السُنية المعارضة والتنظيم. وهذا الخلط يعطي مؤشرًا إلى أن تنظيم الدولة الإسلامية سيبقى لوقت غير قصير مثل "طالبان" و"بوكو حرام" و"الشباب الصومالية" لوجود الحواضن السُنية تحديدًا، والكارهة لحكم بغداد ودمشق، وأيضًا لنجاحه في تأسيس ذهن شباب هذه الحواضن بالنجاحات التي يحققها عبر ثروة كبيرة وإعلام ذكي يروج لدولة إسلامية لها عملة ولوحات سيارات وتصرف رواتب سخية، كما تضم وحدات مقاتلة تُقدَّر قوتها العسكرية بعشرات الآلاف، وتحتل أراضي في حلب والرقة ودير الزور في سوريا وصولاً إلى محافظات صلاح الدين والأنبار ونينوى وديالى في العراق (5).
كما أن مما يصعب تسويغه استبعاد إيران وروسيا من التحالف الدولي؛ مما دفع الدولتين بالإضافة إلى سوريا للدعوة لإنشاء تحالف الممانعة (6) لمواجهة تنظيم الدولة الإسلامية والجماعات الإرهابية الأخرى. وبناء عليه، اجتمع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين على هامش قمة «منظمة شنغهاي للتعاون» 12 سبتمبر/أيلول 2014 مع نظيره الإيراني حسن روحاني، وكان أن دعت المنظمة إلى تسوية الأزمة في سوريا سلميًا (7).
فك الكماشة الحوثي
لقد وضعت دول الخليج تنظيم "الدولة الإسلامية?" على لائحة ?الإرهاب?؛ فوضعها التنظيم على خرائطه السوداء وراح يتوعدها بالغزو؛ مما يعني أن دول الخليج لن تكون في مقاعد المشاهدين هذه المرة، بل ضمن من يلعب أدوارًا مهمة؛ مما يفرض على هذه الدول الحذر في موازنة المُدخلات مع المُخرجات، ولذلك يجب التسليم بأن مسألة توسيع المدى الاستراتيجي للخليج بالمشاركة في التصدي لتنظيم الدولة الإسلامية هو تأمين له على المستوى الأمني. ?????
ومن جانب، آخر كانت دول الخليج تأمل في الإفادة من "الدولة الإسلامية" بإضعاف ‏حكومات العراق? وسوريا?، وقد تحقق الشق الأول مما تنشده بسقوط المالكي ونهجه المتطرف القائم على ولاءات بدائية بانتظار أن تؤدي التحولات الحادة في منطقة الأزمة حول "الدولة الإسلامية" إلى سقوط نظام بشار الأسد؛ مما يعني فقدان طهران، وهي التحدي الأكبر للخليجيين، لذراعين من أشد أذرع الأخطبوط التوسعي الإيراني. لكن طهران برصيدها من الخبرة في تغيير الديناميات التي تحرك الصراع، استخدمت تحركات تنظيم "الدولة الإسلامية" شمال الخليج استخدامًا ذرائعيًا فأطلقت المارد الحوثي من عقاله في جنوب الخليج كأداة ضغط؛ فقضى على حزب اتحاد الرشاد السلفي في «دماج»؛ حيث مركز دار الحديث "رمز السلفية" في صعدة التي سيطر عليها الحوثي بحكم ذاتي تام، وأمسك الأمور الأمنية والعسكرية والإدارية والمالية كاملة.
ثم احتل الحوثيون عمران وفتكوا بحزب التجمع اليمني للإصلاح الذي يمثل الإخوان المسلمين، ثم دخلوا صنعاء لا كفاتحين بل كمطالبين بحقوق الشعب بعد قرارات رفع الدعم عن الوقود وفساد الحكومة وغيرها. ووصلت العبثية مداها بقيام الحوثيين بمغازلة دول الخليج بطلب السماح لهم بضربات مباغتة لحركة الإخوان المسلمين وتصفية بعض قيادتها في العاصمة صنعاء نفسها لأيام قليلة على أن ينسحبوا بعدها كما فعلوا بحزب التجمع في عمران. كما أنَّ إيران تستخدم الحوثيين بهدف الحفاظ على الهوية المذهبية لصعدة وما جاورها من أماكن سيطرة الحوثي لبناء حضور وجيرة ابتزازية للمملكة العربية السعودية، ولتوسيع نفوذ إيران الإقليمي عند مضيق باب المندب الاستراتيجي. واستهداف دول الخليج التي تمر تجارتها ومنتجاتها النفطية عبر هذا الطريق لقناة السويس.
لأجل ذلك كله أوعزت طهران للحوثيين بأن يُبدوا التعقيدات واحدًا تلو الآخر في مفاوضاتهم مع الرئيس اليمني عبد ربه منصور هادي من أجل كسب الوقت، ومنح طهران فرصة أكبر في التفاوض مع واشنطن حيال القضاء على تنظيم "الدولة الإسلامية" في دمشق وما حولها، وبغداد وما جاورها، مقابل انسحاب الحوثيين من صنعاء، حتى تعود قبضة طهران لمكانها هناك.
لقد دخل الحوثيون المنحازون لإيران بما تمثله لهم من سند مالي وعسكري وعقائدي العاصمة اليمنية صنعاء كجزء من الشعب اليمني الذي يقيم خيام الرفض في كل تقاطع، ولم يدخلوا بأسلحتهم الثقيلة أملاً في تخفيف ضغط مجلس الأمن عليهم، وخوفًا من أن يتطور البيان الأممي إلى قرار، ويتحول القرار إلى خطوات عسكرية، أقلها تفويض حلف الناتو بضربات وقائية يدعم بها ضربات سلاح الجو اليمني لهم في الجوف.
والسيناريو القادم في تقدير الباحث هو خروج الحوثيين من صنعاء وتركها في يد الرئيس اليمني، الذي يعمل وفق منهجية رئيس الوزراء العراقي السابق نوري المالكي في بغداد، حيث خرج هادي بعناية "المبادرة الوطنية" بديلاً "للمبادرة الخليجية" وقيودها الكثيرة؛ والتي تصبح بموجبها الوزارات السيادية (الداخلية والخارجية والدفاع والمالية) من حصة الرئيس الشخصية بحجة الصدام مع إرهاب الحوثيين، كما تعلّل المالكي بداعش قبل سقوطه. أما الحوثيون فسينقلون ميدان معركتهم بالتسرب بهدوء خارج العاصمة والاستدارة غربًا تجاه «حجة» ومن هناك يتم تحقيق الهدف الأكبر وهو الاستيلاء على «ميناء ميدي» على البحر الأحمر والذي لا يحرسه أحد، فيتحول لقاعدة بحرية حوثية تصل إليها الأسلحة والمتطوعون عبر خط الإمداد (طهران-مصوع-وجزر دهلك الإريترية–ميدي)؛ حيث لم ينقطع مسير رتل الإمدادات البحرية، وما زالت الأسلحة والمتطوعون الإيرانيون والخليجيون والعراقيون ينقلون من الميناء إلى مزارع محيطة به امتلكها الحوثيون على فترات لتكون نقاطًا لوجيستية الآن ونقاط انقضاض على الميناء لاحقًا. 
تشكّل حلف دولي بقيادة واشنطن للقضاء على الإرهاب
لقد أكدت الولايات المتحدة الأميركية في ختام اجتماع إقليمي عُقد في جدة في 11 سبتمبر/أيلول 2014، العمل مع ائتلاف قاعدته العريضة من دول عربية ودول أوروبية لمحاربة تنظيم "الدولة الإسلامية". فقد قررت واشنطن إعلان الحرب عليه رسميًا وسط تهليل دولي، فلا بواكي لتنظيم الدولة الإسلامية في مفارقة غريبة ومشهد معقد لحرب غريم الغريم؛ فدول الخليج وهي غريمة الأسد سيكون لها دور مركزي في محاربة هذا التنظيم، مقارنة بدورها إبان حرب بوش الإبن على الإرهاب والتي كان بعض دول الخليج فيها قرب خط الاتهام.
لذا يبدو أنَّ الأميركيين سيدفعون بالسعودية لتكون رأس حربة للتجمع الخليجي لحرب تنظيم الدولة الإسلامية، والمسوغ لذلك أن هذا التنظيم قد هدد في مايو/أيار 2014، بالتمدد إلى الدول الخليجية، ردًا على الإجراءات التي أقرتها بعض تلك الدول، وفي مقدمتها المملكة العربية السعودية، لمكافحة الإرهاب. لكن الدخول في حرب معلنة ضد تنظيم الدولة الإسلامية مع هذا التحالف له محاذيره، ومن أبعاد القلق الخليجي من الحرب القادمة:
  • قد يتحدى تنظيم "الدولة الإسلامية" تنظيم "القاعدة" في مجال الهيمنة على الحركة الجهادية العالمية؛ فهل قرر الأميركيون أن يدمروا تنظيم "الدولة الإسلامية" وأن يُحيوا تنظيم «القاعدة»، الذي يعيش بعض أطرافه في حالة تراجع وفرار (8)، كعدو مفترض وغريم مهجّن، خصوصًا أن وزير الخارجية الأميركي جون كيري قد تعهد في 9 سبتمبر/أيلول 2014 ببناء ائتلاف من 40 دولة، وسيستمر لسنوات طويلة (9)؛ مما يؤيد الدعوات التي صدرت من واشنطن حول ضرورة إصرار الرئيس الأميركي على أن يتحمل الحلفاء حصتهم من العبء.
  • يعتبر تنظيم "الدولة الإسلامية" أكثر تعقيدًا من تنظيم "القاعدة" من حيث الاستراتيجية التي يتبناها، ونوع التكتيكات القتالية التي يعتمدها، فضباطه من خريجي ميادين القتال ضد الأميركيين طوال عقدين، كما أن هذا التنظيم يعتبر من "إرهاب ما بعد القاعدة" الأكثر تطورًا من الفلاحين الملتحين الأفغان والسلفيين البسطاء من جزيرة العرب. فإذا كان جورج بوش (الإبن)، قد احتل أفغانستان كلها وأرسل خيرة القوات الأميركية إليها؛ ومع ذلك فإن "القاعدة" لم تنته وأصبحت حركة "طالبان" أقوى؛ فكيف بتنظيم الدولة الإسلامية التي تُتعتبر من قوات الصفوة في القتال في المناطق الحضرية!
  • بنهاية الحرب الباردة قبل أكثر من عقدين من الزمن أصبح حلف شمال الأطلسي مكلفًا بحماية مصالح منتسبيه بدل الدفاع عنهم ضد الفيلق السوفيتي في حلف وارسو. ومع اقتراب الحلف من إنهاء مهمته القتالية في أفغانستان، كان عليه أن يتخذ وجهة قتالية جديدة؛ فهل تتجاوز مواجهة تنظيم "الدولة الإسلامية" ردود الفعل الآنية للحلف، وترتقي إلى مستوى الاستراتيجية، خصوصًا بعد فشل الحلف في صد روسيا عن التهام شبه جزيرة القرم من أوكرانيا؟ يؤيد ذلك تكليف نفس الجنود مع تغير المكان بتعيين القائد السابق للقوات الأميركية في أفغانستان الجنرال جون آلن منسّقًا للتحالف الدَوْلي (10) ضد تنظيم "الدولة الإسلامية". فهل ستصبح الأنبار أفغانستان أخرى؟
تعتقد واشنطن أن الحرب يمكن الترويج لها بوصفها منتجًا جديدًا، مع تجاوز صارخ لمعطيات ساطعة على الأرض تجعل المشتري مترددًا في بيع روحه لتحقيق مصالح غربية دون ضمانات واضحة. فقد تعهدت واشنطن، عبر إعلانها الحرب على تنظيم "الدولة الإسلامية" مع ائتلاف يضم أكثر من 40 دولة، بينها دول الخليج، ويستمر لسنوات طويلة، بالقضاء على هذا التنظيم. لكن فقدان اليقين في آلية اتخاذ القرار عند أوباما بالإضافة إلى أن عدم امتلاك واشنطن لمشروعٍ حقيقي للمنطقة ينتهك بوحشية تفاؤل الخليجيين بمستقبل الحملة المزمع شنها على بعد خطوات من حدودهم.
ليس هذا فحسب بل إن دول الخليج نفسها لم تسْعَ للتنسيق فيما بينها لمواجهة تنظيم "الدولة الإسلامية" شمالًا أو الحوثي جنوبًا، واعتمدت بصورة رئيسية على إجراءات وطنية لتحصين نفسها داخليًا كاعتبار بعض الجماعات تنظيمات إرهابية، أو اعتمدت على خطوط تضعها واشنطن وتقود في النهاية إلى أن على كاهلها (كاهل دول الخليج) سيقع عبء توفير الأموال اللازمة للحرب والمشاركة في عمليات ستمتد لسنوات، وسيتجرع الخليجيون خلالها ليس فقط قتال غريم غريمهم بل وقتال تشكيلات خرج بعض منتسبيها من دول الخليج.
خاتمة
من المهم في التحالفات العسكرية الكبرى أن تُختَم الأشياء بطريقة صحيحة بدل انسحابات عجولة، كتلك التي قام بها الرئيس أوباما في كل من العراق وأفغانستان، حيث ترك النار تشتعل في المعسكر الذي خرج منه، رغم قدرة واشنطن على النهوض بتبعات ختم الأزمات الإقليمية بطريقة صحيحة. ولعلَّ أبرز إصلاحات ما بعد المعركة التدخل الجراحي لتعديل ضيق الأفق الفئوي في بغداد، وإنهاء وحشية نظام بشار الأسد في دمشق دون تردد، فاستمرار نظامه يعني توفّر ملاذ آمن للإرهابيين ثم مساعدتهم للتسرب إلى دول الخليج. 
_____________________________

