Gulf security أمن الخليج العربي

الأحد، 2 فبراير، 2020


Site Meter

الأربعاء، 17 سبتمبر، 2014

دول الخليج والانهيارات في الجوار الإقليمي - إرهاب'مابعد القاعدة'يحتاج لإجراءات'مابعد أوباما'

دول الخليج والانهيارات في الجوار الإقليمي
آخر تحديث : الأربعاء 17 سبتمبر 2014   13:05 مكة المكرمة


(الجزيرة)
ملخص
تُعتبر الاتفاقية الأمنية الخليجية مغلَّفةً بالمعنى "البوليسي" المحلي للكلمة، كما أنّ اتفاقية الدفاع الخليجي المشترك تتضمن من الرمزية الكثير، حيث أراد لها البعض أن تكون "قوات درع الجزيرة" نفسها بعد أن سلبتها روحها الاتفاقيات الأمنية المنفردة التي وقّعتها دول المجلس مع القوى العظمى كل على حدة.
ولا شك أن الإرهاب من القضايا الدولية العابرة للحدود، وقد لا يكون تهديد تنظيم الدولة الإسلامية لدول الخليج أكثر مباشرةً منه للعراق وسوريا ولبنان والأردن، لكن خطورة هذا التنظيم على دول الخليج تكمن في أمور عدة ستاتي الورقة على ذكرها وتحليلها.
يعي صانع القرار الأمني في الخليج أننا نعيش مع "الدولة الإسلامية" في مرحلة "إرهاب ما بعد القاعدة"؛ ولكن هل يعي أيضًا أنها مرحلة تحتاج إلى إجراءات "ما بعد الرئيس أوباما" المتردد، والذي حرص على جعل العملية العسكرية طويلة الأمد عبر تقسيمها لمراحل "التصدي" لتنظيم الدولة الإسلامية و"إضعافه"، وفي نهاية المطاف "دحره" عبر احتواء التنظيم ومنع تمدده بدل إنجاز العملية والقضاء عليه بخطوة واحدة ؟
لقد أكدت الولايات المتحدة الأميركية في ختام الاجتماع الإقليمي الذي عُقد في جدة في 11 سبتمبر/أيلول 2014، العمل مع ائتلاف قاعدته العريضة من دول عربية ودول أوروبية لمحاربة تنظيم "الدولة الإسلامية". فقد قررت واشنطن إعلان الحرب عليه رسميًا وسط تهليل دولي، فلا بواكي لتنظيم الدولة الإسلامية في مفارقة غريبة ومشهد معقد لحرب غريم الغريم؛ فدول الخليج وهي غريمة الأسد سيكون لها دور مركزي في محاربة هذا التنظيم، مقارنة بدورها إبان حرب بوش الإبن على الإرهاب والتي كان بعض دول الخليج فيها قرب خط الاتهام.
أخيرًا يؤكد الباحث على أنه من المهم في التحالفات العسكرية الكبرى أن تُختَم الأشياء بطريقة صحيحة بدل انسحابات عجولة، كتلك التي قام بها الرئيس أوباما في كل من العراق وأفغانستان.
مقدمة
خلافًا لما يتم تداوله في وسائل الإعلام الخليجية، يمكن الجزم بعدم وجود الجاهزية الأمنية الخليجية لغياب النظرية الأمنية الخليجية الواضحة، ذات المحاور المترابطة التي تشكّل كُلاً متكاملاً للاستجابة لأي انهيار مفاجئ في الجوار الإقليمي. فالاتفاقية الأمنية الخليجية مغلَّفة بالمعنى "البوليسي" المحلي للكلمة، واتفاقية الدفاع الخليجي المشترك فيها من الرمزية الكثير، حيث أراد لها البعض أن تكون "قوات درع الجزيرة" نفسها بعد أن سلبتها روحها الاتفاقيات الأمنية المنفردة التي وقّعتها دول المجلس مع القوى العظمى كل على حدة.
بل إن الانهيارات الحالية تبدو وقد وضعت دول الخليج بين فكي كماشة تنظيم الدولة الإسلامية في الشمال وجماعة الحوثي في الجنوب. فما مواقف دول الخليج من تطورات المشهد الأمني في المنطقة جرّاء تقدم وسيطرة داعش في شمالًا على أجزاء من العراق وسوريا؟ وما موقفها من القبضة الحوثية جنوبًا؟ وما دورها في بوادر تشكُّل حلف دولي بقيادة الولايات المتحدة الأميركية للقضاء على التنظيمات الإرهابية في المنطقة؟
لا شك أن الإرهاب من القضايا الدولية العابرة للحدود، وقد لا يكون تهديد تنظيم الدولة الإسلامية لدول الخليج أكثر مباشرة منه للعراق وسوريا ولبنان والأردن، لكن خطورة هذا التنظيم على دول الخليج تكمن في أمور عدة، منها:
  • تنظيم الدولة الإسلامية، منظمة شريرة ووحشية (1)، تحارب تحت بيرق الإسلام وليس لها صلة به. ورغم الارتباط الفكري والتنظيمي والمالي بين التنظيمات الإرهابية التي تدّعي الإسلام مرجعيةً لها في العالم؛ إلا أنَّ جملة من الوقائع تروّعنا؛ فوحشية هذا التنظيم في قتل أسراه وتعامله مع الأقليات يكاد أن يدفع تنظيم "بوكو حرام" خاطف الفتيات والنساء لأن يصدر بيانًا يدين فيه جرائم تنظيم الدولة الإسلامية البشعة، كما لن يكون أيمن الظواهري مغاليًا لو سماهم خوارج العصر، كما فعل غيره من السلفيين الخليجيين الذين اعتبروهم «متطرفين لا يجب التعاطف معهم» (2).
  • أن الخلاصات التي أفضت إليها الحروب السابقة في مخزن الذكريات الأليمة لرجال مكافحة الإرهاب في أفغانستان والشيشان والعراق رغم بُعدها تشير بوضوح إلى أنه سيكون هناك انجذاب ظاهر للمقاتلين الخليجيين لمعسكرات تنظيم الدولة الإسلامية، القريب منهم، بأعداد كبيرة، وسيعودون لدولهم لاحقًا ليشاركوا في التخطيط لهجمات ضدّ بلادهم نفسها؛ حتى أصبحت جدوى فتح بعض دول الخليج قنوات حوار مع طالبان والمنظمات التي تستوعب المجاهدين الخليجيين واحدة من أعمق الجدليات وأكثرها خلقًا للخلافات الخليجية. 
