Gulf security أمن الخليج العربي

الاثنين، 1 فبراير، 2016

في الخليج صدى جعجعة من لبنان

د.ظافر محمد العجمي 

ماضيه هو قاضيه، مثل لا يحبه رجال السياسة، لأنه يحرمهم من حيز المناورة الذي فيه يتقلبون من موقف إلى نقيضه. ربما لمصلحة بلادهم وربما لتهيئة الظروف لخلق فرص يمكن استغلالها. وماضي رئيس حزب «القوات اللبنانية» سمير جعجع يقول إنه قد حكم عليه بالإعدام في عام 1994 بسبب تهم كثيرة أبرزها اغتيال النائب طوني فرنجيّة وعائلته في بمجزرة إهدن بصيف 1978 الدامي. إلا أن الحكم خفف للسجن مدى الحياة. ليطلق سراحه ليعود للسياسة. ولا أخفي عليكم أن في خاطري تحيزاً ضد طرف المعادلة الآخر وهو العماد ميشال عون المستميت على الوصول إلى رئاسة لبنان. ومرد تحيزي هو موقفه المساند لنظام صدام حسين أثناء الغزو العراقي للكويت عام 1991، حيث قام بتسيير التظاهرات المؤيدة للغزو لمقر السفارة العراقية في بيروت. وصل جعجع بعد قراءة جديدة للوضع الإقليمي والواقع اللبناني المرتبط بمسار أحداث سوريا ورفع العقوبات عن إيران والتطورات المرتقبة في الخليج التي تقول مؤشراته بفتح أبواب العزلة عن طهران لتكون اللاعب الأقوى إقليمياً، ووصل جعجع إلى أن الوقت موات للقيام بترشيح احتفالي وإعلامي كبير لرئيس تكتّل «التغيير والإصلاح»، النائب ميشال عون لرئاسة الجمهورية. وأسباب هذا الموقف من جعجع قد يكون ببساطة لمنع طفل نجا من موت محتّم في مجزرة اهدن بقيادة جعجع وهو رئيس تيار «المردة»، النائب سليمان طوني فرنجية من الوصول للرئاسة، وما يعنيه ذلك من فتح لأبواب جهنم مجدداً. وقد يكون ترشيحه لعون رداً على مبادرة سعد الحريري بترشيح فرنجية وافتراق مسار سعد وسمير. كما إن إشادة جعجع بدول الخليج في أكثر من موقف، ثم النكوص ووقوفه مع مرشح طهران في لبنان قد يكون جراء قراءة جديدة للتطورات الإقليمية أوصلت الحكيم إلى أن اللحظة مناسبة لموقف ابتزازي لدول الخليج. كما إن انكفاء الدور الخليجي نفسه في لبنان ربما تمهيد لانسحاب من الساحة اللبنانية لضيق ذات اليد الخليجية بعد الانهيارات النفطية الأخيرة ربما قاد جعجع للبحث عن صديق آخر. كما إن من الأسباب التي يمكن التكهن بها أن الساحة اللبنانية قد تحولت لميدان تجاذب بين طهران والعواصم الخليجية، وبما أن نفوذ «حزب الله» طاغ على ما سواه قرر جعجع الاصطفاف مع الأقوى.
* بالعجمي الفصيح: 
حين نتابع قضية جعجع - عون لم نلمس موقفاً خليجياً مشتركأً، ربما لاعتبارها جعجعة رحى خالية من الدقيق. لكن الرياض أوقفت تمويل بمليار دولار للجيش اللبناني. وما نتمناه هو ألا يتم تحميل الجالية اللبنانية في دول الخليج جحود ونكران الساسة هناك.
* المدير التنفيدي لمجموعة مراقبة الخليج

الأربعاء، 20 يناير، 2016

بلدة مضايا تحاصر مدينة ستالينغراد




د. ظافر محمد العجمي
 المدير التنفيدي لمجموعة مراقبة الخليج

ليس الغرض من هذه المقالة مناقشة جهود الإغاثة لبلدة مضايا السورية، فهو أمر تناولته وسائل الإعلام في تغطياتها، بل الإشارة إلى أن هناك أزمة أخلاق حقيقية حين تغطي وسائل الإعلام جهود الإغاثة بعد فناء الناس من المجاعة، أوتغطي جهود فتح المقابر الجماعية بعد انتهاء عمليات الإبادة الجماعية، أوأن تغطي جهود توطين اللاجئين بعد انتهاء عمليات تهجيرهم بالبراميل المتفجرة، أو تصوير جثة طفل غارق بعد انتهاء معاناته من بلدتهم إلى الشاطئ الحزين. فطوال أشهر سبعة تفشى في مضايا بريف دمشق المرض والموت بسبب حصار قوات النظام السوري و»حزب الله» اللبناني كأسلوب قتالي، بعد أن عجزوا عن هزيمة المعارضة ميدانياً. مما أدخل المدنيين في حالة احتضار رغم أنهم في زمن وسائل التواصل الاجتماعي يستغيثون بألم. وحتى لا تعكر مزاجه، كان العالم يعيد إرسال لقطات جوعهم دون أن يشاهدها. وبعد تكشف فداحة المأساة بدأت مفاوضات ومساومات خبيثة لدخول المساعدات، وبدأت وسائل الإعلام في تغطية الإغاثة، فمن يتحمل المسؤولية!
إن من واجب وسائل الإعلام - التي تعاملت مع ما حدث ببدائية - الدفع بحملات إعلامية لمحاكمة المتسبب في جريمة الإبادة والتطهير»Genocide»، وبما أن العالم غير قادر على محاكمة الأسد و»حزب الله»، فالأول غير معترف به، والثاني في قوائم الإرهاب، لا يبقى إلا أن تتم تهيئة المحافل الدولية لإدانة من يشاركهم منظومة القيم الإجرامية نفسها، ويمدهم بالسلاح والذخيرة والمستشارين. فالروس في كل مكان تحلق فيه السوخوي، والتواجد الروسي في سوريا له صفة الاحتلال، بما يعنيه ذلك في القانون الدولي. ويحملها تبعات كل ما يجري في الأرض السورية. فالسكوت الروسي عن استخدام سلاح التجويع ضد المدنيين في الصراعات مجرم من الأمم المتحدة في إطار القانون الدولي. وعلى موسكو ألا تعترض على تشكيل لجنة تحقيق دولية لتحديد المسؤول عن الانتهاكات بأدلة موثقة. ولا نحتاج لتذكير موسكو بحصار مدينة ستالينغراد «فولغوغراد»، حين ركعتها الفيالق الألمانية لمدة ست أشهر في صيف 1942، ووصل صراخ السوفييت طلباً للمدد الغربي عنان السماء. لنبتلي بعدها ببرافدا تصبحنا وتمسينا بمحاضرات عن جريمة الحصار ومآسي المحاصرين الذين أكلوا ورق الجدران. ثم ملفات حصار ستالينغراد كوثائق ادانة بمحاكمات نورنبيرغ 1946-1949 التي استهدفت النازيين. فضياع حق أهل مضايا خيانة لطبيعة الالتزامات التي يفرضها حصار ستالينغراد كجزء من تاريخ روسيا.
* بالعجمي الفصيح:
في اتفاقية جنيف «يحظر تجويع المدنيين كأسلوب من أساليب القتال، ومن ثم يحظر، توصلاً إلى ذلك، مهاجمة أو تدمير أو نقل أو تعطيل الأعيان والمواد التي لا غنى عنها في بقاء السكان المدنيين على قيد الحياة». وفي «تعز» باليمن يدق الجوع بقبضة الحوثيين الهمجية أبواب المدينة المحاصرة.