د.ظافر محمد العجمي - المدير التنفيذي لمجموعة مراقبة الخليج
المصادر
1-  وزير الخارجية الأميركي جون كيري في مؤتمر صحفي بالقاهرة 13 سبتمبر/أيلول 2014.
2- الداعية السلفي الكويتي شافي العجمي، جريدة الحياة اللندنية، 15 مارس/آذار 2014.
3- (أبو العيناء الخراساني، مدير شبكة "شموخ الإسلام" الجهادية، يوجه دعوة لتنفيذ هجمات استباقية في 8 أغسطس/آب 2014)، المركز الإقليمي للدراسات الاستراتيجية-القاهرة.  http://tinyurl.com/nk99bp9
4- القبس الكويتية، 10 سبتمبر/أيلول 2014 http://www.alqabas.com.kw/node/894708
5- منى علمي، الدولة الإسلامية وكلفة الحكم .http://carnegieendowment.org/sada/2014/09/04/
6- قناة الميادين الموالية لإيران، 11 سبتمبر/أيلول 2014, 07:16ص http://tinyurl.com/oxcpdoo
7- وكالة الأنباء الكويتية، 12 سبتمبر/أيلول 2014.
8- Michael Singh.The Islamic State's Triple Threat . 
http://www.washingtoninstitute.org/policy-analysis/view/the-islamic-states-triple-threat .September 5, 2014
9- http://www.dw.de/  9\92014l
10http://www.france24.com/ar/20140913

الأحد، 23 نوفمبر، 2014

غياب المحور الشعبي عن المصالحة الخليجية



غياب المحور الشعبي عن المصالحة الخليجية
د.ظافر محمد العجمي-المدير التنفيذي لمجموعة مراقبة الخليج  

يبذل قادة دول الخليج جهود كبيرة للحفاظ على مجلس التعاون كمنظمة اقليمية تربطهم بإطار من الاخوة .ولعل من مظاهر ذلك الحرص حجم العتب فيما بينهم ؛والذي لم يظهر لولا الرهان عليه لتجاوزالعقبات في جو من الاخوة.

ومن تلك الجهود ما يبذله حاليا الشيخ صباح الاحمد الصباح حفظه الله بحرص لايمكن تجاوزه حتى تنعقد  على الاقل القمة القادمة.فهل من موانع تحول دون ظهور مبادرة شعبية للمصالحة الخليجية تدعم مايقوم به شيخ المصالحات؟ وهل حل الخلافات الخليجية حق للحكومات الخليجية  فقط من باب إن 'الشيوخ أبخص'ٍ ! حق جعلنا نتبنى - بمواقف تبريرية يغلب عليها التواطؤ مع الذات - ان من  يجيب على السؤال عن نجاح المصالحات من عدمه هم صناع القرار في العواصم الخليجية فقط ،فهم أصحاب الكلمات الفاصلة، فنهرب صامتين وكأن السؤال لا يعنينا. متناسين ان إلتزام الصمت يحملنا وزر النوايا!

وبعيدا عما اعتدنا اتباعه في الخليج  في التعامل  مع التحديات التي  تواجه مسيرة التعاون نجد انه لابد من تحريك أدوات استثمارية اخرى حتى لايفلس صندوق التعاون الخليجي الذي لا نعتمد عليه لأنفسنا فحسب بل نعول عليه لاجيالنا القادمة، ففي الخليج تربطنا علاقة أخوة أكثر من كونها علاقة قرابة بعيدة، والتعاون الخليجي إرث شعبي مشترك قبل ان يكون قرار تشكيل منظمة اقليمية. وجراء المأزق الذي نعيشه لابد من مبادرة شعبية للمصالحة الخليجية تدعم جهد الساعين للمصالحة.

ولعل من المشجع على ذلك وجود حضور قوي  لمبادرات المصالحة في واقعنا الخليجي على المستويات الشعبية.

فالمبادرة الشعبية للمصالحة الخليجية آلية  محلية للقفز فوق معوقات التعاون الخليجي.

فالمواضيع التي يهتم بها المواطن الخليجي هي نفسها في كل الدول الست، ومن لا يعتقد ان الخلافات الخليجية على رأس تلك الاهتمامات لديه قصور في المتابعة.

فقد يكون الإختلاف في مدى اتساع الإهتمام،لكن الشعور بألم الخلافات واحد. وقد يعتبر بعضهم المسألة خارج  صلاحيات  المواطن العادي؛ وهذا خطأ  كبير فالتعاون الخليجي لم يجرم تعاون منظمات المجتمع المدني الخليجية، بل شجع على تعاون مراكز الدراسات والابحاث وجمعيات النفع العام،ومجالس الشورى والبرلمانات،بل وحتى شيوخ القبائل والتكتلات السياسية والغرف التجارية.

ولكي يتفهم مجلس التعاون كمنظمة أقليمية فكرة المبادرات التي تسعى لتقريب وجهات النظر وتقليل الاحتقان الحالي يمكن  رفع الصوت عبر وسائل التواصل الاجتماعي، وشبكة الإنترنت، ووسائل الاعلام كخطوة أولى.يتلو ذلك مرحلة صنع آليات تقديم مبادرة المصالحة .ثم تبادل التواصل بين منظمات المجتمع المدني ؛ للخروج بميثاق شرف يتم من خلاله التصدي 'للهوشات الافتراضية' كمطلب شعبي أولي.  فمن المحزن ان الاصوات  التي تدعوا للفرقة على المستوى الشعبي هي الاعلى دويا .حيث تم تغييب البعد الشعبي  حين يظهر في مزاج اقل تسامح مع من يفرقنا.

واصبحنا  نجد ان  من يعاني من أزمة هوية وانتماء خليجي حقيقي هو من خلق من نفسه رقم صعب  في معادلات الحضور الجماهيري في بعض دول الخليج ،وراح يحاول فك اواصر القربي بين الخليجيين،مبتكرا مجادلات زائفة كان من نتيجتها ما نعيشه من قلق مع اقتراب عقد القمة الخليجية .

فالاصطفافات الشعبية  خلف قرارات تفرق الخليجيين ستقود لضعف مجلس التعاون ثم انهياره،والاجدى شعبيا هو تدارك امر الخلافات.

وأخيرا؛ قد تبدوا المبادرة الشعبية للمصالحة فكرة مغرقة في محافظتها .لتكن؛ لكنها محاولة برغم قصورها عن التمام ستدعم جهد الشيخ صباح الاحمد الصباح حفظه الله في حل الخلافات الخليجية لتعقد القمة الخليجية .

الخميس، 13 نوفمبر، 2014

أمن الخليج بعد اقتحام الفيلة لمجلس الشيوخ الأمريكي



د.ظافر محمد العجمي-المدير التنفيذي لمجموعة مراقبة الخليج

تكثر منابت الفخر الأمريكية في أروقة الحزب الجمهوري أكثر مما توجد لدى الحزب الديمقراطي، وقد ظهر الفيل كشعار لهم لمساندة أبراهام لينكون، فسار كفيل ضخم يحطم كل ما تطؤه قدماه لتوحيد البلاد بعد تحرير العبيد، كما أن من الرؤساء الأمريكيين الجمهوريين العظام ثيودور روزفلت، الفائز بنوبل، وريغان الذي فكك الاتحاد السوفيتي ثم بوش الذي طرد صدام من الكويت.
لقد عاد الفيل الجمهوري لاقتحام الكونغرس محطماً الديمقراطيين في معاقلهم التاريخية، وفي الكونغرس ستمنع الأغلبية الجمهورية أوباما المتردد عن الإجراءات التنفيذية التي تتجاوز السلطة التشريعية، كما ستجبره على تشريعات تردد في اتخاذها، ما يعني انتهاء زمن رسم الخطوط «الأوبامية» الحمراء القابلة للمحو على عجل، فكيف ستتعامل واشنطن التي كثرت فيها فيلة الجمهوريين مع ملفات تؤثر في الخليج العربي كملف تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) وملف إيران وملف العلاقات الأمريكية الخليجية؟
يمثل فوز الجمهوريين الحجر الأول المنتزع من هرم الدولة الإسلامية التي تتوعدنا بهمجيتها في شوارع الخليج، فلحسن الحظ وصل الجمهوريون قبل أن يتفكك التحالف الدولي ضد «داعش»، فقد سبق أن انتقد الجمهوريون ضعف تعامل أوباما مع هذه الجماعة المارقة حتى على النواميس العربية والإسلامية.
ففي رأي الجمهوريين جون ماكين وليندسي غراهام، بأن أمريكا لم تصبح أكثر أمناً اليوم مما كانت عليه قبل خمس سنوات كما يدعي أوباما؛ لذا طالبا طويلاً بضرورة ضرب «داعش» أينما كانوا، والآن وبعد أن سيطر الجمهوريون بقوة على السلطة التشريعية والمتمثلة برئاسة لجان القوات العسكرية التي سيرأسها جون ماكين ولجنة الاستخبارات ولجنة الشؤون الخارجية ولجنة المالية والمخصصات، ولكسب الشارع الأمريكي الذي يقول ثلثه إن «داعش» بمنزلة التهديد الأكثر جدية، وعليه انقادوا للجمهوريين فصوتوا لهم، الآن لم يعد أمام أوباما إلا أن يأخذ بعين الاعتبار مطالب وضغوط الجمهوريين، وكان أول إجراءات أوباما وهو يلعق جراحه رمي كرة «داعش» في مرمى الجمهوريين، حيث طلب تمويلاً إضافياً بقيمة 3.2 مليارات دولار لحرب «داعش»، ونسي تمويل مكافحة «إيبولا» التي اعتقد بداية أنها رحمة نزلت عليه من السماء ليتوارى خلفها. 
أما فيما يخص الملف الإيراني؛ فقد جعل الجمهوريون التصدي لإيران بدل محاورتها منصة لترويج خطابهم، فالحل العسكري خيار يكتسب مصداقية أكبر، وعليه نتوقع أن يتكرر تعبير «الصقور الجمهوريين» كثيراً بين فريق عمل صنع السياسة الخارجية الإيرانية، فقد ولى زمن رسم الخطوط الحمراء ومحوها، وولى زمن الحرص على عدم فشل المفاوضات بدلاً من منع إيران من صنع قنبلة نووية، لقد جعل الارتباك إدارة الديمقراطيين تعتقد أنه سيكون هناك خصم من رصيدها على أصعدة عدة أكثر مما تخسره إيران، فلاحقت صفقات الوهم من فيينا إلى مسقط، والتي ستتقلص بعدها فرصة التوصل لاتفاق لحلول الموعد النهائي في 24 نوفمبر الجاري. 
وكثيراً ما يتهم الحزب الجمهوري بأنه حزب المسنين والرجال دون النساء مما جعله قريباً من عقلية صانع القرار الخليجي، بل والرجل الخليجي بشكل عام، فتراثنا يقول «الحي يحييك والميت يزيدك غبن»، فالجمهوريون يمارسون سطوة القوة خارج القانون الدولي، وقد زادنا تقلب وبرود أوباما غبناً في إيران والعراق واليمن، ثم ختمها بطفولية عسكرية تفتقد الحس الاستراتيجي حين اعتمد الحملة الجوية فقط على الدولة الإسلامية، وتحول الغبن الخليجي إلى غضب حين تكشفت «رسالة» أوباما السرية لخامنئي.
وفي الوقت نفسه نرى تقرباً واضحاً للحزب الجمهوري لإصلاح صدوع العلاقات الخليجية الأمريكية جراء تكتيكات أوباما غير المحسوبة، لكن ذلك لا يخفي بعض نقاط الخلاف؛ فالجمهوريون معروفون بدعمهم لصناعة النفط، وقد ينهون منع تصدير النفط الخام الأمريكي للخارج، مما يعني تضييق الخناق على صادرات الخليج التي تعاني أصلاً جراء تزايد إنتاج النفط الصخري الأمريكي، ورغم تلك التوازنات الحرجة إلا أن الخليج يراهن على الجمهوريين، ولن يترك يد النسيان تطوى صفحة «الأوبامية» في الخليج بل سيساعد في تمزيقها أرباً.