  • يحتوي تهديد الإرهاب من تنظيم الدولة الإسلامية على كم هائل من العُقد، والمرجح أن يكون تهديد "الدولة الإسلامية" مستمرًّا ويستدعي استراتيجية طويلة الأمد لتحديد التهديدات والتصدّي لها؛ مما يعني حالة الاستعداد الطويلة وإرهاق الميزانيات والمعدات والرجال، فالإمكانيات الواضحة لـ"الدولة الإسلامية" ومواردها وطموحاتها واستراتيجيات البقاء لديها تشير كألف شاهد لخطرٍ صلاحيتُه طويلة الأمد. 
  • أن أي ضغط على "الدولة الإسلامية" في ميادين القتال هو رش ماء في وجه الخلايا الإرهابية النائمة في الخليج من مؤيدي هذا التنظيم المتطرف لتنفيذ هجمات استباقية (3)؛ وهذا ما جعل بريطانيا وأستراليا ترفعان درجة الخطر، فيما انحرف الحديث في الخليج بشكل مؤسف عن مساره حول الاستعدادات الأمنية، وتحول عبر وسائل الإعلام إلى جدل عقيم حول شرعية الحديث عن تلك الإجراءات وإن كانت سرية أم أنه يجوز البوح بها (4).
مواقف دول الخليج من تطورات المشهد الإقليمي
يعي صانع القرار الأمني الخليجي أننا نعيش مع "الدولة الإسلامية" في مرحلة "إرهاب ما بعد القاعدة"؛ فهل يعي أيضًا أنها مرحلة تحتاج إلى إجراءات "ما بعد أوباما" المتردد، والذي حرص على جعل العملية العسكرية طويلة الأمد عبر تقسيمها لمراحل "التصدي" لتنظيم الدولة الإسلامية و"إضعافه"، وفي نهاية المطاف "دحره" عبر احتواء التنظيم ومنع تمدده بدل إنجاز العملية والقضاء عليه بخطوة واحدة؛ فألهانا بغارات جوية مكلفة يدمر فيها صاروخ مافريك "Maverick"، وقيمته 90 ألف دولار، شاحنة تويوتا لتنظيم الدولة الإسلامية عليها رشاش لا تتعدى قيمته المادية 15 ألف دولار ولا تتعدى قيمته العملياتية سوى نصب نقطة سيطرة وتفتيش؛ فضاع بمثل هذه الطلعة الجوية وقت ثمين لحين اقتناع رئيس أقوى قوة في العالم بالاستراتيجية الكاملة التي قد يتشكل التحالف ويتفكك قبل أن يقوم أوباما من خلالها بشيء ملموس على الأرض؟ وهل يعي صانع القرار الخليجي أن الانقياد لواشنطن المترددة يعني عودة العلاقات الخليجية-الإيرانية لمرحلة الاصطفافات في معسكرات متنافرة، بعد انفراج بسيط منذ زوال النجادية ودخول إيران في مرحلة الروحانية المهادنة؛ فقد تم رسميًا رفض حضور إيران للمؤتمر الدولي حول العراق الذي عٌد في الخامس عشر من سبتمبر/ أيلول في باريس ومحاربة تنظيم الدولة افسلامية باعتبار أن مشاركة طهران لن تكون في محلها بسبب تورطها في وحل الحرب في سوريا.
وهي تهمة قد تكال لدول الخليج لعدم قدرة هذه الدول على فصل قضية مواجهة "الدولة الإسلامية" عن القضايا الأخرى التي تتبنى مواقف مختلفة تجاهها كصعوبة الفصل بين القوى السُنية المعارضة والتنظيم. وهذا الخلط يعطي مؤشرًا إلى أن تنظيم الدولة الإسلامية سيبقى لوقت غير قصير مثل "طالبان" و"بوكو حرام" و"الشباب الصومالية" لوجود الحواضن السُنية تحديدًا، والكارهة لحكم بغداد ودمشق، وأيضًا لنجاحه في تأسيس ذهن شباب هذه الحواضن بالنجاحات التي يحققها عبر ثروة كبيرة وإعلام ذكي يروج لدولة إسلامية لها عملة ولوحات سيارات وتصرف رواتب سخية، كما تضم وحدات مقاتلة تُقدَّر قوتها العسكرية بعشرات الآلاف، وتحتل أراضي في حلب والرقة ودير الزور في سوريا وصولاً إلى محافظات صلاح الدين والأنبار ونينوى وديالى في العراق (5).
كما أن مما يصعب تسويغه استبعاد إيران وروسيا من التحالف الدولي؛ مما دفع الدولتين بالإضافة إلى سوريا للدعوة لإنشاء تحالف الممانعة (6) لمواجهة تنظيم الدولة الإسلامية والجماعات الإرهابية الأخرى. وبناء عليه، اجتمع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين على هامش قمة «منظمة شنغهاي للتعاون» 12 سبتمبر/أيلول 2014 مع نظيره الإيراني حسن روحاني، وكان أن دعت المنظمة إلى تسوية الأزمة في سوريا سلميًا (7).
فك الكماشة الحوثي
لقد وضعت دول الخليج تنظيم "الدولة الإسلامية?" على لائحة ?الإرهاب?؛ فوضعها التنظيم على خرائطه السوداء وراح يتوعدها بالغزو؛ مما يعني أن دول الخليج لن تكون في مقاعد المشاهدين هذه المرة، بل ضمن من يلعب أدوارًا مهمة؛ مما يفرض على هذه الدول الحذر في موازنة المُدخلات مع المُخرجات، ولذلك يجب التسليم بأن مسألة توسيع المدى الاستراتيجي للخليج بالمشاركة في التصدي لتنظيم الدولة الإسلامية هو تأمين له على المستوى الأمني. ?????
