Gulf security أمن الخليج العربي

الأحد، 8 أكتوبر، 2017

تواصل تأثير الخطيئة الأصلية وهي الاحتلال , في صنع القرارات الصهيونية

الدكتور ظافر محمد العجمي
المدير التنفيذي لمجموعة مراقبة الخليج
سبعون عامًا تفصل بين الفلسطينيين وبين حرب النكبة عام 1948م، وسبعون شيئًا آخر بينهم وبين الخليجيين. ورغم ذلك تهزنا بين الفينة والأخرى موعظة منمقة بالصورة والخط والإخراج عبر وسائط التواصل الاجتماعي مضمونها أن رئيسة وزراء الكيان الصهيوني السابقة غولدا مائير قالت عندما تم حرق المسجد الأقصى في 22 أغسطس 1969م: «لم أنم ليلتها وأنا أتخيل العرب يدخلون علينا أفواجًا من كل صوب، وعندما طلع الصباح ولم يحدث شيء، أدركت أن باستطاعتنا فعل ما نشاء فهذه أمة نائمة». وقد تكون مائير صادقة لكن المؤكد أنه قد انتهى جيل الوعّاظ وابتدأ جيل وعّاظ في تصرفاتهم عظة. فالجميع قضيته الأولى المعلنة هي فلسطين رغم أن من معظم من يدعي ذلك لا يفرق بين المسجد الاقصى، وقبة الصخرة ذات القبة الذهبية. لقد كانت القضية الفلسطينية قضية العرب المركزية، ولم يكن للخليج من عدو إلا عدو الفلسطينيين الذين احتضنهم الخليج وخصوصًا الكويت مبكرًا بشهادة أهزوجة فلسطينية تراثية كان يتم تكييفها مع مناسبات سفر الشباب الفلسطينيين، بعد نكبة 1948م، ونكسة 1967م، إلى الكويت بحثًا عن لقمة العيش ومساعدة أهلهم في الوطن وتقول:
"عبيلي الجرة. عبيلي الجرة. يما يا حنونة عبيلي الجرة. بعطش من مرة. والكويت بعيدة. بعطش من مرة. وأنا بلادي بعيدة. بعطش من مرة. والكويت بعيدة. عبيلي البريق. يما يا حنونه عبيلي البريق. بعطش ع طريق. وأنا بلادي بعيدة بعطش ع طريق"[1].  

هذا الاستطراد ربما لابد منه لربط مفاصل الموضوع بالبعد الخليجي في زمن تحدق فيه المخاطر بأولى القبلتين وثالث الحرمين الشريفين عبر عمليات تهويد ممنهجة كان آخرها فرض البوابات الالكترونية على مداخل المسجد الأقصى في تحد واضح ليس لمشاعر الفلسطينيين والعرب والمسلمين فحسب بل والقرارات الدولية التي تمنع الصهاينة من التدخل في إدارة الأماكن المقدسة الإسلامية بأية شكل، حتى كانت الانتفاضة القصيرة وتدخل خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز بالضغط على واشنطن التي أوقفت الغطرسة الصهيونية ولو لحين.

سيتواصل تأثير الخطيئة الأصلية وهي الاحتلال , في صنع القرارات الصهيونية لذا خرجت خطة صهيونية بمحاور عدة كالتقسيم الزماني والمكاني والعُمري للمسجد الأقصى ثم قطع الصلة الجغرافية للقدس بالمسجد نفسه ثم هدم المسجد الأقصى وبناء الهيكل على أنقاضه. وتقوم خطة تقسيم الأقصى على ثلاثة محاور؛ التقسيم المكاني والتقسيم الزماني والتقسيم العمري، والفكر المحرك لها رئيسة لجنة الداخلية في الكنيست ميري ريجب «Mary Rigab» والعضو في حزب الليكود الحاكم، فرغم أن المسجد الأقصى بكامل مساحته الـ 144 دونمًا، ما فوق الأرض وما تحتها، يعد حقًا خالصًا للمسلمين وحدهم دينيًا وتاريخيًا وفي وثائق الأمم المتحدة أيضًا؛ إلا أن مكر «ريجب» تسلل من باب آخر؛ فقد استطاعت الحصول على دعم كبير في الكنيست لتقسيم أوقات الصلاة في الأقصى ووجود اليهود في المسجد الإبراهيمي، دون وجود مسلمين في بعض الأوقات، وكذلك إيجاد مساحات من المسجد الإبراهيمي تخصص لليهود في أوقات معينة، كما يمنع في أوقات معينة دخول أي مسلم للمسجد الإبراهيمي، خاصة في مواسم الأعياد والاحتفالات اليهودية، كما يمنع رفع الأذان للصلاة في أوقات أو أيام معينة احترامًا لليهود الذين يقيمون شعائرهم حينها، مما يعني أن مقترح قانون «ريجب» يقضي بتقسيم المسجد الأقصى زمانيًا ومكانيًا[2].
ما قام به نتنياهو لم يكن إلا توسع في القانون الذي طرحته «ريجب»، التي نتوقع لها مستقبلاً باهرًا بين الصهاينة ما دامت شعبيتهم تقاس بدرجة إذلال العرب، لقد أمر نتنياهو بإغلاق المسجد الأقصى  بعد الانتفاضة الأخيرة ومقتل جنود صهاينة في المسجد الأقصى واستشهاد فلسطينيين ،مسجلاً أنه لأول مرة منذ 48 عامًا لا يُرفع الأذان بالأقصى [3]حتى يتفوق على «ميري ريجب» مستخدمًا قانونها ومتوسعًا فيه أكثر منها، حيث أن في القانون ما يقضي بمنع أي مظاهر للمنع أو التصدي لاقتحامات اليهود أو صلواتهم في المسجد الأقصى، وبمعاقبة كل من يحاول ذلك «ولو برفع الصوت» وبغرامة تصل 15 ألف دولار، تدفع للمتضرر اليهودي حين يمنع من اقتحام الأقصى. أما المحور الثاني فيتمثل بإقدام إسرائيل على عمليات حادة في تغيير معالم القدس بإضافة بنايات , وفصل القدس عن سائر المناطق العربية المحيطة بها وهدم أحياء لقطع الصلة الجغرافية والنفسية مع المحيط الفلسطيني المجاور؛ حالة تفريغ كاملة للفلسطينيين من المنطقة المحيطة بالأقصى وحالة تطهير وتهجير للفلسطينيين من المنطقة[4]. ثم يأتي المحور الثالث الذي وضعته منظمات وجمعيات يهودية لهدم المسجد الأقصى وبناء الهيكل على أنقاضه.عبر خلخلة أساسات المسجد ومن ثم انهياره وسقوطه تلقاء نفسه، وقد مرت مؤامرة الحفريات أسفل المسجد الأقصى بيسر حتى الآن رغم الضجيج العربي والدولي، فالعمل يجري بسرعة متواصلة ليلاً ونهار، لتدمير البنية التحتية للمسجد، حتى بات معلقًا بالهواء كنتيجة طبيعية لتلك الحفريات التي ما فتأت عن النخر بشتى الوسائل بجسد المسجد تمهيدًا لهدمة وبناء ما يعرف لديهم بالهيكل المزعوم.