الخميس، 14 يناير، 2016

لواء اقتحام السفارات التابع للحرس الثوري

د.ظافر محمد العجمي 

تقول خريطة جينات لواء اقتحام السفارات الإيراني أنه جزء من «الباسیج» التي أسسها الخميني عام 1979، كخلية مكوناتها قرابة 90.000 عنصر، ويمكن أن يرتفع إلى مليون، وهي ضمن طائفة هائلة من خلايا الحرس الثوري الإيراني «الباسدران» الذي يتبع سلطة المرشد الأعلى. وإن من قبيل تحميل النص ما لا يحتمله إدراج عمليات اقتحام السفارات الأجنبية في طهران، فالاقتحام هو أداة من أدوات الدبلوماسية الإيرانية. فبما أن الحرب شكل من أشكال الحوار السياسي بين الأمم فقد وجدت طهران أن المناورات العسكرية والشبكات التجسسية، وخلق الميليشيات أدنى من الحرب، وعليه فاقتحام سفارة أجنبية في طهران يبقى أهون من شن الحرب على تلك الدولة، بل إن تلك الصناعة التي تحتكرها تحقق نتائج باهرة بأقل كلفة. ومن يجادل في ذلك فعليه أن يمحص في النتائج التي كسبتها طهران. فاقتحام السفارة الأمريكية عام 1979، وإطلاق الرهائن تم نظير أسلحة كشفتها فضيحة «إيران غيت». أما اقتحام السفارة السعودية عام 1987 فكان لامتصاص الغضب الشعبي جراء الأمر الحكومي الأخرق الذي أهلك منفذي أحداث شغب الحج. 

ولدى إيران سجل حافل بانتهاك السفارات والاحتجاز وقتل المبعوثين، وفي هذا المجال لدى لواء اقتحام السفارات مخزون من العنف يكفي الخمير الحمر و«بوكوحرام» وتنظيم الدولة «داعش» عقداً كاملاً، حيث كشف أسلوب عمل هذه الوحدة وجودها بمؤشرات منها:

* يستنكر المرشد حدثاً ما، فيقوم اللواء باقتحام السفارة المغضوب عليها، ودليل وجود اللواء أنه يكرر الاقتحام بشكل شعائري كلما غضب المرشد.

* في بلد لا يجتمع فيه اثنان بدون تصريح، يصبح من العسير قبول التبرير بردود الفعل الشعبية العفوية كالشعوب التي ترفل في ثياب الديمقراطية.

* إن سرعة تشكل الحشود وضخامة عدد المتظاهرين والمقتحمين تدل على تنظيم ومنهجية لا يتمتع بها إلا الوحدات العسكرية كما حدث للسفارة الفرنسية 2006 وفي 2008 و2009 أمام مكتب رعاية المصالح المصرية.لقد ضاق العالم ذرعاً بسماجة خطة إيران بالتصعيد بالاقتحام ثم التباكي حكومياً من أن هناك قوى عابرة للسلطات كالحرس الثوري وخلايا مكوناته الجينية تفعل ما تشاء. وإن تأكيدنا أن لواء اقتحام السفارات جزء من الخارطة الجينية للحرس الثوري الإيراني يساعد في معرفة أسباب هذا المرض الوراثي في طهران وقابلية حدوث أمراض معينة مستقبلاً بل وإيجاد العلاج أيضاً.

* بالعجمي الفصيح:

في مداخلة بالهاتف مع قناة العالم الإيرانية يوم 7 يناير 2015:

المذيع: أستاذ عجمي هل يستحق اقتحام «متظاهرون» أو «متظاهرين» للسفارة السعودية قطع العلاقات الدبلوماسية؟

أجبت: لم يكونوا لا «متظاهرون»، ولا «متظاهرين»، من اقتحم السفارة السعودية هم «لواء اقتحام السفارات التابع للحرس الثوري»، الذي اقتحم عشرين سفارة من قبل.

تبع ذلك قول بعض الضيوف الآخرين «هذا كلام خطير»، وقال آخر «هذا كذب»، وهذا، وهذا. ثم انقطع الاتصال.

* المدير التنفيذي لمجموعة مراقبة الخليج

الأربعاء، 6 يناير، 2016

إذا أعدمت النمر يستأدب الأسد

د. ظافر محمد العجمي
* المدير التنفيذي لمجموعة مراقبة الخليج

في زمن توازنات إقليمية حرجة لم تترد الرياض ونفذت حكم الإعدام يوم 2 يناير 2016 في 47 مداناً ممن اعتنقوا المنهج التكفيري والتحريضي والإرهابي. ولم يشغلني استنكار الخارجية الإيرانية إعدام نمر النمر، ضمن من أعدم، لأنني لم أود أن يجنح ذهني إلى كل العثرات والسقطات التي يمارسها صبية الحرس الثوري، و«دبلوماسية تسلق الأسوار»، للسفارات الأجنبية بطهران، المحمية بالقوانين الدولية. كما لم يشغلني الصدى الذي ردده «حزب الله»، ووصفه إعدام نمر بـ«العمل الإرهابي»، ومثلهم نوري المالكي، الذي اعتبر الإعدام «امتداداً للسياسات التعسفية والقمعية». بل شغلني ما صدر من سوريا الأسد التي اعتبرت أن «المملكة تفتقر إلى أدنى مبادئ الديمقراطية»، و«أن حكم الإعدام على النمر بسبب «معارضته لسياسة الاستبداد والقمع» السعودية. وهي «جريمة موصوفة واغتيال للحريات وحقوق الإنسان»، حيث اعتبر وزير الإعلام في نظام بشار الأسد عمران الزعبي أن «هذا الاغتيال الجماعي لـ47 مداناً جريمة إنسانية وسياسية مروعة لا يصدقها عقل بشري ولا يستوعبها فكر أو قانون أو دين». وطالب الزعبي المنظمات الدولية والمؤسسات ذات الصلة «الدعوة لمحاسبة مرتكبي هذه الجرائم لخرقهم المواثيق والعهود».
وما سبق من استنكار لنظام الأسد هي الوقاحة بعينها مع «ال» التعريف من نظام متورط في قتل أكثر من 250 ألف شخص من المعارضين له خلال 5 سنوات، ومثلهم في العراق ولبنان حيث قامت به نفس الزمرة التي تخرجت من نفس المدرسة الجنائية. لكن ما الذي دفع نظام الأسد لمثل هذه التصريحات خصوصاً أن النمر قد وصف الأسد في خطبة مشهودة بالطاغية الذي يقتل شعبه؟! ورغم أن الأمثال تضرب ولا تقاس كما جاء في تراثنا، إلا أنه يمكننا القول بصحة المثل «إذا ضربت النمر استأدب الأسد»، ولنا في ذلك جملة ملاحظات:
* أتى إعدام نمر بعد اغتيال قائد جيش الإسلام زهران علوش من إيران وروسيا وتابعهم الأسد، وقد جاء مخالفاً لكل التوقعات التي افترضت تريث الرياض، إن لم يكن ارتباكها بعد مقتل علوش. 
* لقد ارتدت الرياض درع الحزم في مجالات خارجية وداخلية عدة، ولا مجال للدبلوماسية أو التراخي. ولا يزال الجبير يكرر أمام كل ميكرفون يصادفه أن رحيل الأسد أمر لا نقاش فيه.
* كما رفعت عملية الإعدام من معنويات فصائل المعارضة السورية وأكدت لهم أن الرياض قد ألقت بقفاز التحدي في وجه طهران، ومن ضمن ذلك التوسع في شد أزرهم ليس سعودياً فحسب بل من دول الخليج أيضاً.



* بالعجمي الفصيح:


الحزم العسكري/الحزم الاقتصادي/الحزم القانوني = المملكة العربية الحازمة.

