Gulf security أمن الخليج العربي

الأحد، 2 فبراير، 2020


Site Meter

الأربعاء، 1 أبريل، 2015

المبادرة الخليجية تجرد سيوفها


د.ظافر محمد العجمي-المدير التنفيذي لمجموعة مراقبة الخليج

عندما جلست بقرب الفريق عبداللطيف الزياني الأمين العام لمجلس التعاون في رحلة طيران الخليج من الكويت للمنامة في نوفمبر الماضي سألته: «كيف هي الأمور في اليمن؟»، فقال: «الله المستعان»، وسكت. 
حينها تذكرت الرجل وهو يحمل حقيبة المبادرة الخليجية في رحلات مكوكية مضنية وخطرة؛ فبالإضافة إلى الالتفاف حول بنود المبادرة من كافة الأطراف، حاصره ذات مرة في مقر سفارة الإمارات ومعه سفراء أجانب بداخلها العشرات من المسلحين. حينها كان الحوثيون يتحولون من الشخصيات الهامشية التي لا تظهر إلا على نحو شبحي بين صخور «صعدة» إلى الشخصية المركزية في المشهد اليمني، ثم جاء السفير الأممي جمال بن عمر ولم يشعر بالترحيب الحوثي عند الباب، ولم ينهض منهم أحد لتحيته عندما دخل، بل لم يردوا عليه السلام. 
كانت المبادرة الخليجية التي عمل الرجلان تحت مظلتها مدعومة بقرار من مجلس الأمن، لكن ذلك لم يعن للحوثيين شيئاً، فعبقرية السلاح وجاذبية توحشه ستغطى على عجز الدبلوماسية الحوثية في حصد المكاسب. وقد صدق تقدير رجال «صعدة» فانتقلت سيادتهم لصنعاء من فرضية مقلقة لحقيقة مرعبة. ومرة أخرى لم يعن لهم شيئاً أن أشر الناس من يحسن إليه الناس اتقاء شره. بل استغلوا السمعة التتارية للتوسع كقلة متوحشة فرضت أجندتها بقوة السلاح، وبالإيحاءات الإيرانية حتى وصلوا أطراف عدن. 
كانت غالبية القوى اليمنية تتفرج على المشهد من دون أي تدخل أو محاولة تغيير، في حين كان الرئيس المخلوع علي عبدالله صالح يحاول ارتداء إحدى بذل العماد اللبناني ميشيل عون، وهو يحاول اللحاق برتل أنصار الله الحوثي عارضاً عليهم الثلث المعطل في مجلس النواب اليمني، كما فعل عون و»حزب الله» نظير عودته وابنه لسدة الحكم، يفعل ذلك دون أن يلتفت لابنه أحمد الذي كان في الوقت نفسه يحاول ارتداء بذلة للشيخ بشير الجميل قائد حزب الكتائب الذي انتخب رئيساً للبنان واغتيل قبل أن يتسلم الحكم، رغم أن طريقه كان مرصوفاً بجثث آل فرنجيه، وتحرس الدبابات الإسرائيلية رجاله حتى بعد موته وهم في طريقهم لتنفيذ مجزرة صبرا وشاتيلا كجزء مكمل لطقوس مأتمه.
لم تكن المبادرة الخليجية تحتضر، ولم تكن دول الخليج في وارد التحرك بعد وقوع كارثة سقوط صنعاء بسياسة رد الفعل، كانت الدبلوماسية قد توقفت ولم تمت وكان تقدير الرياض أقرب للمقولة الاستراتيجية الأشهر للجنرال والمفكر العسكري البروسي «كلاوسفتز» بأن «الحرب هي امتداد للدبلوماسية بطريقة أخرى»؛ وهو توصيف مهذب بأن بديل الدبلوماسية هو دخان البنادق وارتفاع أصوات قرقعة السيوف. والمبادرة الخليجية التي أصبحت منذ 26 مارس 2015م تسير ممتشقة السيف ليست عجولة، فقد ذكر أن عمر بن الخطاب، رضي الله عنه، قال لرجل من أصحابه: «لولا عجلة فيك لوليتك، ولكن الحرب زبون لا يصلح لها إلا الرجل المكيث».
و»عملية عاصفة الحزم» زبون ثمين جداً، فقد كانت «العاصفة» من البلاغة أن أنصت له الحوثيون من أول طلعة جوية، ولأن الحرب أكثر أهمية من أن تترك للجنرالات وحدهم، كما قال جورج كليمنصو رئيس وزراء فرنسا الذي قاد بلاده إلى النصر في الحرب العالمية الأولى، ولأن تحويل الانتصار العسكري إلى انتصار سياسي هو الهدف الأهم بين أهداف «عملية عاصفة الحزم» يحتم الوضع تجهيز مبادرة خليجية متطورة عما سبقها، فقد كانت المبادرة الخليجية بريئة ومخلصة فتم الالتفاف عليها، وتم تسييس مخرجاتها بسوء نية، فاعتبرها اليمنيون بعد خيبة أملهم مبادرة غير محسوبة، والمبادرة المطلوبة يجب أن تكون براغماتية تتعامل مع الواقع كما هو، ومع كافة أطراف المشهد السياسي اليمني وليست في قطيعة مع الحوثيين أو غيرهم لتشكيل حكومة إنقاذ وطني تمسك بزمام الأمور وتقود حواراً سياسياً يستهدف تفكيك الأزمة والحيلولة دون الحرب الأهلية ثم الدولة الفاشلة.

الأربعاء، 25 مارس، 2015

الخليج بين تنظيم «داعش» وتمرين «حسم العقبان»



د.ظافر العجمي -المدير التنفيذي لمجموعة مراقبة الخليج 

في جنح الليل يتحرك بخفة رجال القوات الخاصة مسلحين وملثمين لانتزاع برج المراقبة من جماعة إرهابية تحتجز بعض المدنيين، وتطالب بفدية مالية وبإطلاق سراح بعض السجناء السياسيين، كما تطالب بتوفير طائرة نظير إطلاق سراح الرهائن. 
لقد اعتقد الإرهابيون أن لهم اليد العليا في إدارة الأمور، لكن رجال القوات الخاصة بمهاراتهم العالية وضعوا خطة لقلب الأمور لصالحهم، حيث هاجمت القوة المشكلة من جنود من الكويت والأردن والإمارات وأمريكا برج المراقبة من أكثر من جهة، ونجحت في القضاء على الإرهابيين الخمسة وتحرير الرهائن دون إصابات، لقد كانت هناك فروق بين رجال القوات الخاصة في شاراتهم وبدلاتهم المختلفة الشكل والتصميم لاختلاف بلدانهم، لكنهم كانوا فريقاً واحداً يخوضون معركة واحدة، أو هذا ما أظهرته القصة التي نشرت ضمن أدبيات تمرين حسم العقبان 2013م.
إن شعار «دول عدة فريق واحد لخوض معركة واحدة» هو من المشهيات المعنوية لتحقيق المطلوب من تمرين حسم العقبان «Eagle Resolve Exercise»، الــــــــذي بدأ أول مرة في البحرين عام 2000م، ويعقد هذه الايام في الكويت حتى نهاية شهر مارس الجاري، والتمرين جهد ضخم ويهدف لتعزيز التعاون بين دول مجلس التعاون والدول الشقيقة والصديقة التي بلغت أكثر من 22 دولة، وينفذ التمرين على ثلاث مراحل هي مرحلة تمرين مراكز القيادات «Command Post Exercise «CPX ومرحلــــــة التمريـــــن الميدانــي «FTX Field Training Exercise» علـى أن تختتم فعالياته بإقامة ندوة دولية لكبار القادة لتبادل واكتساب الخبرات في مجال ادارة العمليات المشتركة وتنسيق التعاون في مجالات عدة؛ منها إدارة الأزمات والكوارث ومكافحة العمليات الإرهابية.
وهنا نتفق مع القائمين عليه بأن التمارين العسكرية هي أحد أضلاع النصر مع الانضباط والقيادة، وهي استثمار خليجي ناجح، فبالتمارين تبرز كفاءة القوات القتالية ويرتفع مستوى الجاهزية والقدرة على التنسيق والمعاونة الإدارية واللوجستية، كما أن التمارين تعقد لإظهار حداثة الأسلحة وكثافتها النارية، فتكتسب السياسة الخارجية للدولة قوة نفوذ تحقيق به أهدافها الوطنية وتخلق ردعاً سياسياً بغطاء عسكري.
ويتزامن مع تمرين «حسم العقبان» بنسخته «13» قلق خليجي من تنظيم «داعش»، فأين دور تمرين حسم العقبان فيما يجري؟!
لقد تكونت من حولنا مستنقعات التهديد ولم تجففها واشنطن، بل أمعنت في تغذية بعضها من جداول التردد، وانحصرت التمارين ليس في مواجهة خطر جيش نظامي، بل لمواجهة العمليات الارهابية حصرياً، ويكمن الخطأ الاميركي في تصوير «داعش» كجماعة إرهابية، بينما يقول الواقع ان التنظيم يملك آلة عسكرية ضخمة تفوقت على جيوش القوى الإقليمية المحيطة في مجالات المناورة وكثافة النيران وخفة الحركة، ثم حقق نصره الأكبر بآلته الإعلامية التي شرعت أبواب التطوع على مصراعيها لشذاذ الآفاق. لقد ظهرت خطيئتنا الخليجية في الانقياد للفكر الأميركي دون نقاش رغم كارثية اعتبار «داعش» جماعة إرهابية، كما أشرنا، وهي بقدرات جيش نظامي متمرس، ومع ذلك لا يبدو أن مخرجات التمرين من السنوات الماضية قد نجحت في وقف خطر داعش.
وعليه فليس من المتأخر ضبط حدود الاختلاف مع حلفائنا الأميركان، فقد سموا التمريــن «Eagle Resolve Exercise»؛ ولمكانة النسر الوضيعة في مخيلة العرب لكونه طائراً جباناً يأكل الجيف، لم نسم التمرين «حسم النسور» بل «حسم العقبان»، لأن العقاب غير النسر، فالعُـقاب ملك الطيور بلا منازع لا يأكل إلا من صيده، وقد تفهم حلفاؤنا ذلك واستدركوا الأمر لنكتشف أن المترجمين العرب الأوائل هم من ترجم كلمة «Eagle» إلى نسر بدل عقاب، رغم نبل صفات الطائر الأميركي. 
فإذا كان «داعش» خطراً يفوق خمسة إرهابيين يحتلون برج مراقبة، وإذا كان الأميركان متفهمون عند الإصرار على تصحيح الإعوجاج؛ فلماذا يبقى تطور مهارات رجالنا لا يتعدى مكافحة الإرهاب بدل وقف جيش نظامي؟!