-الدعم الخليجي للقضية الفلسطينية

في اجتماعات المؤتمر الوطني الفلسطيني الأول الذي عقد في القدس ،أعلن قيام منظمة التحرير الفلسطينية يوم 28 مايو 1964م، وشكل المجلس الوطني الفلسطيني الأول، و قام الرئيس المنتخب أحمد الشقيري بإجراء مشاورات لتشكيل اللجنة التنفيذية الأولى لمنظمة التحرير الفلسطينية، حيث عين الضابط بالجيش الكويتي اللواء وجيه المدني عضو اللجنة التنفيذية وقائد جيش التحرير الفلسطيني وتم افتتاح مدرسة لتدريب المتطوعين الفلسطينيين على الرماية وفك وتركيب السلاح و فنون القتال الأخرى[5].كما كان يعمل في وزارة الأشغال الكويتية ياسر عرفات ومجموعة من القادة الفلسطينيين. فقد آمن الفلسطيني بأن الكويت مكان مثالي للحياة وتربية الأطفال. واحتضنت الكويت العديد من القيادات الفلسطينية، ودعمت منظمة التحرير الفلسطينية ماليًا ومعنويًا، ووصل الأمر إلى حدّ مشاركة الشهيد الشيخ فهد أحمد الصباح، في القتال بجانب الفدائيين الفلسطينيين. فقد كانت الكويت بمثابة قاعدة خلفية مهمة لدعم الشعب الفلسطيني، وثورته المسلحة"[6]. ولم تكن الكويت الوحيدة في دعم الفلسطينيين والمسجد الأقصى. فقد كانت هناك المبادرة التي أطلقها الملك عبد الله بن عبد العزيز رحمه الله في عام 2002م، للسلام في الشرق الأوسط بين الصهاينة والفلسطينيين. وكان هدفها إنشاء دولة فلسطينية معترف بها دوليًا على حدود 1967م، وعودة اللاجئين والانسحاب من هضبة الجولان المحتلة، مقابل اعتراف وتطبيع العلاقات بين الدول العربية مع تل أبيب، وقد تم الإعلان عن مبادرة السلام العربية كما سميت لاحقًا في القمة العربية في بيروت. ونالت والمبادرة تأييدًا عربيًا. وقد كانت «مبادرة السلام العربية» 2002م، آخر جهد خليجي كبير تجاه فلسطين، فقد رضينا في الخليج طوعًا بنوع من الإقصاء فرضته علينا واشنطن بإيحاءات صهيونية، حيث لم يعد لفلسطين حضور قوي في واقعنا الخليجي السياسي بل والثقافي، مقارنة بعصر كانت فيه جزءًا من واقعنا الاجتماعي أيضًا حين كان يعيش بيننا آلاف الفلسطينيين قبل زلزال الغزو العراقي الغاشم للكويت 1990م. لقد غابت فلسطين عن الأجندة الخليجية رغم أن في ذلك غيبوبة تاريخية، وما القول بأن الجهد الخليجي في الربيع العربي هو خطوة نحو الإصلاح وإسقاط الطغاة وسيفضي بالنهاية لظروف مناسبة تقود لحل كل القضايا العربية وأهمها القضية الفلسطينية، إلا قول لا يختلف عن طرح  صدام بتحرير القدس عبر اجتياح الكويت، وهما تسويغان منفصلان في الشكل متفقان في المضمون. وليس تأسيسًا لشيء جديد لو قلنا إننا كنا قبل عشرين عامًا في مزاج أقل تسامحًا تجاه المساس بقضية فلسطين، أما الآن فننهل من أنقرة وطهران وحزب الله مفهوم الغيرة عليها، ونكاد ننساها حتى في ذكرى النكبة[7]! ورغم ذلك يرى البعض أن دول الخليج في سياستها الخارجية تجاه فلسطين تتصرف وكأنها ليست دول مواجهة من الزاوية الجيوسياسية للكيان الصهيوني، والحال انها كذلك، لإن على دول الخليج نظما وشعوبا مسؤولية مباشرة عما يجري في فليطين من تهويد زاحف. كما أن المال الخليجي كفيل بأن يمنع عملية تهويد أرض فلسطين والقدس لو تأسس صندوق دعم فلسطين لدعم صمود شعبها[8]. كما يرى آخرون أن وجود جاليات فلسطينية كبيرة في الخليج، كانت صورة التفاعل الشعبي مع قضية فلسطين ;أكثر من بقية الأقطار العربية، وكانت الصورة واضحة بخصوص القضية الفلسطينية، ثم خفت جراء غزو القوات العراقية للكويت، وتقسيم الأمة إثر هذا الحدث، وبسبب موقف ياسر عرفات ومنظمة التحرير وفصائل فلسطينية أخرى من حرب تحرير الكويت.

 دور دول الخليج في مرحلة تهديد الأقصى

لم تفتقد دول الخليج للرويّة والدراية في معالجة الأمور الخاصة بالأطماع الصهيونية في المسجد الأقصى، فمنذ أكثر من عقد؛ فقد اجتماع الوكلاء المسؤولين عن الآثار والمتاحف في دول مجلس التعاون في 8 مايو 2007م، واتخذوا قرار تكليف الكويت متابعة أعمال الهدم في محيط المسجد الأقصى، لكون الكويت عضوًا في لجنة التراث العالمي. لكن النزوع نحو جعل الصراع الخليجي مع إيران أولوية على ما عداه أدى لتحجيم الاهتمام بالقضية الفلسطينية ودفع بعض النخب، ووسائل الإعلام، لتمريرأفكار من نوع المقارنة بين إيران وإسرائيل، التي تنتهي لمصلحة شدة الخطر الإيراني وراهنيته، لتكون مقدمة لترويج التطبيع مع الصهاينة، أو على الأقل تبرير العجز عن مواجهة إسرائيل بأي وسيلة، عبر القول أن هناك معركةً أهم وأخطر لا بد من خوضها، ما يعني أن القضية الفلسطينية تخضع، هنا، إما لتجاهل تامٍ وإهمالٍ، أو لمحاولة تصفية عن طريق تقديم نزاعاتٍ أخرى بوصفها أولى بالاهتمام[9]. أما  إيران  من طرفها فتحاول إيجاد موقع  لها  في المنطقة، من خلال تبنيها لقضايا معينة على رأسها قضية فلسطين، لكن إيران تبدو مشلولة لانها تصورت أنه من السهل أن تملأ الفراغ في المنطقة العربية الرخوة، وأظهرت حجمًا من المطامع الجغرافية، والرغبة في التسيد مما أظهر مبررًا كبيرًا لتشكك العرب في نواياها ومشاريعها حتى ولوسمت نصف قواتها بفيلق القدس ولواء فلسطين وسرية غزة[10].

 فلسطين في زمن الأزمة الخليجية

 لا شك أن الأزمة الحالية التي تشهدها دول مجلس التعاون الخليجي تجعل الخليجيين بمنأى عن القضية الفلسطينية وتوابعها ومنها أزمة الأقصى المبارك.ومايجري بين الخليجيين له أضرار على مستويين أولهما إنكماش الدعم الخليجي لتفرق الفلسطينيين بين المعسكرات الخليجية، وثانيهما ظهور تهمة تطبيع يتقاذفها الجميع فيما بينهم. ومن المتوقّع أن تتحوّل الساحة الفلسطينية وخصوصًا قطاع غزّة إلى ساحة مواجهة بين قطر، ودولة الإمارات العربيّة المتّحدة، في ضوء تفاهمات حماس ومصر، التي تقتضي تنفيذ مشاريع في القطاع بتمويل إماراتيّ، في ظلّ تصاعد الأزمة الخليجيّة ضدّ قطر، وهذه المواجهة قد تصل إلى إجبار حماس على الاختيار بين أحد الطرفين. فالمغري لحماس هو تعزيز حكمها في القطاع، كما ستوفّر التفاهمات حلاًّ لأزمة الكهرباء وفتح معبر رفح، الأمر الذي يسمح بسفر الأفراد ودخول البضائع وخروجها إلى القطاع، وتحقيق الهدوء المجتمعيّ، من خلال تفعيل لجنة المصالحة المجتمعية، ودفع فدية قتلى الانقسام، الأمر الذي سيغلق أي محاولات قتل ثأرية من قبل تلك العائلات. حيث ستقوم أبوظبي بتمويل المشاريع المترتّبة على التفاهمات، والتي ستتجاوز 100 مليون دولار بمرحلتها الأولية، فهدفها لن يقتصر على تعزيز مكانة حلفائها في غزّة، بل ستسعى إلى التقليل من دور قطر في ظلّ الأزمة معها ودورها في دعم الإخوان المسلمين وعدائها للنظام المصريّ المدعوم إماراتيّاً [11]. ولا شك أن الاختيار صعب على حماس رغم هذه الإغراءات ربما بسبب السخاء القطري؛ فالدوحة تعد من أبرز الداعمين لحركة حماس، منذ حصار قطاع غزة، من خلال تمويل مشاريع اجتماعية وصحية واقتصادية بالقطاع، كان آخرها بداية عام 2017م، بسداد حوالي 12 مليون دولار لحل مشكلة الكهرباء في قطاع غزة، وبناء مشاريع سكنية ضخمة كمدينة حمد السكنية، ودفعها رواتب موظفي حركة حماس، وغيرها من التبرعات الإنسانية. ونتوقع استمرار قطر في دعمها لقطاع غزة، حيث سيجعلها ذات حضور في القطاع، مدعوم ذلك بقوة علاقاتها مع قادة حماس الذين تحتضن بعضهم الدوحة. أما حماس فلا تريد خسارة أحد، فهي ترغب في الاحتفاظ بالدعم القطريّ، إضافة إلى الدعم الإماراتيّ، لكنّ هذا لم يعد ممكنًا في ضوء الأزمة الخليجية، التي ستجبرها على الاختيار بين هذا الطرف أو ذاك. ورغم أن حماس تحرص على النأي بنفسها عن الأزمة الإقليمية، ولعبة المحاور العربية، حيث نفى المستشار السياسيّ السابق لرئيس الوزراء الأسبق إسماعيل هنيّة أحمد يوسف أن تكون مصر طلبت من "حماس" أن يكون ثمن التقارب معها قطع العلاقات مع قطر.وأن حماس لن تكون مع طرف عربيّ ضدّ آخر، إلا أن إجبار حماس على الاختيار بين الدورين القطريّ أو الإماراتيّ المصريّ يبدو أمرًا محتمًا[12].