الأربعاء، 30 ديسمبر، 2015

إعادة تعريف الخليج عام 2015

 

  
إعادة تعريف الخليج عام 2015
 
كأي حدث تاريخي رئيسي يترك أثرا في الجغرافيا، نتوقع أن تترك ندوب سنة 2015 الدامية لها آثارا على وجه خارطتنا في الخليج، فعلاج المرض في فترة العدوى لم تتم بشكل صحيح، ولم تتعد كريمات لإخفاء اللون البني أو الغامق على بشرة خليجنا الحساسة. لقد كان المرض الذي أصابنا هو الاتفاق النووي بين طهران ودول (5+1)، والذي كان يسري في جسدنا منذ عشر سنوات، حتى تم تأكيد الإصابة به 14 يوليو 2015م، أما مواقف دول الخليج فكانت متقاربة بشأن الاتفاق، وأعلنت أنها تؤيد وجود اتفاق يضمن منع طهران من الحصول على سلاح نووي. لكن تلك كانت انحناءات دبلوماسية، وقوة شكيمة حتى لا يفرح بنا الشامتون. فواقع الأمور يظهر أن هذا الاتفاق جعل إيران بقوة الدولة النووية حتى قبل أن تفجر قنبلتها، حيث تكشفت ثغرات مروعة أهمها أن إيران ستفتش نفسها بنفسها! وسيقوم الإيرانيون بأنّفسهم بأخذ عيّنات من مواقعهم العسكرية، ويسلّموها للوكالة الدولية للطاقة الذرّية لفحصها. فالقول إن الاتفاق جيد هو أمر سخيف. وما ذلك إلا تبرير لفشل الجهد الاستخباري والدبلوماسي الخليجي، ثم ثبت أن الجنوح للقوة في التعامل مع نظام طهران خيار موفق بدل الإغراق في البعد السياسي، فالتعامل مع إيران المتحررة من قيد الدولة المنبوذة دوليا لم يعد هو التعامل المطلوب. فجاء قرار عملية عاصفة الحسم العسكرية في 26 مارس 2015م عندما قامت القوات الجوية الخليجية بقصف جوي مكثف على جماعة أنصار الله والقوات التابعة لصالح في اليمن. بعد طلب الرئيس اليمني هادي لإيقاف الحوثيين من الاستيلاء على عدن. 
لقد كانت عاصفة الحزم عاصفة مدوية عالجت بعضا من تبعات الاتفاق النووي؛ كغطرسة الحوثة وحليفهم صالح. وأبلغت إيران أنها لن تسرح وتمرح بالمنطقة كما تشاء، ورفعت معنويات المعارضة السورية، وأعادت حزب الله إلى رشده، فظهرت بوادر حل أزمة الحكم في لبنان، لكن الأهم أنها أثبتت أن بقدرتنا معالجة ما نعانيه من أمراض إقليمية مستوطنة من دون مضادات حيوية من الخارج.

بالعجمي الفصيح
قد يكون الاتفاق النووي وعاصفة الحزم أهم حدثين على ضفتي الخليج خلال 2015، لكن أهم ما سمعته هو تعهد قراصنة صوماليين باعتراض كل سفينة إيرانية تمر بالبحر الأحمر، غيرة على عروبتهم ومقدساتهم، وردا على قول عبدالملك الحوثي سنحج لمكة في السنة القادمة بأسلحتنا.. وكل عام وأنتم بخير.

الأربعاء، 23 ديسمبر، 2015

«الناتو» في الخليج عملة مزيفة



 د. ظافر محمد العجمي
لقد فشلت الدبلوماسية والمؤتمرات في حل الكثير من القضايا التي نمر بها في محيطنا الإقليمي، وأصبح من العسير ترويض بيئتنا الإقليمية دون اللجوء إلى الحلول العسكرية كآخر الإجراءات السياسية في العلاقات الدولية. وكما سبق وأشرنا، هناك وفرة موارد، ووفرة بشرية، ووفرة في الدين في محيطنا، فوجدت الدول الكبرى أن حفظ مصالحها يتطلب استنزاف هذه الوفرات عبر العودة للحل العسكري وإقامة الهياكل العسكرية بالوكالة أو بالشراكة أو مباشرة. ومن تلك الهياكل مبادرة إسطنبول للتعاون بين «الناتو» ودول الخليج باستثناء السعودية وعمان منذ 2004. ومنذ البداية أوضح «الناتو» أن شراكتنا معهم لن تنتهي بالعضوية في الحلف. كما أوضح أنه يفضل أن يتعامل مع دول الخليج بشكل منفرد. فهو هيكل تعاون مزود بالأمن الناعم Soft security Providerكالتبادل الاستخباري، والتدريب، والاستشارات، مما بدد الوهم بالجدوى الاستراتيجية للمبادرة. ثم عقد اجتماع الحلف في 16 ديسمبر 2015 مع دول الخليج حيث حضرناه ضمن المجموعة الاستشارية للمبادرة فوجدنا أن «الناتو» في نسخته المتداولة في الخليج غير نسخة حلف شمال الأطلسي الأوروبية، وهو تقييم نتج عن الوقائع التالية:
* لم يتعامل الحلف مع الخليجيين ككتلة واحدة، فضيع فرصة الحصول على رؤية خليجية موحدة، فكيف يجيز «الناتو» لنفسه أن يكون منظمة واحدة بـ28 دولة ولا يجيز لنا ذلك ونحن 6 دول فحسب!
* فشلت المبادرة بضم السعودية وعمان رغم أن لهما 70% من قوة التسلح الخليجية، لقصور فهم دور الرياض في منظومة أمن الخليج كعمقه الاستراتيجي، وفهم جدوى النافذة العمانية على إيران.
* رفض بعض أعضاء بـ«الناتو» التقرب من الخليج لايزال يحكم التعامل معنا، وهناك تنافس مرير بين أعضاء الحلف حيال عقود التسلح والطاقة والمشاريع النووية فشكل ذلك أبواب التعاون الذي يخدمهم. 
* أعلن الحلف نفسه مزوداً بالأمن الناعم، فانعكست الآية وزودناهم بالمعلومات عن الإرهاب، ودربنا رجالهم واستفادوا من استشاراتنا، بل تحولنا إلى مزود بالأمن الخشن Hard security Provider
 الذي تهربوا منه، فشاركناهم عسكرياً في ليبيا وأفغانستان، ولم يشاركونا بموقف عسكري موازٍ، ولم نتفق على العدو المشترك إلا بكلمات عامة كالإرهاب والتطرف. 
وليكون الحلف قيمة مضافة لأمن الكويت والخليج العربي نقترح:
* وقفة تقييمية للعشر سنوات الماضية، وترقية التعاون Upgrade ابتداء من تغيير اسم الهيكل الحالي الذي يجردنا من خليجيتنا التي توحدنا ويتحاشى ذكر «الناتو».

* فليتجاوز الحلف وضعه كمؤسسة لإدارة الأمن Security Management Institution ومنصة للمفاوضات وتحليل السياسات. ولتكن القيادة العسكرية الخليجية الموحدة قناة التواصل لهيكل أمني موحد وفعال.

* تشبه الاستدارة الأمريكية عن الخليج انسحاب بريطانيا في 1970 حين حلت واشنطن محلها. وهي فرصة ليقوم «الناتو» بأخذ مواقع الأمريكان فالبنية الأساسية لتواجد «الناتو» متوفرة في أبوظبي والبحرين، كما وفرت الكويت أرضاً كمكان للتدريب واستضافت قطر مركز العمليات الجوية المشتركة «CAOC». 

لقد قيل إن نهاية الحرب الباردة قد جعلت حلف شمال الأطلسي بدون مهمة Missionless فأخذ في جمع الأعضاء الجدد لعل التحديات التي تواجههم تصنع له مهمة تحول دون تفككه. ونحن في الخليج جزء من بيئة مشاغبة فليأخذ «الناتو» التحديات التي تواجهنا وليخلق منها مهمة بدل خلق الانطباع بالأمن الزائف في الخليج.