ومن جانب، آخر كانت دول الخليج تأمل في الإفادة من "الدولة الإسلامية" بإضعاف ‏حكومات العراق? وسوريا?، وقد تحقق الشق الأول مما تنشده بسقوط المالكي ونهجه المتطرف القائم على ولاءات بدائية بانتظار أن تؤدي التحولات الحادة في منطقة الأزمة حول "الدولة الإسلامية" إلى سقوط نظام بشار الأسد؛ مما يعني فقدان طهران، وهي التحدي الأكبر للخليجيين، لذراعين من أشد أذرع الأخطبوط التوسعي الإيراني. لكن طهران برصيدها من الخبرة في تغيير الديناميات التي تحرك الصراع، استخدمت تحركات تنظيم "الدولة الإسلامية" شمال الخليج استخدامًا ذرائعيًا فأطلقت المارد الحوثي من عقاله في جنوب الخليج كأداة ضغط؛ فقضى على حزب اتحاد الرشاد السلفي في «دماج»؛ حيث مركز دار الحديث "رمز السلفية" في صعدة التي سيطر عليها الحوثي بحكم ذاتي تام، وأمسك الأمور الأمنية والعسكرية والإدارية والمالية كاملة.
ثم احتل الحوثيون عمران وفتكوا بحزب التجمع اليمني للإصلاح الذي يمثل الإخوان المسلمين، ثم دخلوا صنعاء لا كفاتحين بل كمطالبين بحقوق الشعب بعد قرارات رفع الدعم عن الوقود وفساد الحكومة وغيرها. ووصلت العبثية مداها بقيام الحوثيين بمغازلة دول الخليج بطلب السماح لهم بضربات مباغتة لحركة الإخوان المسلمين وتصفية بعض قيادتها في العاصمة صنعاء نفسها لأيام قليلة على أن ينسحبوا بعدها كما فعلوا بحزب التجمع في عمران. كما أنَّ إيران تستخدم الحوثيين بهدف الحفاظ على الهوية المذهبية لصعدة وما جاورها من أماكن سيطرة الحوثي لبناء حضور وجيرة ابتزازية للمملكة العربية السعودية، ولتوسيع نفوذ إيران الإقليمي عند مضيق باب المندب الاستراتيجي. واستهداف دول الخليج التي تمر تجارتها ومنتجاتها النفطية عبر هذا الطريق لقناة السويس.
لأجل ذلك كله أوعزت طهران للحوثيين بأن يُبدوا التعقيدات واحدًا تلو الآخر في مفاوضاتهم مع الرئيس اليمني عبد ربه منصور هادي من أجل كسب الوقت، ومنح طهران فرصة أكبر في التفاوض مع واشنطن حيال القضاء على تنظيم "الدولة الإسلامية" في دمشق وما حولها، وبغداد وما جاورها، مقابل انسحاب الحوثيين من صنعاء، حتى تعود قبضة طهران لمكانها هناك.
لقد دخل الحوثيون المنحازون لإيران بما تمثله لهم من سند مالي وعسكري وعقائدي العاصمة اليمنية صنعاء كجزء من الشعب اليمني الذي يقيم خيام الرفض في كل تقاطع، ولم يدخلوا بأسلحتهم الثقيلة أملاً في تخفيف ضغط مجلس الأمن عليهم، وخوفًا من أن يتطور البيان الأممي إلى قرار، ويتحول القرار إلى خطوات عسكرية، أقلها تفويض حلف الناتو بضربات وقائية يدعم بها ضربات سلاح الجو اليمني لهم في الجوف.
والسيناريو القادم في تقدير الباحث هو خروج الحوثيين من صنعاء وتركها في يد الرئيس اليمني، الذي يعمل وفق منهجية رئيس الوزراء العراقي السابق نوري المالكي في بغداد، حيث خرج هادي بعناية "المبادرة الوطنية" بديلاً "للمبادرة الخليجية" وقيودها الكثيرة؛ والتي تصبح بموجبها الوزارات السيادية (الداخلية والخارجية والدفاع والمالية) من حصة الرئيس الشخصية بحجة الصدام مع إرهاب الحوثيين، كما تعلّل المالكي بداعش قبل سقوطه. أما الحوثيون فسينقلون ميدان معركتهم بالتسرب بهدوء خارج العاصمة والاستدارة غربًا تجاه «حجة» ومن هناك يتم تحقيق الهدف الأكبر وهو الاستيلاء على «ميناء ميدي» على البحر الأحمر والذي لا يحرسه أحد، فيتحول لقاعدة بحرية حوثية تصل إليها الأسلحة والمتطوعون عبر خط الإمداد (طهران-مصوع-وجزر دهلك الإريترية–ميدي)؛ حيث لم ينقطع مسير رتل الإمدادات البحرية، وما زالت الأسلحة والمتطوعون الإيرانيون والخليجيون والعراقيون ينقلون من الميناء إلى مزارع محيطة به امتلكها الحوثيون على فترات لتكون نقاطًا لوجيستية الآن ونقاط انقضاض على الميناء لاحقًا. 
تشكّل حلف دولي بقيادة واشنطن للقضاء على الإرهاب
لقد أكدت الولايات المتحدة الأميركية في ختام اجتماع إقليمي عُقد في جدة في 11 سبتمبر/أيلول 2014، العمل مع ائتلاف قاعدته العريضة من دول عربية ودول أوروبية لمحاربة تنظيم "الدولة الإسلامية". فقد قررت واشنطن إعلان الحرب عليه رسميًا وسط تهليل دولي، فلا بواكي لتنظيم الدولة الإسلامية في مفارقة غريبة ومشهد معقد لحرب غريم الغريم؛ فدول الخليج وهي غريمة الأسد سيكون لها دور مركزي في محاربة هذا التنظيم، مقارنة بدورها إبان حرب بوش الإبن على الإرهاب والتي كان بعض دول الخليج فيها قرب خط الاتهام.
لذا يبدو أنَّ الأميركيين سيدفعون بالسعودية لتكون رأس حربة للتجمع الخليجي لحرب تنظيم الدولة الإسلامية، والمسوغ لذلك أن هذا التنظيم قد هدد في مايو/أيار 2014، بالتمدد إلى الدول الخليجية، ردًا على الإجراءات التي أقرتها بعض تلك الدول، وفي مقدمتها المملكة العربية السعودية، لمكافحة الإرهاب. لكن الدخول في حرب معلنة ضد تنظيم الدولة الإسلامية مع هذا التحالف له محاذيره، ومن أبعاد القلق الخليجي من الحرب القادمة:
  • قد يتحدى تنظيم "الدولة الإسلامية" تنظيم "القاعدة" في مجال الهيمنة على الحركة الجهادية العالمية؛ فهل قرر الأميركيون أن يدمروا تنظيم "الدولة الإسلامية" وأن يُحيوا تنظيم «القاعدة»، الذي يعيش بعض أطرافه في حالة تراجع وفرار (8)، كعدو مفترض وغريم مهجّن، خصوصًا أن وزير الخارجية الأميركي جون كيري قد تعهد في 9 سبتمبر/أيلول 2014 ببناء ائتلاف من 40 دولة، وسيستمر لسنوات طويلة (9)؛ مما يؤيد الدعوات التي صدرت من واشنطن حول ضرورة إصرار الرئيس الأميركي على أن يتحمل الحلفاء حصتهم من العبء.
  • يعتبر تنظيم "الدولة الإسلامية" أكثر تعقيدًا من تنظيم "القاعدة" من حيث الاستراتيجية التي يتبناها، ونوع التكتيكات القتالية التي يعتمدها، فضباطه من خريجي ميادين القتال ضد الأميركيين طوال عقدين، كما أن هذا التنظيم يعتبر من "إرهاب ما بعد القاعدة" الأكثر تطورًا من الفلاحين الملتحين الأفغان والسلفيين البسطاء من جزيرة العرب. فإذا كان جورج بوش (الإبن)، قد احتل أفغانستان كلها وأرسل خيرة القوات الأميركية إليها؛ ومع ذلك فإن "القاعدة" لم تنته وأصبحت حركة "طالبان" أقوى؛ فكيف بتنظيم الدولة الإسلامية التي تُتعتبر من قوات الصفوة في القتال في المناطق الحضرية!
  • بنهاية الحرب الباردة قبل أكثر من عقدين من الزمن أصبح حلف شمال الأطلسي مكلفًا بحماية مصالح منتسبيه بدل الدفاع عنهم ضد الفيلق السوفيتي في حلف وارسو. ومع اقتراب الحلف من إنهاء مهمته القتالية في أفغانستان، كان عليه أن يتخذ وجهة قتالية جديدة؛ فهل تتجاوز مواجهة تنظيم "الدولة الإسلامية" ردود الفعل الآنية للحلف، وترتقي إلى مستوى الاستراتيجية، خصوصًا بعد فشل الحلف في صد روسيا عن التهام شبه جزيرة القرم من أوكرانيا؟ يؤيد ذلك تكليف نفس الجنود مع تغير المكان بتعيين القائد السابق للقوات الأميركية في أفغانستان الجنرال جون آلن منسّقًا للتحالف الدَوْلي (10) ضد تنظيم "الدولة الإسلامية". فهل ستصبح الأنبار أفغانستان أخرى؟
تعتقد واشنطن أن الحرب يمكن الترويج لها بوصفها منتجًا جديدًا، مع تجاوز صارخ لمعطيات ساطعة على الأرض تجعل المشتري مترددًا في بيع روحه لتحقيق مصالح غربية دون ضمانات واضحة. فقد تعهدت واشنطن، عبر إعلانها الحرب على تنظيم "الدولة الإسلامية" مع ائتلاف يضم أكثر من 40 دولة، بينها دول الخليج، ويستمر لسنوات طويلة، بالقضاء على هذا التنظيم. لكن فقدان اليقين في آلية اتخاذ القرار عند أوباما بالإضافة إلى أن عدم امتلاك واشنطن لمشروعٍ حقيقي للمنطقة ينتهك بوحشية تفاؤل الخليجيين بمستقبل الحملة المزمع شنها على بعد خطوات من حدودهم.
ليس هذا فحسب بل إن دول الخليج نفسها لم تسْعَ للتنسيق فيما بينها لمواجهة تنظيم "الدولة الإسلامية" شمالًا أو الحوثي جنوبًا، واعتمدت بصورة رئيسية على إجراءات وطنية لتحصين نفسها داخليًا كاعتبار بعض الجماعات تنظيمات إرهابية، أو اعتمدت على خطوط تضعها واشنطن وتقود في النهاية إلى أن على كاهلها (كاهل دول الخليج) سيقع عبء توفير الأموال اللازمة للحرب والمشاركة في عمليات ستمتد لسنوات، وسيتجرع الخليجيون خلالها ليس فقط قتال غريم غريمهم بل وقتال تشكيلات خرج بعض منتسبيها من دول الخليج.
خاتمة
من المهم في التحالفات العسكرية الكبرى أن تُختَم الأشياء بطريقة صحيحة بدل انسحابات عجولة، كتلك التي قام بها الرئيس أوباما في كل من العراق وأفغانستان، حيث ترك النار تشتعل في المعسكر الذي خرج منه، رغم قدرة واشنطن على النهوض بتبعات ختم الأزمات الإقليمية بطريقة صحيحة. ولعلَّ أبرز إصلاحات ما بعد المعركة التدخل الجراحي لتعديل ضيق الأفق الفئوي في بغداد، وإنهاء وحشية نظام بشار الأسد في دمشق دون تردد، فاستمرار نظامه يعني توفّر ملاذ آمن للإرهابيين ثم مساعدتهم للتسرب إلى دول الخليج. 
_____________________________
ظافر محمد العجمي - المدير التنفيذي لمجموعة مراقبة الخليج
المصادر
1-  وزير الخارجية الأميركي جون كيري في مؤتمر صحفي بالقاهرة 13 سبتمبر/أيلول 2014.
2- الداعية السلفي الكويتي شافي العجمي، جريدة الحياة اللندنية، 15 مارس/آذار 2014.
3- (أبو العيناء الخراساني، مدير شبكة "شموخ الإسلام" الجهادية، يوجه دعوة لتنفيذ هجمات استباقية في 8 أغسطس/آب 2014)، المركز الإقليمي للدراسات الاستراتيجية-القاهرة.  http://tinyurl.com/nk99bp9
4- القبس الكويتية، 10 سبتمبر/أيلول 2014 http://www.alqabas.com.kw/node/894708
5- منى علمي، الدولة الإسلامية وكلفة الحكم .http://carnegieendowment.org/sada/2014/09/04/
6- قناة الميادين الموالية لإيران، 11 سبتمبر/أيلول 2014, 07:16ص http://tinyurl.com/oxcpdoo
7- وكالة الأنباء الكويتية، 12 سبتمبر/أيلول 2014.
8- Michael Singh.The Islamic State's Triple Threat . 
http://www.washingtoninstitute.org/policy-analysis/view/the-islamic-states-triple-threat .September 5, 2014
9- http://www.dw.de/  9\92014l
10http://www.france24.com/ar/20140913
لقراءة النص بصيغة PDF إضغط هنا:   
الى الأعلى
 المصدر: مركز الجزيرة للدراسات