مماحكات التطبیع غیر المعلن
  
منذ أن بدأت الأزمة الخليجية بين قطر من جهة، والسعودية والإمارات والبحرين ومصر من جهة أخرى، صارت مسارات الصراع تدور حول الحروب الإعلامية والإرهاب والعلاقة مع إيران والتطبيع مع العدو الصهيوني. حيث جرى تبادل الاتھام بين الأطراف في بناء علاقات سریة مع تل أبيب أو یعني تطبیع غیر معلن. لحساسية هذا المحور، فدول الخليج هي جزيرة العرب ومنبع الرسالة المحمدية وإليها ينظر كافة المسلمين. وقد تقود العالم الإسلامي كله إلى قبول فقدان القدس مرحليًا والصلح مع الصهاينة كموقف أمر واقع. لكن هناك رفض سياسي ونفسي خليجي واسع للتطبيع. وفي هذا الإطار، نشطت مبادرات شبابية خليجية، ضد أشكال التطبيع في دول الخليج مع الكيان الصهيوني، أو الخطاب الذي يتساهل مع التطبيع ويروج له، ويحاول استثمار الصراعات الإقليمية في تبديد أولوية الصراع مع الصهاينة، وهي مبادرات تستحق الإشادة والدعم، إذ أنها تحافظ على إبقاء فلسطين حيّة في الوجدان الشعبي، في زمن الفتنة والانقسامات. وعليه، فأزمة الخليج مع ما يرافقها من اصطفافات، واتهامات بالتطبيع وتراجع القضية الفلسطينية في أولويات الخليجيين تؤثر بالسلب على القضية الفلسطينية من كافة النواحي، فكافة الخلافات التي شهدتها المنطقة تخدم المشروع الصهيوني الذي يرمي لإزالة المسجد الأقصى ليحل مكانه الهيكلالمزعوم[13].

إن المخاطر المحدقة بأولى القبلتين وثالث الحرمين الشريفين في زمن الفوضى، يتطلب أن تكون  دول الخليج  كما كانت خير داعم للقضية الفلسطينية بصفة عامة، والمسجد الأقصى ومدينة القدس بصفة خاصة،، وهو دور يجب أن يتجدد فالمطلوب من دول الخليج في المرحلة الحالية أن تعي مدى خطورة تلويح الصهاينة بهدم الأقصى، وعلى الفلسطينيين أنفسهم إدراك أن  الأزمة الحالية التي تشهدها دول مجلس التعاون الخليجي جعلتها بمنأى عن القضية الفلسطينية وتوابعها ومنها أزمة الأقصى المبارك، هي خلافات عربية عربية كسابقاتها من قضايا الخلاف العربية السابقة . فقداستغلها نتينياهو وذهب إلى منع المسلمين من الصلاة في الأقصى، وكان يعلم أنه سيتراجع، فطبق قانونًا بديلاً وهو ألا يصلى فيه إلا من يزيد عمره عن الـ 50 عامًا من الرجال، وبعد جولة عنف قادمة سيرفع عمر المصلين إلى الـ 60 عامًا ثم إلى الـ 70، حتى يخلو من المصلين.وسيعيد هو أو من يحل محلة البوابات الالكترونية. ولن تنفع المرابطين والمرابطات بيانات الاستنكار، لكن بدعمهم بالمال خليجيًا ليستمر الرباط، ولو بقطرة زيت زيتون. ففي الحديث الشريف، أن ميمونة مولاة النبي صلى الله عليه وسلم قالت: يا نبي الله أفتنا في بيت المقدس؟ فقال: «أرض المنشر والمحشر، ائتوه فصلوا فيه، فإن صلاةً فيه كألف صلاة فيما سواه»، قالت: أرأيت من لم يطق أن يتحمل إليه أو يأتيه؟ قال: «فليهد إليه زيتًا، يسرج فيه، فإن من أهدى له، كان كمن صلى فيه». وإذا كانت الحروب والفقر تمنع البعض فذلك عذر غير مقبول من الخليجيين بل عليهم تسيير قوافل تعزيز لدعم المرابطين والمرابطات لحماية الأقصى، لإفشال تهويد الأقصى. والرد الفلسطيني عبر حماية الأقصى بالأجساد نجح لأنه يحتاج لدعم إسلامي. لكن من الإنصاف القول أن منظمات خليجية تقوم حالياً بكفالة المرابطين والمرابطات، براتب شهري قدره 600 دولار، لتأمين عيش أسرهم ليدافعوا عن الأقصى فهل يكفي ذلك؟! في عقد قادم من عصور الانحطاط سيكتب واعظ جديد أن رئيسة وزراء الكيان الصهيوني «ميري ريجب» قالت عندما وضعت قانون يقضي بمنع رفع الأذان في الأقصى ومعاقبة من يتصدى لاقتحامات اليهود للمسجد، ولو برفع الصوت «لم أنم ليلتها وأنا أتخيل العرب يدخلون علينا أفواجاً من كل صوب، وعندما طلع الصباح ولم يحدث شيء، أدركت صحة ما قالته غولدا مائير عام 1969م، أنه باستطاعتنا فعل ما نشاء فهذه أمة نائمة»
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
*المدير التنفيذي لمجموعة مراقبة الخليج    
 [1].رامي مهداوي.ذكريات الفلسطينيين عن الكويت.رصيف22.22يوليو2015م
http://raseef22.com/life/2015/07/20/palestinian-memories-about-kuweit
[2]. التقسيم الزماني والمكاني والعُمري لاحتلال المسجد الأقصى.مدونة أمن الخليج.5 نوفمبر، 2014
http://gulfsecurity.blogspot.com/2014/11/blog-post.html
[3]. نادر الصفدي.لأول مرة منذ 48 عاماً الأذان لا يُرفع بالمسجد الأقصى.16 يوليو2017م
https://www.noonpost.org/content/18891
[4]. سمر العرعير.ما يعنيه مخطط هدم المسجد الأقصى بعد ثلاث سنوات ؟.الرأي. 20 اغسطس 2016م
http://alray.ps/ar/post/153508/ما-يعنيه-مخطط-هدم-المسجد-الأقصى-بعد-ثلاث-سنوات-؟
[5]. خير الدين أبولجين. منظمة التحرير الفلسطينية تثبت وجودها.
http://www.abuljebain.com/about/
[6]. رامي مهداوي.ذكريات الفلسطينيين عن الكويت.رصيف22.22يوليو2015م
http://raseef22.com/life/2015/07/20/palestinian-memories-about-kuweit/
[7]. تراجع الدور الخليجي تجاه فلسطين.مدومة أمن الخليج ، 23 مايو، 2013
http://gulfsecurity.blogspot.com/2013/05/blog-post_23.html
[8]. مصطفى فؤاد.فلسطين ودول الخليج. الجزيرة نت 26اتوبر 2011م
http://www.aljazeera.net/knowledgegate/books/2011/10/26/فلسطين-ودول-الخليج
[9].بدر الإبراهيم.فلسطين في الخليج: الغياب والتغييب.2 مايو 2016
https://www.alaraby.co.uk/supplementpalestine/2016/5/1/فلسطين-في-الخليج-الغياب-والتغييب
[10].صالح عوض.لاشتباك التركي الإيراني المصري في الخليج وفلسطين.بوابة الشروق . 10 أوت 2017
 [11]. أحمد ملحم.هل يتحوّل قطاع غزّة إلى ساحة صراع بين الإمارات ومصر وقطر؟31 يوليو 2017
 http://www.al-monitor.com/pulse/ar/contents/articles/originals/2017/07/gaza-hamas-deals-egypt-dahlan-uae-qatar-crisis.html
[12]. مزهر الساعدي .قطر .. الخلیج .. فلسطین .. إسرائیل .. في جدید قم الریاض.الصدى نت . 21 يوليو2017
http://elsada.net/47403/ 1/1
 [13]. مزهر الساعدي .قطر .. الخلیج .. فلسطین .. إسرائیل ...الصدى نت . 21 يوليو2017