السبت، 19 ديسمبر، 2015

القيادة العسكرية الموحدة بعد تغير القواعد الإقليمية


د. ظافر محمدالعجمي   
 


أعاد البيان الختامي لقادة دول مجلس التعاون في دورتهم بالرياض تذكيرنا بواقع مرير لا معنى لإنكاره، فقد تضمن المصادقة على تفعيل القيادة العسكرية الموحدة، واعتماد الموازنة المخصصة لها ومتطلباتها من الموارد البشرية. ومشكلتنا مع المصادقة أنها وردت بعد التغييرات البنيوية التي طرأت على البيئة الأمنية المحيطة. فلو أن المصادقة وردت حال طرح المشروع قبل 3 سنوات لكان التعامل مع تلك التغيرات افضل.
وفي التعاون الخليجي المشترك فقط تبقى الكتابات النقدية القديمة صالحة للنشر في أي وقت، فقد كتبنا عن أهمية إنشاء قيادة مشتركة، بضباط محترفون. وتستدعي القوات فقط عند تنفيذ التدريبات أو مجابهة الأخطار. وأن تمنح القيادة العسكرية الصلاحيات الحقيقية، لكي تبدي آراءها وتخطط وتتصرف حسب مقتضيات الموقف العسكري. ويكون منصب القائد، كما هو الحال في حلف «الناتو»، من نصيب الدولة ذات الإسهام الأكبر. وفي حالة الحرب، تكون مهمة القيادة الدائمة ممارسة القيادة العملياتية على قوات المجلس. كتبنا ذلك قبل 3 أعوام، وحتى الآن لم تعلق الخرائط العسكرية في مبنى القيادة المشتركة، لأنها كما جاء في البيان لم تفعل ولم يتم اعتماد الموازنة المخصصة لها ومتطلباتها البشرية. ونعيد أن عدم الإنجاز يعني ضياع فرصة أن تكون هذه القيادة هيكل للتواصل مع الفاعلين في عملية التغيير البنيوية في بيئتنا الاقليمية كالتالي:
* «الناتو»: ستكون القيادة دافع لترقية دور «الناتو» ضمن مبادرة إسطنبول بدل استمراره كـ «مزود بالأمن الناعم» في بيئة إقليمية خشنة كتبادل المعلومات والتدريب والاستشارات فقط، مما بدد الوهم بالجدوى الاستراتيجية للمبادرة، كما كان بالإمكان تجاوز رفض الرياض ومسقط الانضمام للمبادرة مباشرة، وكيف نلومهم، و«الناتو»، يجيز لنفسه أن يكون منظمة واحدة بــ 28 دولة ولا يجيز لنا ذلك ونحن 6 دول فحسب! 
* التحالف ضد «داعش»: ستوحد القيادة جهود الحملة الجوية الخليجية القائمة مع 66 دولة، فالتعامل عبرها يغطي تباين المشاركة الخليجية. ويتحول الأمر إلى طلب جهد جوي خليجي دون تحديد الدولة.
* عاصفة الحزم: لو كانت القيادة قائمة لتم التنسيق مع القوى غير الخليجية، ولغطت على التباين في حجم المشاركات الخليجية نفسها لاسترداد الشرعية في اليمن.
* القوة العربية المشتركة: نكاد نجزم أن وجود القيادة العسكرية الموحدة كان سيظهر كمثال ناجح وسيدفع بالأمور إلى الأمام ولما تعرض مشروع القوة للانتكاس.
ثلاثة أعوام تفصل بيننا وبين طرح المشروع بالقمة الخليجية الـ 33 بالمنامة 2012، و30 عاماً ونيف راقبنا سرعة آلية اتخاذ القرار الخليجي يتبعها آلية تنفيذ يعيقها التروي الممل تجعلنا نشك في افتتاح غرفة الحرب في القيادة العسكرية الخليجية الموحدة بعد ثلاثة أعوام!

الأربعاء، 9 ديسمبر، 2015

عودة الرئيس أردوغان للبحث عن الشيخ راكان



د. ظافر محمد العجمي

بعد أن أدركوا أهمية موقعها الاستراتيجي، وصل العثمانيون لشرق الجزيرة العربية أول مرة في نحو عام 1545، وتراوح وجودهم بين مد وجزر، حتى خروجهم عام 1915. وفي ذلك يقول المؤرخ القدير د.جمال زكريا قاسم، حاولت الدولة العثمانية معالجة إدارة الأحساء، إلا أنها لم توفق لانشغالها في حروبها. وفي القرن الـ19 زالت من بين العرب عن دولة الخلافة العثمانية الهالة الدينية وتحول الترك لجباة ضرائب ومسيري تجنيد لحروب في أصقاع بعيدة، فأخذت قبائل البدو العربية بشن غارات خاطفة على الجيش النظامي العثماني نفسه، وصلت حد جلب خيل العسكر العثمانيين وبيعها أمامهم في الأحساء، ولحفظ النظام كان الترك يدفعون الخرجية كنوع من المرتب للشيخ راكان بن حثلين لكف غاراته، وفي الوقت نفسه كانوا يخططون للتخلص منه، فاستطاعوا بالحيلة أن يقبضوا عليه مع 6 أشخاص من جماعته العجمان، وتم سجنه 7 سنوات في قلعة «نيش» على أطراف القرم زمن الحرب الروسية العثمانية 1877-1878. وكان بين الجيشين حفرة لم يكن قادراً على تجاوزها قفزاً إلا الفارس الروسي «اناتولي المسكوفي»، يقفز بحصانه جهة العثمانيين، ويقتل على قدر ما يستطيع من الترك ثم يقفز عائداً للجانب الروسي. قال راكان لسجانه حمزة: «بلغ الوالي أنا أستطيع إيقاف هذا الفارس الذي أرهقكم طوال 4 أيام في جولة واحدة، بشرط إطلاق سراحي». كان راكان يعتبر العثمانيين الذين يحتلون بلاده ويلقون بمثله في السجن في ديار الغربة أعداء، لكنهم عدو دون عدو. وحين قفز المسكوفي الخندق في اليوم التالي وجد أمامه على مهرة عربية رجلاً أشمط اللحية نحيلاً قصير القامة، لم يسعفه الوقت لتفحص غريمه فقد اختطفه راكان بسرعة البرق، ولم يعِ الروس إلا وحصان فارسهم يقفز الحفرة عائداً لهم، وراكان يسحب على الأرض بلجام فرسه «اناتولي المسكوفي» باتجاه بوابة القلعة العثمانية تحف به صيحات التهليل «الله أكبر». كان ذلك هو المشهد الافتتاحي لخسارة الروس أكثر من 2800 قتيل ونصر العثمانيين في معركة «بلونة» في 20 يوليو 1877. وكما ورد في سجلات الأتراك باسم «محمد راكان»، كرمت الدولة الشيخ وأطلقت سراحه فاتجه لينبع، وجدة، ومكة لتأدية العمرة وزيارة مسجد الرسول في طريقه إلى حائل لزيارة أميرها محمد بن رشيد، حيث قابله لاحقاً المستشرق الرحالة جوليوس يوتنج بحائل عام 1882، والذي كتب في يومياته أن الشيخ راكان ينطق في أحاديثه بعض الكلمات التركية. توفي راكان عن 80 عاماً فرثاه الكثيرون، لكن قصيدة الشيخ إبراهيم بن محمد آل خليفة، بقيت أروع ما قيل في رثائه. وإن بدا هذا المدخل شخصياً بعض الشيء، فذلك لكي أقول إن الطائرة الروسية «سوخوي 24» اخترقت حاجز الصوت الخليجي، وتركته متبايناً وسط صيحات تطالب بتوحد موقفه فيما تنبذ الأخرى الاصطفافات العجولة. وفي تقديرنا إن أول إيجابيات هذا الاختلاف سيادة البراغماتية ومصالح دول الخليج كمرجعية للمواقف بدل الدوافع المثالية. كما أن من إيجابياته جولة أردوغان الخليجية حال تعرضه لامتحان قوة بحثاً عن الشيخ راكان، الذي لو لم ينجح قبل 138 عاماً في تخليص تركيا من الغريم الروسي لكان علينا ضمه لكثيرين ضحوا بحياتهم على مر التاريخ لأسباب خاطئة.