الأربعاء، 5 نوفمبر، 2014

التقسيم الزماني والمكاني والعُمري لاحتلال المسجد الأقصى

د.ظافر محمد العجمي – المدير التنفيذي لمجموعة مراقبة الخليج   

التقسيم الزماني والمكاني والعُمري لاحتلال ...
انتهى جيل الوعّاظ وابتدأ جيل وعّاظ في تصرفاتهم عظة. فقبل أشهر انتشرت كالنار في الهشيم عبر «واتساب» موعظة منمقة بالصورة والخط والإخراج مضمونها أن رئيسة وزراء الكيان الصهيوني غولدا مائير قالت عندما تم حرق المسجد الأقصى في 22 أغسطس 1969م: «لم أنم ليلتها وأنا أتخيل العرب يدخلون علينا أفواجاً من كل صوب، وعندما طلع الصباح ولم يحدث شيء، أدركت أن باستطاعتنا فعل ما نشاء فهذه أمة نائمة».
لقد اعتقد الوعاظ الجدد أن داعش وحزب الله سيغلقون بوابات الفوضى في سوريا والعراق وليبيا واليمن، وسيعمدون لتخليص بوابات المسجد الأقصى الأربع من يد الصهاينة، لكن الوعاظ الجدد فاتهم أن جمهور التواصل الاجتماعي الجدد وثوارهم كصندوق زجاجات الكولا القديم؛ تتفاعل زجاجاته حين يرتج حتى يخيل إليك أنها ستتفجر، لكنها تعود للسكينة حال وضع الصندوق على الأرض.
فبعد زوال شحنة الإثارة التي أعطاها للمتطرفين اليهود بحربه على غزة، عاد رئيس حكومة الصهاينة بنيامين نتنياهو بجرعة جديدة لهم بانتهاك حرمة الأقصى بقرار إغلاقه في وجه المصلين.
فهل كان الإغلاق ردة فعل آنية على أحداث العنف التي سبقتها أم جزءاً من أجندة تقسيم الأقصى؟  يمكن القول وبراحة ضمير إن أمتنا وفي عريها الصارخ حالياً جاهزة لتلقي عمل مماثل لحرق الأقصى، وإن تراجع نتنياهو كان لحسابات داخلية، فالمخطط ثمرة لم تنضج بعد، وقد بين له ناصحوه الصهاينة أن التراجع أهون من الفشل، فتراجع إلى حين.
وتقوم خطة تقسيم الأقصى على ثلاثة محاور؛ التقسيم المكاني والتقسيم الزماني والتقسيم العمري، والفكر المحرك لها رئيسة لجنة الداخلية في الكنيست ميري ريجب «Mary Rigab» والعضو في حزب الليكود الحاكم، فرغم أن المسجد الأقصى بكامل مساحته الـ 144 دونماً، ما فوق الأرض وما تحتها، يعد حقاً خالصاً للمسلمين وحدهم دينياً وتاريخياً وفي وثائق الأمم المتحدة أيضاً؛ إلا أن مكر «ريجب» تسلل من باب آخر؛ فقد استطاعت الحصول على دعم كبير في الكنيست لتقسيم أوقات الصلاة في الأقصى ووجود اليهود في المسجد الإبراهيمي، دون وجود مسلمين في بعض الأوقات، وكذلك ايجاد مساحات من المسجد الإبراهيمي تخصص لليهود في أوقات معينة، كما يمنع في أوقات معينة دخول أي مسلم للمسجد الإبراهيمي، خاصة في مواسم الأعياد والاحتفالات اليهودية، كما يمنع رفع الآذان للصلاة في أوقات أو أيام معينة احتراماً لليهود الذين يقيمون شعائرهم حينها، مما يعني أن مقترح قانون «ريجب» يقضي بتقسيم المسجد الأقصى زمانياً ومكانياً.
ما قام به نتنياهو لم يكن إلا توسع في القانون الذي طرحته «ريجب»، التي نتوقع لها مستقبلاً باهراً بين الصهاينة ما دامت شعبيتهم تقاس بدرجة إذلال العرب، لقد أمر نتنياهو بإغلاق المسجد الأقصى حتى يتفوق على «ميري ريجب» مستخدماً قانونها ومتوسعاً فيه أكثر منها، حيث أن في القانون ما يقضي بمنع أي مظاهر للمنع أو التصدي لاقتحامات اليهود أو صلواتهم في المسجد الأقصى، وبمعاقبة كل من يحاول ذلك «ولو برفع الصوت» وبغرامة تصل 15 ألف دولار، تدفع للمتضرر اليهودي حين يمنع من اقتحام الأقصى.
لقد ذهب نتينياهو إلى آخر هدف من القانون وهو منع المسلمين من الصلاة في الأقصى، وكان يعلم أنه سيتراجع، فطبق قانوناً بديلاً وهو أن لا يصلى فيه إلا من يزيد عمره عن الـ 50 عاماً من الرجال، وبعد جولة عنف قادمة سيرفع عمر المصلين إلى الـ 60 عاماً ثم الـ 70، حتى يخلو من المصلين.
في عقد قادم من عصور الانحطاط سيكتب واعظ جديد أن رئيسة وزراء الكيان الصهيوني «ميري ريجب» قالت عندما وضعت قانون يقضي بمنع رفع الآذان في الأقصى ومعاقبة من يتصدى لاقتحامات اليهود للمسجد، ولو برفع الصوت «لم أنم ليلتها وأنا أتخيل العرب يدخلون علينا أفواجاً من كل صوب، وعندما طلع الصباح ولم يحدث شيء، أدركت صحة ما قالته غولدا مائير عام 1969م أن باستطاعتنا فعل ما نشاء فهذه أمة نائمة».

الأربعاء، 29 أكتوبر، 2014

الموقف الخليجي من تمزيق وحدة اليمن

د.ظافر محمد العجمي - المدير التنفيذي لمجموعة مراقبة الخليج  
الموقف الخليجي من تمزيق وحدة اليمن


بشكل مفاجئ جداً يخلو حتى من التمهيد سقطت صنعاء في يد الحوثيين الذين توالت فصول غطرستهم بين صنعاء والحديدة بمتغيرات سريعة تقطع الأنفاس، فدفعت القدرة التخريبية لقوة الحوثيين اليمن لحافة فالق زلزالي، فأصبح يترنح بين الحرب الأهلية والتقسيم، وقد شجع الانفصاليين والتقسيميين أن سياسة التشطير والانفصال في اليمن لم تتوقف أصلاً عبر تاريخه؛ فقد كرسها فساد الساسة والتدخلات الأجنبية منذ الاحتلال البريطاني لعدن عام 1839م حتى قيام الوحدة اليمنية 22 مايو 1990م.ولعجز ساسة اليمن عن التصرف بالحكمة المطلوبة؛ تشير مصادر عدة لخطط تقسيم داخلية وإقليمية ودولية لجعل اليمن قسمين رئيسيين على أساس مذهبي، فالمحافظات الشمالية والغربية المكونة من إقليم أزال الذي يضم محافظات صنعاء وعمران وصعدة وذمار، والتي سقطت في قبضة الحوثيين، ستتحول لدولة شيعية، بينما تبقى المحافظات الجنوبية والشرقية من نصيب السنّة وهما إقليم عدن وفيه عدن ولحج وأبين والضالع، وإقليم حضرموت وفيه حضرموت وشبوة والمهرة وجزيرة سقطرى. 
كما أن هناك أحاديث جريئة أخرى عن قيام أربع دول لا دولتين؛ فدولة صنعاء الإسلامية سيحكمها الحوثة ويجللها النفوذ الإيراني، ودولة حضرموت السنية ستدخل مجلس التعاون الخليجي وستقف من الغرب خصوصاً الولايات المتحدة على نفس المسافة التي تقفها منها دول الخليج حالياً، ومثلها دولة تعز، أما دولة عدن فسيعود إليها البريطانيون بعد خروج دام قرابة 50 عاماً.
إيران تريد أن يكون إقليم أزال، معقل الحوثيين، والذي سيضم صنعاء وصعدة مرتبطاً بها بإطلالته الإستراتيجية على البحر الأحمر لتسيطر على أهم الممرات المائية في الشرق الأوسط، وهما مضيق هرمز و باب المندب. وقد حقق الحوثيون من هذا المشروع ثلاثة أرباعه؛ فاحتلال صنعاء ورفضهم تقسيم المحافظات الست معتبرين أنه سيقسم البلاد لأغنياء وفقراء كان خطوة في هذا الاتجاه، ولم يتبق إلا استعراض القدرة التخريبية لقوتهم لفرض الأمر الواقع، ولأن اليمن عمق إستراتيجي لدول الخليج فأمام مجلس التعاون خياران؛ إما عدم اعتراض الخطط التقسيمية مع ضمان حق دول مجلس التعاون في التطاحن فيما بينها على النفوذ على الدويلات السنية، كما تفعل في ساحات صراع أخرى، جراء عدم القدرة على إدارة الاختلافات فيما بينها، وإما رفض التقسيم برمته والاتفاق على إحياء المبادرة الخليجية، مما يعني كلفة سياسية وعسكرية واقتصادية تتمثل في التالي:
- استخدام خيارات تصعيدية وعسكرة الأزمة من خلال قيام الخليجيين بشيطنة الحوثيين وتشكيل تحالف دولي لكسرهم على شاكلة داعش، حتى ردهم لمعاقلهم ونزع سلاحهم ليكونوا جزءاً من العملية السياسية.
- تسخير القدرات الاقتصادية الخليجية لإخراج اليمن من أزمته بجهود وآليات أكثر جدية من مؤتمرات المانحين السابقة التي نكابر في نجاحها رغم أن الواقع يصفعنا كألف شاهد على فشلها.
- الوقوف في وجه المتهمين بتقويض العملية السياسية في اليمن، سواء من فريق علي عبدالله صالح أو من فريق الحوثيين أو من غيرهم، ودفعهم للالتزام بتنفيذ مخرجات مؤتمر الحوار الوطني الشامل، لتوفير الأجواء المواتية لاستكمال تنفيذ المرحلة الثالثة من المبادرة الخليجية وآليتها التنفيذية.
إن تقسيم اليمن يعني خلق يوغسلافيا جديدة في خاصرة الجزيرة العربية، وبدل الصراعات القومية والدينية حول سراييفوا ستكون الولاءات البدائية كالقبلية والعصبية والمذهبية وقود صراعات يمنية طويلة حول مدينة صنعاء وميناء عدن والحديدة والمناطق النفطية، لذا على دول مجلس التعاون أن تعود كمنشغل أصيل بقضايا اليمن بالانحياز المبكر والواعي لوحدة اليمن، وعلى دول مجلس التعاون أن تعيد تعريف اليمن كعمق إستراتيجي حيوي لها لا عبء إستراتيجي وساحة لصراع الملفات الإقليمية والدولية.