السبت، 13 سبتمبر، 2014

هل يكون الأسد هدف "حلف جدة" بعد تنظيم الدولة؟

جانب من اجتماع جدة الذي أعلن إثره بناء تحالف ضد تنظيم الدولة الإسلامية (رويترز)
جانب من اجتماع جدة الذي أعلن إثره بناء تحالف ضد تنظيم الدولة الإسلامية (رويترز)

الجزيرة نت 

هيا السهلي-الدمام 

يرى مراقبون أن يكون نظام بشار الأسد أكثر المتضررين من بناء الحلف الأميركي العربي الجديد الذي أعلن في جدة لمواجهة تنظيم الدولة الإسلامية، فإبعاد إيران عن الحلف ربما يكون مدخلا لتحجيم نفوذها في العراق، ومقدمة لضرب حليفها في دمشق.

ويرى المدير التنفيذي لمجموعة مراقبة الخليج الدكتور ظافر العجمي أن "مأساوية اللحظة الراهنة" تكمن في أن دول مجلس التعاون بانضمامها للتحالف ضد التنظيم ستقاتل غريم غريمها في سوريا والعراق.
العجمي: دول الخليج لن تكون في موقع المتفرج بل ستلعب أدوارا مهمة (الجزيرة نت)
تبادل الأدوار
ويضيف للجزيرة نت أن تنظيم الدولة الإسلامية جر الأطراف المحيطة به للعب أدوار متبادلة يصعب فرزها.
وحسب العجمي -وهو خبير عسكري متقاعد- فإن المكسب الإستراتيجي لهذه الحملة هو إسقاط نظام بشار الأسد، أو الحصول على ضمانات من العراق بأن ما سيحصل عليه من سلاح لن يجد طريقه لدول الخليج.
ويعتقد العجمي أن الحجم العسكري "للأزمة القادمة" سيؤدي لنشوء خريطة تحالفات جديدة ستفرض نفسها على المنطقة.
ويضيف أن دول الخليج لن تكون في موقع المتفرج هذه المرة، بل ضمن من يلعب أدوارا مهمة مما يفرض عليها الحذر في موازنة المدخلات مع المخرجات. 

الأربعاء، 10 سبتمبر، 2014

البعد الانساني في الدبلوماسية الكويتية



البعد الانساني في الدبلوماسية الكويتية
  د.ظافر محمد العجمي -المدير التنفيذي لمجموعة مراقبة الخليج  