الاثنين، 23 مارس، 2015

موقف دول الخليج من التطورات الراهنة في اليمن

موقف دول الخليج من التطورات الراهنة في اليمن
آخر تحديث : الإثنين 23 مارس 2015   14:38 مكة المكرمة
(الجزيرة)
ملخص
يحاول الباحث في هذه الورقة أن يجيب على تساؤلٍ مفاده: هل يكمن سبب الأزمة اليمنية التي أحدثت انقلابًا حادًّا في المشهد الجيواستراتيجي في جنوب شبه جزيرة العرب في "جماعة الحوثي"؟ ويحاول أن يسلط الضوء على أسباب الأزمة الراهنة التي يمر بها اليمن، حيث يرى أنّ من أهمها: 
  • وفرة السلاح وعلو مفهوم المذهب والقبيلة في المجتمع اليمني، واتِّساع رقعة الفساد وتردِّي الخدمات الأساسية وتدهور الأمن، واستمرار السلطة الجديدة في ممارسة الصور القديمة نفسها.
  • الأزماتُ المعيشية التي استغلَّها الحوثيون في تظاهراتهم واعتصاماتهم في العاصمة صنعاء بعد رفع الدعم عن المشتقات النفطية.
  • الأطراف الداخلية الأخرى التي تُحَرِّك الأزمة اليمنية والتي من أهمها: اللقاء المشترك وحزب المؤتمر الشعبي العام، والحراك الجنوبي وقوى ثورية أخرى مختلفة (إسلامية وليبرالية). 
  • القوى الإقليمية الخارجية التي تمتلك استراتيجيةً وأهدافًا محددة وتسعى للتاثير على الأطراف المتصارعة في الداخل اليمني.
كما يرى الباحث أن المستجدات الإقليمية تحتم على الخليجيين أن يتحولوا من مرحلة "تأدية الدور" إلى إلزام أنفسهم بواجب الوقوف إلى جانب اليمن لإخراجه من أزمته، ليس بالمساعدة المادية فحسب، بل السياسية أيضًا؛ وذلك من خلال طرح مبادرة براغماتية تتعامل مع الواقع ولا تحيّد أي طرفٍ من أطراف المشهد السياسي في اليمن؛ يكون هدفها تشكيل حكومة إنقاذ وطني تمسك بزمام الأمور، وتقود حوارًا سياسيًّا يستهدف تفكيك الأزمة والحيلولة دون انهيار الدولة. كما أنّ الحفاظ على الرئة الجنوبية لليمن من خلال الاعتراف بحق عدن في السيادة ولو بشكلٍ مؤقت قد يكون ضرورةً في هذه الفترة.
أخيرًا، يخلص الباحث إلى تقديم عددٍ من السيناريوهات لمسارات الأزمة التي تهز اليمن منذ أن سيطر الحوثي على مفاصل الدولة اليمينة، ولعلّ من أهم تلك السيناريوهات الممكن وقوعها حسب الباحث:
  • اندلاع الحرب الأهلية بين جماعة الحوثي من جهة وبين الفصائل الإسلامية السنية من جهة أخرى.
  • تحول جماعة الحوثي -بدعمٍ من طهران- إلى حزب سياسي مسلح على غرار حزب الله اللبناني.
  • اندلاع ثورة يمنية حقيقية يكون وَقُودُها غضب الشباب اليمني، ما سيؤدي إلى انهيار جماعة الحوثي.
  • التدخل الخليجي المباشر تحت غطاءٍ أممي.
مقدمة
نجح الحوثي بعد استقاوئه بإيران في حصار العاصمة صنعاء، وتأزَّمت الأوضاع بعد سيطرته على الوزارات وفرض الإقامة الجبرية على الرئيس الشرعي للبلاد ورئيس حكومته، ثم صدور الإعلان الدستوري، ليعقبها انتقال الرئيس اليمني إلى عدن، حيث تبعه وزراء آخرون؛ منهم وزير الدفاع اللواء محمود أحمد سالم الصبيحي، لتهب من بعدها ردة فعل محلية وخليجية وعربية ودولية غاضبة.
الأزمة اليمنية.. أسبابها وأطرافها
بجانب سيارة ذات دفع رباعي، نُصب على ظهرها رشاش عيار 60 ملم، يقف في وسط العاصمة اليمنية صنعاء رجلٌ أشعث في وسطه خنجر، ويتدلى من على كتفه رشاش كلاشنكوف، وبجانبه لوحة كتب عليها شعار الحوثيين: "الله أكبر، الموت لأميركا، الموت لإسرائيل، اللعنة على اليهود، النصر للإسلام". فهل وجود هذا الرجل أمامنا في هذا المكان بهذا الشعار هو سبب الأزمة اليمنية التي أحدثت انقلابًا حادًّا في المشهد الاستراتيجي في جنوب شبه جزيرة العرب؟ لقد توالت فصول الأزمة اليمنية بمتغيرات سريعة تقطع الأنفاس، حتى تكاد أسباب الأزمة الراهنة أن تفلت من يد المراقب الذي يستطيع أن يعدد منها:
  • حاضنة البؤس البشري الآخذ في التشكُّل حاليًّا على هيئة أزمة في اليمن، هي نتاج تراكم سنين طويلة من الفقر والفوضى واختلال الموازين الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والثقافية، وعِلَل اليمن القديمة كوفرة السلاح وعلو مفهوم المذهب والقبيلة(1)، يضاف إليها اتِّساع رقعة الفساد، وتردِّي الخدمات الأساسية وتدهور الأمن، واستمرار السلطة الجديدة في ممارسة الصور القديمة نفسها، فمجمل الحلول لا يخرج عن شراء الذمم وتوزيع الرتب والمناصب بالترغيب والترهيب.
  • تُعتبر الانتفاضة اليمنية وما رافقها من أحداث واحدةً من انتفاضات الربيع العربي الطويلة، فالأزمة الراهنة ما هي إلا امتداد لأحداث الانتفاضة التي بدأت بثورة الشباب اليمنية في 11 فبراير/شباط 2011 كسلسلة من الاحتجاجات الشعبية، منادية بإسقاط منظومة حكم الرئيس المخلوع علي عبد الله صالح؛ الذي اضطر إلى توقيع المبادرة الخليجية في 23 من نوفمبر/تشرين الثاني 2011؛ ومن ثمَّ التنحي عن الحكم.
  • تميزت الانتفاضة اليمنية بنجاحها في عقد صفقة جيدة بالنسبة إلى اليمن(2)؛ تمثَّلت في رحيل الرئيس صالح عن سدة الحكم مُحَصَّنًا من العقاب نظير حقن الدماء؛ لكن بقاء رجاله بقوتهم في المشهد اليمني أفسد جزءًا من تلك الصفقة، وهذا من أقوى أسباب الأزمة الحالية؛ حيث مهَّد ذلك إلى عودة صالح إلى المشهد من خلال تحالفه مع جماعة الحوثي.
  • من أسباب الأزمة الحالية أيضًا، الأزماتُ المعيشية التي استغلَّها الحوثيون في تظاهراتهم واعتصاماتهم في العاصمة صنعاء بعد رفع الدعم عن المشتقات النفطية، ومطالبتهم بإلغاء قرارها، بالإضافة إلى إسقاط حكومة الوفاق الوطني، وتنفيذ مخرجات مؤتمر الحوار الوطني الشامل؛ حيث وجد الحوثي تأييدًا من قطاعات كبيرة في المجتمع اليمني جراء ارتفاع نسبة الفقر إلى 54.5% وزيادة البطالة إلى 60% بين شريحة الشباب(3).
  • كثرة الأطراف الداخلية التي تُحَرِّك الأزمة اليمنية من غير جماعة الحوثي، فقبل دخول الحوثي صنعاء تقاسم حقائب حكومة الوفاق الوطني تكتُّلا اللقاء المشترك وحزب المؤتمر الشعبي العام، وقد تصاعد الجدل بينهما حول مَنْ يتحمَّل مسؤولية الأزمة الاقتصادية؛ التي أفضت إلى استيلاء جماعة الحوثي على مفاصل الدولة. وعند تفكيك الساحة السياسية الداخلية في اليمن نجد أن الدولة العميقة يمثلها كلٌّ من حزب المؤتمر الشعبي العام "النظام السابق"، والحراك الجنوبي وقوى ثورية مختلفة (إسلامية وليبرالية). إن معظم تلك الأطراف تدعمها قوى إقليمية مختلفة لديها استراتيجيتها وأهدافها التي تسعى لتقريبها أو إبعادها عن الأطراف الخارجية؛ سواء تلك التي تتعاطف مع الإخوان المسلمين (تجمُّع الإصلاح)، أو التي تدعم جماعة الحوثي (إيران)، أو التي تتقرَّب من الرئيس المعزول علي عبد الله صالح أو من الحراك الجنوبي(4).
على الرغم من أن اليمن بلد يغص بالأزمات السياسية والاقتصادية، فإن حصار الحوثيين ثم دخولهم صنعاء قد أدّى إلى بوادر سقوط الدولة اليمنية مع ما له من تبعات؛ كان أولها استقالة رئيس الجمهورية عبد ربه منصور هادي ورئيس وزرائه خالد بحاح؛ حيث شكَّل ذلك ضربة قاصمة لشهية الحوثيين المنفتحة بقوة، ليختم مشهد مآسيهم تمكُّن الرئيس عبد ربه منصور هادي من الخلاص من قبضتهم ووصوله إلى عدن، وإعلانه الاستمرار بقيام حكومته بمهامها من مدينة عدن، وهو ما أوقف استكمال مخططات الحوثيين، ووضعهم في مواجهة مباشرة مع الشعب من جهة والمجتمع الدولي من جهة أخرى(5)، ما أدّى إلى إعلانهم في 16 من مارس/آذار 2015 إطلاق سراح رئيس الوزراء اليمني السابق خالد بحاح وعدد من وزراء حكومته؛ وذلك بعد وضعهم رهن الإقامة الجبرية لمدة شهرين(6).
الكانتونات القبلية
كاد اليمن على وشك أن يدخل في حرب أهلية حين حاصر جماعة الحوثي العاصمة صنعاء؛ حيث زاد دخول تلك الجماعة من تعقيدات الموقف؛ وهناك مؤشرات تدلُّ على تشكُّل كانتونات قبلية أو فئوية؛ من أهمها:
  • أظهرت الشبكات القبلية والطائفية تفاعلاً خطيرًا مع الأزمة، عبر الاستيلاء على الأسلحة وتكديسها؛ ردًّا على قيام الحوثي بنقل عدد من الطائرات العسكرية من ميناء محافظة الحديدة إلى محافظة صعدة(7)، كما قام مسلحو بعض القبائل بالسيطرة على الكتائب والألوية العسكرية القريبة منهم؛ وذلك في سباق مع جماعة الحوثي على جمع غنائم الجيش اليمني المفكك؛ بل إن بعض الوحدات العسكرية سلَّمت أسلحتها ومعداتها دون مقاومة كما حدث لكتيبتين عسكريتين تابعتين للواء الـ19 في منطقة عسيلان بمحافظة شبوة(8).
  • رافق الاستيلاء على الأسلحة في مناطق متفرقة من اليمن حركة تشكيل حاميات شعبية لتأمين حدود مناطق معينة؛ ومن ذلك إعلان قبائل حضرموت وشبوة أنها لن تسمح بتحوُّل المحافظتين إلى ساحة للصراع على خلفية ما يحدث في صنعاء، وقرَّرت تلك القبائل تشكيل لجان أمنية لمنع الانفلات الأمني بالمحافظتين(9).
وبالإضافة إلى الاستيلاء على السلاح وتحديد مناطق النفوذ القبلية، هاجم مسلحون قبليون مواقعَ عدةٍ لمسلحي جماعة الحوثي؛ بل إن عددًا من القبائل قامت بمهاجمة مواقع عسكرية موالية للرئيس المخلوع علي عبد الله صالح، وهو ما يقود إلى الاعتقاد بتكرار السيناريو الليبي، وتقسيم اليمن إلى «كانتونات» بينها إمارة إسلامية يحكمها تنظيم القاعدة، وجمهورية إسلامية، وأخرى إسلامية حوثية.
إن التردُّد الإقليمي والدولي سيُعَمِّق جراح اليمن بدرجة تستعصي معه الحلول المعروفة في مثل هذه الصراعات؛ كتسليم الميلشيات القبلية لسلاحها، أو محاولة ربط القوات المسلحة القبلية بما فيها جماعة الحوثي بمؤسسات الدولة العسكرية من دون حلِّها؛ وذلك من خلال تشكيل ألوية وكتائب جديدة تعمل مع الجيش؛ كالحلِّ المزمع تنفيذه في العراق من خلال دمج أفراد عدد من القبائل العراقية ضمن وحدات للحرس الوطني.
لقد ضمَّ جنوب اليمن في السابق أكثر من 12 كيانًا بين مشيخة وسلطنة إلى أن تشكَّلت جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية في وحدة قسرية؛ استعانت خلالها بالاتحاد السوفيتي السابق لتكون دولة اشتراكية ذات حزب واحد؛ لكن نزعة التشظي ستكون في الشمال أكثر منها في الجنوب خلال هذه الأزمة، فوصول الرئيس هادي إلى عدن وتدثُّرها بزي العاصمة وَحَّد أطرافها إلى حدٍّ ما، مقارنة بشمال فوضويٍّ وممزَّقٍ وموزَّعِ الولاءاتِ ويستشري فيه الفساد؛ حيث تحدَّثت بعض المصادر اليمنية عن توسُّع الحوثيين في ضخِّ الأموال لشراء ذمم بعض رجال القبائل(10).
موقف دول الخليج من الأزمة اليمينة
لا يبدو متأخِّرًا كبح النزعة الفوضوية التي طبعت الأحداث في تعامل دول الخليج العربي مع الأزمة اليمنية. لقد وقعت صنعاء في بحثها عن الاستقرار بين مطرقة محدودية قدرات المبعوث الأممي، وبين سندان إطلاق العنان لمبادرات خليجية غير محسوبة العواقب، وكأنها تعويض نقص للخليجيين؛ بعد أن كانت العواصم الغربية هي صاحبة المبادرات ودول الخليج هي صاحبة ردود الفعل. فمن النقاط المرجعية لمحدودية قدرات كلِّ مبعوث أممي عربي تكرار السيد محمد البرادعي جملة: "لم نجد شيئًا حتى الآن"، "نحتاج إلى مزيد من الوقت"، وذلك بعد كل جولة تفتيش في العراق حتى دخل المارينز ساحة الفردوس؛ ثم حين كُلِّف البرادعي بقضية النووي الإيراني لقي الفشل نفسه بين عبارات: "وثائق ناقصة"، و"أسئلة معلقة". التي طرز بها تقاريره.
أما الأخضر الإبراهيمي مبعوث الأمم المتحدة والجامعة العربية إلى سوريا؛ فقد تبنَّى الخيارات السطحية في معالجة القضايا البنيوية؛ حيث ركز على الانتخابات الرئاسية فيما الأسد يلقي البراميل المتفجرة على شعبه الأعزل. وعليه لم يختلف المبعوث الأممي لليمن جمال بن عمر عن سابقيه؛ فقد أعلن أن اليمن قد أصبح "في مهب الريح"، معبرًا عن يأسه قبل تصويت مجلس الأمن على القرار الخليجي في 15 من فبراير/شباط 2015، ودون أن يلاحظ قبل إعلان يأسه مؤامرات الرئيس المخلوع علي عبد الله صالح، أو أن يسمع طلقات جماعة الحوثي وهم في طريقهم إلى العاصمة صنعاء.
إن انتقال المفاوضات التي سيشرف عليها المبعوث الأممي إلى الرياض بالإضافة إلى حوار آخر يجري بالتوازي في صنعاء، لا يُعتبر مشجِّعًا؛ وإن تجاوزنا معضلة حوارين في عاصمتين مختلفتين؛ فإنه لا يمكن تجاوز أن مَنْ يُشرف على كلا الحوارين قد فشل في التوصُّل إلى مخرجات حوارٍ واحدٍ، كما أن تبلور الدعوة الخليجية في الاجتماع الوزاري الذي عُقد في 14 من فبراير/شباط 2015 في المطالبة بقرار أممي يضع اليمن تحت الفصل السابع مجال استفسار أيضًا؛ فهل كانت المطالبة باستخدام الأعمال العسكرية هي نتيجة موقف تفاوضي اقترحه الخليجيون حتى تتراجع جماعة الحوثي عن إعلانها الدستوري وعودة الحكومة الشرعية ؟ أم هي دعوة أصيلة يُراد منها فرض حصار اقتصادي وعزلة دبلوماسية وتدخُّل عسكري دولي لإرجاع الغاصبين إلى صعدة؟
إن لكلا الأمرين آثارًا سلبية؛ فالتدخل العسكري الدولي في جزيرة العرب خطيئة استراتيجية تتحملها دول الخليج حين تنفتح الأبواب أمام الجماعات الجهادية المتشدِّدة بذريعة فريضة الجهاد، وهو ما قد يؤدي إلى تحوُّل اليمن إلى أفغانستان الجزيرة العربية؛ كما أن بيئة العلاقات الدولية غير مهيأة لمثل هذا القرار؛ فموسكو تواجه في أوكرانيا حالة مماثلة؛ حيث يُشبه فِعْل أنصارها ما يقوم به الحوثيون في اليمن، ومن المرجح أن تستخدم حقها في النقض "الفيتو" على مثل هكذا قرار. أما بكين فستراعي طهران، كما ستراعي موقفها المنسجم مع توجهها الرافض للهيمنة الغربية على القرارات الأممية تحت البند السابع؛ وعليه لابدَّ من التساؤل: هل ما زال اليمن بحاجة إلى مفاوض عاجز؟ كما أنه لابدَّ من معرفة أنه لن تنجح في اليمن مبادرة لا تخدم مصالح أعضاء مجلس الأمن ودول الجوار الإقليمي؛ فلن يردع الحوثي إلا مبادرة يمنية شاملة تلقى دعمًا خليجيًّا أمميًّا(11).
دول الخليج في الأزمة اليمنية: تأدية دور أم تنفيذ لواجب؟
بحثت دول الخليج عن مصالحها في اليمن من خلال خلق أدوار اقتصادية وسياسية لها في فترات متباعدة؛ لكن الأزمة الحالية الخانقة وفقدان الثقة بين أطياف العمل السياسي اليمني، كل ذلك أدى إلى احتدام الصراع في البلاد، كما أنَّ دخول طهران في اليمن عبر بوابة الحوثيين، وظهور مستجدات إقليمية حادَّة تحتم على الخليجيين أن يتحولوا من "تأدية الدور" إلى إلزام أنفسهم بواجب الوقوف مع اليمن لإخراجه من أزمته، ليس بالمساعدة المادية فحسب، بل السياسية أيضًا؛ وذلك من خلال التالي:
• مبادرة براغماتية
لقد تمَّ الاتفاف على المبادرة الخليجية الأولى التي أدَّت إلى التوصل إلى اتفاق يتنحى بموجبه الرئيس المخلوع علي عبد الله صالح عن كرسي الرئاسة، وتم تسييس مخرجاتها(12)؛ حيث اعتبرها اليمنيون بعد خيبة أملهم مبادرة غير محسوبة. كما أن حوار الرياض المزمع عقده تحت مظلة المبادرة الخليجية هو فرصة لمبادرة جدية، ذات محاور جريئة خارج الخطوط المتعارف عليها بالعداء للحوثي؛ فالمطلوب إذًا مبادرة براغماتية(13) تتعامل مع الواقع كما هو، ومع كافَّة أطراف المشهد السياسي في اليمن؛ مبادرة ليست في قطيعة مع الحوثيين أو غيرهم لتشكيل حكومة إنقاذ وطني تمسك بزمام الأمور، وتقود حوارًا سياسيًّا يستهدف تفكيك الأزمة والحيلولة دون الانهيارات.
• الحفاظ على الرئة الجنوبية
في الحالة اليمنية الراهنة نجد أنفسنا أمام حالة سرطانية تتوسَّع لتُفَتِّت نسيج الدولة على كافة الأصعدة؛ وقد يكون من الحصافة أن يسعى الخليجيون إلى المحافظة على الرئة الجنوبية لليمن؛ وذلك من خلال الاعتراف بحق عدن في السيادة؛ فالاعتراف بعدن عاصمة لكل اليمن لن يتعدى شكل تايوان حين فرَّ إليها أعداء الشيوعية من البر الصيني.
سيناريوهات الأزمة اليمنية
يرى الباحث أن الأزمة في اليمن يمكن أن تؤول إلى أحد المسارات التالية:
  • الحرب الأهلية بين جماعة الحوثي من جهة وبين الفصائل الإسلامية السنية من جهة أخرى؛ حيث سيلقى كل طرف دعمًا خارجيًّا، وتكمن خطورة الأمر في ارتفاع قابلية حدوث الحرب الأهلية؛ ثم تحوُّل اليمن إلى دولة فاشلة يديرها زعماء ميلشيات على غرار ما حدث في الصومال؛ فمؤشر التنمية البشرية في اليمن منخفض جدًّا، وتحتل الجمهورية اليمنية المرتبة 164 من 182 دولة في تراتبية الدول الفاشلة(14)، ويدعم فرضية الحرب الأهلية انتقال السلطة الشرعية إلى عدن، وانتقال غرماء جماعة الحوثي إليها، وهو ما يعطي الحوثي مبررًا لتوصيفها بحرب يمنية بين الشمال والجنوب.
  • امتداد الأزمة ومحاولة جماعة الحوثي -بدعمٍ من طهران- التحول إلى حزب سياسي مسلح على نسق حزب الله اللبناني، الذي يملك الثلث المعطِّل في مجلس النواب، مع استمرار اللاعبين السياسيين الآخرين في الساحة؛ ولو كانوا بحالة ضعف مهينة؛ حيث من الممكن أن تتجلَّى في اليمن الانتهازية السياسية كطبيعة بشرية؛ لكنها لن تكون انتهازية يمنية صرفة؛ حيث سيمدُّ كل طرف في المشهد اليمني يده طالبًا المساعدة من طرف خارجي، وسيتصاعد الجدل بين تلك الأطراف حول من يتحمل مسؤولية الأزمات الاقتصادية والسياسية، وهو ما سيقود إلى استمرار اليمن كمستودع للبؤس البشري مع ارتفاع معدلات الفقر فيه.
  • انهيار الحوثيين إذا قاتلهم الشعب من خلال قيام ثورة يمنية حقيقية وَقُودُها غضب الشباب اليمني المنشغل بمستقبل بلاده، لتعود الأمور إلى نصابها؛ حيث لم يَخْلُ التاريخ اليمني من تظاهرات وانقلابات وثورات، قد يكون سيناريو قيام ثورة حقيقية في اليمن نتاجًا لتشرُّب المشهد السياسي بحالة فشل المؤتمرات والحوارات والاتفاقيات بين السلطة والأطراف المعارضة، ولغياب الشباب المستقلين والوطنيين الحقيقيين، ولغموض كثير من بنود الاتفاقيات التي تُبرم لتغليب مصلحة المتصارعين على حساب مصلحة الشعب اليمني نفسه(15).
  • التدخل الخليجي المباشر؛ فقد أكَّد وزراء خارجية دول مجلس التعاون الخليجي في البيان الذي صدر عن اجتماعهم مؤخرًا، رفضهم الإعلان الدستوري للميلشيات الحوثية، ودعوا لاستصدار قرارٍ يضع اليمن تحت الفصل السابع(16). تبع ذلك مباركتهم لقيام حكومة يمنية شرعية في عدن، اعترفوا بها ونقلوا سفراءهم إلى حيث تعمل (عدن)؛ وعلى الرغم من اختلاف الحالة؛ فإن التدخل الخليجي المباشر في البحرين من قِبَل قوات درع الجزيرة قد يُشَجِّع على تكراره في اليمن، بالرغم من أن اليمن ليست عضوًا في منظومة مجلس التعاون الخليجي.
إن عدم تبني مجلس الأمن لقرار يضع اليمن تحت البند السابع لا يعني نهاية الحل العسكري؛ فقد تحوَّل حلف شمال الأطلسي بأسلحته ورجاله إلى "قناة غربية" مسلحة لتجاوز العراقيل التي تضعها روسيا والصين أمام "البند السابع". كما أن محاولة استصدار قرار أممي للتدخل العسكري قد تتكرر بناء على مبدأ مسؤولية الحماية (R2P - R to P)، حيث تفقد الدولة سيادتها حين تفشل في حماية مواطنيها(17). كما أن هناك مدخلَ حمايةِ المصالح في حال السيطرة كلِّيًّا من قِبَل جماعة الحوثي على مضيق باب المندب؛ حيث إنه من مهام قوة التدخل السريع الخليجية المشتركة التي تشكَّلت بقرار مجلس التعاون الخليجي في عام 2009 بدعم مصري وأردني أن تقوم بحماية مصالح كلا الطرفين الحيوية لتأمين الممرات المؤدية إلى قناة السويس وخليج العقبة، وهي خطوة من المُتوَقَّع أن تدعمها كل من الولايات المتحدة الأميركية والاتحاد الأوروبي في حال تبنِّيَها.
كما قد يكون للتدخل الخليجي المباشر وجه آخر يتمثَّل في حرب اقتصادية على جماعة الحوثي؛ التي باتت تسيطر على العاصمة صنعاء؛ وذلك عبر وقفٍ تامٍّ للمساعدات والمنح التنموية التي تمثل 70% من إجمالي الموارد المالية اليمينة، وسحب الودائع وتجميد الاستثمارات، ثم فرض قيود على تحويلات المغتربين اليمنيين بالخليج.
الخاتمة
لابُدَّ لدول الخليج أن تتحمل مسؤولياتها تجاه ما يجري في اليمن، وبحكم المنطق الداخلي للأحداث في صنعاء فإنه لا يمكن الركون لما هو قائم حتى الآن من جهود المبعوث الأممي، أو إلى مبادرات خليجية غير محسوبة العواقب، كما أن أي نوع من التعاون مع العالم الخارجي لحل قضية اليمن يستلزم إطارًا واضح المعالم حتى لا تتحول جبال اليمن إلى مغارات تورابورا جديدة يُصَفِّي فيها الغرب حساباته مع الإرهاب دون التفات إلى مصلحة اليمن أولًا ودول الخليج ثانيًا.
بناءً على ما تقدَّم، فإن التزام دول الخليج بطرح مبادرة براغماتية هو بمثابة الواجب، كما أنَّ الحفاظ على الرئة الجنوبية بدل خسارة اليمن برمته أمرٌ ينبغي أخذه على محمل الجدِّ. إن تدخلًا خليجيًّا مباشرًا في اليمن أمر فيه الكثير من المخاطر؛ لكن مناورة الحوثيين في 12 من مارس/آذار 2015 على الحدود السعودية بدعم إيراني ما هي إلاَّ مدخل لتطبيق "استراتيجية المناورات" التي تنتهجها طهران، وما جرى كان مناورة عسكرية استفزازية لدول الجوار فيها ما يكفي لحمل الرسائل السياسية والعسكرية لدول الخليج العربي(18).
___________________________________________
د. ظافر محمد العجمي: المدير التنفيذي لمجموعة مراقبة الخليج.
الهوامش
(1) مروان عبدالمولى، "السلاح والفساد والجهل.. أسباب رئيسية في أزمات اليمن"، أخبار اليوم 18 من يناير/كانون الثاني 2015.
(2) "الآفاق المستقبلية لانتقال سلمي للسلطة في اليمن"، حلقة نقاش لمركز بروكنغز الدوحة في 22 من ديسمبر/كانون الأول 2011م.
(3) جريدة الحياة اللندنية 24 من أغسطس/آب 2014م.
(4) توفيق السيف، "جيراننا الدواعش"، جريدة الشرق الأوسط 4 فبراير/شباط 2015م.
(5) عبد الحكيم هلال، "الأزمة اليمنية بين المتغيرات السعودية والوسيط العماني" الجزيرة نت، 2 من فبراير/شباط 2015م.
(6) http://www.nytimes.com/2015/03/17/world/middleeast/houthi-rebels-release-yemeni-officials-from-house-arrest.html?_r=0
(7) "طائرات سوخوي في قبضة الحويين"، جريدة الشرق الأوسط اللندنية، 18 من فبراير/شباط 2015م.
(8) "مقتل عشرات الحوثيين بمعارك مع قبائل البيضاء"، الجزيرة نت، 14 من فبراير/شباط 2015م:
http://tinyurl.com/oft9h3l
(9) "حضرموت وشبوة تقرر تشكيل لجان أمنية لمواجهة الحوثي"، اليمن برس. 18 من فبراير/شباط 2015م.
(10) http://www.yemen-24.com/news7660.html
(11) د. ظافر العجمي، "اليمن بين قصور المبعوث والمبادرة"، العرب القطرية، 18 من فبراير/شباط 2015م:
http://tinyurl.com/k2rlw2e
(12) "صالح" يطالب دول الخليج بمساعدة اليمن للخروج من الأزمة الحالية، 28 من نوفمبر/تشرين الثاني 2014م:
http://www.vetogate.com/1350231
(13) توفيق السيف، "جيراننا الدواعش"، جريدة الشرق الأوسط، 3 من فبراير/شباط 2015م:
http://tinyurl.com/onqzyce
(14) تقرير الشفافية الدولية المعني بالفساد لعام 2011م:
Transparency International's 2011 corruption index
(15) عبد العزيز العقاب، "أسباب فشل الاتفاقيات والحوارات اليمنية، صحافة يمن، 20 من يناير/كانون الثاني 2015م.
(16) العربية نت، 14 فبراير/شباط 2015م:
http://tinyurl.com/mrsqh3r
(17) The Responsibility to Protect (R2P or RtoP) is a proposed norm that sovereignty is not an absolute right, and that states forfeit aspects of their sovereignty when.
(18) الخليج بانتظار مناورات إيرانية حوثية مشتركة:
http://www.alwatannews.net/ArticleViewer.aspx?ID=cAJ4bK4K1CdH733337ypGm8w9vw933339933339