الجمعة، 4 ديسمبر، 2015

تحديات الخليج 2016: الإرهاب يكرر تقديم أوراق اعتماد جديدة للشباب

نحن نطالب الغرب بتقاسم الكلفة وتوزيع الأدوار لمكافحة الإرهاب، فيطالبنا بوقف إنتاجه؟ ولذلك يصبح الاتهام ذريعة يحاول المجتمع الدولي التملص بها من التزاماته تجاه مقاومة الإرهاب. ولكن عندما اختلطت شظايا الأحزمة الناسفة بأجساد مواطنينا الممزقة على جدران المساجد أدرك الغرب أن شكوانا طوال عقد ونصف كانت آلاماً حقيقية، فالإرهاب لا وطن له، ينتشر في اتجاهات متناقضة. فيما بقي الخليج العربي أكثر أجزاء العالم تأثراً بأشكال التغيرات في البيئة الإقليمية المحيطة ومنها الإرهاب. فما أهم التحديات الأمنية والمخاطر التي يمثلها الإرهاب لمنطقة الخليج، وكيف تعاملت دول مجلس التعاون مع هذا الملف في العام 2015م، وما هي المخاطر المحتملة على هذا الصعيد في عام 2016م، المقبل، وما هو المطلوب من القمة الخليجية المقبلة الـ 36 لمواجهة هذا الخطر المتنامي؟
 - الإرهاب أهم التحديات الأمنية على الخليج
أدت نوعية العمليات الإرهابية في الخليج خلال عام 2015م، إلى خلخلة الأولويات، فقد قفز الإرهاب لرأس التحديات الأمنية والمخاطر القائمة متجاوزا إصرار الولايات المتحدة الأمريكية على تقليص دورها العسكري في الخليج، ومتجاوزا التهديد الإيراني متعدد الأشكال. فقد تحول تنظيم الدولة الإسلامية "داعش" الإرهابي من تهديد محتمل إلى خطر داهم؛ وجزء من الوضع الجيوستراتيجي الراهن، حيث بلغ التنظيم المتطرف مداه في التوسع الجغرافي في الجوار المباشر والقريب للخليج، في العراق وسوريا، وصولًا إلى تهديده لأمن دول عربية محورية من منظور الأمن الخليجي[1]. وقد فرض هذا التغير الجيوستراتيجي الإرهابي ردود أفعال الجهات الرسمية والشعبية في المجتمعات الخليجية والتي عكست درجة عالية من الوعي السياسي والمجتمعي بمخاطر الإرهاب على الوحدة الوطنية؛ بل وإعلان "حالة الحرب" الرسمية مع التنظيمات المتطرفة. وكان من أشكال المنحى التعبوي الخليجي، تفعيل بنود عدة اتفاقات كانت قد انضمت إليها دول المجلس في السابق، كاتفاقية دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية لمكافحة الإرهاب، والاتفاقية العربية لمكافحة الإرهاب، والاتفاقية الدولية لقمع تمويل الإرهاب، ومعاهدة منظمة المؤتمر الإسلامي لمكافحة الإرهاب، والاتفاقية الدولية لقمع الهجمات الإرهابية بالقنابل، واتفاقية قمع أعمال الإرهاب النووي، وغيرها. وكان من أشكال هذا التفعيل إدراج العديد من المنظمات على لائحة المنظمات الإرهابية، وما عناه ذلك من كلفة أمنية.
-الخليج والإرهاب في عام 2015
كان الإرهاب موضوع يناقش في مراكز الأبحاث فقط، والتي كان يحضرها صانع القرار الأمني الخليجي من مراتب عليا في عواصم بعيدة كنوع من الجهد التوعوي. لذا اختلفت النظرة الخليجية تجاه هذا الخطر من عاصمة إلى أخرى عندما ظهرت بوادره داخل البيت الخليجي، وكانت نقاط الاختلاف متنوعة من تعريف الإرهاب حتى سبل مكافحته. ولم تأت سنة 2015م، إلا وقد تقاربت رؤى دول الخليج بالعمل المشترك بل وفهم آليات التحرك الإقليمي والدولي تجاه الإرهاب. فقد فعًلت دول الخليج تعاملها عبر بنود كثيرة في اتفاقيات مكافحة الإرهاب كما وضحنا. واعتبرت أن بعض مؤسساتها غير مؤهلة للعمل بمفردها. حيث لم يعد الإرهاب ليكتفي بضرب الرموز ومؤسسات المجتمع كتنظيم القاعدة، بل أصبح "إرهاب ما بعد القاعدة" شمولياً يستهدف المجتمع الدولي سواء بمهاجمته أو بالتغلغل فيه، لتجنيد الشباب منه، ونقل الدمار للساحات العربية ثم العودة بهم وقد اشتد عودهم للمجتمعات الغربية[2].
لم يتوسع الإرهاب في أجندته فحسب بل رافقها توسع نظام تجنيده، ومصادر تمويله، وإعلامه وتحركاته ونوع عملياته. فقد انضم 15 ألف مقاتل من 96 دولة إلى المنظمات المتطرفة القابعة في خنادقها قرب الخليج وانضمت دول إقليمية لمساندة الإرهاب في دول الخليج العربي. وكان المشهد الافتتاحي الإرهابي في الخليج مطلع عام 2015م، في مملكة البحرين الشقيقة التي شهدت مواجهات وتدمير ممتلكات وسقوط مصابين. وقد اتهمت مملكة البحرين، إيران بشن حملة "إرهاب الدولة" بهدف زعزعة الاستقرار والإطاحة بالأسر الحاكمة في دول الخليج. وكان حصيلة دعم إيران للإرهاب في البحرين وفاة 16 رجل أمن وإصابة ثلاثة آلاف آخرين[3]. فإيران تقدم الدعم المالي، وتساعد في تهريب الأسلحة والمتفجرات وهي ملاذاً للإرهابيين الذين يخططون للهجمات بعد تلقيهم التدريب في مختلف الاساليب الإرهابية في مخيمات يديرها الحرس الثوري. وكان من جراء ممارستها "إرهاب الدولة" أن تحولت إيران إلى قوة إقليمية مسلحة بميليشيات «ما فوق الدولة»، التي يمثلها حزب الله بلبنان، و«فيلق بدر» بالعراق، والحوثيين باليمن[4]. ولم يكن أمام البحرين للتعامل مع أصابع إيران الإرهابية فوق أراضيها إلا التعاطي الحازم مع هذا الواقع. وتعد مملكة البحرين من أولى الدول التزاما وصرامة وكفاءة في محاربة الإرهاب ودحر مخططاته الإجرامية على المستوى الداخلي والإقليمي والدولي، وتدين نتائجه وتشجبه وتستنكره عبر وسائلها الإعلامية أو بحضور ممثليها المحافل والمناسبات المحلية والعالمية، وتبدي المملكة تعاونها وإسهامها بفعالية في الجهود الدولية ضد الإرهاب، وتلتزم بتنفيذ القرارات الصادرة عن مجلس الأمن لمكافحة الإرهاب، كما تعزز وتطور الأنظمة ذات العلاقة بمكافحته، والأجهزة المعنية للتصدي لمخططاته الفاسدة، وتكثيف برامج التأهيل لرجال الأمن والشرطة وإنشاء قناة اتصال مفتوحة بين وزارة الداخلية والمؤسسة الأخرى لتسهيل سبل التعاون والاتصال لأغراض مكافحة عمليات تمويل الإرهاب[5].
وفي المملكة العربية السعودية الشقيقة، شهد عام 2015م، أعمال إرهابية في أطراف المملكة الأربعة وعليها بصمة داعش. تنفيذا لتهديد «تنظيم الدولة الإسلامية» حين أعلنت بنهاية 2014م، أنها تهدف إلى السيطرة على الحرمين الشريفين. ورداً على هذا التهديد، اعتقلت وزارة الداخلية المئات من الدواعش، كما قامت ببناء سياج أمني على امتداد الحدود السعودية العراقية واليمنية لصد الإرهاب. وبشهادة المعهد معهد بروكنغز "Brookings Institution "المختص كانت استراتيجية الرياض فعاّلة وحادة، كذلك كانت الرياض حريصة على عدم الانخراط في عمليات تفتيش وتدمير ضخمة تربك النظام، وتعطي انطباعاً بأن المملكة تحترق. كانت المطاردات هادفة وانتقائية وتفادت سقوط ضحايا من المدنيين، وابتعدت عن العنف كما في جزائر التسعينيات وفي العراق. وهكذا تمكنت الفرق الخاصة التابعة لوزارة الداخلية من مطاردة الإرهابيين والقبض عليهم دون التسبب برد فعلٍ سلبي بين الشعب[6]. كما أضافت المملكة لبنة أخرى في هرم نجاحاتها بانتهاج استراتيجية الضربات الاستباقية من قبل الأجهزة الأمنية بالقبض على مصنعي المتفجرات والأحزمة الناسفة ومعامل التصنيع والعاملين بها[7].لقد خسر الإرهاب معركة السيطرة على القلوب والعقول في السعودية والتأييد الشعبي لطروحاتهم، خصوصا أن المملكة بادرت بابتكار محور جديد في الحرب على الإرهاب عبر مركز الأمير محمد بن نايف للمناصحة لإعادة تأهيل الشباب المنضمين للجماعات الإرهابية إلى حياتهم الطبيعية مما حدا بالكثير منهم إلى الانشقاق عن الجهاز الإرهابي بسبب خيبة الأمل من القضية الجهادية المزيفة.
كما كان مقدراً للكويت في 26 يونيو 2015م، تجرع حصتها من المنغصات الإرهابية المعتادة، والتي بلغت في تاريخها أكثر من 40 عملاً إرهابياً، عبر تفجير مسجد الإمام الصادق التي حققها منفذ منفرد «Lone wolf» من تنظيم داعش. حيث أن ما تم هو تأكيد لحضور التنظيم كمنافس جهادي للقاعدة على المستوى الدولي، ولسحب البساط منها في الخليج. فاستغل ارتفاع سقف الحرية للأقلية الشيعية بالكويت وأراد إثارة الفتنة. لقد نجحت الكويت في التعامل مع الإرهاب في أوجه عدة حيث لا تخطئ العين ممارسة الكويتيين للسلوك الحضاري كمسلمين وعرب، فقد راهن الإرهاب أن كل الألوان الداكنة ستكون حاضرة لرسم تفاصيل المشهد الكويتي بعد التفجير، لكن الفاجعة تحولت لجرعة قلق إيجابي استجابت لها محصنات الوحدة الوطنية بردة فعل قللت طموح الإرهاب الاستثمارية في الكويت مستقبلاً.وكان المشهد الختامي إلقاء القبض على الفريق الصغير الذي دعم الإرهابي لوجستيا لتنفيذ العملية.