السبت، 7 أكتوبر، 2017

الحل اللبناني للأزمة الخليجية

د.ظافر محمد العجمي 
تبدو المنظومة المصطلحية لإعلام الأزمة الخليجية وهي تقود إلى توسيع شقة الخلاف إلى ما لا يحمد عقباه. فبعد ما يزيد على مائة يوم من الأزمة مازالت وسائل الإعلام على طرفيها تركز على شعارات ووقائع مجتزئة دون أن تسلط الضوء على كامل المشهد بنزاهة. بل بالمقاربة الانتقائية والاستدعاء الخاطئ لأمور لا تفضي إلى القناعة المحترمة، بل لقناعة واهية يساق فيها المتلقي مع غيره قسراً بشعارات واصطفافات حادة. ويمكن مقارنة ما يحدث من فوضى إعلامية في الأزمة الخليجية بنفس فوضى الإعلام اللبناني قبيل وبعد اتفاق الطائف بقليل، وهي مقارنة مثيرة رغم أنها ستكون بدرجة ما على أرضية لا تتطابق كل الانطباق بين الحدثين. فقد قوبل تعيين المرحوم رفيق الحريري رئيساً للوزراء باستبشار بالخير، بل إن الليرة اللبنانية ارتفعت بنسبة 15%.. وقد تعهد الحريري في وزارته الأولى 1992-1998 بإعادة لبنان إلى ازدهارها. لكن 15 عاماً من الشقاق والانتهازية والخطف والابتزاز ما كانت لتزول من هواء بيروت المثقل بالبارود جراء وصول الحريري للسرايا. حيث كان مانشيت لجريدة النهار كافياً أن يحرك البلد لأيام، وحلقة تلفزيونية كانت كافية لإعادة البراميل وأكياس الرمل لشوارع الأشرفية. لقد تركزت خطة الحريري التي عرفت باسم «هورايزون 2000 « على إعادة بناء لبنان اقتصادياً مع ترميم خطوط تفاهم الفرقاء السياسيين. لكن الإعلام اللبناني كان خارج الحسبة في البداية فقد نادى الرجل بالحرية الإعلامية بالمبدأ على أساس أن وسيلة الإعلام يجب أن تكون حرة في نشر ما تعتقد أنه صحيح. وربما لعلمه أن المؤسسات الإعلامية اللبنانية التي كانت تعتمد على المال السياسي العربي أو الإيراني أو السوري أو الإقليمي لا يمكن كبح جماحها رغم هفواتها الكبيرة التي تصل إلى حد تغيير المواقف 180 درجة. فقد تدنت لغة الحوار في المقالات وفي القنوات التلفزيونية التي كانت تبث محلياً وإقليمياً، وبعضها كان يحمل نفساً ميليشياوياً لا يمكن تجاوزه، مما تطلب ترويض تلك الفوضى.

* بالعجمي الفصيح:

لقد لاحظ المراقب الخليجي أن قنواتنا التلفزيونية الحكومية على طرفي الأزمة أكثر اتزاناً بدرجة ما من القنوات الخاصة المسلحة بالسرعة والإبهار. ولخلق فسحة للقنوات الحكومية لتنتزع شرعية التعبير مدعومة بمظلة المساءلة Accountability، ولتنقية الأجواء الخليجية، نعتقد بجدوى الحل اللبناني للأزمة الخليجية، فقد لجأ المرحوم رفيق الحريري نهاية 1997 لإصدار قرار بوقف الأخبار والبرامج السياسية، في محطات التلفزيون الخاصة، فوضع الغضب أوزاره وتراجع زخم مفجرات الصراع اللامسؤولة.

* المدير التنفيذي لمجموعة مراقبة الخليج

حتى لا تقدم كردستان أوراق اعتمادها عبر الشيطان

د.ظافر محمد العجمي 
في عام 1933، عمم الملك فيصل الأول للمحيطين به «...الموقف خطـيـر، باعتقادي لا يوجد في العراق شعب عراقي بعد، بل توجد كتل بشرية، خالية من أية فكرة وطنية، متشبعة بتقاليد وأباطيل دينية لا تجمع بينهم جامعة، سماعون للسوء ميالون للفوضى مستعدون دائماً للانتقاض على أية حكومة كانت، فنحن نرى، والحالة هذه، أن نشكل من هذه الكتل شعبــاً نهذبه، وندربه، ونعلمه، ومن يعلم صعوبة تشكيل وتكوين شعب في مثل هذه الظروف، يجب أن يعلم عظيم الجهود لإتمام التكوين. هذا هو الشعب الذي أخذت مهمة تكوينه على عاتقي، وهذا نظري فيه... «، والكرد إحدى تلك الكتل البشرية المستعدة للانتقاض على أية حكومة كانت، كما وثق «عبد الخالق حسين - الخراب البشري في العراق» أعلاه. ويعود امتداد الزمن العسكري والسياسي للقضية الكردية لأمرين، هما فشل العسكرية العراقية منذ قاسم تحقيق حسم عسكري ناجز ونظيف، وليس بإبادة قرى بالأسلحة الكيماوية. وثانيهما، عدم الكفاءة السياسية ببغداد حيث تناقضات مواقف المالكي والعبادي، كإقرار البرلمان بمداولة لا تزيد عن ساعتين شرعية قوات الحشد الشعبي كهيكل تحت مظلة الحكومة لمحاربة «داعش»، بينما يرفض نفس الطلب لهيكل البشمركة العسكري طوال عشر سنوات، رغم أنهم قاتلوا «داعش» وحققوا انتصارات أكثر من الحشد الشعبي.

إن المقلق الأهم في قضية الاستفتاء الانفصالي، أنه رغم رفض دول الجوار في تركيا، وإيران، وسوريا، والعراق، لفكرة الانفصال، جاء الإعلان الرسمي الذي استبق به رئيس الوزراء الصهيوني نتنياهو نتائج الاستفتاء المزمع إجراؤه في كردستان ليعلن تأييده لاستقلال الإقليم. ولم يأت تصرف نتنياهو بدون مرجعية للقيم الصهيونية، فدعم تل أبيب للأكراد في سعيهم لإنشاء دولتهم المستقلة يعطي المشروعية لوجود دول غير عربية وغير إسلامية في الجوار الإقليمي للصهاينة، ويحقق فكرة تعويم العروبة والإسلام بتكوين الشرق الأوسط الجديد. أما المثير الآخر، فهو أن الصهاينة يسيرون على حبل مشدود، فهم من جانب يثنون على الدولة العثمانية التي احتضنت بحنان مرة، وبعنف أبوي مرات عدة، شعوب وقوميات غير متجانسة عرقياً أو دينياً أومذهبياً، في نفس المكان الحالي الذي تحاول الصهيونية تسويق إمكانية العيش فيه بسلام كما في أيام السلاطين، في حين ظهرت الانتهازية في أبلغ صورها حين قامت تل أبيب بوصف حزب العمال الكردستاني العسكري منظمة إرهابية إرضاءً للأتراك الجدد. ومن باب انصر أخاك ظالماً أو مظلوماً، نهمس في آذان بغداد: أعطوا الأكراد حقهم من النفط والمياه والفرص، ليبقوا جزءاً العراق العظيم. فتأييد نتنياهو سبب حرج لهم لانتهازيته الفجة.

بالعجمي الفصيح:

ستدفع المصالح السياسية جيلاً قادماً من الكرد لم تروضه آلة القمع العراقية لعقود، و لم ير إلا الكالح من وجوه العروبة، إلى انتهاج مسار غير قابل للارتداد، نحو الانفصال، حتى ولو قدم أوراق اعتماده عبر الشيطان نفسه.

* المدير التنفيذي لمجموعة مراقبة الخليج

لا تسقطوا غصن الزيتون من يده

د. ظافر محمد العجمي
قال طه حسين عن قصائده «لو كتب أشعاره بالفصحى لنسي الناس المتنبي»، ذلك هو شاعر شريف مكة «بديوي الوقداني» المتوفى سنة 1853م، فقد مرّ الوقداني، بسوق الحميدية بمكة فإذا به يستمع لبائع خرز أصوله هندية يلحن قصيدته التي مطلعها «أيامنا والليالي كم نعاتبها» فاستشاط الوقداني غضباً ودخل في شجار مع البائع، ثم قام بالعبث ببضاعته وسواها بالأرض، متناثرة في السوق. اشتكى البائع للشريف فأمر بإحضار الوقداني، فلما مثل بين يديه سأله الشريف: كيف يضرب البائع ويبعثر بضاعته غير مراعٍ لحرمة بيت الله؟! فقال بديوي: يا مولانا لقد بعثر بضاعتي وبعثرت بضاعته. قال الشريف: وما دخل بضاعة الهندي ببضاعتك! قال: الوقداني دعه ينشد قصيدتي يا مولاي، فلمّا سمع الشريف البائع ينشد القصيدة تجهم وجهه، وقال له: إن ما فعله بديوي أقل مما تستحق. لا شك في أن دفاع الوقداني عن بضاعته المعنوية في شرقنا أمر سابق عصره. لكن الدفاع عن البضاعة المعنوية في الغرب يساوي نفس حق الدفاع عن البضاعة المادية، لذا عبرت المستشارة الألمانية أنغيلا ميركل عن نفس الفكرة القائلة إن السياسة ليست مهنة لأحد غير رجال السياسة، وما الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي إلا أداة توصيل. وكأنها تذكر صانع القرار السياسي الخليجي أن «الحلول التفاوضية لا يمكن الوصول إليها في السوق». وتابعت «المفاوضات السرية هي السبيل لحل الأزمة». وحين تنظر إلى جهود الشيخ صباح الأحمد السياسية لحل الأزمة الراهنة يتلبسك انطباع أن لهذا الرجل ثأراً يطالب به ضد كل من يحاول هدم صرح الوحدة الخليجية، ومن يجادلنا في ذلك عليه أن يتذكر أن رجلاً مثله في التسعينات من عمره كان يقوم بزيارة ثلاث عواصم في يوم واحد، ونضيف أنه قام بها في رمضان. والشيخ صباح سيد دبلوماسية الوساطة، التي قضى فيها 40 عاماً، وسياسة المساعي الحميدة بضاعته. حتى يخال للمراقب الخليجي أن من حق الشيخ مقاضاة بعض أصحاب «تويتر» بتغريداتهم المثيرة للفتنة عبر استحواذهم بتحليلات سياسية فارغه لا تعرف الإثبات إلا من خلال النفي، حيث يحتفي بها متابعو الواقعية اللحظية، بلا تفسير كامل.