الأربعاء، 18 مارس، 2015

الخليج بانتظار مناورات إيرانية حوثية مشتركة


د. ظافر محمد العجمي


تتراكم كثبان من التحديات على الحدود الخليجية من جميع الجهات، ولعل آخرها تحرك آلاف من العسكريين التابعين لجماعة الحوثة في مناورة لهم بعد ظهر الخميس 12 مارس 2015م بمنطقة «كتاف» التابعة إدارياً لمحافظة صعدة على حدود نجران السعودية، وكان هدف المناورة الاستعداد لأي تحديات، وتحديث العملية العسكرية، كما قال ناطقهم الرسمي.
وقد أتت المناورة في أتون سياقات سياسية تظهر ما لا يقبل الجدل أنها كانت تجاوباً مع مطالب إيرانية لإجرائها لقيت ترحيباً حوثياً في سياق التقرب لطهران، لكي تسخى بالدعم الاقتصادي للوفد الذي تجاوزت زيارته الأيام العشرة، وشهد توقيع اتفاقات عدة وتجديد للولاء. 
توقيت المناورة الذي تستمد منه حمولتها الرمزية يتمثل أيضاً في تزامنها مع مناورات إيرانية في مضيق هرمز، والتي رغم ضجيجها إلا أن طهران لم تنجح في إظهار قوتها فيها بقدر ما تحاول أن تخفي بتلك المناورات ضعفها أمام الولايات المتحدة التي كانت هي المقصودة بها؛ رغم الادعاء بأنها لاختبار أسلحة جديدة، حيث فضحتها تصريحات العسكريين الإيرانيين، إذ تجدر الإشارة هنا إلى أنه بعكس معظم الدول نجد أن تصريحات عسكر طهران أكثر من تصريحات السياسيين فيها.
فالمناورات الإيرانية هي رسائل لواشنطن بالدرجة الأولى في جهد مواز للمفاوضات النووية، كما إنها رسائل سياسية لمن يستخدم مضيق هرمز، ورسالة لدول (1+5) التي تتناثر قطعها العسكرية في مياه وعلى ضفاف الخليج العربي. 
الفرق بين المناورات الإيرانية والحوثية هو في الحجم؛ حيث تشترك في الإيرانية أغلبية قطاعات الحرس الثوري والصنوف العسكرية من قوات برية ومدفعية وقوة صواريخ وسلاح جو وقوات بحرية، فيما اشتركت في المناورات الحوثية أسلحة ثقيلة محدودة، بينها دبابات ومدفعية وصواريخ كاتيوشا، كما إن المناورات الإيرانية تستمر لعدة أيام بينما لم يمض إلا سويعات حتى انتهت المناورة الحوثية كما بدأت. 
في تقديرنا أن مناورة الحوثيين الأخيرة ستكون مدخلاً لتطبيق «استراتيجية المناورات» التي تنتهجها طهران، وسنرى الحوثة الذين لا يتكلمون إلا بقوافي صليات الكلاشنكوف يستعرضون قواتهم بسبب وبغير سبب، فهم لا يؤمنون بجدوى استخدام أدوات القوة الناعمة، بل أدوات القوة الخشنة، فقد غادروا محطتهم الفطرية المتوحشة ولن يؤذن لها بدخول محطة غيرها إلا بسبطانات المدافع، وما جرى مناورة عسكرية استفزازية لدول الجوار عن قصد، ولذلك ستبقى قصيرة بما يكفي لحمل الرسائل السياسية والعسكرية لدول الخليج العربي.
كما إنها تتم لتبرير طلب زيادة المخصصات الإيرانية للإنفاق العسكري الحوثي، وسيستمر عقد المناورات كلما تطلب الأمر إظهار أنها تتفاوض حول سلطتها في صنعاء من موقع قوة، بالإضافة إلى الجوانب النفسية والسياسية التي تتركها أخبار المناورة في الداخل الهش، وحين نحاول بتروي قراءة الظروف التي ولدت فيها مناورات الحوثيين ندرك أن القواعد الإقليمية قد تغيرت، وقد لاحظ الحوثيون ذلك أيضاً فقاموا بمناورتهم الهزيلة لإيمانهم بأنها ستزيد المشهد السياسي الإقليمي إرباكاً لتغير القواعد، وعليه ربما سيلجأ الحوثيون إلى طرق لإشغال السعودية على حدودها، ومحاولة إرباكها وتشتيت تركيز صانع القرار عما يجري شمالاً وشرقاً.
- أخيراً..
لا شك أن المناورات الحوثية مؤخراً كانت رسالة سياسية امتلأت بالاستدلالات المتهافتة، وهي جزء من تلك الخريطة المتوحشة التي تشكل جنوب الجزيرة العربية، لكن ما يقلقنا هو أن تجري لاحقاً بوتيرة متزامنة مع المناورات الإيرانية في الزاوية الأخرى من الجزيرة العربية، ويتم إغلاق هرمز وباب المندب في وقت واحد، فإيران تمتلك أكثر أنواع الألغام البحرية تطوراً، والإعلان عن مناورة من كلا الطرفين لزرع وتطهير الألغام في المضيقين كاف لتركيع العالم.