السبت، 25 أكتوبر، 2014

هل يشارك الخليجيون في الحرب البرية على داعش!

د.ظافر محمد العجمي- المدير التنفيذي لمجموعة مراقبة الخليج   

هل يشارك الخليجيون في الحرب البرية على داعش !
 
لايبدو لمراقب إن دول الخليج في وارد اعتماد مبدأ تصفير المشاكل في سياسيتها الخارجية؛ ففي تحركاتها مؤخرا تخطت دول الخليج النزعة الاقليمية والقومية وأخذت تحركاتها بعدا أممي كلاعب كبير في الاحداث. ومن يجادل في ذلك فلينظر مليا لخريطة الأزمات منذ مطلع هذه الألفية ليجد أسم دول الخليج في تشاد وليبيا وتونس ومصروسوريا والعراق واليمن. ومع تغير اشكال الصراع من حروب تقليدية بين الجيوش الى حروب لا متماثلة أصبح لدول الخليج مدخل للصراعات بعد تراجع الحجم وتقدم شكل الصراع في موازين القوى المتصارعة. وحتى الان دخلت دول الخليج بالفعل بقدم واحدة في الصراع الدولي ضد الدولة الاسلامية عبر مشاركتها في الحملة الجوية. فهل تدخل بالقدم الاخرى في الحرب البرية بناء على ما تمليه عليها مصالحها و متطلبات شركائها ؟ ومالدوافع والمحاذير ؟ ؟
بدون حتى اسم يشار به إليها كـ'عاصفة الصحراء'أو'أم المعارك' أظهرت الحملة الجوية على داعش قصورها، وانها لن تكون الحدود القصوى للتحرك ضد الدولة الاسلامية بل سيكون هناك تدخل بري قد تكون دول الخليج جزء منه بناء على التقديرات التالية :
-تحررت الكويت بجهد أممي؛وتحت القبعات الزرقاء وقف جنود خليجيون في الصومال وافغانستان والبوسنة، فدول الخليج مؤمنة بالشرعية الدولية ومتطلباتها التي قديكون منها تدخّل قوات بريّة ضد داعش كتطبيق عملي لمبدأ 'التدخّل الإنساني' الذي اقرّته الامم المتحدة، لإنقاذ الارواح البشرية .
-في البداية لم يطلب العراق من التحالف الدولي تدخلا بريا، بل دعم جوي ولوجستي .ومع اقتراب الخطر من بغداد تحول الخطاب لرفض التدخل الاجنبي البري والقبول بالتدخل العربي.وحين أصبحت المسافة بين بغداد و10 آلاف مقاتل من داعش حوالي 10كم. ومع صدى صفعة 'الحوثيين'الذين لم نتصور دخولهم صنعاء قبل 10 اشهر ووصولهم الحديدة أيضا قبل 10 ايام يصبح احتلال بغداد وإطراف الخليج أمر قابل لطرح فكرة التدخل البري .
-لم يعد بإمكان الخليجيين البقاء بعيدًا عن الأحداث والتطورات التي تشهدها الساحات القريبة منهم كما فعلوا إبان الحرب العراقية الايرانية،وعلى العواصم الخليجية تلقف الفرصة لإعادة أهمية الخليج الاستراتيجية وانتهاء مرحلة استدارة أوبام الاستراتيجية .وحصولهم على ثمن الانخراط التام مقابل توسيع الضربات لتشمل قوات الأسد.
- سيكون رفع مستوى انخراط دول الخليج في الحرب على تنظيم الدولة الاسلامية مرتبطا بقدراتها، ولن يتعدى ذلك وحدات صغيرة من القوات الخاصة،أو وحدات الاسناد أو الامداد أو الطبابة،فعلى الحملة الجوية الراهنة تم صرف اكثر من مليار دولار حتى الان، وتمثل مردودها المتواضع في قتل داعشي واحد جراء كل 12 طلعة جوية،وستجد فاتورة الحرب طريقها لميزانية دول الخليج ومن الافضل حسمها بكل الطرق مبكرا.
في زمن مضى لم تعرف السياسة الخارجية الخليجية إلا مبدأ النأي بالنفس عن أحداث المنطقة حد الانكفاء.ومع تغير هذا النهج يبقى على صانع القرار الخليجي ملاحظة ان تحركات العواصم الخليجية والتي تخطت بها النزعة الاقليمية والقومية، وأخذت بها بعدا أممي انطلقت من قيم ومحفزات مصلحيه وطنية وخليجيه، مما يوجب ملاحظة محاذير عدة جراء الانخراط التام ضد داعش ، فهناك معوق القفز الخليجي في ميدان المعركة العراقي قبل اكتمال التقارب مع بغداد .فنتيجة توترات الفترة المالكية قد تتعرض القوات الخليجية'لنيران صديقة' من فصائل عراقية تحمل قوائم ثأر قديمة . كما ان القوات الخليجية ليست ادرى من الجيش العراقي والبشمركة والجيش الحر بطبيعة ساحات القتال هناك مما يجعل تنفيذ الإدارة الاميركية وعودها بتسليح المعارضة السورية المعتدلة اجدى من الزج بقواتنا هناك .

ماذا يعني وصول المارينز للكويت ؟

 د. ظافر محمد العجمي –المدير التنفيذي لمجموعة مراقبة الخليج 

ماذا يعني وصول المارينز للكويت ؟
 
في عصر القلق ورهبة القضايا الدولية العابرة للحدود يمكن تبرير الإرباكات، ومن ذلك دفاع الأمريكان الغريب مطلع هذا الشهر عن وصول 2300 عنصر من مشاة البحرية الأمريكية للكويت، وكأن حرب داعش وصمة عار يجب ألا تلوث سمعة مشاة البحرية أو الكويت، بل إن البنتاغون قد صك مصطلح «الصبر الاستراتيجي» الجديد وهو يوبخ من لمح لارتباط قضية المارينز بالكويت مع الحملة الجوية ضد «داعش».
فالرئيس، كما قالت وزارة الدفاع، مازال مع مستشاريه يناقشون أفضل خطوات التدخل، ونستطيع تفهم بعض ذلك، فقد كانت أفغانستان والعراق «تمرين عبور مستنقعات» لم تنجح العسكرية الأمريكية في اجتيازه، فقد وعد البيت الأبيض الشعب الأمريكي بعدم تكرار الاقتراب من الأرض والاكتفاء بشن الحروب الجوية أو البحرية، أما فيما يخص الكويت فلا أعتقد بوجود حرج جراء وصول المارينز لأعلى المستويين الرسمي وليس على المستوى الشعبي، فقد تم إهدار دم جحافل «داعش» الهمجية حين وضعت «الدولة الإسلامية» دولة الكويت ضمن خرائطها السوداء، فإذا كان الأمر كذلك؛ فلماذا يأتي المارينز وما هي مهامهم القتالية؟
في منتصف عام 2012م كتبت عن استراتيجية «زنبق الماء» الأمريكية في الخليج، وكنت مع بعض المراقبين العسكريين نتساءل إن كانت واشنطن قد صرفت النظر عنها، فقد طال الأمد ولم يتم تطبيق تلك الاستراتيجية التي أرى أن من الضروري العودة لبعض نقاطها الرئيسة حتى نفهم سبب إرسال المارينز للكويت.
أعتذر مقدماً؛ فقد أعدت صياغة تلك النقاط بطريقة قريبة من الأصل الذي كتبته قبل عامين ربما أكثر مما ينبغي، فقد كتبت في السابق أن دراسة من مجلس العلاقات الخارجية بمجلس الشيوخ الأمريكي في منتصف يونيو 2012م أظهرت أن واشنطن قد حسمت إدراكاتها العسكرية لما يجري في الخليج بتطبيق استراتيجية ورقة زنبق الماء «lily pad» في المنطقة. وقد وضعت خطوطها العريضة في عهد الرئيس بوش الابن؛ إلا أن الجديد كان أن تمثل الكويت ورقة زنبق الماء الخليجية؛ فقد بدأت وزارة الدفاع الأمريكية في التحول من القواعد العسكرية الضخمة إلى قواعد أصغر حجماً وأكثر عدداً، وهذا هو جوهر استراتيجية ورقة الزنبق التي تعتمد على السماح للقوات الأمريكية بالتحرك المرن بسرعة من إحدى ورقات الزنبق المنتشرة قرب المناطق الساخنة لوقف خطر يهدد مصالح أمريكا، وتستخدم هذه القواعد الصغيرة لتكون نقطة عمليات «هجومية» لنقل القتال لأرض الخصم، ومن جدوى ذلك شن الهجمات في أية وقت دون تكبد كلفة القواعد الكبيرة التي تحرج الدول التي تحتضنها، ويستعاض عن كثرة القوات برفع قدرة وحدات المناورة.
لقد تمنعت الكويت في قبول الوضع الجديد؛ إلا أن تحديات عدة قد غيرت موقفها، فإصرار واشنطن كان مبنياً على أنه إضافةً إلى موقعها شمال الخليج، تتمتع الكويت بعلاقات جيدة مع واشنطن، ويرابط فيها بناء على الاتفاقية الأمنية أكبر حشد عسكري أمريكي في الخليج، وقد عجل بتلك الخطوة الفراغ الاستراتيجي في العراق وخطر النفوذ الإيراني وتبعات الربيع العربي وقيام الإرهاب بنصب مكينة تفريخ في سوريا.
وكما ذكرنا قبل سنتين؛ على صانع القرار الكويتي ملاحظته تبعات منها أن الكويت ستكون نقطة انطلاق لقوات هجومية، مما يعني أن الكويت ستكون أرض المعركة، ومركز تلقي ردات الفعل والهجوم المضاد، كما أشرنا لضرورة احتساب ثمن التسهيلات التي تتلقاها واشنطن مع الكلفة المالية التي ندفعها نظير الاتفاقية الأمنية كل عشر سنوات، مع الأخذ بعين الاعتبار تساوي مصلحة الكويت ومصلحة أمريكا من وجود هذه القوات، فتلك أمور لها تبعات  يجب تداركها رغم أن التحرك الدولي لمواجهة «داعش» أعاد أهمية الخليج الاستراتيجية وأهمية الكويت، وإعلان انتهاء مرحلة الاستدارة الاستراتيجية التي قام بها أوباما قبل عامين.



 

الأربعاء، 8 أكتوبر، 2014

لماذا يعيد أوباما تعريف الحرب البرية !

   

لماذا يعيد أوباما تعريف الحرب البرية !