* بالعجمي الفصيح:

عبرت المستشارة ميركل عن انزعاجها من نبرة الإعلام الخليجي حين قالت «لا أعتقد أننا يمكن أن نحل هذه الأزمة بمفاوضات علنية في ظل ميل قطاع كبير من الناس لإصدار تقييمات للأزمة». ففي ذلك تذكير بحق السياسي في الدفاع عن بضاعته بأضعف الإيمان عبر إحاطتها بالسرية، والشيخ صباح بحاجة إلى أن يدعمه المخلصون من أبناء الخليج بعدم الاحتفاء بالهمهمات المريبة التي تحاول إسقاط غصن الزيتون من يده.

* المدير التنفيذي لمجموعة مراقبة الخليج

الاثنين، 18 سبتمبر، 2017

ثقافة مجالسة الخصوم


لا يقوم الشيخ صباح الأحمد الجابر في الأزمة الخليجية الراهنة بتأسيس ثقافة مجالسة الخصوم فحسب، بل يقوم بدور الوسيط الفاعل كما ورد في أدبيات العلاقات الدولية، كاتفاقية لاهاي 1907 المتعلقة بتسوية المنازعات، بنصها على وجوب لجوء أطراف النزاع للمساعي الحميدة، وعلى أن عرض طرف ثالث لمساعيه الحميدة، أو وساطته، لا يعتبر عملاً غير ودّي. وفي تقديرنا المتفائل -والمفرط عند البعض- لن تتجاوز الأزمة الخليجية القاموس الموظف لحروب التلاسن، والمساعي الحميدة كفيلة بحلها.

فالمساعي الحميدة بين عواصم الخصومة -وقريباً عواصم العتب، إن شاء الله- يقوم بها أقوى لاعب في مداها الجغرافي، فهي لمساعدة طرفي النزاع على تسويته، والقيام بها لم يُعلَّق على موافقة طرفي النزاع، بل كانت الموافقة سابقةً للنزاع. والمساعي الحميدة الكويتية هي لمساعدة طرفي النزاع على حل نزاعهما بينهما. وتدخّل الكويت لا يهدف إلى إصدار قرار يفصل في النزاع القائم وإنما إلى تشجيع الطرفين الخليجيين على الفصل فيه. فهي خطوة لتلطيف الأجواء، وتخفيف حدة التوتر، أو إيقاف المواجهة، تمهيداً لدخولهما في مفاوضات مباشرة، قد تسبقها مفاوضات غير مباشرة تمّت حتى الآن في الخليج عبر رسائل، نعلم بعضها، ولا نعلم ببعضها الآخر. ودبلوماسية الأدب الجم الخليجية التي يمارسها الشيخ صباح، لها فضيلة عدم الإلزام، بل إن الإلزام الضمني هو صدق نوايا من يتولاها، وكيفية أدائه لمهمته، وثقة الأطراف الخليجية فيه، لعدله وحياده، وخلو عمله من تحقيق أي مصالح خاصة، أو استغلال ذلك للتدخل في شؤون طرفي الأزمة. فوظيفة الجهة التي تتولى المساعي الحميدة، كما هو معروف، تنحصر في حث الطرفين المتنازعين على التفاوض، وهي عند الشيخ صباح تتطلب نشر ثقافة مجالسة الخصوم في بيئة فيها نهايات الأمور، تعني للأسف كسر الخصم؛ لا تحقيق أهداف محددة.

ولطي خريطة الخليج المتوحشة التي رسمتها حروب الإعلام والتسريبات، ستتحول مهمة الشيخ صباح قريباً -كما نعتقد- من مرحلة دور صاحب المساعي الحميدة إلى لعب دور الوسيط المشارك في المفاوضات، يدلي برأيه، ويقدم الاقتراحات. ولعل مبرر مرور ثلاثة أشهر على المساعي الحميدة دون اختراق، يرجع إلى أن الانتقال من المساعي الحميدة إلى الوساطة عادة يتم بتمهل دون لفت الانتباه.

* بالعجمي الفصيح:

بعيداً عن التبسيط الفض، الذي يعتقد به البعض، تتطلب مرحلة الجهود الكويتية لحل الأزمة الخليجية، التريّث، مروراً بمرحلة المساعي الحميدة، التي في تقديرنا لم تستنفذ أغراضها بعد، حتى لا تدخل الأزمة مرحلة المؤتمرات الدولية ثم مرحلة المنظمات الدولية. ففي غياب نظام قوي وفعّال للتسوية السلمية للمنازعات، يعتبر الذهاب بحثاً عن عدالة القانون الدولي هو بحث عن الأزمة الممتدة.

* المدير التنفيذي لمجموعة مراقبة الخليج

صدى صاروخ كوريا الشمالية في الخليج

د. ظافر محمد العجمي
في 23 مارس 1983 أعلن الرئيس ريغان في خطاب مبادرة الدفاع الاستراتيجي «حرب النجوم»، لاستخدام النظم الفضائية لحماية أمريكا من هجوم بالصواريخ الباليستية النووية السوفيتية، فانهار الاتحاد السوفيتي لعدم قدرته على مجاراة النظام المزمع إنشاؤه، رغم أن المشروع لم يكن قد تم، وقبل أسبوعين واصل ترامب تغريده «بغضب» ضد بيونغ يانغ على موقع «تويتر»، فأطلقت كوريا الشمالية صاروخاً باليستيا فوق اليابان، رداً على حزم ترامب اللفظي. وإذا كانت النزعة الفوضوية في الدوائر السياسية في واشنطن قد طغت، فالأمر لم يكن كذلك لدى المراقبين العسكريين ومراكز الأبحاث الاستراتيجية، حيث يتفقون على أن الصاروخ الكوري قد تحدى ترامب وكسر حاجز الردع الأمريكي، وفشل واشنطن سيكون له كلفة باهظة سياسياً ودبلوماسياً حيث لم يتعدَّ دفاعها عن اليابان -التي مر الصاروخ فوقها- بث رسالة من القمر الصناعي الأمريكي لليابانيين بالاحتماء في الملاجئ. فلماذا لم تعترض وتسقط واشنطن الصاروخ! لم تُجب قيادة القوات الأمريكية بوضوح واكتفت ببيان مقتضب كبيانات وسائل الإعلام العسكرية العربية وفيه «قررنا أن الصاروخ المنطلق من كوريا الشمالية لم يشكل تهديداً «لأراضي» أمريكا الشمالية». مما دفع ببعض المراقبين إلى التشكيك في الجاهزية العسكرية الأمريكية، مستشهدين بقول رئيس الأركان الإمريكي في 22 يونيو 2017 «..لم نصل لمرحلة التيقن من القدرة على اعتراض الصواريخ». بل إن البنتاغون صرح بالقلق من حجم الكلفة الباهظة لبرنامج الدفاع الصاروخي الأمريكي البالغة 40 مليار دولار دون نتائج مُرضية. وجدوى نظم الدفاع الصاروخي الأمريكي الذي كان مصدر التهديد فيه إيران في عصر بوش وأوباما. كما أن من مسببات القلق قصور الرصد الأمريكي عن معرفة إن كان الصاروخ الكوري متوسط المدى IRBM، أو بعيد المدى عابر للقارات ICBM!! والأهم، كشف الحدث مواطن ضعف عقيدة سلاح البحرية الأمريكية ومهامها خارج أمريكا. أما المراقب الخليجي فأزعجه تدني منسوب القلق لدى صانع القرار السياسي الخليجي حيال الصاروخ الكوري الشمالي، وتفشي مناخ تحدي أمريكا وكسر حاجز الردع. فإيران بعد الاتفاق النووي غير إيران قبله، حيث علّق القيادي في الحرس الثوري مجتبى ذو النور: إن شرط طهران للقبول بالاتفاق النووي كان إغلاق ملفها العسكري ورفض المطالب الأمريكية بتفتيش مواقع صواريخها البالستية.

* بالعجمي الفصيح:

الغاية من هذه القصدية العالية في إطلاق الصاروخ الكوري الشمالي ليس إثارة إعجاب الشعب هناك بزعيمه الذي يتحدى العالم، بل لأن بيونغ يانغ تخاف من واشنطن ولا سبيل للحفاظ على نظامها السياسي، إلا بالاعتراف بكوريا الشمالية كقوة نووية. ومثلها طهران.