الجمعة، 13 مارس، 2015

حيز مناورة الخليجيين مع إتفاق نووي إيراني سيئ

 
حيز مناورة الخليجيين مع إتفاق نووي إيراني سيئ

د.ظافر محمد العجمي - المدير التنفيذي لمجموعة مراقبة الخليج  

z4alajmi@gmail.com

في الخليج العربي كنا على بعد خطوات من «الصفر النووي» عندما شاركت في حلقة دراسية عقدها مركز الخليج للأبحاث في ديسمبر 2004، وحضرها عدد كبير من الخبراء، وقد طرحت خلالها، ولأول مرة، فكرة مشروع إعلان الخليج منطقة خالية من أسلحة الدمار، لكن الهدف النبيل للدراسات المفصلة التي أصدرها المركز للمشروع لم تفلح، فتلاشى «الصفر النووي» خلف الأبراج الخرسانية لوحدات تبريد المفاعلات النووية في الخليج.
وخلال 11 عاماً التزمت دول الخليج بالصفر النووي، فيما استطاعت إيران أن تجبر العالم على اتفاق تقشعر له الأبدان، ثم زاد الطين بلة أن الصهيوني نتنياهو قال في الكونغرس الأمريكي بعض مما في الخاطر الخليجي؛ فالاتفاق يمهد لطهران امتلاك قنبلة ذرية ولا يعيق إنتاج قدرة عسكرية نووية، ثم توسع نتنياهو في لطمنا بحقيقة أن إيران تهيمن على أربع عواصم عربية؛ بل إنها تتحرك بدرجة لا تجعلها بحاجة للقنبلة النووية، ثم ختم خطابه بأن المفاوضات النووية الحالية تمهد لـ «اتفاق نووي سيء».
لا شك أن دول الخليج لا تتفق مع الصهيوني في ضرورة منع إيران «بكل الوسائل»، لكن ذلك يتركنا أمام وضع صعب، فصحيح أن نتنياهو ذهب لينتزع حقه وهو مدعم بكتيبة من الجمهوريين، لكن الصحيح أيضاً أننا حصلنا على ما يوازي زخم ذلك، وهو قدوم جون كيري بهيبته للخليج في 5 مارس 2015 لتطميننا، ومع ذلك لم نحقق ما حقق الصهيوني إلا همسات خليجية رسمية خجولة، دفعت مراقباً متواضعاً بالتجاسر على صناع القرار الخليجي ليسبقهم بالإجابة على سؤال قبل أن يطرحوه عن حيز المناورة للخليجيين مع اتفاق نووي إيراني سيء، وماذا يمكننا أن نفعل؟
- من المرجح أن توافق إدارة أوباما على اتفاق لفترة محدودة، لفترة سنة واحدة، مما يعطي الخليجيين فرصة أخيرة، ففي يد طهران أربع ورقات رابحة تحتل بها كرسي اتخاذ القرار بأربع عواصم عربية، وإذا استمر تعاطي الخليجيين للأزمة بنفس سيناريو العشر سنوات الماضية فلن يكون هناك شيء قادر على إجبارها على التراجع.
- الإعلان دون تردد أن غريمنا هو إدارة أوباما المراوغة، وعلينا البحث في جوهر اهتمام البيت الأبيض بإيران، فهل يحاول رموزه دخول التاريخ الأمريكي على حساب مصالحنا! فالتقرب لإيران لا يتماهى مع المزاج الأمريكي العام، وهناك فجوة كبيرة بين وجهات النظر النخبوية والعامة، وهناك فجوة السياسة بين المجموعتين الجمهورية والديمقراطية، وعلينا الولوج إلى قلب أمريكا عبر القيم الديمقراطية بفتح قنوات مباشرة مع الكونغرس والعمل على تركيز العلاقات مع أمريكا من منظور حزبي أو لوبي. فلا بد أن للوبي السلاح دور يلعبه لصالحنا فيما لو تجاسرنا على مواجهة الإدارة الأمريكية بأزمات متعددة الأوجه من انخفاض أسعار النفط إلى رفض الانصياع للإملاءات في مجال مكافحة الإرهاب.
- اتخاذ الإجراءات اللازمة لنسف الاتفاق عبر إبراز حجج مقنعة لشركاء واشنطن في مجموعة (5+1) تظهر تمسكنا بضـرورة أن تبقي طهران خارج النادي النووي بناء على نهجها الدائم فـــي خرق الاتفاقات، وإظهار جدوى عقوبات الأمم المتحدة المفروضة على إيران، والتكاليف والمخاطر في الاتفاق الراهن.
- خلق جبهة خليجية موحدة والمواجهة مع طهران باستخدام ورقة التجارة الثنائية، والتوسع في معاقبة أي بلد ثالث له علاقات تجارية مع طهران، والتهديد بوضع كافة الخيارات على الطاولة كدخول سباق التسلح بالمظلة النووية الأمريكية أو الباكستانية، مع التوسع في البرامج النووية والاحتماء بمفاعل نووي سلمي.
لقد عززت دراسات حديثة أجراها مركز بيغن - السادات للدراسات الاستراتيجية الفكرة بأن الجمهور الإسرائيلي قلق بشأن العلاقات الأمريكية الإسرائيلية في موضوع إيران، فذهب رئيس الوزراء الصهيوني لواشنطن وحصل على ضمانات بالأمن، وقد أظهرت شعوب الخليج نفس القلق عبر أرقى مراكزها البحثية، ليس قبل أسابيع كالصهاينة؛ بل منذ ولادة الفكر النووي الإيراني، وكان رد واشنطن أن دفعتنا بعيداً عن تحقيق مشروع «الصفر النووي» في الخليج، بل وتحاول أن تجبرنا على ابتلاع اتفاق نووي إيراني سيء.
z4alajmi@gmail.com

الاثنين، 2 مارس، 2015

حرب تحرير الكويت وانهيار نظام الأمن العربي

  
حرب تحرير الكويت وانهيار نظام الأمن العربي‎

د.ظافر محمد العجمي المدير التنفيذي لمجموعة مراقبة الخليج 
في تشكيل ما قبل المعركة دفع العراقيون مفرزتَين متقدمتَين منتصف ليلة 1/2 أغسطس 1990م بهدف اختراق الحدود الكويتية الشمالية للوصول لمشارف مدينة الكويت. إحدى المفرزتين كانت اللواء المدرع (9) من فرقة المشاة الآلية «توكلنا على الله» مدعمة بفوج استطلاع لتتقدم على محور «أم قصر» الصبية» «جسر بوبيان» والوصول إلى «بحرة»، خلال 3 ساعات، ثم تواصل تقدمها إلى مدينة الكويت. بعد سبعة أشهر، وبعد ظهر يوم 26 فبراير 1991م، تقدم «فوج الفرسان الثاني الأميركي»، داخل العراق خلال عاصفة ترابية، نحو الهدف (Collins). ولم يكن العراقيون يتوقعون أن يكون الهجوم الرئيسي التفافا عليهم من الغرب، فقوبل الفوج بنيران كثيفة، لمدة ساعتين متتاليتين. وفي الساعة الرابعة من بعد الظهر اكتشف الفوج دبابات (T-72) في مواقع دفاعية مجهزة في المنطقة (73Easting)، تابعة للفرقة (12) المدرعة وفرقة الحرس الجمهوري «توكّلنا»، وكانتا كما تقول المصادر الغربية قادرتين على القتال وراغبتين فيه. وللمرة الأولى يواجه الفوج الأميركي عدواً أكثر عدداً وأوفر قوة نيرانية، فدمروا خلال 4 ساعات قتال دبابات وناقلات جُند مدرعة كان منها اللواء (9) الذي قاد اختراق الحدود الكويتية يوم 2 أغسطس التابع لفرقة «توكّلنا»، وبانتهاء معركة «73 Easting»، يمكن القول إنه قد قُضي على فرقة «توكّلنا» التي لم يعد اسمها يكتب في أدبيات عاصفة الصحراء مقرونا باسم «الله» جل جلاله.
وحتى لا يقال إننا نقيم العزاء على نفس الجنازة سبعين مرة، فسنقف عند ذكرى حرب تحرير الكويت في يوم 26 فبراير 1991م لنرى النتيجة الكبرى التي يدفعها الخليج بعد ربع قرن ثمنا لمعركة «73 Easting»، ومثلها من المعارك خلال تحرير الكويت. لقد كان الثمن الفادح هو انهيار نظام الأمن العربي، فقد توقعت الكويت أن تكون النجدة العربية سريعة جراء الغزو ثم تبددت الآمال بنفس سرعة تشكلها، وسيطر النظام الدولي على إدارة الأزمة سياسياً وعسكرياً، ولم تكن هناك قوة عسكرية قادرة على منع امتداد هذا العدوان إلى دول أخرى في الخليج سوى ضمانات القوة الأميركية التي أثبتت جدواها بفضل معدات التصوير الحراري في العاصفة الترابية يوم معركة «73 Easting»، وبدعم طائرات الأباتشي AH-64 Apache، التي أعطت الأميركان ميزة اكتشاف الأهداف من مسافات بعيدة، وتدميرها بالطلقة الأولى، وأهم من ذلك الوفاء بتعهداتهم لمن راهن عليهم بدل المراهنة على الحل العربي. فكانت النتيجة من غزو الكويت منح واشنطن ذريعة لهيمنتها وإعادة ترتيب المنطقة بما يضمن مصالحها ولإعادة رسم خريطة الشرق الأوسط، كما فصل ذلك د.محمد السيد سعيد في كتابه «مستقبل النظام العربي بعد أزمة الخليج». لقد كان من تبعات حرب تحرير الكويت وانفراد واشنطن بتسيير الأمور أن خلق الخليجيون نظام أمن فرعيا خاصا بهم لا تتصل جذوره بنظام الأمن العربي، بل مرتبط بالغرب باتفاقيات أمنية أو نظام أمن جماعي بين دول الخليج نفسها. وعزاء دول الخليج أن حرج الارتباط بالغرب لا يخففه إلا أن انهيار النظام العربي قد أفرز اتفاقيات أوسلو ووادي عربة مع الصهاينة. كما أن من تبعات ذلك الانهيار أننا في الخليج نتسلح منذ ربع قرن وما زلنا تحت خط الفقر الأمني، فقد نجحت واشنطن في الرقي بالرأسمالية فأصبح من الممكن الترويج للحرب بوصفها منتجا جديدا، فحين حققت واشنطن أضخم مبيعات للأسلحة في تاريخ أميركا بالكامل وحطمت رقما قياسيا في مبيعات الأسلحة في العامين الماضيين، أبت دول الخليج إلا أن تشارك واشنطن في هذا النجاح، بأن تكون أكبر مستورد لتلك الأسلحة. ربما لأننا لم نقرأ في الخليج «أم المعارك» بدل أن نقرأ «عاصفة الصحراء» فقط، لو فعلنا ذلك فربما فهمنا كيف تصنع الشعوب طغاتها وكيف تهلل لهم ولفهمهم الملتوي للكرامة العربية التي قادت لانهيار نظام الأمن العربي بناء على نتائج معركة «73 Easting»، التي وصفت بأنها «آخر معركة دبابات عظيمة بالقرن العشرين».