 د.ظافر محمد العجمي – المدير التنفيذي لمجموعة مراقبة الخليج  

تتعالى القوة الجوية على خصمها، فتشكل الفجوة بينهما قطيعة على المستوى الإنساني فيتلاشى الاحترام والإعجاب بالمنتصر لغياب النبل والفروسية في المناورة بين الطرفين، وفي الحملة الجوية الحالية على «داعش» وبالرغم من أن مهام القوة الجوية المعروفة هي مهام قتالية ومهام دفاعية ومهام النقل؛ إلا أن مهمة القتال جو / أرض ضد «داعش» قد طغت على بقية الأعمال الأخرى، حيث نرى القصف لشل قدرة مقاتلي الدولة الإسلامية لثني إرادتهم عن القتال، كما لم تتوقف مقاتلات التحالف عن شن الغارات لتجريدهم من آلياتهم وأسلحتهم الثقيلة ومهاجمة خطوط وشبكات مواصلاتهم لمنع وصول المدد لساحات القتال. 
ونفسياً لا يعتبر مقاتلي «داعش» أنفسهم قد هزموا أو أنهم الطرف الأضعف في المواجهة، بدليل استمرار سقوط القرى والمدن بأيديهم الواحدة تلو الأخرى رغم زخم الغارات، وذلك شعور نابع من عدم الاحترام والاعتراف بالخصم أو بقوته، فهو خصم جبان يشن غاراته من خلف الأفق كما يرون، لذا سيمضي وقت طويل قبل تفرق جمع «داعش»، فبدون الهزيمة النفسية يرى تنظيم الدولة الإسلامية سهولة في تعويض خسائره في الرجال والمعدات، فهل يغير أوباما من استراتيجية الحرب بالطيران ويأمر بحرب برية؟
لا تملك واشنطن في تقديرنا فرصة لكسب هذه الحرب دون الحرب البرية، لكن رجال واشنطن المخاتلين لا يمكنهم النكوص الصريح عن تعهدات سيد البيت الابيض أمام الشعب بعدم الانجرار لحرب برية، لذا سيدخلون العالم في متاهة معنى التدخل البري وتعريف القوات البرية، وعليه سيكون التدخل البري الأميركي مخاتلاً كواحد من الأشكال التالية:
- إرسال المستشارين بعد التحايل على طبيعة عملهم؛ حيث بإمكان الإدارة الأميركية القول إنهم ينقسمون لثلاثة أقسام؛ ففيهم خبراء تقنيات واتصالات، وقسم آخر خبراء معارك عسكرية وميدانية لدعم المجموعات السنية على الأرض على شكل وحدات استطلاع تمهد للضربات الجوية يتحولون عند الحاجة الى نواة إنزال، وآخرون مختصون بالعمليات الخاصة وقتال المدن والشوارع. 
وعليه سيمثل القسم الأول نزر يسير من حجم المستشارين الذين كانوا في خطاب لأوباما 475 عسكرياً فقط، ثم بعد أن تقوى موقفه في الكونجرس أصبحوا 13 ألف جندي أمريكي.
رغم أن أي نوع من التعاون يستلزم إطاراً؛ إلا أن واشنطن لم تضع حتى الآن إطاراً يمكنها من دعم القوات العراقية لتقوم بدور القوة البرية في هذه الحرب، وهناك حرق للمراحل وغموض في مراحل أخرى، فهناك حديث عن تسليح القوات العراقية البرية، وهذا أمر يكتنفه محاذير أبرزها تشرذم مكونات الجيش العراقي وعدم وحدته مما يجعل الأمر كتسليح ميليشيا ذات ولاء عقائدي في اتجاه واحد.
كما أن امتلاك العراق للأسلحة المتطورة خط أحمر لدى المراقبين العسكريين في دول الجوار خوفاً من أن يخلق هذا الجيش طاغية جديد، يضاف لذلك الضبابية التي تحيط بكيفية تسلح الجيش العراقي والزمن المطلوب لاستيعاب الأسلحة ثم تعلم مهارات القتال بها، أما البشمركة -لو جهزت لتقوم بالحرب البرية- فتواجه محاذير من بغداد وأنقرة وإيران ودمشق على حد سواء.
وهنا يمكننا القول إن تهديدات داعش باستهداف الولايات المتحدة في عقر دارها أدت إلى تراجع أوباما عن إرسال قوات أميركية برية للعراق، وسيكون الاعتماد على كتلة قوات برية مهلهلة وليست بنفس صلابة وتجانس الوحدات البرية الاميركية، وستتكون من الجيش العراقي الحالي مع البشمركة بنفس أسلحتهم، والمستشارين الامريكيين المتدثرين بمهمات أخرى، ومعهم قوات برية تحت بيرق التحالف من أستراليا وتركيا أو من ستجبره واشنطن على الانضمام، ولهذا قال قادة التحالف إن الحرب ستستمر 4 - 10 سنوات.


الأربعاء، 1 أكتوبر، 2014

لماذا الغارات الخليجية على داعش ؟!

   

لماذا الغارات الخليجية على داعش ؟!

 د.ظافر محمد العجمي –المدير التنفيذي لمجموعة مراقبة الخليج

من القصص الموثقة ان بريطانيا قد أرسلت 'أولاد دايانا ' لولاية هلمند جنوب أفغانستان تحت غطاء من السرية في مهمة لم تستغرق لأحدهم إلا 3 اشهر.فيما خدم الامير الاخر في أفغانستان بالظروف نفسها دون الدخول في معارك .كما يوثق الدستور الأمريكي ما ينص على عدم مشاركة المرأة في القتال؛ فلم تجد طريقها لوحدات المناورة إلا قبل سنوات. وفي عالمنا الشرقي لا يوجد حضور قوي لفكرة قيادة إمرأة لمجموعة قتال؛ لكن الرائد طيار مريم المنصورى أثبتت القدرة ليس على قطع المسافة من قاعدة الظفرة الجوية الى مضارب عشائر داعش الهمجية، بل على اجتياز خطوط اجتماعية ملتهبة في كل طلعة لتلك البطلة الإماراتية.كما ان مما لايتسق مع الحرص المعتاد للقادة والساسة ومحرضي الجهاد الجدد ان يرسلوا اولادهم للجبهات ؛لكن الأمير الطيار خالد بن سلمان نجل ولي العهد السعودي،والأمير الطيار طلال بن عبد العزيز بن بندر بن عبد العزيز حالات استثنائية .فالمشاركة الخليجية في الحرب على داعش تتعدى في تقديرنا شعارات مكافحة الارهاب،ومحركات هذه القناعة كثيرة،ومنها :
- المشاركة الخليجية الحالية تدفعنا لاستذكار مشاركات عسكرية خليجية أخرى في مصر والأردن وسوريا والصومال والبوسنة والهرسك وأفغانستان،وليبيا .لكن ماسبق كانت مشاركات فردية، ولم نكن كلنا ضمن حملة جوية خارج حدود الخليج من قبل.وعليه فلابد ان تكون جدوى هذه المشاركة أكثر من أكلافها في الموازين الاستراتيجية.
- تجرب واشنطن في هذه الحرب طائرة F-22 Raptorوهي مقاتلة تكتيكية من مقاتلات الجيل الخامس. كما ستجرب في رؤوس داعش كل النماذج الأولية Prototypes من الاسلحة .فيما يطير ابطالنا على طائراتF-15 و-16 ؛وهنا نتسائل ألم تكن الاسلحة الاميركية لتغني عن طائراتنا من الجيل الرابع!
- هناك من يريد القضاء على داعش ليس في العراق فحسب،بل وفي سوريا وفي كل مكان تتواجد فيه خلاياها نائمة وقائمة.كما ان هناك من يعتبر ان إسقاط الاسد وعصابته في دمشق هدف استراتيجي،وبين هؤلاء من يرى ان الحملة على الارهاب يجب ان تشمل القاعدة و النصرة والإخوان المسلمين وغيرهم. فهل علينا تتبع تطور الديالكتيك لفيلسوف ألمانيا العظيم 'هيجل' لنفهم جزئية 'تنافر الاضداد' حتى ندرك دوافع هذا التجمع المتنافر!
يلاحظ المراقب للحملة تغير نوعية الاهداف،فالغارات قد تركزت منذ أسبوع على المنشآت النفطية لداعش،وسيتبعها مصافي كردية غير شرعية تكرر نفط الارهابيين. لقد تجلت الانتهازية كطبيعة بشرية انسانية لدى الكثيرين في تلك الانحاء ابتداء بعمال المصافي ومرورا بأهل الصهاريج ومحطات الوقود في المناطق القريبة بل والدول المحيطة. وبسيطرتها على منابع النفط و معامل التكرير،اصبحت«داعش» دولة نفطية زميلة لنا ليس عبر عضوية' أوبك'او 'أوابك' لكن برأس المدفع. وما كنا لنشعر بتهديد داعش كأرهابيين فقد كسرنا في الخليج شوكة القاعدة وفر صبيانها لجبال اليمن. لكن المزعج كان انتهاكهم حرمة العيش المشترك 'كدولة نفطية' حيث اخذت في التوسع في عملياتها القذرة بالبيع الرخيص وتحطيم الاسعار الذي له تداعيات خطيرة على مجتمعنا بما ينتج عنها من كساد وتهديد للاستقرار الاجتماعي. لقد تعاملت داعش مع النفط بنفس البدائية التي حاول صدام ان يقوم مسوغا احتلاله للكويت بعرض النفط رخيصا جاهلا تعقيدات سوق النفط.
وقبل نفط داعش بتسعين عاما،وفي العقير 1922م يستشيط'ملك الخليج 'بيرسي كوكس غضبا،ويحمر وجهه لتكرر أحد معاونيه البريطانيين داخل خيمة المؤتمر سؤال لم يكن يريد كوكس ان يسمعه عن سبب وجود المناطق المحايدة بين دول الخليج والعراق فيرد كوكس: أنه النفط أيه الاخرق' ! It's the Oil, Stupid '

الثلاثاء، 30 سبتمبر، 2014

الخليج يفك حزام تهديد ليحيط به آخر

   