هناك شعور لذيذ في ان تكون الاجنبي الوحيد بلباسك ومظهرك بين 60 عسكري أمريكي لمدة 6 أشهر؛لكنه أصبح عبء في نهاية سبعينيات القرن الماضي حينما تطلب الامر ان أشرح في كل فصل جديد أنني من بلد بالكاد يوازي حجم نيوجيرزي أسمه الكويت. وفي إحدى الكورسات تحدى المدرب الطلبة عن من يعرف الكويت.فسمعت صوت يقول' نعم أنا أعرف الكويت' تملكتني مشاعر جياشة.فقد كان ذلك قبل ان تضعنا قناة سي ان ان 'CNN'على خارطة الاعلام بعقد كامل.
وحين استدرت للمتحدث لاحظت لأول مرة انني لست العسكري الاجنبي الوحيد. تملكتني رغبة جامحة لمعرفة كيف عرف بلدي.
إلا ان المعلومات التي كان يلقيها عن الكويت أدخلتني في عاصفة عاطفية كالتي تتملك الفرد حين يسمع السلام الوطني لبلده تعزفه فرقة نحاسية في بلد أجنبي. كان زميلنا العسكري الجديد يتحدث عن الكويت بحس إنساني،لكنه غير عاطفي.
فالعاطفي هو ان يرق قلبنا لأهل غزة،ونازحي سوريا،ويتمزق لما يكابده العراقيون والليبيون من مصائب تدفعنا للوقوف معهم.فالعاطفة هنا يقودها الدين والأصل والدم.أما الاطار الانساني فأوسع.فالقيم الانسانية هي التي جعلت بيل غيتس يتبرع بعشرة مليارات دولار لأعمال الخير حول العالم .
القفز من الاطار العاطفي المحدود للإطار الانساني الواسع هو الذي دفع بالكويت قبل مايزيد على 50 عاما الى ان يصبح العمل الانساني جزء من أهداف سياستها الخارجية .لقد حُرمت الكويت من الانضمام للتجمع الانساني تحت مظلة الامم المتحدة من يوم استقلالها 1961م الى عام 1963م جراء'الفيتو'السوفيتي الانتهازي.
وعندما قدر لها الانضمام للأمم المتحدة راحت تستخدم الادوات الاقتصادية لإظهار وجهها الانساني.لقد أحس صانع القرار الدبلوماسي الشيخ صباح الاحمد حفظه الله وهو وزير للخارجية حينها :ان الواجب الاخلاقي يتطلب منا ' أخوة تقاسم قطعة الخبز' كما جاء على لسانه قبل نصف قرن.
لذا تم إنشاء الصندوق الكويتي للتنمية الاقتصادية 1961م، كأول مؤسسة إنمائية في الشرق الأوسط تقوم بالمساهمة في تحقيق الجهود الإنمائية للدول العربية والنامية. وكأداة لمد جسور الصداقة.حيث ركزت الكويت على مساعدة الدول الفقيرة والصغيرة.
لقد كانت شهادة الامم المتحدة بإنسانية الكويت أقدم مما أعلنه الامين العام للأمم المتحدة بان كي مون في أغسطس 2014م باعتبار الكويت مركزا إنسانيا عالميا وان سمو امير البلاد المفدى الشيخ صباح الاحمد 'قائدا للإنسانية' لتاريخها الزاخر بالعمل الانساني الذي كان آخره استضافتها لأكبر عدد من مؤتمرات المانحين بل والمشاركة بأكبر المنح فيها . فقد اقرت الامم المتحدة نفسها قبل عقود عدة ان نسبة المساعدات الانسانية التي تقدمها الكويت تتعدى مساهمات الدول الصناعية الكبرى والتي لم تصل الى 0.70% من دخلها القومي .بينما كانت المساهمات الكويتية تفوق 3.8% من مجموع الدخل القومي الكويتي ويزيد هذا أربعة أضعاف على الحد الادنى الذي تطلبه الامم المتحدة.
ومن مبدأ إن ما لايتم الواجب إلا به،فهو وجب؛ إختارت الأمم المتحدة الكويت وأميرها لتقلد قلادة الانسانية. فالقيام بالإعمال الانسانية واجب لايتم الا بواجب تكريم الامير الانسان في 9 سبتمبر 2014م. كما ان من اسباب وجوب هذا التكريم اننا نعيش اياما تتجلى فيها الانتهازية والعنف والواقعية الميكافيلية الدولية وكأنها طبيعة بشرية انسانية. فالصهاينة وبعد نهشهم اطفال غزة يحاولون عبر شركات العلاقات العامة الدولية وبالأموال الطائلة تلميع أنيابهم وإعطاءها ابتسامة هوليوود اللامعة. بينما تمنح قلادة الانسانية للكويت لأن الأشياء عليها أن تظهر في الواقع أولا قبل أن تظهر في التاريخ.
وقبل 35 عاما عرف زميلي'داندي'الكويت من لوحة كبيرة بجانب مشروع ضخم في بلده 'جامايكا' معنونة الصندوق الكويتي للتنمية الاقتصادية، فنعم الامير أميرها ونعم صندوق الانسانية صندوقها.