لقد كانت عملية الكويت مؤشرًا على ترقب المزيد من العمليات التي يحققها داعش حتى ينهي التنظيم حالة الانتشار وإبراز القوة، وحتى الآن لم يصل الإرهاب في موجته الحالية إلى دولة الإمارات العربية المتحدة، أو دولة قطر أو سلطنة عمان الشقيقة. لكن ذلك لم يجعل الجهاز الأمني في هذه الدول في موقف المنتظر، بل المستعد بحالة احتراز فقد أكد الشيخ محمد بن زايد دعم الإمارات ووقوفها مع كل الجهود الدولية للتصدي لأعمال التنظيمات الإرهابية. ومن قطر يرى سمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير قطر أن الإرهاب لديه تعريف محدد، فلا يجب أن ندمغ بالإرهاب طوائف كاملة، أو نتهم به كل من نختلف معه سياسياً. كما لا يجوز أن يتهم كل من لا يمكنه الحفاظ على وحدة وطنه، دولاً أخرى بدعم الإرهاب في بلده.وهو بذلك يرد على من يتهم الخليجيين بتغذية الإرهاب والاستثمار فيه لتحقيق أهداف سياسية. ورغم أنه لا توجد في العالم دولة غير معرضة للإرهاب إلا أن مراقبين عدة يتساءلون لماذا تبقى سلطنة عمان في معزل عن الإرهاب؟  حيث يقول وزير الخارجية يوسف بن علوي بن عبد الله أن سبب استقرار عمان وعدم تمكن الإرهاب منها هو سياستها القائمة على عدم الانحياز لأي طرف ووقوفها دائما على الحياد في أي نزاع. كما لخصت هذا الفكاك من خطر الإرهاب وزارة الخارجية العمانية في موقعها الألكتروني واختصرته في أن السلطنة ترى أن التوصل إلى استراتيجية دولية فعالة لمكافحة الإرهاب يتطلب إقامة توازن ما بين متطلبات الأمن والالتزام بمواثيق حقوق الإنسان إذ ليس من الحكمة تحت ذريعة مكافحة الإرهاب أن يتم تعريض أمن الدول واستقرارها للخطر كما أنه ليس من العدل أن يتم تعريض الأبرياء للظلم[8]     
 وعليه يمكننا القول إنه رغم ثقل أن تخوض دول مجلس التعاون حروب عدة متزامنة بالسلاح والسياسة والاقتصاد في اليمن وسوريا وسوق النفط إلا أنه يمكننا القول في نجاح تعاملها مع ملف الإرهاب في عام 2015م. ومن مظاهر ذلك النجاح أنها لم تترك «إدارة الأزمة» للغير، وإن تعالت أصوات غير مسؤولة تصف رجال الأمن بالقصور وكأننا تحت خط الفقر الأمني، فرغم أن المصاب جلل؛ إلا أن الرفض الشعبي كان عاماً وحازماً ضد من يروج لتقصير الداخلية حتى يختطف دور الدولة في حفظ الأمن.
-الإرهاب في العام المقبل 2016
لا نتوقع أن يتوقف الإرهاب فجأة منكمشا على نفسه ومتراجعا أمام الاستقرار والسلم. فأسباب وجوده لم تعالج، وإذا كانت دوافعه في مجتمعات أخرى تتمحور حول الظلم الاجتماعي والقهر السياسي والتطرف فإن دوافع الإرهاب في الخليج لا تختلف عن ذلك كثيرا. إلا أن من الجدير بالإشارة إليه أن جل العمليات الإرهابية التي حدثت في الخليج هذا العام كانت تنفذ بناء على أوامر أو إيحاءات خارجية. لذا سيبقى الإرهاب هاجسا أمنيا في العام المقبل 2016م، بناء على الملاحظات التالية:   
-لن تتوقف العمليات الإرهابية لتنظيم الدولة الاسلامية داعش، بل أن التضييق عليها في ميدان المعارك دافع لتخفيف الضغط العسكري بنقل عملياتها لدول الخليج كعقاب لمن يشارك في الحملة الجوية الغربية «العزم المتأصل» أومن أيد علانية الحملة الجوية الروسية حاليا أو لإظهار إنها لازالت قادرة على التحرك.
 -لن يكون من السهل على دول الخليج حل معضلات خلقتها بنفسها جراء تبنيها إجراءات عجولة لحل تحديات سابقة، فقد تشكل في أكثر من سماء خليجية أزمة هوية للمواطنين الخليجيين، مما يتطلب سرعة العمل لتعزيز الانتماء والهوية والمواطنة لأنها تشكل في مضمونها الحصن الاجتماعي الأول ضد تلك المخاطر الاجتماعية المحتملة على دول مجلس التعاون وعلى وجه التحديد في موضوعات مكافحة الإرهاب والعنف والتطرف. فقد مارست بعض الدول سياسة الاستثناء تجاه فئات محددة في المجتمع. وهي حالة قد تجعل كثيرين من أفرادها مكسورين فاقدين لقيمة الحياة والوجود، وهذا يدفع بعضهم نحو فكر يبرر الخلاص من الحياة بالعمليات الانتحارية[9].
- أضحى اقتصاد الإرهاب جزءًا من الاقتصاد العالمي عبر صفقات مالية وتجارية ذكية ومربحة يتم ترتيبها مع تجار ورجال أعمال يشكلون واجهة لغسيل أموال الجماعات الإرهابية التي يتم ضخها وكأنها أموال شرعية في النظام المالي العالمي[10]. وتقدّر مصادر غربية حجم اقتصاد الإرهاب بنحو 10 % من حجم التجارة العالمية. يستفيد منها من غير الإرهابيين تجار الحروب وفاسدين في الإدارات الحكومية، ولعل قضية وصول عشرة آلاف سيارة جيب تويوتا لداعش دليل على أننا لا زلنا في الخليج في انتظار هزات ارتدادية لها وتبعات متشابكة، وإن لم تكن على شكل تفجيرات فعلى شكل تكييف تهم ابتزاز دولية.
-القمة الخليجية الــ36 المقبلة ومواجهة الإرهاب
-أثبت مجلس التعاون منذ قيامه1981م، امتلاكه القدرة على خلق مناخات استراتيجية تخرجه من التحديات المهددة لأمنه تستحق الإشادة. ولا شك أن الإرهاب أحد تلك التحديات، ولازال يقوى ويتمدد، مما يحتم خلق المناخات الاستراتيجية الناجعة لمكافحته بالتوقف الفوري عن نسخ تجارب دول الجوار بطريقة مفرطة في المدرسية. 
- ضرورة تعامل دول المجلس بحذر شديد مع المساعدات التي يمكن أن تقدمها كيانات غير خليجية في مكافحة الإرهاب أو الأعمال التخريبية للبنية التحتية الحيوية. وضرورة التمسك بإدارة الأزمات وطنيا وخليجيا، لتحاشي الانقياد للإملاءات الخارجية في توصيف وتسمية الإرهاب، وعدم اختزاله في كيان معين لتحقيق أجندة تتعارض من مصالحنا.
-  إن أسوأ الأوقات لطرح قانون أو قرار، هي اللحظات التي يكون فيها صانع القرار أو المشرع تحت ضغط الحدث الإرهابي. وقد أعلن وزراء العدل في الخليج عن مقترح لإعداد قانون موحد لمكافحة الإرهاب والتطرف في الدول الأعضاء[11]. فهل نحن بحاجة لقانون ينسخ ما قبله من اتفاقيات. أم لمراجعة بنود الاتفاقية الأمنية وتقويمها حتى تتماشى مع متطلبات السيادة، وتتكفل بقضايا الإرهاب!
-حتى لا تصبح حياة المواطنين الخليجيين، الأبرياء والممارسين للعنف والإرهاب على حد سواء من التضييق، يجب التوقف عن بعض إجراءات أمنية لا تخدم الهدف الأصلي؛ كنقاط التفتيش غير المؤهلة. وعسكرة الشارع العشوائية. فالمجتمع الخليجي لم يتم تأهيله ليكون بمزاج متسامح لتبصيم الكهول والعجائز، وفحص البصمة الوراثية إجباريا، وكشف وجوه النساء بما لا يتماشى مع قيمه. فإمعان النظر في تجارب دول العالم الأخرى لا تعني اتباعها، إلا ما يعادل بين الحفاظ على الكرامات وخلق ردع وقائي ضد الإرهاب.
- استخدام الإنترنت بكل مكوناته ليس لتعقب الإرهاب فحسب، بل لربط مكافحته بالبعد الشبابي والشعبي، وخلق إيحاءات افتراضية بطريقة جذابة تتحول مع الزمن إلى قناعات تقود إلى أن قوانين التصدي للإرهاب جاءت بناءً على رغبة أغلبية الشعب الخليجي.
الخاتمة
في ضوء مخاطر الإرهاب المتنامية والتي ارتفعت وتيرتها عام 2015م، بات على دول الخليج اتخاذ حزمة تدابير استعدادا لسيناريو مماثل، فاستشراف عام 2016م، يظهر أن مسببات الإرهاب ودوافعه لازالت قائمة. وعلى صناع القرار الخليجي في أعلى مستوياته في القمة الخليجية الــ36 زيادة التنسيق الخليجي، وخلق مناخات استراتيجية بطرق غير تقليدية لحماية أمن واستقرار دولهم من خطر الإرهاب، ربما بخلف خطاب له فكرة مستنيرة وشيقة فالإرهاب فكرة في خطاب متهافت، أو تغريدة نشاز، قبل أن تكون سلاحاً في يد مجرم، وإلا فإن الإرهاب سيستمر في تكرار تقديم أوراق اعتماد جديدة للشباب في هذا الإقليم.