الخليج يفك حزام تهديد ليحيط به آخر
 

د.ظافر محمد العجمي –المدير التنفيذي لمجموعة مراقبة الخليج 

 لا يتعين عليك أن تكون رسّام خرائط لكي تعرف أن العراق وبلاد الشام تشكل حزام متصل في شمال شبه جزيرة العرب.وبدرجة قريبة من ذلك اعتبر وزير الخارجية الاميركي السابق هنري كيسنجر في أواخر الحرب الباردة ان أثيوبيا واليمن الجنوبي شكلت حزام شيوعي في جنوب الخليج. تلك الاحزمة لم تشكل عائقا حين خرج أجدادنا الرعاة الحفاة من جزيرتهم ليضعوا الفواصل،والنقاط على حروف التاريخ بخفاف أبلهم.لكن الاحزمة نفسها عدت في القرن العشرين غير مستساغة استراتيجيا؛ربما لكون العرب على طرفيها كانوا منضوين تحت هياكل امنية متنافرة.
رجوعا إلى التاريخ نجد ان بريطانيا رسمت حزام أمن نقاطه الاستراتيجية في السويس وباب المندب،عدن وهرمز والكويت وبوشهر وتلك النقاط هي ماعرف لدى الاستراتيجيين بــ'مفاتيح الشرق'. لذا كان هلع لندن كبيرا حين وصل للخليج الطراد الحربي الروسي فارياجVaryag'' عام1901م مخترقا ذلك الحزام .كما كان هلعهم اشد حين وصلت بعثة آلمانية للكويت لايصال خط برلين-بغدادالذي يخترق العمق في حزام الامن البريطاني.
وحتى منتصف القرن العشرين كان 'المجد للقوة البحرية' كما قال الفرد ماهان 'A.Mahan' ثم تراجع ذلك الفهم واصبحت القوة الجوية هي الذراع الطويل. لذا اقام البريطانيون خلال الحرب العالمية الثانية حزام أمن لمنع طائرات هتلرLuftwaffe''من الوصول للخليج في طريقها للهند،وكان الحزام الدفاعي في الشعيبة بالعراق وفي الكويت والبحرين والشارقة .لكن ترك الافق الغربي مفتوحا بدون حزام سمح لموسوليني بارسال طائراته من اريتيريا في عملية جريئة فقصفت البحرين والظهران وعادت سالمة.
وفي زمن الحرب الباردة، ولمنع الشيوعية من التسرب للرمال الدافئة قرب حقول النفط ،أقام الغرب بناء على مبدأ ايزنهاورEisenhower Doctrine'' حزام امني في 1957م؛ وكان الخليج جزء من هذا الحزام بالاضافة الى باكستان وايران. وقد بقي الحزام ضد الشيوعية مشدوادا حتى مزقته الثورة الايرانية 1979م، ولتقوم الثورة نفسها يتسويق مشروع 'الحزام الشيعي' الممتد من ايران الى البحر المتوسط.
لكن عقدين من الزمن مضيا قبل ان يتحول المشروع من 'فوبيا' الى مايقترب من الحقيقة حين عقد المالكي حلف استراتيجي مع طهران وعين الجنرال قاسم سليماني مندوب سامي في بغداد ،فما كان من الاخير الا ان مارس عسكريته وطبق مبدأ الاحاطة، فحرك الحوثيين لخلق حزام جنوبي كالذي حذر منه هنري كيسنجر قبل عقدين ونصف . فهل لازال الحزام الشيعي قائما كمشروع ؟ أم عاد للتواري كجزء من الفوبيا الايرانية ؟ يجيبنا هنري كيسنجر نفسه محذرا في 10 سبتمبر 2014م من 'خطورة الحزام الشيعى الذي يعطي فرصة لاٍعادة اٍنشاء الاٍمبراطورية الفارسية ، ويمنح إيران قوة هائلة من الناحية الاستراتيجية' كما اعتبر أن 'ايران تمثل مشكلة اكبر من 'داعش” الذين هم مجموعة من المغامرين بافكارا عنيفة' .
ويتبادل مقوضي الامن في الخليج أحزمتهم فتستلم مهمة إحاطتنا الجماعات الارهابية ب'الحزام الجهادي'وهو من الخطورة لجعل أوباما المتردد يرسل الدبابير FA-18 Hornet'' لاعشاش خفافيش داعش. الحزام الجهادي يستمد قوته من داعش كقدوة فداعش الوحيد الأكثر قدرة على تنفيذ أهدافه، وجرأته في الغزو والاحتلال والابادة والاعدامات يتوجها جرأة غريبة في إعلانه 'الخلافة الإسلامية' مما يجعله المسيطر على الحركات الجهادية بفكره وامواله .فنصل لقناعة ان داعش نوع من 'إرهاب مابعد القاعدة' يستدعي 'اجراءات مابعد أوباما '.
غاية القول إن الخليج عاش خارجا من حزام تهديد ليدخل آخر مشدود اكثر مما سبقه تاركا آثاره في خاصرتنا الضعيفة. وقد لايكون من الرصانة الاستراتيجية طرح فكرة 'تحزيم المعدة' لاضعاف شهية الغرب الذي يقيم الاحزمة ليلتهم جزء من دخلنا القومي.
فما الحل ؟
أن نحزم أنفسنا بانفسنا، فمشروع 'حزام التعاون' قوي وفعال كلفنا 80 مليون دولار،ويربط منذ 2001م مراكز قيادات القوات الجوية والدفاع الجوي بدول المجلس آلياً بشبكة انذار مبكر. وقد آن الاوان لخلق احزمة أمنية خليجية مثيلة للقوات البرية والبحرية الخليجية لتحل محل الاحزمة الامنية الاجنبية .


الاثنين، 22 سبتمبر، 2014

هل نحن أولا تجار وثانيا خليجيون !



هل نحن أولا تجار وثانيا خليجيون ؟!
 د.ظافر محمد العجمي –المدير التنفيذي لمجموعة مراقبة الخليج   

إن من التجاوز الصارخ الحديث عن الخلافات الاقتصادية الخليجية بمسميات أخرى. ففي عام 1981 اقترحت دول الخليج تعاوناً بينها بمحرك سياسي، وقالت أخرى بل بتحالف عسكري، لكن فكرة الشيخ جابر الأحمد رحمه الله بأن يكون محرك قطار التعاون اقتصادياً رجحت. وسار القطار وصبغناه بالألوان الرملية والبنية والمبقعة تمويهاً من غارات الجيران أثناء حربهم.
وطال الزمن الأمني حتى تعلم قطارنا حفر الخنادق والسير ببطء اعتاده حتى بعد زوال الخطر. وبعد انجلاء غمام الحرب وارتفاع أسعار النفط ووفرة العائدات منذ 2003 عادت المدن الخليجية للبحث عن هويتها الاقتصادية. فالكويت تريد أن تكون مركزاً مالياً وتجارياً، وتريد دبي بناء أكبر مركز تسوق في العالم. كما إن للمنامة والدوحة وبقية دول الخليج طموحاتها.
وكانت هياكل التعاون الاقتصادي والمواطنة الاقتصادية جزءاً من النظام الأساسي للمجلس، حيث شكل التكامل والترابط في المجال الاقتصادي أحد الأهداف الأساسية للمجلس. فلماذا لم نحقق لا التكامل الاقتصادي ولا الوحدة الاقتصادية؟ وأين ستقودنا المنافسة الاقتصادية التي مهما نجحوا في تشفيرها عمداً كي لا نفهمها إلا أنها المحرك للخلافات الخليجية في مصر وسوريا وليبيا؟!

في مقاربة مشهد العلاقات الاقتصادية الخليجية تقفز للذهن العلاقات بين الجمهوريات التجارية البحرية الإيطالية لتشابه طبيعتها مع دول مجلس التعاون. فرغم وحدة اللغة والدين والأصل، والتقارب الجغرافي والاتفاقيات السياسية والاقتصاديـــة إلا أن التنافس للسيطــــرة على التجارة اشتعل بين تلك الدول ثم تحول إلى خلافات سياسية انتهت بحروب مدمرة. وكانت أكثر الجمهوريات البحرية الإيطالية شهرة هي «أمالفي» و«بيزا» و«جنـــوى» و«البندقيـــة». وقــد انضمت تلك الجمهوريات للحروب الصليبية لكن الدافع الديني تراجع أمام الدوافع الاقتصادية، حيث غيرت تلك الجمهوريات معسكرها، فمرة مع البيزنطيين ومرة مع الفرنسيين ومرة مع النورمنديين ومرة مع البابا ومرة ضده. لقد جمعت تلك الجمهوريات التحالف ضد المسلمين.

لكن ذلك لم يكن مطلقاً، ففي الأسواق التي كانت تحت حكم الصليبيين اشترت الجمهوريات البحرية الإيطالية التوابل والأقمشة من المسلمين وباعوهم الجلود والمعادن. وفي زمن الحروب الصليبية انتعشت «الأسواق الصليبية» وكان بيع المدن الإيطالية السلاح للمسلمين في أيام الحروب الصليبية مستمراً رغم تنديد البابوات الأقوياء وتحريمهم التجارة مع المسلمين مثل اينوسنت الثالث 1198م «Inocent III».  إلا أن تلك التجارة ظلت مزدهرة حيث قال أهل البندقية مقولتهم المشهورة «نحن أولاً تجار وثانياً مسيحيون». وفي زمن المدن التجارية حاربت «البندقية» «بيزا»، كما حاربت «جنوى»، وكان مسرحها أوروبا والشام. وكانت أكبر المعارك في ميناء عكا الفلسطيني خلال حرب القديس سابا عام 1298م. كما تقاتل أهل «بيزا» مع جمهورية «أمالفي». وكانت هناك حروب بين «البندقية» و«أنكونا» و«راغوزا»، حيث ساعد ملك ألمانيا البنادقة الذين احتلوا «راغوزا» لكنهم تركوها بعد تدخل المجريين. فسيفساء صراع الجمهوريات التجارية الإيطالية أكثر تعقيداً، ليس علينا فحسب بل حتى على الأوروبيين أنفسهم لسرعتها وتقلبها وقصر وقتها.
لقد أردنا من عرض صراع الجمهوريات التجارية الإيطالية خلق ما يشبه جسر العبور إلى اللحظة الراهنة في العلاقات الاقتصادية الخليجية. ولم نجد سوى الأساليب الأكثر تقليدية وهي العودة للتاريخ. ثم لموقع الأمانة العامة لمجلس التعاون حيث نجد قائمة تفوح منها رائحة القصور أكثر من عطور الإنجازات المبهجة في مجالات الاتحاد النقدي والعملة الموحدة، والاتحاد الجمركي، والسوق المشتركة، والطاقة، والكهرباء والماء، والصناعة، والنقل والمواصــــلات، والاتصالات، والزراعــــة والمياه، والتخطيط والإحصاء والتنمية. لقد دأب صناع القرار الخليجي على التمويه على الخلافات الاقتصادية بقضايا السيادة والتدخل في شؤون الآخرين واختلاف وجهات النظر. ومهما نجحوا وهم يشفرونها عمداً، كما قلنا سابقا كي لا نفهمها إلا أننا ندرك أن بصمات صانع القرار السياسي في دول الخليج متداخلة مع صانع القرار الاقتصادي بشكل يصعب فرزها. «فالاختلافات» الخليجية في ردائها السياسي والسيادي في ليبيا ومصر واليمن وسوريا هي صراع «أمالفي» و«بيزا» و«جنوى» و«البندقية» نفسها علـــى أســواق الحـروب الصليبية.
وربمــا لسنا بحاجة إلى «مكيافيلي» لتأليف كتاب الأمير «De principatibus» للتحريض على ظهور الوحدة القسرية الخليجية كما توحدت الجمهوريات التجارية المتنافسة وكونت إيطاليا الحالية 1815–1861م فنحن لا نريد 50 عاماً من الصراع. فهل تكون الوحدة الكونفيدرالية هي «الأمير» الذي ننتظره فنتكامل اقتصادياً ونكتفي شر التنافس سياسياً.

الأربعاء، 17 سبتمبر، 2014

دول الخليج والانهيارات في الجوار الإقليمي - إرهاب'مابعد القاعدة'يحتاج لإجراءات'مابعد أوباما'

دول الخليج والانهيارات في الجوار الإقليمي
آخر تحديث : الأربعاء 17 سبتمبر 2014   13:05 مكة المكرمة