الثلاثاء، 2 سبتمبر، 2014

أثر الخلافات بين دول الخليج على الوجود الأمريكي



أثر الخلافات بين دول الخليج على الوجود الأمريكي
د. ظافر محمد العجمي   
 نجحت بريطانيا في توحيد الخليجيين إبان فترة الحماية أكثر مما نجحوا في توحيد أنفسهم، فقد ارتبط اقتصاد الخليج ببريطانيا حين كان امتداد جغرافي للهند البريطانية، فلبسنا وأكلنا بل وتداولنا المفردات اللغوية ونقود الهند البريطانية نفسها، وتعاملنا مع نظام البريد والبرق البريطاني. كما كانت لندن هي القاضي في الخلافات الخليجية، وأسطول صاحبة الجلالة والبحارة الهنود ببنطلوناتهم القصيرة وملابسهم البيضاء المنفذ لبنود اتفاقية السلم البحري وأوامر صاحبة الجلالة في محاربة التهريب والقرصنة وتجارة الرقيق. وعندما صالحتنا قسراً سمت بلادنا بساحل الإمارات المتصالحة. فحمدنا الله وأرسلنا برقيات التأييد للملك العادل ادورد السابع عبر ذي الشوكة والإجلال «البولتكل ايجنت» الذي كان له مثلنا ديوان و«بيت شعر» يبنيه بالصحراء ويشب النار ويستقبل الضيوف. كما دعونا بالنصر للملك «جرج الخامس» في حرب الدولة البهية القيصرية الإنجليزية ضد هتلر، فانتصر وعشنا في أمان.
والآن نعيش في ظل اتفاقيات أمنية مشابهة لاتفاقيات الحماية، ينمق صفحاتها كثير من مفردات السيادة والاستقلال، فهل ساهمت الاتفاقيات الحالية بين دول الخليج كل على حدة مع واشنطن وباريس ولندن في القرن الحالي في تقويض المشروع الوحدوي الخليجي، وأصبحت مسوغاً لتوسع شقة الخلافات في كافة مناحي التعاون المفترض؟ أم كان الاستقرار وهياكل التعاون الاقتصادية والسياسية بين دول الخليج تحت مظلة مجلس التعاون دافعاً لواشنطن خاصة لإقامة هياكل التعاون العسكري مع دول الخليج، وهل سيكون للخلافات بين دول الخليج أثر على الوجود الأمريكي والغربي بصورة عامة؟
منذ أن ظهرت الخلافات بين دول الخليج وتقارير واشنطن تتحدث عن معضلات تدفق الإمدادات في حال انقطاع طرق التجارة الإقليمية جراء إغلاق الحدود البرية ومنع استخدام المجال الجوي، كما تتحدث عن قدرة تحرك القوات الأمريكية البرية في المنطقة بعد زوال الحدود المفتوحة، لقد كانت حماية الممرات البحرية واستمرار انسياب حاملات «الكونتينرات» التجارية وناقلات النفط واجباً بحرياً على عاتق الأسطول الخامس، فكيف سيعمل هذا الأسطول بين موانئ خليجية مغلقة في وجه بعضها؟ بل كيف سيستمر التنسيق الراداري وأنظمة توجيه المقاتلات والإنذار المبكر لردع العدوان المشترك لو أغلقت مراكز العمليات الخليجية المشتركة وفككت أنظمة الاتصالات المؤمنة وحزام التعاون؟ وكيف ستعمل واشنطن تحت سقف التشرذم الخليجي لإدارة الدرع الصاروخي الخليجي.
نؤمن بأصالة أن أمن الخليج يبدأ من الداخل الخليجي، لكننا نؤمن أيضاً بالبعد الاستراتيجي لأمن الخليج، بمعنى ضرورة أن تحمل دول كبرى لها مصلحة بيننا عبء الأمن فيه، ومن باب المصلحة لا يختلف اثنان أن الولايات المتحدة والغرب بشكل عام سيكونون متضررين لو انتشر سرطان التشرذم في الهيكل الخليجي، حيث لن تتوقف تداعيات الانهيارات الاقتصادية والدفاعية والأمنية، وستتوقف ميزة الأجواء المفتوحة والمياه والطرق المفتوحة لواشنطن.
لقد رافق الإرباكات السياسية الخليجية قلق أمريكي واسع، فاعتبر محللون أن الخلافات الخليجية نكسة للدبلوماسية الأمريكية في الخليج وخطر على المصالح الأمريكية، لكن ذلك قابله رأي أن القضية يجب أن تحل داخل البيت الخليجي، ثم جاء اجتماع جدة في 30 أغسطس الماضي متكئاً على عمودي الدبلوماسية الخليجية العتيدين «ترحيل حل الأزمات» و»الإدارة بالغموض»، فلم يقدنا المؤتمر الصحافي إلى حل قبل أن يقودنا إلى الجدل، وكان من ذلك الجدل أن وصلنا لقناعة أننا «لا نبيح» وزراء الخارجية الخليجيين و»لا نحللهم» إن فشلوا بإنجاز اختراق دبلوماسي بجبل الجليد المتشكل بيننا، فقد لا يكونون بسمارك أو كيسنجر، لكننا لا نريد أن نكون السفينة تايتانيك، لأن البديل هو تدخل واشنطن لفرض مصالحة خليجية كما كانت تفعل بريطانيا العظمى، ليس لمصلحة خليجية بل للتعامل مع المسؤوليات الجديدة الملقاة على عاتق البنتاغون حولنا، فهل نستطيع تحمل كلفة مصالحة ستكون «داعش» في ثناياه؟