الأربعاء، 18 فبراير، 2015

اليمن بين قصور المبعوث والمبادرة

د.ظافر محمد العجمي -المدير التنفيذي لمجموعة مراقبة الخليج 


مفارقة شائنة أن يوكل مصير بلد عربي لمبعوث أممي عربي، وأن تضع منظمة عربية هيكل إخراج بلد عربي من أزمته فيكون وجود الاثنين مانعاً لوصول النجدة الحقيقية لذلك البلد.
ففي يناير2003 قدم محمد البرادعي، المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية آنذاك، تقريراً غامضاً لمجلس الأمن عن نتائج التفتيش في العراق، فتشكل على طرفي القضية فريقان غاضبان؛ فواشنطن كانت تراه خصماً شن عليه دك تشيني حملة تنتقص الرجل وتقريره، ثم تطورت لصراع لإزاحته عن رئاسة الوكالة، أما الفريق الآخر فوجده مراوغاً أيضاً؛ فبدلاً من التصريح بخلو العراق قال: «لم نجد شيئاً حتى الآن، لكننا نحتاج إلى مزيد من الوقت»، ثم أسدل دخول القوات الأمريكية بغداد الستار معلناً فشل مهمته، وحين كُلف البرادعي بقضية النووي الإيراني لقي الفشل نفسه بين عبارات «وثائق ناقصة» و«أسئلة معلقة» التي طرز بها تقاريره.
أما تبني الخيارات السطحية في معالجة القضايا البنيوية فهو خير وصف لجهود الأخضر الإبراهيمي، مبعوث الأمم المتحدة والجامعة العربية إلى سوريا، والتي انتهت في منتصف 2014 بعد عامين من البراميل المتفجرة والكيماوي، فيما كان الإبراهيمي يتحدث عن الانتخابات الرئاسية وأثرها على رفاه الشعب السوري. 
وفي ملتقى أبو ظبي الاستراتيجي الأول في أكتوبر 2014 عرفتنا رئيسة مركز الإمارات للسياسات، د. ابتسام الكتبي، على السفير جمال بن عمر، وبدل رؤيته حول البيئة الأمنية أو السياسية في الخليج، ألقى سيرته الذاتية، حتى تبادر إلى الأذهان أن الرجل يبحث عن عمل جديد بعد إنجاز مهمته في اليمن، فربما سمع إن الخليجيين بصدد إطلاق العنان لواحدة من مبادراتهم العديدة، لكن بن عمر صدمنا حين أطل من المشهد اليمني الراهن في 13 فبراير الجاري معلناً أن اليمن قد أصبحت «في مهب الريح».
إن جمال بن عمر هو نفس المبعوثين العرب الآخرين الذين يعينهم الأمين العام للأمم المتحدة لإعطاء شرعية عربية لتدمير بلد عربي، فالمفاوض الجيد سريع البديهة وبن عمر لم يلاحظ مؤامرات صالح التي كانت بحجم بعير، بل ولم يسمع طلقات الحوثة في طريقهم لصنعاء إلا متأخراً، والمفاوض يتميز بصبر غير محدود، وبن عمر يعلن عن يأسه قبل تصويت مجلس الأمن على القرار الخليجي 15 فبراير 2015.
ولا يضاهي حيرتنا حيال اختيار بن عمر إلا كيفية تبلور الدعوة الخليجية في الاجتماع الوزاري 14 فبراير 2015 لقرار أممي تحت الفصل السابع، فهل كانت المطالبة باستخدام الأعمال العسكرية التي تمليها الضرورة للحفاظ على السلام موقف تفاوضي اقترحه الخليجيون حتى يتراجع الحوثة عن إعلانهم الدستوري وعودة الحكومة الشرعية! أم هي دعوة أصيلة يراد منها فرض حصار اقتصادي وعزلة دبلوماسية وتدخل عسكري دولي لإرجاع الغاصبين إلى صعدة؟
في تقديرنا إن كلا الأمرين كانا غير موفقين؛ فالتدخل العسكري الدولي في جزيرة العرب خطيئة استراتيجية ستتحملها دول الخليج حين تنفتح الأبواب أمام شذاذ الآفاق بذريعة الجهاد، فيتحول اليمن لأفغانستان. كما إن بيئة العلاقات الدولية كانت غير مهيأة أصلاً لمثل ذلك القرار، فموسكو تواجه في أوكرانيا حالة مماثلة، حيث يشبه أنصارها ما يقوم به الحوثيون وسترفض القرار، أما بكين فستراعي طهران، كما ستراعي موقفها الرافض للهيمنة الغربية على القرارات الأممية تحت البند السابع. 
وعليه فاليمن لم يعد بحاجة لمفاوض عاجز لا ينتمي لدولة عظمى، كما إن اليمن لن تنجح به مبادرة لا تخدم مصالح أعضاء مجلس الأمن ودول الجوار الإقليمي، والحوثي لا يأبه لك إلا إذا علوت رأسه بالحسام، ولن يردعه إلا غضب يمني شامل.

الأربعاء، 11 فبراير، 2015

تواصل المأتم الإستراتيجي لسيف بن ذي يزن


تواصل المأتم الإستراتيجي لسيف بن ذي يزن

د.ظافر محمد العجمي - المدير التنفيذي لمجموعة مراقبة الخليج  

استهلك الحوثة -كما يطلق عليهم اليمنيون- القطرات الأخيرة من أعذارهم لتمويه «الانقلاب إسلامي حوثي» الذي قاموا به في صنعاء 7 فبراير 2015 مستخدمين وصفه بالبيان الدستوري؛ ليستمر المأتم الاستراتيجي في اليمن.
لقد اعتقدنا لوهلة أن ما يجري في صنعاء هو تراجع طوعي للمبادرة الخليجية وتقدم لمشروع الحوار الوطني الشامل، رغم أن الأخير جزء من الأولى، فظهر خطأ قراءتنا لما كان يقوم به عبدربه منصور هادي وعلي عبدالله صالح والحوثة أنفسهم، وتجلت في كل مكان في اليمن الانتهازية السياسية كطبيعة بشرية، لكنها لم تكن انتهازية يمنية صرفة، فقد مد كل طرف في المشهد اليمني يده طالباً المساعدة من طرف خارجي؛ في تكرار لصفحات من الماضي اليمني.
ففي 1962 قاد المشير عبدالله السلال انقلاباً على الإمام البدر، وحول اليمن الشمالي لجمهورية بدعم من جمال عبدالناصر، حينها تلقى البدر دعماً من الملكيات في السعودية والأردن وبريطانيا، وكانت بريطانيا نفسها ذراعاً تستعين به سلطنات اليمن الجنوبي ضد مشيخاته التي بلغت 12 كياناً حتى تشكلت جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية في وحدة قسرية استعانت خلالها بالسوفيت لتكون دولة اشتراكية ذات حزب واحد.
كما أن الاستعانة بالخارج سطر لم يخل منه تاريخ اليمن في العصر الإسلامي أيضاً، ابتداء من العصر الأموي ثم العباسي مروراً بالدول الصليحية والطاهرية حتى الدولة الرسولية 1519، والتي أقامها جياش بن نجاح بمساعدة تركية سلجوقية، واستعانة عامر بن داوود من الطاهريين بالقائد البرتغالــــي أنتونيـــو دي ميرانــــدا «António de Miranda de Azevedo» اقتحم القائــد العثمانـــي خادم سليمان باشا مدينة عدن عام 1538 وصلب عامر، ثم حول سليمان القانوني اليمن لولاية عثمانية، واستمر وجودهم هناك حتى خسروا أمام البريطانيين، الذين احتلوا اليمن بعد حادثة السفينة الهندية داريا دولت «Darya Dawlat» فـــي عهـــد السلطان محسن العبدلي 1838.
ولم نشر لحوادث استقواء المتصارعين بالخارج في تاريخ اليمن كإيحاء متعمد أريد له أن يصبح استنتاجاً في النهاية بأن اليمنيين يستعينون بالأعداء ضد أهلهم، فهذا طرح متهافت، فحين نتحدث عن اليمن؛ نتحدث عن مقبرة الأناضول ورجال بصلابة صخور بلادهم، ومنازل تحاكي القلاع، كما لا يمكن أن نقول إن اليمن مصاب بعقدة الاستعانة بالأجنبي لنظهر وكأننا في الخليج لم نرحب بالأساطيل الغربية، فالاستعانة بالخارج كانت ولاتزال أعدل الأشياء قسمة بين أهل اليمن وأهل الخليج، لكن الفرق هو أن الإنسان لا يستطيع أن يخدم سيدين في آن واحد، وهذا ما يجري هناك حالياً، فالسادة أكثر من المسودين والتحولات المفاجئة في الولاءات تدمر اليمن. لكن اليمنيين لا يمكن أن ينكروا «عقدة سيف بن ذي يزن» أحد أشهر ملوكهم، فقد كان بن ذي يزن على إدراك أن اليمن يمر بمناخات استراتيجية تستحق التسابق الدولي، فأراد أن يخرج الأحباش من بلاده فاستنجد بملك الروم، لكن قيصر النصراني رفض حرب الأحباش وهم على دينه، وكان لابد لسيف من الانتقال من المعسكر الغربي للمعسكر الشرقي، فذهب للنعمان بن المنذر في العراق الذي اقترح عليه أن يستنجد بكسرى، فالنعمان وجيشه لا قبل لهم بكسر الأحباش الأقوياء، بل إنه أشار على كسرى بالموافقة، فأراد كسرى أن يستثمر بالرخيص في هذه المغامرة الخطيرة وجهز لسيف بن ذي يزن جيش مقاتلين من السجناء المحكومين بالإعدام وأرسلهم على 8 سفن، حيث انتصروا على الأحباش، لكنهم تآمروا على سيف بن ذي يزن فقتلوه وأصبح اليمن تحت الحكم الفارسي.
وبعد ما يزيد على ألف وخمسمائة عام لا نجد إلا إنصاف الحوثة بخصلة الوفاء، ليس لاتباعهم نهج إيران وتحركهم بما يخدم مصالحها، بل لإحيائهم عقدة سيف بن ذي يزن في الاستقواء بالخارج، ليستمر اليمن سرداق مأتم استراتيجي.

الأربعاء، 4 فبراير، 2015

نتائج إيجابية لمراكز الأبحاث الخليجية


نتائج إيجابية لمراكز الأبحاث الخليجية


د.ظافر محمد العجمي - المدير التنفيذي لمجموعة مراقبة الخليج  


قبل أكثر من عقد، وأثناء إعداد أطروحتي للدكتوراه في أمن الخليج العربي من منظور العلاقات الدولية والإقليمية، وصلت لنتيجة موجعة تتمثل في أنه لم يتجاوز عدد سفن وطائرات الغزاة والطامعين في الخليج إلا عدد من كتبوا مدعين تخصصهم في قضايا الخليج تأليفاً وتحليلاً، فقد أغرت قضايا الخليج كل ذي جناح ومخلب، حيث طغت على الأغلبية الساحقة من الكتابات السطحية أو الجهل بأبسط الأمور الخليجية، وعند التجاسر على القيام بالتحليل من قبل بعض المدعين؛ كان يتم لوي النتائج لتخدم قناعات الباحث المسبقة، وهي قناعات تصب في حوض إرضاء صانع القرار السياسي الخليجي تحت عنوان عريض هو أن الأمور «لا يمكن أن تكون بأفضل مما قمت به يا طويل العمر».
ومؤخراً ظهرت مؤشرات لصالح تطور مراكز الأبحاث الاستراتيجية الخليجية، ففي 27 يناير 2015 بشرتنا الدكتورة إبتسام الكتبي «الجنرال»، رئيسة مركز الإمارات للدراسات، بحصول المركز على المرتبة 9 عالمياً في قائمة أهم المراكز البحثية الجديدة في العالم في تصنيف مراكز الأبحاث الصادر عن Think Tanks and Civil Societies Program TTCSP من جامعة بنسلفانيا الأمريكية، حيث تعاون مع 1900 خبير من ذوي الاختصاصات المختلفة وفق منهجية علمية صارمة تعمل على قياس تأثير هذه المراكز على السياسات العامة وتعزيز المشاركة في الحياة الفكرية والسياسية.
تبع ذلك بأيام خبر زفه لنا الدكتور عبدالعزيز بن صقر، رئيس مركز الخليج للأبحاث، حيث تم تصنيف المركز للسنة الخامسة على التوالي كواحد من أكبر عشر مؤسسات للفكر والرأي من منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، وضمن أهم 150 من مؤسسات الفكر الرائدة في العالم من قبل نفس المركز بجامعة بنسلفانيا، حيث جاء مركز الخليج في المرتبة 46، وفي المرتبة 40 ضمن التصنيف الجديد لأفضل تعاون مؤسسي.
هنا نشير إلى أنه في الخليج العربي حوالي 50 مركزاً تستحق الإشادة، بعضها قيم في تصنيف جامعة بنسلفانيا وبعضها لم يقيم، ففي البحرين 7 مراكز أبحاث تستحق الإشادة منها؛ مركز البحرين للدراسات الاستراتيجية والدولية والطاقة «دراسات» الذي نشهد له بالنجاح في تنظيم مؤتمر «الأمن الوطني والأمن الإقليمي»، وكان مخصصاً لمراكز الأبحاث الخليجية، وجمعية العلاقات العامة البحرينية النشطة، والجمعية البحرينية للتخطيط الاستراتيجي، اللذان كان لهما الفضل في عقد الملتقى الخليجي الأول للتخطيط الاستراتيجي في البحرين نهاية 2014.
ويوجد في الكويت 11 مركزاً؛ منها معهد الأبحاث العلمية «KISR» والمعهد العربي للتخطيط «API» ومركز الدراسات الاستراتيجية والمستقبلية «CSFS»، كما أشاد مركز «TTCSP» بـ3 مراكز في سلطنة عمان منها مركز تواصل، وأشاد بـ7 مراكز في المملكة العربية السعودية منها «مركز بن صقر» الذي سبق الحديث عنه، كما أن هناك مركز «اسبار» الذي يقود العمل فيه د.فهد العرابي، وفي دولة الإمارات العربية المتحدة تحدث مركز بنسلفانيا عن 14 مركزاً، أنشطها مركز الإمارات للدراسات، رغم أن عمره لم يتجاوز العامين.
وفي دولة قطر 9 مراكز؛ حيث جاء مركز الجزيرة للدراسات «AJCS» في المركز الثامن بين مراكز الأبحاث في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا «MENA»، وهو مركز يكفيه من الإنجازات ملف «مسيرة التعاون الخليجي.. التحديات الراهنة والسيناريوهات المحتملة» بإشراف د.جمال عبدالله، ونشيد أيضاً بالمركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، ومنتدى العلاقات العربية والدولية.
ونشير أخيراً إلى أنه في تصنيف مركز «TTCSP» لمؤسسات الأبحاث العربية لم ينضم لقائمة مراكز أبحاث الدفاع والأمن الوطني إلا المركز القومي للدراسات الاستراتيجية «RCSS» من مصر، وقد حصل على المركز الــ18 بين 85 مركزاً، كما حل مركز دراسات الوحدة العربية «CAUS» الرصين من لبنان على المركز 70 في نفس القائمة، مما يظهر غياب المحاور الدفاعية والأمنية عن اهتمامات المراكز الخليجية، متمنين أن يستثمر النجاح الحالي لخلق جيل جديد من الباحثين الخليجيين.