(الجزيرة)
ملخص
تُعتبر الاتفاقية الأمنية الخليجية مغلَّفةً بالمعنى "البوليسي" المحلي للكلمة، كما أنّ اتفاقية الدفاع الخليجي المشترك تتضمن من الرمزية الكثير، حيث أراد لها البعض أن تكون "قوات درع الجزيرة" نفسها بعد أن سلبتها روحها الاتفاقيات الأمنية المنفردة التي وقّعتها دول المجلس مع القوى العظمى كل على حدة.
ولا شك أن الإرهاب من القضايا الدولية العابرة للحدود، وقد لا يكون تهديد تنظيم الدولة الإسلامية لدول الخليج أكثر مباشرةً منه للعراق وسوريا ولبنان والأردن، لكن خطورة هذا التنظيم على دول الخليج تكمن في أمور عدة ستاتي الورقة على ذكرها وتحليلها.
يعي صانع القرار الأمني في الخليج أننا نعيش مع "الدولة الإسلامية" في مرحلة "إرهاب ما بعد القاعدة"؛ ولكن هل يعي أيضًا أنها مرحلة تحتاج إلى إجراءات "ما بعد الرئيس أوباما" المتردد، والذي حرص على جعل العملية العسكرية طويلة الأمد عبر تقسيمها لمراحل "التصدي" لتنظيم الدولة الإسلامية و"إضعافه"، وفي نهاية المطاف "دحره" عبر احتواء التنظيم ومنع تمدده بدل إنجاز العملية والقضاء عليه بخطوة واحدة ؟
لقد أكدت الولايات المتحدة الأميركية في ختام الاجتماع الإقليمي الذي عُقد في جدة في 11 سبتمبر/أيلول 2014، العمل مع ائتلاف قاعدته العريضة من دول عربية ودول أوروبية لمحاربة تنظيم "الدولة الإسلامية". فقد قررت واشنطن إعلان الحرب عليه رسميًا وسط تهليل دولي، فلا بواكي لتنظيم الدولة الإسلامية في مفارقة غريبة ومشهد معقد لحرب غريم الغريم؛ فدول الخليج وهي غريمة الأسد سيكون لها دور مركزي في محاربة هذا التنظيم، مقارنة بدورها إبان حرب بوش الإبن على الإرهاب والتي كان بعض دول الخليج فيها قرب خط الاتهام.
أخيرًا يؤكد الباحث على أنه من المهم في التحالفات العسكرية الكبرى أن تُختَم الأشياء بطريقة صحيحة بدل انسحابات عجولة، كتلك التي قام بها الرئيس أوباما في كل من العراق وأفغانستان.
مقدمة
خلافًا لما يتم تداوله في وسائل الإعلام الخليجية، يمكن الجزم بعدم وجود الجاهزية الأمنية الخليجية لغياب النظرية الأمنية الخليجية الواضحة، ذات المحاور المترابطة التي تشكّل كُلاً متكاملاً للاستجابة لأي انهيار مفاجئ في الجوار الإقليمي. فالاتفاقية الأمنية الخليجية مغلَّفة بالمعنى "البوليسي" المحلي للكلمة، واتفاقية الدفاع الخليجي المشترك فيها من الرمزية الكثير، حيث أراد لها البعض أن تكون "قوات درع الجزيرة" نفسها بعد أن سلبتها روحها الاتفاقيات الأمنية المنفردة التي وقّعتها دول المجلس مع القوى العظمى كل على حدة.
بل إن الانهيارات الحالية تبدو وقد وضعت دول الخليج بين فكي كماشة تنظيم الدولة الإسلامية في الشمال وجماعة الحوثي في الجنوب. فما مواقف دول الخليج من تطورات المشهد الأمني في المنطقة جرّاء تقدم وسيطرة داعش في شمالًا على أجزاء من العراق وسوريا؟ وما موقفها من القبضة الحوثية جنوبًا؟ وما دورها في بوادر تشكُّل حلف دولي بقيادة الولايات المتحدة الأميركية للقضاء على التنظيمات الإرهابية في المنطقة؟
لا شك أن الإرهاب من القضايا الدولية العابرة للحدود، وقد لا يكون تهديد تنظيم الدولة الإسلامية لدول الخليج أكثر مباشرة منه للعراق وسوريا ولبنان والأردن، لكن خطورة هذا التنظيم على دول الخليج تكمن في أمور عدة، منها:
  • تنظيم الدولة الإسلامية، منظمة شريرة ووحشية (1)، تحارب تحت بيرق الإسلام وليس لها صلة به. ورغم الارتباط الفكري والتنظيمي والمالي بين التنظيمات الإرهابية التي تدّعي الإسلام مرجعيةً لها في العالم؛ إلا أنَّ جملة من الوقائع تروّعنا؛ فوحشية هذا التنظيم في قتل أسراه وتعامله مع الأقليات يكاد أن يدفع تنظيم "بوكو حرام" خاطف الفتيات والنساء لأن يصدر بيانًا يدين فيه جرائم تنظيم الدولة الإسلامية البشعة، كما لن يكون أيمن الظواهري مغاليًا لو سماهم خوارج العصر، كما فعل غيره من السلفيين الخليجيين الذين اعتبروهم «متطرفين لا يجب التعاطف معهم» (2).
  • أن الخلاصات التي أفضت إليها الحروب السابقة في مخزن الذكريات الأليمة لرجال مكافحة الإرهاب في أفغانستان والشيشان والعراق رغم بُعدها تشير بوضوح إلى أنه سيكون هناك انجذاب ظاهر للمقاتلين الخليجيين لمعسكرات تنظيم الدولة الإسلامية، القريب منهم، بأعداد كبيرة، وسيعودون لدولهم لاحقًا ليشاركوا في التخطيط لهجمات ضدّ بلادهم نفسها؛ حتى أصبحت جدوى فتح بعض دول الخليج قنوات حوار مع طالبان والمنظمات التي تستوعب المجاهدين الخليجيين واحدة من أعمق الجدليات وأكثرها خلقًا للخلافات الخليجية. 
  • يحتوي تهديد الإرهاب من تنظيم الدولة الإسلامية على كم هائل من العُقد، والمرجح أن يكون تهديد "الدولة الإسلامية" مستمرًّا ويستدعي استراتيجية طويلة الأمد لتحديد التهديدات والتصدّي لها؛ مما يعني حالة الاستعداد الطويلة وإرهاق الميزانيات والمعدات والرجال، فالإمكانيات الواضحة لـ"الدولة الإسلامية" ومواردها وطموحاتها واستراتيجيات البقاء لديها تشير كألف شاهد لخطرٍ صلاحيتُه طويلة الأمد. 
  • أن أي ضغط على "الدولة الإسلامية" في ميادين القتال هو رش ماء في وجه الخلايا الإرهابية النائمة في الخليج من مؤيدي هذا التنظيم المتطرف لتنفيذ هجمات استباقية (3)؛ وهذا ما جعل بريطانيا وأستراليا ترفعان درجة الخطر، فيما انحرف الحديث في الخليج بشكل مؤسف عن مساره حول الاستعدادات الأمنية، وتحول عبر وسائل الإعلام إلى جدل عقيم حول شرعية الحديث عن تلك الإجراءات وإن كانت سرية أم أنه يجوز البوح بها (4).
مواقف دول الخليج من تطورات المشهد الإقليمي
يعي صانع القرار الأمني الخليجي أننا نعيش مع "الدولة الإسلامية" في مرحلة "إرهاب ما بعد القاعدة"؛ فهل يعي أيضًا أنها مرحلة تحتاج إلى إجراءات "ما بعد أوباما" المتردد، والذي حرص على جعل العملية العسكرية طويلة الأمد عبر تقسيمها لمراحل "التصدي" لتنظيم الدولة الإسلامية و"إضعافه"، وفي نهاية المطاف "دحره" عبر احتواء التنظيم ومنع تمدده بدل إنجاز العملية والقضاء عليه بخطوة واحدة؛ فألهانا بغارات جوية مكلفة يدمر فيها صاروخ مافريك "Maverick"، وقيمته 90 ألف دولار، شاحنة تويوتا لتنظيم الدولة الإسلامية عليها رشاش لا تتعدى قيمته المادية 15 ألف دولار ولا تتعدى قيمته العملياتية سوى نصب نقطة سيطرة وتفتيش؛ فضاع بمثل هذه الطلعة الجوية وقت ثمين لحين اقتناع رئيس أقوى قوة في العالم بالاستراتيجية الكاملة التي قد يتشكل التحالف ويتفكك قبل أن يقوم أوباما من خلالها بشيء ملموس على الأرض؟ وهل يعي صانع القرار الخليجي أن الانقياد لواشنطن المترددة يعني عودة العلاقات الخليجية-الإيرانية لمرحلة الاصطفافات في معسكرات متنافرة، بعد انفراج بسيط منذ زوال النجادية ودخول إيران في مرحلة الروحانية المهادنة؛ فقد تم رسميًا رفض حضور إيران للمؤتمر الدولي حول العراق الذي عٌد في الخامس عشر من سبتمبر/ أيلول في باريس ومحاربة تنظيم الدولة افسلامية باعتبار أن مشاركة طهران لن تكون في محلها بسبب تورطها في وحل الحرب في سوريا.
وهي تهمة قد تكال لدول الخليج لعدم قدرة هذه الدول على فصل قضية مواجهة "الدولة الإسلامية" عن القضايا الأخرى التي تتبنى مواقف مختلفة تجاهها كصعوبة الفصل بين القوى السُنية المعارضة والتنظيم. وهذا الخلط يعطي مؤشرًا إلى أن تنظيم الدولة الإسلامية سيبقى لوقت غير قصير مثل "طالبان" و"بوكو حرام" و"الشباب الصومالية" لوجود الحواضن السُنية تحديدًا، والكارهة لحكم بغداد ودمشق، وأيضًا لنجاحه في تأسيس ذهن شباب هذه الحواضن بالنجاحات التي يحققها عبر ثروة كبيرة وإعلام ذكي يروج لدولة إسلامية لها عملة ولوحات سيارات وتصرف رواتب سخية، كما تضم وحدات مقاتلة تُقدَّر قوتها العسكرية بعشرات الآلاف، وتحتل أراضي في حلب والرقة ودير الزور في سوريا وصولاً إلى محافظات صلاح الدين والأنبار ونينوى وديالى في العراق (5).
كما أن مما يصعب تسويغه استبعاد إيران وروسيا من التحالف الدولي؛ مما دفع الدولتين بالإضافة إلى سوريا للدعوة لإنشاء تحالف الممانعة (6) لمواجهة تنظيم الدولة الإسلامية والجماعات الإرهابية الأخرى. وبناء عليه، اجتمع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين على هامش قمة «منظمة شنغهاي للتعاون» 12 سبتمبر/أيلول 2014 مع نظيره الإيراني حسن روحاني، وكان أن دعت المنظمة إلى تسوية الأزمة في سوريا سلميًا (7).
فك الكماشة الحوثي
لقد وضعت دول الخليج تنظيم "الدولة الإسلامية?" على لائحة ?الإرهاب?؛ فوضعها التنظيم على خرائطه السوداء وراح يتوعدها بالغزو؛ مما يعني أن دول الخليج لن تكون في مقاعد المشاهدين هذه المرة، بل ضمن من يلعب أدوارًا مهمة؛ مما يفرض على هذه الدول الحذر في موازنة المُدخلات مع المُخرجات، ولذلك يجب التسليم بأن مسألة توسيع المدى الاستراتيجي للخليج بالمشاركة في التصدي لتنظيم الدولة الإسلامية هو تأمين له على المستوى الأمني. ?????
ومن جانب، آخر كانت دول الخليج تأمل في الإفادة من "الدولة الإسلامية" بإضعاف ‏حكومات العراق? وسوريا?، وقد تحقق الشق الأول مما تنشده بسقوط المالكي ونهجه المتطرف القائم على ولاءات بدائية بانتظار أن تؤدي التحولات الحادة في منطقة الأزمة حول "الدولة الإسلامية" إلى سقوط نظام بشار الأسد؛ مما يعني فقدان طهران، وهي التحدي الأكبر للخليجيين، لذراعين من أشد أذرع الأخطبوط التوسعي الإيراني. لكن طهران برصيدها من الخبرة في تغيير الديناميات التي تحرك الصراع، استخدمت تحركات تنظيم "الدولة الإسلامية" شمال الخليج استخدامًا ذرائعيًا فأطلقت المارد الحوثي من عقاله في جنوب الخليج كأداة ضغط؛ فقضى على حزب اتحاد الرشاد السلفي في «دماج»؛ حيث مركز دار الحديث "رمز السلفية" في صعدة التي سيطر عليها الحوثي بحكم ذاتي تام، وأمسك الأمور الأمنية والعسكرية والإدارية والمالية كاملة.