[1]محمد بدري عيد ."داعش" وأمن الخليج: من تهديد محتمل إلى خطر داهم. دراسات الجزيرة.8 يوليو 2015م  http://studies.aljazeera.net/reports/2015/07/201578113412585748.htm
[2]. "الإرهاب" العابر للحدود في البرلمان الفرنسي. العربية نت 19 فبراير 2015م  http://tinyurl.com/pcxjf9p     
[3]. وزير الخارجية البحريني، «خالد آل خليفة» 14 أكتوبر2015               http://www.thenewkhalij.com/ar/node/22450
[4].  خالد يايموت .صحيفة الشرق الأوسط  10 مايو 2015 http://tinyurl.com/pmku2fn
[5]. العضو سوسن تقوي عضو الشعبة البرلمانية لمملكة البحرين.21 اكتوبر 2015مhttp://tinyurl.com/no2sxsx
[6]. .بروس ريدل: محمد بن نايف.. أمير مكافحة الإرهاب .بروس ريدل، معهد بروكنغز.30سبتمبر 2015م .http://www.thenewkhalij.com/node/21562
[7].صحيفة عكاظ .18 سبتمبر 2015م http://www.okaz.com.sa/new/Issues/20150918/Con20150918797182.htm
[8].صحيفة عمان .23 اكتوبر 2015مhttp://omandaily.om/?p=266014
[9]. شفيق ناظم الغبرا. الدولة الأمنية والحرب على الإرهاب. جريدة الحياة 16 يوليو 2015   http://tinyurl.com/nnaerkk
[10].  لوريتا نابوليوني. كتاب "اقتصاد الإرهاب" http://tinyurl.com/onjgnkc
[11]. دول الخليج تتّجه إلى إصدار قانون موحد لمكافحة الإرهاب .صحيفة العربي.6 أكتوبر 2015م    http://tinyurl.com/pbh2k7n

الأربعاء، 2 ديسمبر، 2015

«داعش» هاجمت باريس فتعاطفنا مع الجزائر

د. ظافر محمد العجمي



لم تحتل الولايات المتحدة الأمريكية دولة عربية، لكن يد الصهيونية لم تخل من أسلحتها يوماً. ورغم ذلك اعتبر أكثر المسلمين أن مجموعة الهجمات التي شهدتها الولايات المتحدة في 11 سبتمبر 2001 إرهاباً. وفي مساء 13 نوفمبر 2015 هزت 7 هجمات إرهابية متزامنة ومنسقة باريس، وكان لهول العملية أثر على حشد الدعم من معظم دول العالم للجمهورية الفرنسية.
ورغم استبعادنا للمواقع الجهادية المتطرفة، إلا إن أصواتاً علت عبر وسائل التواصل الاجتماعي تدين فرنسا واصفة إياها بالإرهاب الأول، ممتطين التاريخ للوصول إلى هدفهم في رسم صورة داكنة لفرنسا، وكان إطارها التاريخ الاستعماري لباريس في المغرب العربي، وممارسات الفرقة الأجنبية الإرهابية والمستوطنين من الأقدام السوداء «Pieds-Noirs»، واليد الحمراء، ومنظمة الجيش السري «OAS»، أثناء حرب التحرير الجزائرية، حيث قاموا بسلسة من الجرائم الإرهابية البشعة في حق المدنيين العرب، بل وصل بهم الحقد والعنصرية العمياء إلى حرق مكتبة جامعة الجزائر.
لقد حفلت وسائل التواصل بشعارات «‏فرنسا التى لا تعرفونها»، فوضعت صوراً لجنود فرنسيين يقتلون ثواراً ويلقونهم في حفرة، لأنهم مسلمون. ولجنود فرنسيين يقومون بالتقاط صورة وهم يحملون رؤوس جزائريين. وصورة جنود فرنسيين يمثلون بجثث مسلمي الجزائر. وصورة تعود لجنود فرنسيين قاموا بقطع رؤوس المجاهدين في الجزائر. أما أشد ما في الحملة المضادة فصورة لجنديين فرنسيين يمسكان عنوة بيدي امرأة شابه تقف بينهما عارية، ومعها مقولة لجندي فرنسي: «أنا أحتقر نفسي عندما كنا بالجزائر، وكنا نخرج نتعقب المجاهدين بالقرى، وعندما تشاهدنا النساء الجزائريات يركضن لدهن أجسادهن بروث الحيوانات كي لا نقترب منهن ونغتصبهن، كان شرفهن عزيزاً عليهن وكنت أتألم عندما أراهن بهذا الحال، وكنت اعتبر نفسي حيواناً بلا ضمير».
المقلق في الأمر أنها ردة فعل مغردين غير مؤدلجين، تلقوا تلميحات تحولت لحقائق في أذهانهم رغم أن شذاذ الآفاق من تجمع «داعش» ليسوا أحفاد مجاهدي الأوراس وشمال إفريقيا. وما قاموا بعملهم الإرهابي ثأراً للاستعمار الفرنسي الذي يريدون تسويق جرائمهم كمبرر له. وقد لا تعي باريس وهي في فورة غضبها أن في أجزاء واسعة من العالم العربي هناك خطابان رسمي وشعبي. وأن إقناع الشباب العربي خاصة بأن التاريخ بوصفه مرحلة انتهت ولا يشكل منافساً للحاضر يجب أن تتم من خلال التعامل مع عملية مكافحة الإرهاب بوصفها منتجاً ويحتاج إلى حملة علاقات عامة تبرز تعامل فرنسا الإيجابي مع المسلمين الآن. فما خرج في «تويتر» من تبرير وتشف سيكون أثره أشد على باريس من العمل الإرهابي الأخير نفسه.