الأربعاء، 28 يناير، 2015

المشهد الخليجي من نافذة سلمان بن عبدالعزيز

د. ظافر محمد العجمي- المدير التنفيذي لمجموعة مراقبة الخليج  
المشهد الخليجي من نافذة سلمان بن عبدالعزيز



من يعرف خادم الحرمين الشريفين الأمير سلمان بن عبدالعزيز يعرف أنه منشغل أصيل بقضايا الخليج العربي، حيث تتعدى اهتماماته بالخليج ما تفرضه المواقع الرسمية التي شغلها من ضرورة الاطلاع على دراسات وأبحاث خاصة لاتخاذ قرار ما، بل شملت تطور التنمية والتاريخ والثقافة في الخليج. ولعل خير مؤشر على ذلك أن كرسي الأمير سلمان بن عبدالعزيز للدراسات التاريخية والحضارية للجزيرة العربية بجامعة الملك سعود قد دشن أول أنشطته العلمية التي يفتتح بها برنامجه السنوي الأول بعد تأسيسه 2010م، بطبع ونشر كتاب (تاريخ الخليج العربي والجزيرة العربية في الوثائق البرتغالية).
ورغم أنه نادرا ما يوجد حضور قوي للفكر والثقافة في سيرة أغلب من يمتهن صنع القرار السياسي، إلا أن خادم الحرمين الشريفين –كما سمعت من مثقفين سعوديين- مشهود له بانتقاء القراءات ورقي الحوار وعمق المناقشات في مواضع فكرية عدة. ونتيجة للتقدير الذي يحظى به جلالته كرجل فكر يمكننا الرهان على الاستقرار التام بأجواء الخليج العربي خلال المرحلة القادمة، فأزمة السفراء صارت من الماضي، ولو لم تكن كذلك لما كان الأمير سلمان بن عبدالعزيز على رأس الوفد السعودي في قمة الدوحة في ديسمبر 2014م. وفي تقديرنا أن التحدي الأكبر الذي يراه خادم الحرمين الشريفين من نافذة مكتبة الخليجية يتمثل في المشاهد التالية:
- مشهد الحصار الإيراني على دول الخليج، حيث راحت طهران في التمادي بتحريك الجماعات الموالية لها للإضرار بالمصالح الخليجية، وفرض واقع جديد تكون فيه طهران ممسكة بخيوط القرار في المنطقة، سواء بحزب الله في سوريا، أو بالمخربين من حارقي الإطارات في البحرين، أو بتحقيق أنصار الله الحوثيين السيطرة التامة على الأمور في اليمن.
- مشهد اختلال سوق النفط، وقيادة الرياض لفريق خليجي هو محور صنع القرار في منظمة الدول المصدرة للبترول «أوبك»، وضرورة عدم الخضوع للتهديدات الإيرانية التي أطلقها الرئيس روحاني حين تخلى عن لغة الدبلوماسية وأطلق تهديداً متوعداً به السعودية والكويت، أو الخضوع للضغوط الأميركية التي ترى أن على السعودية ودول الخليج تخفيض الإنتاج لغرض رفع المستوى العام للأسعار البترولية.
- مشهد مواصلة دول الخليج بقيادة الرياض بناء شراكات استراتيجية اقتصادية خارج أسواقها التقليدية، كبناء منطقة للتجارة الحرة بين مجلس التعاون الخليجي والصين، وهي خطوة يعرفها سلمان بن عبدالعزيز، ففي مثل هذه الأيام من العام الماضي التقى جلالته مع رئيس مجلس الدولة الصيني لي كتشيانغ.
- أما المشهد الأخير فهو وقف العبث الذي تمارسه الإدارة الأميركية الحالية في سياستها مع دول الخليج العربي، ووقف ميوعتها في سوريا، ورضوخها للمبادرات الإيرانية في المسرح النووي واليمني والبحريني. وهو نفس الطرح الذي قاله خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان لوزير الدفاع الأميركي السابق تشيك هيجل في جدة مايو 2014. فالعلاقات الأميركية الخليجية تاريخية واستراتيجية وأثمن من أن يقامر بها فريق الرئيس باراك أوباما في سوق الانتخابات، عبر ادعاءات الإدارة الحالية بتحقيق اختراقات في العلاقات مع إيران على نفس النهج مع كوبا.
وفي أول كلمة له بعد توليه العرش، تعهّد خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز بمواصلة السير على خطى أسلافه، حيث نرى أن دول مجلس التعاون عمقها الاستراتيجي، وامتداداً لها، مما يعني التمسك بمشروع الملك الراحل عبدالله بن عبدالعزيز، التحول من التعاون إلى الوحدة الخليجية.

الأحد، 25 يناير، 2015

انتظر حتى يأتيك الربيع

د.ظافر محمد العجمي-المدير التنفيذي لمجموعة مراقبة الخليج   
انتظر حتى يأتيك الربيع!!
انتظر حتى يأتيك الربيع!!


رُسمت خريطة العراق في العامين الماضيين بإحداثيات وضعتها أثار سيارات الدفع الرباعي لـتنظيم الدولة الاسلامية 'داعش'؛وفي الاشهر القليلة الماضية، وفي محاولة تلفيقية لتجاوز حقيقة ان رسم الحدود يتم على الارض بألوية المشاة المدرعة أدعت طائرات التحالف انها تخط في سماء الانبار بدخان محركاتها حدود جديدة. لكن كل من يستفتي الاستراتيجيا يعلم ان هيئة اركان ابوبكر البغدادي كانت في العامين الماضيين قادرة على إرباك الخصوم وجعلهم يتفاعلون بشكل ارتجالي يمين ويسار خريطة العراق .ثم خسر'داعش' معركة عين العرب'كوباني'. ومنذ ذلك التاريخ والجميع يكرر جملة ' سيشهد الربيع تحرير جميع المناطق من داعش'. فما ملامح مشهد حملة الربيع لتحرير الانبار، وما معوقاتها ؟
تُظهر ملامح المشهد، القوات الامريكية وهي تتجمع من جديد في العراق وفي دول خليجية قريبة استعدادا لهجوم الربيع2015. وفي عودتهم للعراق يبدوا ان على الاميركان تقديم أوراق اعتماد جديدة ،حيث يظهر في ملف الاعتماد :
-قوة مهمات خاصة انشئت لهذا الغرض وسيكون مقرها في الكويت
- تعزيز التواجدهم الاميركي في العراق بــ 3500 جندي امريكي إضافي.
- تعهدات من أستراليا وكندا والنرويج بإرسال قوات خاصة.
- ستقيم واشنطن أربعة معسكرات لتدريب 80 ألف جندي عراقي اثنان في بغداد وواحد في اربيل والرابع في الأنبار.
- ستسلح واشنطن 45 ألف جندي عراقي و15 ألف بشمركي و5 آلاف عشائري سني .
أما القوات العراقية في مشهد حملة الربيع فتظهر مدعومة بالطائرات الأميركية المقاتلة ومئات الخبراء العسكريين المكلفين بانجاز التخطيط للهجوم، حيث يسعون لتأهيل ثلاث فرق عسكرية عراقية تقارب الــ20 ألف جندي لتحقيق أهداف الحملة التي تشمل فتح الطرق الرئيسية التي تربط محافظات العراق . وتأمين الحدود مع سوريا. ثم عزل سرايا 'داعش' في الموصل والرمادي ثم شن هجوم عليها قوامه القوات الحكومية وقوات البيشمركة .
ولازالت النزعة الفوضوية تطبع تعامل قوات بغداد مع 'داعش'، وإن كانت بدرجة اقل بحكم امساك الاميركان للأمور في سيناريو مكرر لماحدث حين فشل المالكي في هزيمة قوات جيش الامام المهدي التابعة للسيد مقتدى الصدر حتى أعادت صولة الفرسان الاميركية الامور لنصابها.ورغم ذلك تبقى أمام حملة الربيع 2015 معضلات عدة منها :
- اشارت مصادر اميركية إن القوات العراقية لن تكون جاهزة لمعركة الانبار حتى أواخر 2015 وليس الربع الاول منه، فالتدريب يتعدى النظام المنظم والرماية الفردية. بل يجب ان يكون لاستيعاب اسلحة اميركية معقدة وعمليات تنسيق نيران مضنية. بالإضافة لتأخر وصول الأسلحة الثقيلة للبشمركة والجيش العراقي. كما قد يؤخر الحملة اعتماد بغداد على فصائل شيعية وبيشمركة وعشائر سنية وفي هذا التشكيل القتالي بذورتنافس طائفي وقومي يجب حسمها أولا.
- فقدان التحالف لعنصر المفاجأة حين اعلن عن هجوم الربيع، فهل سيقف قادة 'داعش'مكتوفي الايدي! وإذا كان التحالف في مرحلة ارسال الوعيد بالربيع ويبدو ان هذه هي الحدود القصوى للتحرك بالحرب النفسية؛ فداعش حاليا في مرحلة اجراءات ماقبل المعركة.مما دعى رئيس الاركان الجنرال ديمبسي لتدارك الخطأ قائلا 'القوات الأمريكية لا تجلس بلا حراك تنتظر الربيع ،لكنها تعمل بهمة على إضعاف داعش في عدة مناطق'.
وفيما نحن ننتظر حملة الربيع نكاد نجزم ان 'داعش' يريدها اكثر من قوات التحالف ليثبت نفسه من جديد .كما نراهن ان 'داعش' قد انجز حشد صفوفه ودعم خطوطه الدفاعية . ومناطق تراجعه وسبل تسلل رجاله لنقاط تجمع جديدة عبر الحدود المحيطة.ولفتح جبهات قتال جديدة باتجاه عرعر أو الاردن او لبنان حينها سنرى اكبر تجمع للبؤس البشري من النازحين الفارين من جديد. إلا ان مايقلقنا هو ان نرى ضربات استباقية ضد القوات الأمريكية في نقاط تجمعها في الخليج عبر الخلايا النائمة

الخميس، 15 يناير، 2015

التعاون العسكري الخليجي: إنجازات ملموسة أم نتائج محدودة؟

د. ظافر محمد العجمي المدير التنفيذي لمجموعة مراقبة الخليج   
التعاون العسكري الخليجي: إنجازات ملموسة أم ...
التعاون العسكري الخليجي

مقدمة

لم يأتِ النظام الأساسي لمجلس التعاون الخليجي على ذكر التعاون العسكري حين حدد أهداف المجلس لتحقيق التنسيق والتكامل والترابط بين دوله، رغم حرصه على تسمية مجالات التعاون الأخرى كالاقتصادية والمالية، والتجارية والجمارك والمواصلات، وفي الشؤون التعليمية والثقافية، والاجتماعية والصحية، والإعلامية والسـياحية، والتشـريعية، والإدارية. إذًا لم يذكر التعاون العسكري رغم سير قطار التعاون الخليجي بهيئة عسكرية منذ تحركه في العام 1981، الذي تمَّ صبغه بالألوان الرملية والبنية والمبرقَّعة تمويهًا من غارات الجيران أثناء حربهم. لقد كان للحذر التاريخي دور في صيانة نظرية الأمن الخليجية؛ ففي ضباب دخان الحرب العراقية-الإيرانية 1980-1988، عُقد الاجتماع الخليجي الأمني الأول في 24 فبراير/شباط 1982؛ حيث تحددت منطلقات ومبادئ وأهداف التعاون لتوقيع اتفاقية أمنية شاملة بين الدول الأعضاء.
حينها قفز التاريخ منبهًا المجتمعين بقِدَم وحدة وترابط أمن دول مجلس التعاون، ومحذرًا بضرورة الالتزام بمبدأ الأمن الجماعي كطريق للخروج من قلق ذوبان هذه الكيانات الصغيرة في الجوار الإقليمي سيئ الطباع بالغزو العسكري أو بفرض النفوذ. ففي نصوص ذلك الاجتماع جاء ما يوحي بأن الاعتداء العسكري من الجارتين إيران والعراق متوقع. كما ذُكر أن التدخل في الشؤون الداخلية لدول الخليج وارد وإن كان مرفوضًا جماعيًّا.
وإذا تجاوزنا الحذر الذي طبع التعاون العسكري الخليجي فقد يكون سبب تراجع التعاون العسكري الخليجي في أدبيات مجلس التعاون راجعًا إلى الطبيعة المتكتمة للجهد العسكري نفسه بشكل عام، أو لربط أمن الخليج العسكري بأكثر من نظام أمني خارجي كجرعة علاج لالتهاب فراغ القوة المزمن في المفاصل الخليجية؛ مما يجبر المراقب الخليجي على سبر أغوار التعاون العسكري لتبيان الإنجازات الملموسة والنتائج المحدودة.

ردع التحديات الخارجية

تكفلت اتفاقية الدفاع الخليجي المشترك، الموقَّعة في المنامة في ديسمبر/كانون الأول 2000، بردع التحديات الخارجية عبر التحول من مرحلة التعاون العسكري لمرحلة الدفاع الخليجي المشترك؛ فاتفقت الدول الأعضاء على أن أي اعتداء على أي منها هو اعتداء عليها كلها، وأي خطر يتهدد إحداها إنما يتهددها جميعًا، ويوجب المبادرة لمساعدة المعتدى عليها باتخاذ أي إجراء ضروري بما في ذلك استخدام القوة العسكرية. كما تضمنت الاتفاقية دعوة لتحقيق الاكتفاء الذاتي وتطوير قوة درع الجزيرة وتأمين التعاون العسكري بين قواتها بإجراء التمارين المشتركة، لتوحيد الفكر العسكري ثم تعزيز التسليح عبر تطوير قاعدة الصناعة العسكرية الخليجية. وتنسيق أوجه التعاون من خلال مجلس للدفاع المشترك تحت توجيه وإشراف المجلس الأعلى لمجلس التعاون لدول الخليج العربية، حيث تتبع مجلس الدفاع اللجنة العسكرية العليا التي ينسق اجتماعاتها الأمين العام المساعد للشؤون العسكرية.
بل إن بعض المحللين ذهب إلى أن بنية النظام العالمي الجديد تتضمن مجموعة من العناصر، منها الأحلاف العسكرية والاتفاقيات الأمنية مثل حلف الناتو ومنظمة الأمن والتعاون في أوروبا واتفاقية الدفاع الخليجي المشترك أيضًا؛ مما يجعل عسكرة مجلس التعاون من الهياكل التي ستستمر في النظام العالمي الجديد.