* المدير التنفيذي لمجموعة مراقبة الخليج

الأربعاء، 30 أغسطس، 2017

مقالات بطعم السياسة ونكهة العسكرية


      
       
د.ظافر محمد العجمي 


استهوتني منذ 30عاما فكرة جميلة أسمها مجلس التعاون لدول الخليج العربية. فراهنت عليها،و كتبت فيها أطروحة الدكتوراه في 700 صفحة، و في 10 سنوات كتبت 700 مقال في جريدة الان الالكترونية أول صحيفة الكترونية خليجية، و نشرت مقالاتي ودراساتي عن الخليج في الرأي الكويتية.والقبس والوطن،ومجلة الكويت. وفي مواقع أحول العرب، ودسمان، والدروازة. وكل الوطن الالكترونية، وسوفت نيوز. والحصيلة . ونشرت مقالاتي في ايلاف الالكترونية والنهاراللبنانية. بالإضافة الى صحيفة عكاظ.ومجلة آراء حول الخليج ، وموقع مركز الخليج العربي للدراسات الإيرانية ،ونشرت في The Peninsula Newspaper  بل وصحيفة Sudan Vision Daily لآكثر من عام. ولازلت في العرب القطرية والوطن البحرينية....و مدونة أمن الخليج العربي http://gulfsecurity.blogspot.com  التي احتفل اليوم بمرور 10 سنوات  من عمرها.والتي لايثلج صدري شي بحجم عدد زوارها البالغ منذ 23 أغسطس 2007م القريب من مائة ألف زائر إلا عدد الكتب واطاريح الدكتوراه ورسائل الماجستير التي استخدمتها كمرجع كما ورد في أدوات البحث.



تداعيات الأزمة الخليجية على حرب اليمن




  د.ظافر محمد العجمي

   المفاجأة الإستراتيجية " عملية عاصفة الحزم"



           لم يكن جزءاً من أجندتها أو استراتيجيتها، ولا ضمن خُططها المعدة سلفاً، ان تقوم دول الخليج بالتدخل العسكري في اليمن .كما ان المسارات الخليجية المحتملة للتعامل مع حرب اليمن في ظل الازمة الخليجية لم تكن محسوبة أيضا .أزمة صحيح ان دول مجلس التعاون كانت ولا تزال لاعباً قوياً في المنطقة، ورقماً مهماً يصعُب تجاوزه،،إلا ان التدخل كان "مفاجاة استراتيجية" بمعايير عدة بعد سيطرة الحوثيين على العاصمة اليمنية صنعاء ،مما أوجد خللا في التوازن الاستراتيجي الاقليمي لم يكن بالامكان تعديله إلا ان تقوم المغيرات الخليجية في فجر 26 مارس 2015م بدك مواقع  مغتصبي السلطة فى اليمن، إيذانًا بانطلاق "عملية عاصفة الحزم" لإعادة الشرعية فى اليمن بناء على ً ثلاثة دوافع: عودة هادي رئيساً لليمن، سحق حركة انصار الله، والحد من النفوذ الإيراني في البلاد، لكون الحوثة جسر امتداد للوجود الإيراني في اليمن ، حيث  حول محور الهلال الشيعي  دمشق وبيروت وبغداد  إلى طوق حول دول الخليج [1]. و  يبدو المشهد اليمني معقد بما فيه الكفاية لجعل قراءة  مستقبل الحرب أمرا صعبا ،لكن مما لاشك فيه ان لهذا الصراع تأثير على التوازن العسكري في منطقة الخليج، مع خطر ان  تتسع دائرة العنف والصراع في المنطقة خارج اليمن أو انطلاقا منها.كما ان مما لاشك فيه ان الازمة الخليجية ستترك اثرها على الوضع العسكري الخليجي الجماعي ، وعلى المشهد في اليمن .

 تأثر التحالف العربي بالمتغيرات الخليجية



فرضت الأزمة الخليجية بين دولة قطر وأشقاء لها في مجلس التعاون ضرورة اعادة النظر بالبيئة الامنية في شموليتها وليس في الحرب في اليمن . ولا نتوقع حدوث  صدام  عسكري في الازمة الخليجية،مع ان البعض ربط تغير ذلك بحدوث متغيرات على الأرض و توقف الحرب في اليمن،إلا ان ذلك لا ينفي ان حرب اليمن قد فرضت تقييد  خيار الحرب والأعمال العسكرية [2] . وقد أدخلتنا دينامية التصعيد  بين الأشقاء الخليجيين إلى طرح فرضيات عدة في شكل التأثير وأطرافه في حرب اليمن و التي تنحصر في دولة قطر التي تملك  قدرة دبلوماسية هائلة على جمع النقائض وكل من جماعة الإخوان المسلمين ، والحوثة، وإيران كالتالي :

- جماعة الإخوان المسلمين (حزب الإصلاح)



روج صالح والحوثة أن الحملة العسكرية الخليجية تستهدف الإخوان في المقام الثاني وتفتيت اليمن أولًا.وقد تسبب ما يجري في الخليج من أزمة بين قطر من جهة والمملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة والبحرين بردود أفعال تتفق الى ان ما يجري سوف يزيد من سخونة الحرب باليمن وتعقيد مساراتها وبالأخص تأثيرها على جماعة الإخوان (حزب الإصلاح) الذي يتعرض لهجوم إقليمي شرس بقيادة الإمارات الموجودة بقوة في اليمن وتدعمهم قطر بشكل كبير [3].  ويذهب كاتب صحفي ومحلل سياسي يمني [4]الى ان من تأثيرات الازمة الخليجية وخروج قطر من التحالف يعني هذا القرار بطبعه يؤثر على قوات التحالف العربي المشاركة في قتال الحوثيين وقوات الرئيس اليمني السابق، لا سيما وأن أغلب القيادات العسكرية التي تقاتل في صف التحالف سواء في الجنوب أو الشمال أو الوسط هي من حزب الإصلاح التي قطعت دول الخليج العلاقات مع قطر بسببهم. ويضيف ان غالبية المقاتلين في اليمن والقيادات العسكرية، حتى نائب الرئيس اليمني علي محسن الأحمر هم أعضاء فاعلين في  جماعة الإخوان المسلمين، والقرار قد يعيد لديهم التفكير في التحالف، وتعيد ماتروج له القوات الصالحوثية من تحذيرات إن الحرب تستهدفهم، وهي بمثابة "الحفار" للوصول إلى جذورهم لاستئصالهم، رغم  مدهم جبهات القتال بآلاف من الشباب للقتال مع التحالف العربي . فالإشكاليّة الأكبر هي التمويل القطريّ  والدعم الاخواني للدوحة دون ان ننسى  أنّ الإخوان في  ساحات قتال اليمن  قوّة عسكريّة مهمّة و حضورهم الجغرافيّ في كلّ القطاعات.



المفارقة الحوثية



  كانت مفارقة في موقف الحوثيّين حين اعلنت وسائل اعلامهم التعاطف مع دولة قطر،جراء الازمة الخليجية ، وفي ذلك يلتقون مع الاخوان المسلمين ( حزب الإصلاح) في المواقف السياسيّة رغم قتلهم لبعض في ساحات القتال. والخطورة هنا ان الحوثة والاصلاح رغم تقربهم من قطر يتفقون ايضا في العداء للامارات ربما بوتيرة اشد من عدائهم للخليجيين الاخرين . ولتزايد حاجة الدوحة لجوارها الاقليمي على ضفة الخليج الاخرى بعد إغلاق حدودها البرّيّة. فقد يعتقد الحوثة ان ايران ستكون جسر لكسب ود قطر . لكن ذلك في تقدير المراقب الخليجي  مستبعد لاسباب ان قطر لم تعد موجودة على ارض القتال في اليمن كما انها لن تفرط في دم اشقاءها الخليجيين جراء ازمة خليجية عابرة فتجافيها من الخليج مؤقت اما الالتفاف الايراني في جنوب الجزيرة العربية  عبر الحوثة فأشد خطرا.



- الكسب الايراني من طول امد الازمة الخليجية



 استفادت طهران من هذه الدعاية المجانية للترويج لقدراتها الاستخباراتية، ولكونها حامى الشيعة، ولقدرتها للتغلغل في عمق العواصم العربية.وليس الخليجية ربما لأخذنا جرعة مضادة خلال الثورة الخمينية ثم  الحرب العراقية الايرانية .وقد اتت طهران الفرصة الان على طبق من ذهب ، حيث أن هناك توقعات ان تقوم إيران بدعم الموقف القطري رغبةً منها بأن يطول امد الخلاف داخل الجبهة الخليجية ما سيمكنها من التوسع بشكلٍ أكبر داخل المنطقة وليس فقط عبر الحوثة في اليمن، بالإضافة إلى انها ستكون قريبة من صنع القرار الخليجي وستضع قدماً لها داخل المجلس [5].لذا زادت طهران من وتيرة انخراطها في الازمة اليمنية،ربما لتكمل ما بدأت حين  توقيع اتفاق بين الحوثيين وطهران لتوسيع وتطوير ثانى أكبر موانئ اليمن الحديدة ، وفتح جسر جوى مع إيران لتسيير 14 رحلة أسبوعية، لعودة التمدد الإيرانى .ولتأكيد ذلك أعلن رئيس الأركان العامة للقوات المسلحة الإيرانية، اللواء محمد باقري، أن طهران قد تكون مهتمة بإنشاء قواعد بحرية في سوريا واليمن. وأضاف: امتلاك قواعد بحرية في مناطق بعيدة لا يقل أهمية عن الطاقة النووية، بل هو أكثر أهمية عشر مرات، ويخلق قوة ردع". وأوضح رئيس الأركان العامة أن إنشاء منصات بحرية قبالة شواطئ هذين البلدين يتطلب أولا تدشين بنية تحتية هناك[6].