التوازن الاستراتيجي بالسكاكين




د.ظافر محمد العجمي

قيل إن انتفاضة السكاكين توقفت بدليل تراجع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو عن تصريحه بإمكانية الانسحاب الأحادي من الضفة الغربية. ثم تم طعن عدة صهاينة يوم 20 نوفمبر 2015. وفي تقديرنا أنها لم تتوقف بل كان الفلسطيني يبحث عن حجر يسن به خنجره. وكغيري أنفر من كل قراءة تخاتل المنطق لتقلل من عظمة حرب سكين ضد مدفع. فحين يملك عدوك كل شيء، ولا تملك إلا القناعة بالحفاظ على حياتك، ومع ذلك تتدرج في التصدي له، من الإرباك حتى الوصول إلى التوازن الاستراتيجي فذلك أمر ينتزع التقدير. وحتى نؤصل المفاهيم نبين أن التوازن يعني أن تتكافأ القدرات السلوكية لتضمن الردع.
فرغم أن حفر الأنفاق عملية يدوية شاقة، إلا أن الفلسطينيين تبنوا هذا الأسلوب وقاموا بعمليات نوعية مثل «عملية الوهم المتبدد» في 25 يونيو 2006، وكانت عملية اختراق حدودية جريئة، استهدفت مواقع لجيش الصهاينة على الحدود الشرقية لمدينة رفح حيث قام الفلسطينيون بإطلاق قذيفة على برج المراقبة تبعها تبادل إطلاق نار، استشهد على أثره اثنان من المقاتلين الفلسطينيين، وقتل اثنان من الجنود الصهاينة، وجرح 5، وأسر الجندي جلعاد شاليط. لقد كانت الخنادق على الحدود الإسرائيلية إبداعاً عسكرياً ضيق مساحة التفوق الصهيوني، وقلل فرق التوازن الاستراتيجي، بدليل الارتباك الذي أصاب المخطط الصهيوني، فأصدر حزمة إجراءات غير متزنة شملت عملية اعتقالات عشوائية واسعة وغارت جوية على القطاع استهدفت حتى محطة توليد الكهرباء، بل إن قوات جيش العدو أصبحت لا تسير إلا بتشكيل يضم إلى جانب المدرعات والمروحيات الجرافات لتدمير المباني والأنفاق، والتي دفعت الصهاينة لإجراء اختبارات على تقنيات لكشف أي حركة أو فجوات تحت الأرض أو ما ينتج عنها من خلخلة في التربة باستخدام أنفاق تجريبية في قاعدة جنوب فلسطين المحتلة. 
وبعد محاولة الصهاينة تدنيس الأقصى بمشروع التقسيم المكاني والزماني، استل الفلسطينيون السكاكين بناء على معلومات من ملف صهيوني قديم يؤكد أن موت جندي أو مستوطن جديد هو نقطة ضعف لدى الصهاينة، وأن الضغوط التي تمارسها الأمهات الفاقدات لأبنائهن على المؤسسة العسكرية المحتلة ورئيس الوزراء ذات أثر واضح، يقابلها رغبة في الشهادة لدى الشابات والشبان الفلسطينيين. لقد كان المنحى الاحتوائي الذي تبناه الصهاينة -حين تعرضوا لامتحان القوة في معركة السكاكين- هو تحرير قواعد الاشتباك من كل قيد وقتل المرأة حتى لو ردت يدها لجيبها لإخراج هويتها. وبدل أن يفرض مشهد قتل امرأة نفسه على الضمير الإنساني، امتشق الغرب المنافق تسجيل كاميرات المراقبة بلا صوت أو لون ليجرنا إلى إشكاليات غاية في التعقيد تحت اسم منتجهم المسمى «الإرهاب».
لقد كانت انتفاضة الحجارة أول توازن استراتيجي مع العدو، ولن يجف خيال المقاومين الفلسطينيين عن خلق توازن مع الصهاينة ودفعهم لتجرع حصتهم اليومية من المنغصات المرعبة. فسكاكين القدس هي ترقية للحجر «ابجرايد Upgrade» الذي استخدم في الثمانينات في الانتفاضة. وهي مع أنفاق غزة توازن استراتيجي مع الصهاينة أجبرهم على إعادة صياغة عقيدتهم القتالية لقصور بنودها عن توفير حلول للحجر والنفق والسكين.

الجمعة، 20 نوفمبر، 2015

الأولوية الآن للتعرف على الجثث


د. ظافر محمد العجمي 


يتضمن نظام الملفوظات الغربي بعد كل عمل إرهابي كلمات وإشارات وتلميحات فظة مستقاة من ما بين المحيط والخليج من أسماء ولغة وعرق ودين، يقابلها العقم التاريخي للمساعي العربية التي بذلت طوال عقود لتغيير تلك الأحكام الغربية المتحاملة التي تربطنا بالإرهاب، ما جعل كل داعشي من شذاذ الآفاق يتبنى سياسة القتل المرعب للتعريف بالدولة الإرهابية وإيصال الرسالة، تاركاً كما يتوهم الغرب وثيقة سفره وكفنه من بقايا الحزام الناسف، والأولوية الآن للتعرف على الجثث، من كلا الطرفين، فالحمض النووي سيظهر أن هناك عرباً ومسلمين بين الإرهابيين والضحايا، كما سيكون هناك فرنسيون بين الإرهابيين والضحايا؛ فالإرهاب فكرة لا تتلمس هوية أو دين العقل التي يحتضنها.
نقول لباريس الجميلة.. ابحثي عن نائحات من مكان آخر، فنائحاتنا لا يجدن الوقت للنواح عندكم، فمنذ سنين وهن يقمن النواح والحزن على قتلانا في شوارع القدس والضفة الغربية وغزة وفي أطراف العراق الأربع وتحت أنقاض المباني في سوريا، وفي كل زنقة في ليبيا، وعلى الضحايا من الذين قتلهم الحوثيون، لكننا نستطيع راهناً أن نمدكم بالكثير من الإدانة والشجب فقد اكتوينا بنيران داعش مثلكم.
الإرهاب جريمة سياسية، وفرنسا ارتبكت جرماً سياسياً في تدخلها المرتبك في الشام، ولولا تردد باريس بعد أن انتقلت إليها العدوى من باراك أوباما لكان الطاغية الأسد من مخلفات الماضي، ولما وجدت بذرة داعش بيئة حاضنة لها، كما كان هناك ثغرات أمنية ست في باريس، لو كانت في بلد عربي لطالب البعض بإقالة وزير الداخلية، لكن النفاق جعلهم يغضون الطرف عن وزير الداخلية الفرنسي وتقصيره كجزء من النظام السياسي الفرنسي، كيف تغافل وزير الداخلية الفرنسي ولم يتوقع الانتقام وللتو عادت المغيرات الفرنسية من دك الرقة، معقل الدولة الإرهابية؟ كيف تجاهل أن العدو عقرب مقتدر مثل داعش يجند شذاذ الآفاق بسرعة غريبة؟
حين بدأت الحملة الجوية الروسية في سوريا، وبعد التنديد الشديد باستهداف موسكو للحركات السورية المعتدلة المناهضة للأسد، وزعت الآلة الإعلامية الروسية ما يفيد ببحث العسكر عن هدف كبير يحقق الزخم المنشود ويبدد تلك الاتهامات، وكان على رأس قائمة الأهداف العاجلة قتل البغدادي وقتل محمد موازي (JEHADI JOHN)، لكن واشنطن سبقتهم إلى قتل الجهادي جون، بعد يوم واحد من قصف الطائرات الفرنسية للرقة. وعليه ففي تقديرنا أن هجمات باريس كان سببها الأهم هو الانتقام من الغارة الفرنسية التي ربما قتلت شخصاً مهماً بالرقة غير موازي، كما لا نستبعد أن تكون الضربة القادمة انتقاماً لمقتل موازي.

Gulf seurity أمن الخليج العربي

Kuwait
تبين هذه المدونة كيف تمتع الخليج بأهمية كبيرة أدت إلى خلق عبء استراتيجي على أهله بصورة ظهرت فيها الجغرافيا وهي تثقل كاهل التاريخ وهي مدونة لاستشراف مستقبل الأمن في الخليج العربي The strategic importance of the Gulf region creates a strategic burden and show a good example of Geography as burden on history. This blog well examine this and forecast the Gulf's near future and events in its Iraq, Iran ,Saudi Arabia ,Kuwait, Bahrain ,Qatar, United Arab Emirates and Oman

أرشيف المدونة الإلكترونية