درع الجزيرة: قيادة مركزية بقوات لا مركزية

يعتبر إنشاء 'الدرع' كما يسميه منتسبوه واسطة العقد ومحاولة مهمة في التعاون العسكري الخليجي برغم قصورها عن التمام؛ حيث تمت موافقة المجلس الأعلى في دورته الثالثة نوفمبر/تشرين الثاني 1982 على إنشاء 'قوة درع الجزيرة' بحجم لواء مشاة من 5 آلاف رجل من دول مجلس التعاون الست. وبعد ما يقارب ربع القرن، وفي دورة المجلس الــ 26 في منتصف ديسمبر/كانون الأول 2005 جرى توسع في حجم القوة ونوع تسليحها فأصبحت 'قوات درع الجزيرة المشتركة' فرقة مشاة آلية مكونة من المشاة والمدرعات والمدفعية وعناصر الدعم القتالي. ولم يتوقف الدرع منذ إنشائه عن تنفيذ التدريبات والتمارين المشتركة بشكل دوري مع القوات المسلحة في كل دولة من دول المجلس، وقد أقيم أول تمرين لهذه القوة على أرض دولة الإمارات العربية المتحدة عام 1983، لتتمركز منذ عام 1986 في مدينة الملك خالد العسكرية في حفر الباطن شمال شرقي السعودية.
وقد تعرضت قوات درع الجزيرة للكثير من النقد، ووُصفت بأنها قوات رمزية، ثم دخلت قوات درع الجزيرة في دوامة التردد الخليجية وتحول الرأي من النقيض إلى النقيض؛ حيث افتتح دوامة التردد أمين عام مجلس التعاون السفير عبد الله بشارة في 1984 قائلاً: إن قوة 'درع الجزيرة' تشكَّلت بسبب ظروف الحرب العراقية-الإيرانية، وإنها ستنتهي بانتهاء الظروف التي أوجدتها. لكن تغير الظروف دفع قادة دول المجلس عام 2000 لزيادة قوة درع الجزيرة، إلى 22 ألف رجل. وعادوا لتأكيد هذا التوجه في مسقط في أكتوبر/تشرين الأول 2002؛ حيث تم دعم قوات الدرع في تشكيل قتالي في دولة الكويت في فبراير/شباط 2003 إبان الاستعدادات للحرب التي خاضتها الولايات المتحدة الأميركية على العراق، إلا أن يوسف بن علوي وزير الشؤون الخارجية العُماني صرَّح في نوفمبر/تشرين الثاني 2005 بأن قوة درع الجزيرة لم يعد لها حاجة بعد زوال نظام الرئيس العراقي الراحل صدام حسين(1).
لقد أيدت الرياض بدايةً هذا الطرح، من خلال فكرة إشراف كل دولة على وحداتها المخصصة للقوات التي يمكن استدعاؤها في حال الضرورة، لكنها عادت في نوفمبر/تشرين الثاني 2006 لتقترح توسيع قدرات الدرع وإنشاء نظام مشترك للقيادة والسيطرة. وفي مايو/أيار 2008 تم الاتفاق على تمركز قوات درع الجزيرة في بلدانها الأصلية ودعمها بقوات بحرية وجوية لرفع كفاءتها، ثم تقرر تعزيزها بقوة تدخل سريع عام 2009.
إنَّ هذ الاضطراب في التعاون العسكري الخليجي خلق حيرة حيال ما يجري إن كان انفراطًا للشراكة العسكرية الخليجية أم إعادة تعريف لها. وقد أثبت 'الدرع' نفسه أن الدعوات لتفكيكه فيها افتقاد للحس الاستراتيجي؛ حيث كان دخول قواته لمملكة البحرين في 14 مارس/آذار 2011 لتأمين المنشآت الاستراتيجية في البلاد ناجحًا بمقاييس عسكرية عدّة؛ فقد حقق مبادئ الحرب كقوة محترفة تميزت بوضوح الاتجاه، والتصميم، وخفة الحركة، وتحقيق الضغط المطلوب من خلال تنفيذ الحشد والمفاجأة بدقةٍ عالية، ولصد الخطر الخارجي الذي دفع القوة للدخول تنفيذًا لاتفاقية الدفاع الخليجي المشترك وتلبية لدعوة المنامة حقق 'الدرع' حسن التوزيع والثبات، والأمن، حتى ليخال للمراقب أن ما جرى كان فرصة لدرع الجزيرة للتكفير عن موقفه المرتبك حين اجتاحت جحافل جيش نظام الرئيس العراقي صدام حسين دولة الكويت ف يأغسطس/آب 1990.
يتجاوز حاليًا عدد منتسبي قوات درع الجزيرة 30 ألف عسكري، ولهم أهلية لخوض حروب المعركة المشتركة، إلا أن هناك معوقات تحول دون تحقيق هذه القوة الهدف المنشود من قيامها كضعف الصلاحيات الممنوحة لدرع الجزيرة، وقد بدأ المجلس بخطوات لتلافي ذلك بوضع الاستراتيجية الدفاعية الموحدة، والقيادة المشتركة؛ مما يعني حرية العمل ضمن ضوابط هذه التنظيمات دون الحاجة لمراجعة صانع القرار السياسي في كل الأمور التكتيكية. كما أن مشروع تطوير درع الجزيرة أخذ فترة طويلة، بل إن تقلبات الرأي بين الدول الست تجعل صمود مشروع التطوير أمرًا قابلاً للتأويل.

الرؤية الاستراتيجية الدفاعية الموحدة

لا شك بأنَّ دول مجلس التعاون الخليجي قد نجحت في تحقيق درجة عالية من التنسيق العسكري في مجالات عدة منذ العام 1981 تحت شعار إقامة بنية تنسيق دفاعية. لكن تلك الهياكل العسكرية كانت تخدم شكل التعاون أكثر مما تخدم المضمون؛ فقد غابت عنها الخطط المطلوبة لتحقيق هدف التعاون نفسه على المدى البعيد بالإمكانات المتوفرة، أو ما يسمى 'الاستراتيجية'؛ فأين الاستراتيجية المنشودة؟
لم يكن هذا السؤال من الأسئلة التي تُطرح من أجل جواب فوري بل من أجل القيام بمهمة؛ فلكون مجلس التعاون الخليجي مكونًا من ست دول تختلف أشكال التحديات التي تواجهها كما تختلف الأهداف الجزئية؛ لذا كان من الصعب بناء قدرات موحدة لتحقيق تلك الأهداف فتم الابتعاد عن وضع 'استراتيجية للأمن القومي' أو الوطني أو الاستراتيجية العظمى، والتي تتطرق إلى كافة الجوانب السياسية والاقتصادية والأمنية والاجتماعية والثقافية وغيرها لتحقيق رؤية الدولة. كما تم تحييد 'الاستراتيجية العسكرية' التي تغوص في تفاصيل عسكرية أكثر من حيث البناء والاستخدام، لتنوع السلاح والعقيدة القتالية بين دول مجلس التعاون الست.
لقد تم الاعتماد على 'الاستراتيجية الدفاعية' التي تحدد السياسات والمفاهيم العامة التي تحكم وتحدد التوجهات الدفاعية، وهذا المستوى من الاستراتيجية عادة ما ترسمه الدول العظمى ذات التطلعات والأنشطة التي تتجاوز حدودها إلى مجالاتها الحيوية، كما ترسمها المنظمات الدولية والإقليمية مثل الناتو ومجلس التعاون لتحديد وتنسيق أنشطتها الدفاعية والتزاماتها المتفق عليها(2). وفي ذلك قصور من جانب صانع القرار الذي ترك قطار التعاون العسكري يتحرك لمدة ثلاثة عقود دون استراتيجية دفاعية موحدة؛ حيث لم تر النور إلا في قمة الكويت في 30 ديسمبر/كانون الأول 2009، حين أقر المجلس وضع استراتيجية دفاعية خليجية موحدة، فاتضحت الرؤية للعمل بعد أن حددت الاستراتيجية الأسس والثوابت التي تنطلق منها لبناء قدرات لردع العدوان والتعاون لمواجهة التحديات من خلال البناء الذاتي وإجراء التقييم الاستراتيجي الشامل للبيئة الأمنية الاستراتيجية، والتهديدات والتحديات والمخاطر بصفة دورية(3).
القيادة العسكرية الخليجية الموحدة
وحدة القيادة هي أول مبادئ الحرب، وقد شغل موضوع القيادة العسكرية الخليجية الموحدة حين طُرح في ختام القمة الخليجية الـ33 بالمنامة 24-25 ديسمبر/كانون الأول 2012، حيزًا كبيرًا من النقاش والتحليل، فتشكيل القيادة العسكرية الموحدة رسالة ذات أبعاد إقليمية ودولية، وهو جزء من جهد عسكري خليجي تراكمي يرتفع يومًا بعد يوم ليصل إلى الهدف العسكري الخليجي الأعلى بتحقيق الدفاع الذاتي عبر مبدأ الأمن الجماعي « Collective security»(4).
وكما هي الحال في تأخر طرح الاستراتيجية الدفاعية الموحدة، أتى تشكيل القيادة العسكرية الخليجية الموحدة بعد أن تحقق العديد من الإنجازات العسكرية وكان يجب وضعها في إطارها الصحيح بدل ما هو موجود في هيكل الأمانة العامة من لجنة للتمارين ولجنة فنية للأسلحة ومراكز القوة الجوية والتنسيق البحري ودرع الجزيرة وسواها من مكونات التعاون العسكري المتشرذمة هنا وهناك؛ فخلق قيادة مشتركة خطوة مستحقة، وعليه فمن المتوقع أن يُعيَّن مواطن سعودي لرئاسة القيادة العسكرية الخليجية الموحدة، وكما هي الحال في حلف الناتو حيث القيادة من نصيب الدولة ذات الإسهام الأكبر سيكون مقرها الرياض، كما يعيَّن فيها ضباط محترفون من أعلى المستويات على أن لا تنضم أية قوات عسكرية بصفة مستديمة إلى هذه القيادة، بل تبقى كل قوة في بلدها، وتُستدعى فقط عند تنفيذ التدريبات المشتركة أو مجابهة الأخطار، وتحدد صلاحياتها ومسؤولياتها بناءً على توجيهات قادة المجلس ووزراء دفاعهم. كما ستُمنح القيادة العسكرية الصلاحيات الحقيقية، لكي تبدي آراءها وتخطط وتتصرف في الشؤون العسكرية حسب مقتضيات الظروف سواء في أوقات السلم أو في أوقات الحرب.
ففي حالة الحرب، تكون مهمة القيادة الدائمة ممارسة القيادة العملياتية على قوات المجلس لردع أي عدوان محتمل أو دحر أي عمل عدائي. أما في حالة السلم، فتكون مهمتها تقييم الأخطار وإعداد الخطط لمواجهتها، وإعداد السيناريوهات لكل حالة، وتحقيق التنسيق بين قوات المجلس عبر تعاون رؤساء الأركان، وتقديم المشورة في شأن العقائد العسكرية، والحصول على الأسلحة والمعدات، لزيادة إمكانات القوات المختلفة على العمل العسكري المشترك، وإنشاء مركز مشترك للاتصالات والاستخبارات والعمليات العسكرية، والإشراف على تنفيذ التمارين، وتدريب وحدات القيادة المشتركة والتفتيش عليها وتقييمها، ورفع التقارير عنها، لتحقيق أعلى مستوى من الاستعداد القتالي، وتقديم المشورة في شأن تجهيز البنية الأساسية لمسرح العمليات، وتحديد الإسهام العسكري لكل دولة.

الدرع الصاروخي الخليجي

لم تستطع دول الخليج غضَّ الطرف عن خطر الترسانة الصاروخية الإيرانية، ليس لتعدد أنواعها فحسب بل لطول مدياتها ولوصول إيران لدرجة متقدمة في صناعة الصواريخ البالستية؛ مما جعل التفكير الخليجي محسومًا لصالح إقامة درع صاروخي من شبكات حماية مكونة من أنظمة صواريخ أرضية، قادرة على إسقاط أي صاروخ بالستي يستهدف المدن والقواعد العسكرية ومصافي النفط وخطوط الأنابيب بالخليج.
وحين نتحدث عن النفط ندخل في المصالح الأميركية والأوروبية بالمنطقة والتي تدفعهم لمساعدة شركائهم الخليجيين في سدِّ احتياجاتهم الدفاعية، ضد أي تهديد صاروخي يواجهونه. المنظومة الصاروخية الدفاعية الخليجية هي نتيجة سعي الطرفين لتعميق التعاون بمجال الدفاع الصاروخي، وقد سبق وأن تم طرح فكرة النظام بعد حرب تحرير الكويت عام 1990 وتم تأجيل المقترح من قبل الخليجيين، ثم عاد للواجهة في ربيع عام 2012 بعد زيادة التوتر الإيراني-الدولي حيال مشروعها النووي. من المتوقع أن يتكوّن الدرع الصاروخي الخليجي في جُلِّه من أنظمة قواذف صاروخية ورادارات ومحطات مراقبة أميركية موجود معظمها أصلاً في دول الخليج كنظام باتريوت من الجيل الجديد 'باك-3' ونظام 'ثاد' عالي الارتفاع. وحتى يتم الإعلان عن اكتمال عملية الربط والاحتفال بتشغيل النظام تبقى هناك محاذير يجب الإشارة إليها، أهمها:
ليست فكرة الدرع الصاروخي جديدة؛ فقد سبق أن حاولت الولايات المتحدة الأميركية تسويق فكرة الدرع على السعودية وحدها، ولم تجد حماسًا لتلك الفكرة في الرياض، فتم تعويم المشروع للأفق الخليجي الأوسع.
ما زال بعض صنَّاع القرار الخليجيين يشكُّون في جدية الادعاء الأميركي بوجود خطر صاروخي إيراني حتمي على التجمعات السكانية الخليجية بدرجة تساوي تهديد أمن الدولة الصهيونية، ودور تل أبيب وموقعها في هذا النظام الصاروخي؛ فالخطر الإيراني هو في خلاياه في بعض شوارع الخليج.
غير الإرهاق المالي، يتساءل الخليجيون عن مدى جدوى الدرع إذا ما حُلَّت أزمة النووي الإيراني وعادت المياه إلى مجاريها بين واشنطن وطهران؛ حيث سرعان ما سيتبدّد هذا الوهم الاستراتيجي المسمى المظلة الأميركية! وهل توجه الخليجيين مؤخرًا إلى روسيا والصين ضغط للحصول على الأفضل أم رسالة بأن الخليجيين أخذوا في البحث عن علاقات يمكنها تعويض الحضور الأميركي كما فعلت الرياض حين حصلت على الصواريخ الصينية 'رياح الشرق' في الثمانينات كردة فعل على التعنت الأميركي.
لقد اتسم النصف الثاني من القرن الماضي بالمشاريع الصاروخية الأميركية الصاخبة، فمن أزمة الصواريخ الكوبية إلى أزمة الصواريخ الكورية إلى أزمة إزالة الصواريخ السوفيتية والأميركية متوسطة المدى، إلى أزمة الدرع الصاروخي في بولندا والتشيك، ثم أزمة الدرع الصاروخي في تركيا. فهل يخلق الدرع والانعكاسات المترتبة عليه مناخًا شبيهًا بأجواء الحرب الباردة، ليكون الخليج مسرح السجال الغرائزي الجديد بين إيران وتكتل روسيا والصين في مواجهة أميركا؟
فروسيا ترى الدرع امتدادًا للدرع الصاروخي الموجه ضدها وليس موجهًا ضد إيران فحسب والتي كانت ردة فعل وزير الدفاع الإيراني أحمد وحيدي من أن الدرع مشروع صهيوأميركي وكل من يشارك فيه يلعب لعبتهم، ناصحًا الخليجيين بعدم الدخول في اللعبة. وهي نفس ردة الفعل الإيرانية ضد كل المشاريع الأمنية الخليجية منذ قيام مجلس التعاون حتى الدعوة للوحدة الخليجية مؤخرًا؛ ما ينبئ بجولة مماحكات سياسية جديدة مع طهران(5).