   الازمة الخليجية تدخل اليمن في حال المراوحة  



  اصبحت القضية اليمنية على وشك الركود، والدخول فى دائرة الحرب المنسية فى ظل التوترات الإقليمية مع الدوحة، والمسارات الخليجية السلبية المحتملة للتعامل مع الأزمة وهو ما ينذر بطول أمدها، ويزيد من تكلفة الإعمار، و تفاقم الأوضاع الإنسانية والاقتصادية باليمن، وحين غابت القضية اليمنية في ثنايا الازمة الخليجية فقفز من يريد أحياءها بإدعاء وجود ترتيبات لتسوية سياسية في اليمن،بل ودلل على ذلك بمؤشرات واهنة كنقل مكتب المبعوث الأممي، اسماعيل ولد الشيخ، من نيويورك إلى العاصمة الاردنية،والسعي العقد جلسة للبرلمان اليمني في عدن أو المكلا [7].لكن الواقع يقول ان هذه الادعاءآت ماهي إلا لسد فراغ حالة المراوحة التي ير بها  الملف اليمني وليس إنهاءها . فاليمن على هذه الحالة يمر بحالة مراوحة بين التسخين اللفظي والجمود العملياتي،في زمن الازمة الخليجية وستخلق  تحالفات داخلية جديدة في اليمن، وثغرة لتدخل أقليمي و دولي ،فالجميع له اجنداته المستقبلية في  زمن الفوضى. فحالة المراوحة ليست في صالح الشرعية اليمينيةولا في صالح التحالف العربي كالتالي :



- في زمن المراوحة اصبح العدو الحوثي قادر على فهم وتيرة الشد والجذب من قوات التحالف،ومدرك للنسق الذي يحكم تحركات قوات الشرعية ، مما يعطي الحوثة فرصة لفرض واقع جديد على الأرض يرسخ الانقلاب ويمكنهم من فرض مشروعهم بالقوة، من باب ان كل ضغط من قبل التحالف مقدور عليه ،لتكراره  بدون حسم بنفس الوتيرة في زمن المراوحة.



-تستنزف حالة المراوحة صبر وموارد الشعب اليمني فلا يعود مؤمن بجدوى "عملية اعادة الامل" التي فقدت زخم وقوة "عملية عاصفة الحزم " واصبح يحول بينه وبين  نهاية الازمة  كثبان من خيبة الامل يصعب اجتياز مكوناتها جراء انتشار الكوليرا وانتشار الفقر الشديد المطل على وديان المجاعة الموحشة.



  تلاشت المعركة؛إلا من صوت نيران متفرقة زخمها الاعلامي أكثر من الامتار التي تقرب الشرعية من صنعاء ،فقدعمدت القوات إلى المراوحة في مكانها ؛ولولا طبيعة اليمن الجبلية لدفنت القوات نفسها في خنادق الحرب العالمية الاولى .فأين ذهبت المعارك الهجومية والخاطفة،وكيف اصبحت  خطوط القتال جامدة. رغم تقنيات المناورة ، والتفوق الجوي ،و ثورة تقنيات الأسلحة والتفوق في إدارة المعركة!



النزاع في اليمن ثوري،طائفي،إنفصالي؛ ففي التحليل الاخير هو نزاع  بين قوى طائفية تتسم بروح (الثورة ) كما يسميها الحوثيون وبين قوى تكفيرية يمثلها فرع القاعدة في اليمن والذي يستمد العون من حزب الاصلاح ناهيك عن روح انفصالية يمثلها الحراك الجنوبي [8].  والأهداف  المعلنة  للتحالف العربي  تتمثل في إعادة التوازن بين القوى اليمنية المتنازعة. والتي تميل لصالح الشرعية ،حيث تواجه القوات الصالحوثية صعوبات كبيرة في التجنيد لمواجهة حالة الاستنزاف التي تعرّضت لها  مع عزوف القبائل وهي خزانها البشري عن إرسال أبنائها لحرب بلا نهاية لذا انتهجوا حرب الاستنزاف ل فرض الركود على ميدان المعركة. فأين زخم وقوة "عملية عاصفة الحزم "  في زمن "عملية إعادة الامل" الحالي ‘و هل نحتاج الى "عملية الخروج  من المراوحة" ؟



الحسم الخليجي لتجاوز حالة الركود .



تستطيع ببساطة شديدة، أن تُحدد الوقت واللحظة، التي تبدأ فيها إطلاق أول شرارة للحرب صوب عدوك،لكنك لا تستطيع تحديد وقت نهايتها.و الطبيعة الجبلية لليمن تجعل من الصعب دخول أى جيش نظامى، ومع انتشار الخبايا والكهوف تصبح مهمة قوات التحالف شبه مستحيلة.

وفي الوقن نفسة لا تريد قوات التحالف العربي النزول لدرك  ميليشيات الحوثي والمخلوع فالتحالف العربي ، يتجنب تماماً استهداف المدنيين على حساب التعجيل في حسم المعركة، وإعادة إحكام سيطرة الشرعية على كامل الأراضي اليمنية، حيث يستخدم الانقلابيون المدنيين، والأطفال والنساء خصوصاً، دروعاً بشرية لصد أي هجمات جوية أو برية في العاصمة صنعاء وما جاورها[9] . ولايوجد ضعف بنيَوي لدى قوات التحالف العربي بالاضافة الى الإمكانات الموضوعة بتصرُّفِها والتي هيَ من بين الأغنى في العالم. لكن الاشكالية هي  حجم القوّات  البرية المطلوبة  لتحقيق هجوم بري ناجح .فعند الهجوم لا يمكن أن  تحقق النصر  إلّا إذا كانت   نسبةِ  قوّات المهاجمين  ثلاثة على الأقلِّ مقابِلَ كلِّ واحد  و هذه النسبة لن يتمّ بلوغُها . كما ان مع الرئيس السابق عبد الله صالح والحرس الجمهوري كبيرة العدد، وهي وحدةٌ نخبويّة في الجيش اليمنيِّ بقِيَت على ولائها له.



الحسم ضرورة وليس خيار



في الاونة الاخيرة اصبحت وكالات الانباء الدولية تتحدث عن حرب اليمن وكأنها تقرأ خطابات منسوخة من منشورات منظمات حقوق الانسان أو منظمة الصحة العالمية .ففي الغرب مزاج  ظالم يميل الى تصوير التحالف العربي كما لو كان جيش الولايات المتحدة في حرب فيتنام مصورين المقاتل الخليجي وهو يقصف اليمن بلا هوادة، باستخدام الأسلحة المنتجة في الولايات المتحدة الأمريكية والمملكة المتحدة .حيث يدل  تقدم الاسلحة  ودقة اصابتها  على عدم الكفاءة او أنها ضربات مقصودة لحصد عدد كبير من القتلى المدنيين في اليمن في استخفاف بأرواح المدنيين ،بل وظهر كان التحالف  عديم الرحمة في قصفه للمجتمعات المدنية إلى حد استخدام الأسلحة العنقودية المحرمة دوليا. كما اصبحت المجاعة في اليمن خميرة للغضب في الغرب بعد نفاذ المخزون الغذائي عن اكثر من تجمع بشري،دون ان يعي المتابع للاخبار ان  خط المساعدات الحيوي الذي يمر عبر ميناء الحديدة وموانئ أخرى بات يُقطَع ويفتح من قبل الحوثيين بناء على حاجتهم اللوجستية.  ووفق الأرقام التي نشرتها منظمة الأمم المتحدة ومنظمات دولية اخرى فإن اليمن قد دخل رسميا في محنة الجوع ودوامة المجاعات، وأشارت التقديرات الأممية إلى أن نحو سبعة ملايين يمني يعانون للحصول على الغذاء، وأن 14 مليونا يشكون بشكل عام من انعدام الأمن الغذائي، وأن الأمر يتفاقم جراء استمرار الحرب وحركة النزوح وانهيار القطاع الزراعي والنظام الصحي [10].كما بدا تفشى الاوبئة والأمراض أوساط الأطفال والنساء بسبب سوء التغذية وقد رصدت حالة تفشي لوباء الكوليرا في اليمن في  أكتوبر  2016، وعاود التفشي في 2017 في 10 محافظات يمنية، في ظل تعطل أكثر من نصف المنشآت الصحية في البلاد عن العمل، بسبب الحرب واستحوذت العاصمة صنعاء على النصيب الأكبر من إصابات الكوليرا ما يقارب 34.6 بالمئة من الحالات.  وخلال الفترة ما بين26 أبريل و18 مايو 2017 انتشر المرض إلى حوالي 20 محافظة في جميع أنحاء البلاد. كما ان من دوافع سرعة الحسم ان حالات العمليات تقود الى انخفاض الروح المعنوية  جراء  الاستعداد القتالي ،ومرض التخندق .كما يؤثر في المعنويات  تكبد  الجيش خسائر فادحة في حملته . سواء لقلة التدريب أولضعف قواعد الاشتباك ، او ببساطة لان الرجال يموتون في القتال. كما تعاني المعدات والأسلحة من الاستهلاك وتتعرض للتلف ونفاذ قطع الغيار ،كما ان من دوافع ضرورة الحسم  السريع ان هناك  سيناريوات اقتصادية كارثية قد تتعرض لها دول الخليج  جراء استمرار  الصرف على الحرب حيث  ستكبدها فاتورة باهظة التكاليف وستقود إلى مربع ازمات اقتصادية خانقة. كما يجب الحسم حتى لايتمكن العدو من تحقيق التوازن الاستقراتيجي سواء بالمدد الإيراني او بالتهريب من تجار السلاح بأفريقيا او بالصواريخ البالستية .