ثم احتل الحوثيون عمران وفتكوا بحزب التجمع اليمني للإصلاح الذي يمثل الإخوان المسلمين، ثم دخلوا صنعاء لا كفاتحين بل كمطالبين بحقوق الشعب بعد قرارات رفع الدعم عن الوقود وفساد الحكومة وغيرها. ووصلت العبثية مداها بقيام الحوثيين بمغازلة دول الخليج بطلب السماح لهم بضربات مباغتة لحركة الإخوان المسلمين وتصفية بعض قيادتها في العاصمة صنعاء نفسها لأيام قليلة على أن ينسحبوا بعدها كما فعلوا بحزب التجمع في عمران. كما أنَّ إيران تستخدم الحوثيين بهدف الحفاظ على الهوية المذهبية لصعدة وما جاورها من أماكن سيطرة الحوثي لبناء حضور وجيرة ابتزازية للمملكة العربية السعودية، ولتوسيع نفوذ إيران الإقليمي عند مضيق باب المندب الاستراتيجي. واستهداف دول الخليج التي تمر تجارتها ومنتجاتها النفطية عبر هذا الطريق لقناة السويس.
لأجل ذلك كله أوعزت طهران للحوثيين بأن يُبدوا التعقيدات واحدًا تلو الآخر في مفاوضاتهم مع الرئيس اليمني عبد ربه منصور هادي من أجل كسب الوقت، ومنح طهران فرصة أكبر في التفاوض مع واشنطن حيال القضاء على تنظيم "الدولة الإسلامية" في دمشق وما حولها، وبغداد وما جاورها، مقابل انسحاب الحوثيين من صنعاء، حتى تعود قبضة طهران لمكانها هناك.
لقد دخل الحوثيون المنحازون لإيران بما تمثله لهم من سند مالي وعسكري وعقائدي العاصمة اليمنية صنعاء كجزء من الشعب اليمني الذي يقيم خيام الرفض في كل تقاطع، ولم يدخلوا بأسلحتهم الثقيلة أملاً في تخفيف ضغط مجلس الأمن عليهم، وخوفًا من أن يتطور البيان الأممي إلى قرار، ويتحول القرار إلى خطوات عسكرية، أقلها تفويض حلف الناتو بضربات وقائية يدعم بها ضربات سلاح الجو اليمني لهم في الجوف.
والسيناريو القادم في تقدير الباحث هو خروج الحوثيين من صنعاء وتركها في يد الرئيس اليمني، الذي يعمل وفق منهجية رئيس الوزراء العراقي السابق نوري المالكي في بغداد، حيث خرج هادي بعناية "المبادرة الوطنية" بديلاً "للمبادرة الخليجية" وقيودها الكثيرة؛ والتي تصبح بموجبها الوزارات السيادية (الداخلية والخارجية والدفاع والمالية) من حصة الرئيس الشخصية بحجة الصدام مع إرهاب الحوثيين، كما تعلّل المالكي بداعش قبل سقوطه. أما الحوثيون فسينقلون ميدان معركتهم بالتسرب بهدوء خارج العاصمة والاستدارة غربًا تجاه «حجة» ومن هناك يتم تحقيق الهدف الأكبر وهو الاستيلاء على «ميناء ميدي» على البحر الأحمر والذي لا يحرسه أحد، فيتحول لقاعدة بحرية حوثية تصل إليها الأسلحة والمتطوعون عبر خط الإمداد (طهران-مصوع-وجزر دهلك الإريترية–ميدي)؛ حيث لم ينقطع مسير رتل الإمدادات البحرية، وما زالت الأسلحة والمتطوعون الإيرانيون والخليجيون والعراقيون ينقلون من الميناء إلى مزارع محيطة به امتلكها الحوثيون على فترات لتكون نقاطًا لوجيستية الآن ونقاط انقضاض على الميناء لاحقًا. 
تشكّل حلف دولي بقيادة واشنطن للقضاء على الإرهاب
لقد أكدت الولايات المتحدة الأميركية في ختام اجتماع إقليمي عُقد في جدة في 11 سبتمبر/أيلول 2014، العمل مع ائتلاف قاعدته العريضة من دول عربية ودول أوروبية لمحاربة تنظيم "الدولة الإسلامية". فقد قررت واشنطن إعلان الحرب عليه رسميًا وسط تهليل دولي، فلا بواكي لتنظيم الدولة الإسلامية في مفارقة غريبة ومشهد معقد لحرب غريم الغريم؛ فدول الخليج وهي غريمة الأسد سيكون لها دور مركزي في محاربة هذا التنظيم، مقارنة بدورها إبان حرب بوش الإبن على الإرهاب والتي كان بعض دول الخليج فيها قرب خط الاتهام.
لذا يبدو أنَّ الأميركيين سيدفعون بالسعودية لتكون رأس حربة للتجمع الخليجي لحرب تنظيم الدولة الإسلامية، والمسوغ لذلك أن هذا التنظيم قد هدد في مايو/أيار 2014، بالتمدد إلى الدول الخليجية، ردًا على الإجراءات التي أقرتها بعض تلك الدول، وفي مقدمتها المملكة العربية السعودية، لمكافحة الإرهاب. لكن الدخول في حرب معلنة ضد تنظيم الدولة الإسلامية مع هذا التحالف له محاذيره، ومن أبعاد القلق الخليجي من الحرب القادمة:
  • قد يتحدى تنظيم "الدولة الإسلامية" تنظيم "القاعدة" في مجال الهيمنة على الحركة الجهادية العالمية؛ فهل قرر الأميركيون أن يدمروا تنظيم "الدولة الإسلامية" وأن يُحيوا تنظيم «القاعدة»، الذي يعيش بعض أطرافه في حالة تراجع وفرار (8)، كعدو مفترض وغريم مهجّن، خصوصًا أن وزير الخارجية الأميركي جون كيري قد تعهد في 9 سبتمبر/أيلول 2014 ببناء ائتلاف من 40 دولة، وسيستمر لسنوات طويلة (9)؛ مما يؤيد الدعوات التي صدرت من واشنطن حول ضرورة إصرار الرئيس الأميركي على أن يتحمل الحلفاء حصتهم من العبء.
  • يعتبر تنظيم "الدولة الإسلامية" أكثر تعقيدًا من تنظيم "القاعدة" من حيث الاستراتيجية التي يتبناها، ونوع التكتيكات القتالية التي يعتمدها، فضباطه من خريجي ميادين القتال ضد الأميركيين طوال عقدين، كما أن هذا التنظيم يعتبر من "إرهاب ما بعد القاعدة" الأكثر تطورًا من الفلاحين الملتحين الأفغان والسلفيين البسطاء من جزيرة العرب. فإذا كان جورج بوش (الإبن)، قد احتل أفغانستان كلها وأرسل خيرة القوات الأميركية إليها؛ ومع ذلك فإن "القاعدة" لم تنته وأصبحت حركة "طالبان" أقوى؛ فكيف بتنظيم الدولة الإسلامية التي تُتعتبر من قوات الصفوة في القتال في المناطق الحضرية!
  • بنهاية الحرب الباردة قبل أكثر من عقدين من الزمن أصبح حلف شمال الأطلسي مكلفًا بحماية مصالح منتسبيه بدل الدفاع عنهم ضد الفيلق السوفيتي في حلف وارسو. ومع اقتراب الحلف من إنهاء مهمته القتالية في أفغانستان، كان عليه أن يتخذ وجهة قتالية جديدة؛ فهل تتجاوز مواجهة تنظيم "الدولة الإسلامية" ردود الفعل الآنية للحلف، وترتقي إلى مستوى الاستراتيجية، خصوصًا بعد فشل الحلف في صد روسيا عن التهام شبه جزيرة القرم من أوكرانيا؟ يؤيد ذلك تكليف نفس الجنود مع تغير المكان بتعيين القائد السابق للقوات الأميركية في أفغانستان الجنرال جون آلن منسّقًا للتحالف الدَوْلي (10) ضد تنظيم "الدولة الإسلامية". فهل ستصبح الأنبار أفغانستان أخرى؟
تعتقد واشنطن أن الحرب يمكن الترويج لها بوصفها منتجًا جديدًا، مع تجاوز صارخ لمعطيات ساطعة على الأرض تجعل المشتري مترددًا في بيع روحه لتحقيق مصالح غربية دون ضمانات واضحة. فقد تعهدت واشنطن، عبر إعلانها الحرب على تنظيم "الدولة الإسلامية" مع ائتلاف يضم أكثر من 40 دولة، بينها دول الخليج، ويستمر لسنوات طويلة، بالقضاء على هذا التنظيم. لكن فقدان اليقين في آلية اتخاذ القرار عند أوباما بالإضافة إلى أن عدم امتلاك واشنطن لمشروعٍ حقيقي للمنطقة ينتهك بوحشية تفاؤل الخليجيين بمستقبل الحملة المزمع شنها على بعد خطوات من حدودهم.
ليس هذا فحسب بل إن دول الخليج نفسها لم تسْعَ للتنسيق فيما بينها لمواجهة تنظيم "الدولة الإسلامية" شمالًا أو الحوثي جنوبًا، واعتمدت بصورة رئيسية على إجراءات وطنية لتحصين نفسها داخليًا كاعتبار بعض الجماعات تنظيمات إرهابية، أو اعتمدت على خطوط تضعها واشنطن وتقود في النهاية إلى أن على كاهلها (كاهل دول الخليج) سيقع عبء توفير الأموال اللازمة للحرب والمشاركة في عمليات ستمتد لسنوات، وسيتجرع الخليجيون خلالها ليس فقط قتال غريم غريمهم بل وقتال تشكيلات خرج بعض منتسبيها من دول الخليج.
خاتمة
من المهم في التحالفات العسكرية الكبرى أن تُختَم الأشياء بطريقة صحيحة بدل انسحابات عجولة، كتلك التي قام بها الرئيس أوباما في كل من العراق وأفغانستان، حيث ترك النار تشتعل في المعسكر الذي خرج منه، رغم قدرة واشنطن على النهوض بتبعات ختم الأزمات الإقليمية بطريقة صحيحة. ولعلَّ أبرز إصلاحات ما بعد المعركة التدخل الجراحي لتعديل ضيق الأفق الفئوي في بغداد، وإنهاء وحشية نظام بشار الأسد في دمشق دون تردد، فاستمرار نظامه يعني توفّر ملاذ آمن للإرهابيين ثم مساعدتهم للتسرب إلى دول الخليج. 
_____________________________
ظافر محمد العجمي - المدير التنفيذي لمجموعة مراقبة الخليج
المصادر
1-  وزير الخارجية الأميركي جون كيري في مؤتمر صحفي بالقاهرة 13 سبتمبر/أيلول 2014.
2- الداعية السلفي الكويتي شافي العجمي، جريدة الحياة اللندنية، 15 مارس/آذار 2014.
3- (أبو العيناء الخراساني، مدير شبكة "شموخ الإسلام" الجهادية، يوجه دعوة لتنفيذ هجمات استباقية في 8 أغسطس/آب 2014)، المركز الإقليمي للدراسات الاستراتيجية-القاهرة.  http://tinyurl.com/nk99bp9
4- القبس الكويتية، 10 سبتمبر/أيلول 2014 http://www.alqabas.com.kw/node/894708
5- منى علمي، الدولة الإسلامية وكلفة الحكم .http://carnegieendowment.org/sada/2014/09/04/
6- قناة الميادين الموالية لإيران، 11 سبتمبر/أيلول 2014, 07:16ص http://tinyurl.com/oxcpdoo
7- وكالة الأنباء الكويتية، 12 سبتمبر/أيلول 2014.
8- Michael Singh.The Islamic State's Triple Threat . 
http://www.washingtoninstitute.org/policy-analysis/view/the-islamic-states-triple-threat .September 5, 2014
9- http://www.dw.de/  9\92014l
10http://www.france24.com/ar/20140913
لقراءة النص بصيغة PDF إضغط هنا:   
الى الأعلى
 المصدر: مركز الجزيرة للدراسات

Gulf seurity أمن الخليج العربي

Kuwait
تبين هذه المدونة كيف تمتع الخليج بأهمية كبيرة أدت إلى خلق عبء استراتيجي على أهله بصورة ظهرت فيها الجغرافيا وهي تثقل كاهل التاريخ وهي مدونة لاستشراف مستقبل الأمن في الخليج العربي The strategic importance of the Gulf region creates a strategic burden and show a good example of Geography as burden on history. This blog well examine this and forecast the Gulf's near future and events in its Iraq, Iran ,Saudi Arabia ,Kuwait, Bahrain ,Qatar, United Arab Emirates and Oman

أرشيف المدونة الإلكترونية