لقد روجت أجهزة إعلامية موالية لإيران إلى وجود خلافات خليجية حول موقع القيادة المركزية للمنظومة لتتيح عملية أخذ القرار بدرجة أسرع، متناسيةً أنه بالإمكان إقامتها منفردة، ودمجها معًا في حالة الطوارئ خلال دقائق. كما ذهب محللون إيرانيون(6) إلى أن دول الخليج ليست متوجسة فحسب من تقاسم المعلومات فيما بينها بل أيضًا مع الولايات المتحدة الأميركية لأن هذه الدول تخشى من أن المشاركة الأميركية المباشرة في الدرع قد تعني أن تربط أميركا أنظمتها بأنظمة الرادار في الدول الخليجية دون أن تقدم بالمثل المعلومات التي تحصل عليها أجهزتها.

ردم الفجوة القائمة على مستوى القدرات

كان صدى القنابل التي تدك مغارات الحوثيين في جنوب شبه الجزيرة العربية لا يزال يُسمع، يرافقه تنامي المخاوف الخليجية من انسحاب استراتيجي أميركي من المنطقة. ورغم ذلك كان الإعلان عن إنشاء 'قوة مشتركة للتدخل السريع' في القمة الـ 30 للمجلس في منتصف ديسمبر/كانون الأول 2009 خارج بورصة القرارات المتوقعة في قمة الكويت؛ فإنشاء قوات التدخل السريع للتعامل مع الأزمات الطارئة، التي يصعب التفاعل معها وفق الوقت الاعتيادي، الذي يستغرقه تحرك الجيوش من ثكناتها، باتجاه مسرح العمليات.
ولم يكن ضمن طموح دول المجلس في ذلك الوقت الدخول في عمليات عسكرية خارج الإقليم بحيث تتطلب فتح قواتها على مسافات بعيدة. لكن النظرة الاستراتيجية لصاحب قرار إنشائها أصابت هذه المرة بدرجة كبيرة مقارنة بمشاريع وحدوية عديدة لم توفق، ويكفي أن نرى ما سبَّبه تنظيم داعش من إرباك مشين للقوات النظامية في عدد من الدول لا سيما في العراق وسوريا، بل وحتى لقوات بعض فصائل المعارضة لنعرف ضرورة وجود قوات تدخل سريع جيدة التدريب.
ولأن الحرب الحديثة أصبحت حرب أسلحة مشتركة؛ فقد أصبح من العسير على دولة واحدة من دول مجلس التعاون أن تملك وحدات متمكنة لكافة أشكال المعارك، وهنا يأتي دور قوة خليجية مشتركة للتدخل السريع لردم الفجوة القائمة على مستوى القدرات العسكرية بين دول المجلس. كما أن قوة التدخل السريع هي حل لردم الفجوة في اختلال توزيع القوى البشرية، كما تترجم هذه القوات صورة الدفاع المشترك في حال تشكَّلت من قبل عدد من دول المجلس. وحتى الآن لم يرشح شيء عن تفاصيل هذه القوة لكنها لن تقلَّ في البداية عن حجم لواء قوات خاصة مدعوم بحريًّا وجويًّا على أن يتم التوسع في إنشاء أكثر من قوة تدخل سريع من مبدأ إمكانية خوض معركتين في آن واحد للدفاع عن حقول النفط والمنشآت الحيوية في ظروف طبيعية قاسية وباستعداد يكافئ قوة عدو من دول الجوار. ورغم أنه من المبكر استقراء أبعاد ودلالات قيام هذه القوة إلا أن من الممكن القول بأنها خطوة في إطار التعاون العسكري الخليجي.

توحيد للهياكل العسكرية بلا حدود

لقد قامت اتفاقية الدفاع الخليجي المشترك، الموقَّعة في المنامة في ديسمبر/كانون الأول2000، على أكثر بكثير من كونها مجرد إضفاء طابع رسمي على التعاون العسكري الخليجي؛ فقد قام 'درع الجزيرة' قبل الاتفاقية، إلا أن الاتفاقية مهدت لظهور هياكل التعاون العسكري الكبرى كوضع الرؤية الاستراتيجية الدفاعية الموحدة، والقيادة العسكرية الخليجية الموحدة، والدرع الصاروخي الخليجي، وردم الفجوة القائمة على مستوى القدرات بإنشاء قوة مشتركة للتدخل السريع، بالإضافة إلى 'حزام التعاون' للإنذار المبكر بحزام الألياف البصرية بين القوات كافة ومراكز العمليات.
كما غيّرت الاتفاقية من طبيعة العلاقة الخليجية-الخليجية بشكل جذري، بتعزيزها الأمن والاستقرار عبر تعاون عسكري آخر في مجالات عدة؛ فالتمارين والمناورات المشتركة البرية والبحرية والجوية والاتصالات والدفاع ضد الأسلحة الكيميائية والبيولوجية والنووية والمشعة والحرب الإلكترونية والخدمات الطبية، والاستخبارات والأمن العسكري والمساحة العسكرية وقوات درع الجزيرة المشتركة لم تتوقف منذ أن جرت أول مناورة مُشتركة بين دول الخليج في 4 يوليو/تموز 1975 وكانت بين قوات سعودية وبحرينية. ولتحقيق التوافق والتنسيق وتوحيد الأسس والمفاهيم بين القوات المسلحة بدول المجلس قفز التعاون في مجال التعليم العسكري قفزات واسعة شملت تبادل العسكريين كطلبة وكمعلمين، وإنشاء أكاديمية خليجية للدراسات الاستراتيجية والأمنية، كما وحَّدت دول الخليج أكثر من 100 كراسة عسكرية، وجرى توحيد أكثر من 100 منهج من مناهج الدورات العسكرية المختلفة لمدارس التدريب العسكري ومراكزه. بل تم انشاء النظام الموحد لمد الحماية التأمينية للعسكريين الخليجيين، والاستفادة من ذوي الخبرات والكفاءات من العسكريين والمدنيين المتقاعدين من مواطني دول المجلس للعمل في المؤسسات والجهات الحكومية وشبه الحكومية ومؤسسات القطاع الخاص بدول المجلس الأخرى.

شرف الغاية ووضوح الرؤية

إن شرف الغاية يحتاج إلى وضوح الرؤية لدى رجال يملكون إدراكًا جادًّا لمحيطهم بما يحويه من آفاق تعاون رحبة وعقبات يجب تجاوزها؛ فقد تطور التعاون العسكري بين دول المجلس بشكل نوعي وكمّي جرَّاء العمل الجاد، منذ بدء تشكيل المجلس وحتى اليوم. فهناك تعاون فعّال في الهياكل العسكرية لوحدات المناورة كما في مجال الإسناد والتعليم العسكري وحتى مجال توحيد الفكر العسكري.
ولا يُفتح باب الحديث عن العسكرية الخليجية إلا وتحدث منتقدوها بمثالب مرتبة في أرفف من المغالطات؛ فقلة القوى البشرية الخليجية -في نظرهم- قد أصابت هذا التجمع العسكري في مقتل وجعلته رمزيًّا وفي أقل الأحوال مشلولاً غير قادر على حماية دول الخليج، دون وعي بأن دول الخليج قد تجاوزت هذا القصور بالاعتماد على وسائل التقنية الحديثة لتعويض النقص بأسلحة ذات قوة نارية كثيفة تدار من قبل قلة من العسكريين. فدول الخليج تمتلك من العدة والعتاد حاليًا ما لا تمتلكه دولة أخرى في العالم من حيث النوعية، كما تأتي دول الخليج في المرتبة الثانية في العالم بعد حلف الناتو من حيث التسليح.
وإن كانت دول الخليج ما زالت في حاجة إلى قرارات ثورية أخرى لتلافي تحديات نقص العسكريين بفتح الباب لسد النقص في القوى البشرية لأصحاب الخبرات والكفاءات العسكرية من المتقاعدين الخليجيين؛ لأن الخبرات لا تتقاعد. أو بالعمل الجاد ببرامج التجنيد الالزامي للشباب من الفتيان والفتيات، أو بفتح أبواب التطوع المباشر للشباب الخليجي للانضمام لقوات 'درع الجزيرة' التي تعبِّر بالأساس عن رؤية شاملة لمفهوم الأمن الجماعي.
كما يعوق التعاونَ العسكري الخليجي عدمُ تحديد مصدر التهديد بدرجة مربكة، بل إن بعض دول المجلس ترى الخطر في الخلافات الحدودية البينية، وما زالت تكرره بين فينة وأخرى، لكنها لم تدمن هذا الطرح إدمانًا لا شفاءَ منه؛ حيث إن بناء شعور خليجي موحد بالخطر هو الحل، وقد يعجِّل بخلقه مؤثر خارجي كما فعلت الحرب العراقية-الإيرانية واحتلال الكويت.
ولعل في الطموح النووي الإيراني وعدم استقرار العملية السياسية في العراق والثورة السورية المستمرة منذ قرابة الأربع سنوات وتنظيم داعش والاستدارة الأميركية نحو طهران خير حافز. كما أن من المعوقات التمسك بمبدأ السيادة بدرجة مفرطة حتى أصبح تحقيق بعض متطلبات التعاون العسكري يعني إهدار السيادة لدول لديها إحساس بعدم الثقة بالأخوة الخليجية، ولعل في تبعات الربيع العربي ما غيَّر بعضًا من ذلك الإحساس الذي يعوق التعاون العسكري الخليجي.
تعاني دول مجلس التعاون من غياب سياسة تسلح موحدة، وهي معضلة على مستوى صنَّاع العقيدة القتالية إلا أنه بالإمكان جعلها ميزة باعتبار أن تنوع مصادر التسلح يلغي الارتهان لمصدر واحد(7). كما يعاني التعاون العسكري الخليجي في البعد اللوجستي وأبسطه توحيد أعيرة ذخيرة الأسلحة الصغيرة، فتسلح دول المجلس بذخائر من عيارات متماثلة يفسح المجال لطلبات شرائية أكبر حجمًا وأقل كلفة، بالإضافة إلى ضرورة توحيد نظم تخزين الأسلحة والذخائر باعتماد العلامات وأوصاف البيانات لكي لا نهدر فرصة تزود قوات خليجية بما تحتاجه من معدات مماثلة من النظام اللوجستي لدولة خليجية أخرى.

خاتمة

لقد أتت الاستراتيجية الخليجية الموحدة كقفزة في مجال توحيد الفكر العسكري الخليجي؛ ولأن في معسكرات دول مجلس التعاون ما يزيد على 20 نوعًا من ناقلات الجند و10 أنواع من الدبابات و25 نوعًا من الطائرات، مشكِّلة جحيمًا لرجل العمليات وكابوسًا لرجل الإمداد والتموين لذا يجب إنجاز قفزة مماثلة في مجال العمل على الأرض عبر وضع 'العقيدة العسكرية الخليجية الموحدة'؛ حيث إن كل جهد تعبوي يتطلب وجود عقيدة قتالية تُعني بكيفية قتال هذه الأسلحة مع بعضها البعض وأولوية ودور كل سلاح في معركة الأسلحة المشتركة. فبدون العقيدة القتالية يبدو الجهد العسكري كخبط عشواء يصيب مرة ويخطئ أكثر من مرة.
وإذا كانت دول الخليج قد انتقلت مؤخرًا من مرحلة إدراك المخاطر إلى خطوات إيجاد الآليات لمواجهة تلك المخاطر والتعامل معها بمهنية عسكرية راقية، فإن أكبر معوقات التعاون العسكري الخليجي بحق لا يزال قائمًا وهو صعوبة دحض مقولات محددة كادت تتحول إلى ثوابت في ذهن صانع القرار الخليجي وتتمثل في اعتقاده أن أمن الخليج مصلحة دولية أيضًا، ولابد من حمايته بقوة عسكرية أقوى من التجمع العسكري الخليجي الحالي؛ مما يصيب نظام الأمن الجماعي الخليجي في العمق.
________________________________________
د. ظافر محمد العجمي - المدير التنفيذي لمجموعة مراقبة الخليج
المصادر
[1]. قوات درع الجزيرة، الجزيرة نت، 15 مارس/آذار 2011،
http://www.aljazeera.net/news/reportsandinterviews/2011/3/15/%D9%82%D9%88%D8%A7%D8%AA-%D8%AF%D8%B1%D8%B9-%D8%A7%D9%84%D8%AC%D8%B2%D9%8A%D8%B1%D8%A9
[2] اللواء الركن أحمد الرحماني الخبير الاستراتيجي وأحد واضعي الاستراتيجية الدفاعية الخليجية، مقابلة شخصية، 26 أكتوبر/تشرين الأول 2014.
[3] الأمانة العامة لمجلس التعاون 1 ديسمبر/كانون الأول 2010، تقرير إخباري بمناسبة انعقاد الدورة الحادية والثلاثين للمجلس الأعلى لمجلس التعاون لدول الخليج العربية 6-7 ديسمبر/كانون الأول 2010، أبو ظبي،
http://www.gcc-sg.org/index5c10.html?ac..
[4] د. ظافر العجمي، مهام القيادة العسكرية الخليجية الموحدة، صحيفة العرب القطرية، 2 يناير/كانون الثاني 2013،
http://tinyurl.com/mv783tm
[5] د. ظافر العجمي، الدرع الصاروخية الخليجية: ردع عسكري أم عبء سياسي؟، العرب القطرية، 11 إبريل/نيسان 2012،
http://tinyurl.com/o6pnhsv
[6] البديع الإلكترونية، الشكوك وانعدام الثقة تحبط مشروع الدرع الأميركية مع دول الخليج الفارسي، العربية، 7 مايو/ أيار 2012،
http://tinyurl.com/p9dbngp
[7] د. ظافر العجمي. المعضلة الأمنية: معوقات الاتحاد وضربات أجنحة الفراشة، مركز الدراسات الاستراتيجية بالأهرام، مجلة السياسة الدولية، العدد 196 إبريل/نيسان 2014، المجلد 49 ص19-20.


Gulf seurity أمن الخليج العربي

Kuwait
تبين هذه المدونة كيف تمتع الخليج بأهمية كبيرة أدت إلى خلق عبء استراتيجي على أهله بصورة ظهرت فيها الجغرافيا وهي تثقل كاهل التاريخ وهي مدونة لاستشراف مستقبل الأمن في الخليج العربي The strategic importance of the Gulf region creates a strategic burden and show a good example of Geography as burden on history. This blog well examine this and forecast the Gulf's near future and events in its Iraq, Iran ,Saudi Arabia ,Kuwait, Bahrain ,Qatar, United Arab Emirates and Oman

أرشيف المدونة الإلكترونية