تأثير الصراع على التوازن الاقليمي



    تتسع دائرة العنف والصراع في المنطقة خارج اليمن أو انطلاقا منها، فقد اصيب الكثير من المراقبين العسكريين بالدهشة  لأن الخليجيون تمكّنوا من  تنقفيذ عاصفة الحزم دون دعم غربي لا من جانب الحكومات الغربية ولاشركات المعدات العسكرية. ورد الدهشة عدم تحديث معلوماتهم حول التغييرات الحاصلة في جيوش الخليج. فسنةً بعد سنة، قامت تلك الجيوش بتحديث نفسها، وبتعزيز طابعها المحترفو وكان جديراً بالمراقبين أن يتوقّعوا ذلك [11]. فالسعوديون اقوياء ، كما  عمل الإماراتيون بطريقة جدّية   لبناء جهاز عسكري قوي ومؤثر. وقد يُصاب البعض بالدهشة إذا قيل لهم أن دولة الإمارات كانت قد أرسلت قوات تدخّل إلى لبنان، والصومال، وكوسوفو، وافغانستان، وليبيا، ثم إلى اليمن حالياً. لقد كانوا يستعدون لهذه الحرب منذ زمن طويل. لكن ذلك الجانب المشرق يكدره جانب المراوحة  الذي سبق ذكره ،فتلك المراوحة في  الحرب المشتعلة في اليمن لها تداعيات كبري على المنطقة  وعلى اليمن. فالصراع أدى إلى تقسيم فعلي في اليمن.وتقسيم اليمن يعني  أن خارطة الشرق الأوسط يجب رسمها من جديد. ويعني  عدم الاستقرار على ( باب المندب)  أكثر الممرات البحرية ازدحاما في العالم. وقد قادت حرب اليمن الي صراع بأوجه عدة منها الصراع على المضائق والجزر والقواعد البحرية . واللاعبون هم ارميكا أمريكا وإسرائيل وايران ودول الخليج العربي . حيث يتصاعد الصراعُ حالياً بين القوى الدولية والإقليمية؛ لضمان السيطرة على ممرات ومضايق البحر الأحمر تحديداً؛ لما يُمثّله من أهمية استراتيجية، تتمثَّل في توسُّطه خارطة الملاحة الدولية، وربطه بين قارتي آسيا وأفريقيا، وفي خضم هذا الصراع  .وتحتفظ أمريكا بقاعدة عسكرية في جيبوتي، تتضمَّن نحو 4000 جندي، وتستخدمها في إطلاق طائرات من دون طيار إلى اليمن ومنطقة القرن الأفريقي .كما تظهر ايران لبسط الهيمنة على مداخل البحر الأحمر، خاصة عبر دول القرن الأفريقي الضعيفة، بتأسيس قواعد عسكرية،   تُطلُّ على الساحل. فإيران تُسيطر فعلياً على جزر مضيق  هرمز ، بما فيها الجزر الإماراتية المحتلة  (أبو موسى – طنب الكبرى – طنب الصغرى)؛ الأمر الذي مَكَّنها من السيطرة عملياً على ملاحة الخليج، فذهبت للسيطرة على مدخل البحر الاحمر واتخذت إيران من ميناء "عصب" الإريتري قاعدة عسكرية لها، حيث تُطلّ سواحل الدولة الأفريقية على بعد كيلو مترات قليلة من مضيق "باب المندب" بوابة دخول البحر الأحمر.   وهو تواجد استراتيجي بالنسبة لطهران، ليس فقط على المستوى الملاحي، بل على مستوى مشروعها التوسعي الإقليمي أيضاً، حيث يُمكنها من نقل الأسلحة إلى الحوثيين عن طريق الوحدة 190 التابعة للحرس الثوري[12].



ومما سبق يمكننا القول ان"عملية عاصفة الحزم"كانت مفاجأة إستراتيجية من طراز اذهل المراقبين العسكريين ، لكن الازمة الخليجية بين الأشقاء  قد أدخلتنا دينامية التصعيد  مما يستوجب طرح فرضيات عدة في شكل التأثير وأطرافه في حرب اليمن و التي تنحصر في دولة قطر التي تملك  قدرة دبلوماسية هائلة على جمع النقائض وفي علاقتها مع  جماعة الإخوان المسلمين ، والحوثة، وإيران ،حيث ادخلت الحرب في حالة المراوحة ،مما يستوجب الحسم بسرعة  لتجاوز حالة الركود ولتلافي تأثير الصراع على التوازن الاقليمي.





 





 













-





[1] . وليد محمد مصطفي.اليمن.. ساحة صراع بين الحوثيين والقاعدة.
http://www.archive.roayahnews.com/اليمن-ساحة-صراع-بين-الحوثيين-والقاعدة/
[2] . سعيد الشهابي.سياسي خليجي يستبعد التدخل العسكري في قطر بسبب اليمن.شهارة نت.28يونيو2017م
[3] . . ميساء شجاع الدين.التوتّر الخليجيّ... ماذا يعني لليمن؟نبض الخليج. 16يونيو 2017م
[4] . . . محمود الطاهر.نون بوست. 5يونيو2017م
[5] . يحيى صهيب.كيف ستستغل إيران الأزمة القطرية الخليجية؟.نونبوست.5يونيو 2016.
https://www.noonpost.org/content/18285
[6] . طهران تدرس إنشاء قواعد بحرية في سوريا واليمن
https://24.com.eg/yemen/1997958.html
[7] . الحكومة الاردنية توافق على طلب الامم المتحدة بنقل مكتب ولد الشيخ من نيويورك إلى عمّان
http://almasdaronline.com/article/92155
[8] . لطفي حاتم.التدخل العسكري الخليجي في اليمن وأثره على الأمن الإقليمي.النقابة الوطنية للصحافيين العراقيين.
http://www.nuijiraq.org/index.php?option=com_k2&view=item&id=3597:التدخل-العسكري-الخليجي-في-اليمن-وأثره-على-الأمن-الإقليمي&Itemid=676

[9] . عزيز مطهري .لماذا لا ينهي «التحالف العربي» الحرب في اليمن؟ صحيفة الشرق الاوسط..09 مايو 2017 م
[10] . المجاعة من أفريقيا إلى اليمن.الجزيرةنت .9 مارس2017م. http://www.aljazeera.net/knowledgegate/newscoverage/2017/3/9 /

[11] . . مايكل نايتس.ماذا حقّق التحالف العربي على الأرض في اليمن؟معهد واشنطن .9أبريل 2016
[12] . شريف الدسوقي.صراع الجُزُر.. الرابحون والخاسرون في تنازع الهيمنة على البحر الأحمر .2يوليو2017م
http://alkessa.com/artical-16807

Gulf seurity أمن الخليج العربي

Kuwait
تبين هذه المدونة كيف تمتع الخليج بأهمية كبيرة أدت إلى خلق عبء استراتيجي على أهله بصورة ظهرت فيها الجغرافيا وهي تثقل كاهل التاريخ وهي مدونة لاستشراف مستقبل الأمن في الخليج العربي The strategic importance of the Gulf region creates a strategic burden and show a good example of Geography as burden on history. This blog well examine this and forecast the Gulf's near future and events in its Iraq, Iran ,Saudi Arabia ,Kuwait, Bahrain ,Qatar, United Arab Emirates and Oman

أرشيف المدونة الإلكترونية