الأحد، 31 أغسطس، 2014

العلاقات الخليجية العراقية بعد المالكية



د. ظافر محمد العجمي

إذا استعاد أحدنا مطالعاته وتذكر ما قرأه حيال العلاقات الخليجية العراقية وصل إلى قناعة أن العراق دولة خليجية جغرافياً فقط، فلم تكن خليجية سياسياً خلال تقلبات العلاقات الدولية في المنطقة، فقد كانت ومنذ أكثر من ستين عاماً في المعسكر الآخر، إن لم يكن المناهض للمعسكر الذي فيه دول الخليج. فقد رفضنا حلف بغداد والاتحاد الهاشمي 1957م، ولم تكن مع دول الخليج في الخندق الشمالي من الجناح الجنوبي الرأسمالي الذي أوقف تمدد الشيوعية إبان الحرب الباردة، خصوصاً بعد توقيع البعث اتفاقية الصداقة والتعاون مع موسكو 1972م. 
بعدها رفع صدام درجة الاختلاف لمرحلة الخلاف قبل أن يسقط، ثم ربطت بغداد نفسها إبان الفترة المالكية بعلاقة استراتيجية مع طهران -التي كنا في خلافات معها- وكانت العلاقات من القوة بدرجة جعلت نوري المالكي يتباهى بها، مما جعل دول الخليج تحجم عن إرسال بعثات دبلوماسية لبغداد، وإن أرسلت فقد كانت ذات تمثيل ضعيف، وهو في نظرنا كان عجز خليجي عن التصرف بالحكمة المطلوبة. 
لقد فرقتنا السياسة، ولم تكن الجامعة العربية مكاناً للتقارب؛ فقد تم وصمنا بالدول الرجعية وبغداد مع الأنظمة التقدمية، وأصبحنا في التسعينيات حلفاء الغرب وهم ضمن دول الضد، ثم بغداد مع الأسد ونحن مع الثوار، كما إن المحور الاقتصادي ملف مثخن بالجراح بين وعد بإيصال مياه الشط التي لم تصل مطلقاً، وبين اتهامات بالتلاعب بأسعار النفط قادت لغزو دمر نظام الأمن العربي برمته، وبين وعود بفرصة لإعمار العراق بعد تحريره انتهت بعقود هزيلة لتوريد مياه صحة وتأجير سيارات النقل فقط، أما غيرها من المشاريع الضخمة فتمت المتاجرة بها مع جهات أخرى.
فهل يخرج رئيس الوزراء المكلف د.حيدر العبادي بالعلاقات الخليجية - العراقية من النفق الطويل؟ وهل هو من القوة لإنجاز التقارب المنشود؟
أن نتصافح مع بغداد مصلحة أكيدة للطرفين تجعلها من أولويات الحكومة العراقية القادمة، فعزلة بغداد عن جوارها العربي جعلها أشبه بجمهورية بشار الأسد، وعلى العبادي أن يراعي محددات عدة لتلافي ما عكر العلاقات الخليجية مع حكومات المالكي طيلة ثمان سنوات ومنها:
- الاقتراب من دول الخليج ولو بالحد الأدني في القضايا الإقليمية التي تهم الطرفين، فلو لم يقف المالكي مع الأسد في موقف مغاير لجواره الإقليمي لما دخلت داعش العراق تجرد عليه الحملات حتى سقط بعد أن حملته كافة الطوائف تبعات دخول هولاكو وجيشه، ولا يبدوا في الأفق أن دول الخليج في وارد تغيير سياستها لإسقاط الأسد لفك حلقة من السلسلة الإيرانية التي وضعت أوتادها حول الخليج في اليمن وسوريا ولبنان والعراق.
- وقف التغلغل الإيراني ومنع «المندوب السامي الإيراني» الجنرال قاسم سليماني من دخول المنطقة الخضراء كيفما يشاء لتجهيز البريد والصادر والوارد وإعداد جدول أعمال مجلس الوزراء القادم ومتابعة تنفيذ قراراته، بالإضافة إلى وقف مراعاة طهران بالتدخل بتعليقات عراقية فجة خارج الأعراف الدبلوماسية حيال ما يجري في البحرين أو ميناء مبارك أو اتهام الدوحة والرياض بتمويل الإرهاب في العراق.
لم يصل الحيدري لمرحلة التكليف بتشكيل الوزارة العراقية مثقلاً بديون حزب أو طائفة، وعليه فهو في حل من التعهد لأحد بالتوزير غير الكفاءة ونظافة الكف، فلم يعد يمثل حزب الدعوة، وعليه الخروج من العباءة «النجفية» ذات اللون الواحد وارتداء عباءة عربية كبيرة «حساوية» أو «وبر شامية» مطرزة بالبريسم وموشحة بالخيوط الفضية ومشغولة بالحرير أو القصب أو الزري، فهو يتكئ على ترحيب دول الجوار، ومنها العواصم الخليجية والقوى الدولية الفاعلة، فإلى متى يبقى العراق خليجياً على الخرائط الجغرافية فقط!

قوة دول الخليج في الاتحاد والحفاظ على النسيج السياسي




عكاظ -حسن باسويد (جدة)
30 أغسطس 2014م

أكد عدد من المحللين والسياسيين الخليجيين عن أن الرغبة الخليجية تسعى إلى لم الشمل وعودة قطر إلى الحضن الخليجي، مشددين على أن قوة دول الخليج في الاتحاد والحفاظ على نسيجهم السياسي والاجتماعي.
وحول ذلك، تحدث الدكتور ظافر العجمي، المدير التنفيذي لمجموعة مراقبة الخليج في الكويت، بأنه ومنذ أن بدأت جولة الأمير سعود الفيصل، ورئيس الاستخبارات العامة الأمير خالد بن بندر ووزير الداخلية الأمير محمد بن نايف، والمراقب الخليجي يعيش نفس حالة القلق التي تتقمص من ينتظر بشارة سارة خارج غرفة عمليات جراحية في العلاقات بين بعض العواصم الخليجية لا تخضع إلا بصعوبة لتعريف إيجابي.

وأضاف بأن القطيعة بين دول الخليج بأي درجة كانت ليست هي ما ينتظره المواطن الخليجي، ففي ذلك تقطيع لأواصر اجتماعية وإنسانية وثقافية قبل الأواصر السياسية، والقطيعة المطلوبة هي مع الماضي الذي أوصلنا فيه نهج الإدارة بالغموض لهذه الحالة. وأشار العجمي بأنه من الصحي الاعتراف بالعارض الذي تعاني منه حتى نستطيع إيجاد العلاج، ومن يحب الوحدة الخليجية يترجم وصول الأمراء السعوديين وبهذا الحجم للدوحة على أن باب المصالحة لم يغلق، ونراهن على انقشاع الغمة وهو استشراف سوف تجيب عنه التطورات القادمة وربما في الاجتماع المزمع عقده غدا في جدة، فالنزعة الفوضوية التي تطبع ما تمر به المنطقة خلق مناخات استراتيجية خطرة تتطلب الخروج بما يجمع الشمل لا ما يفرقه، فرصيدنا في الوحدة لا الفرقة.

الأحد، 24 أغسطس، 2014

هل يكرر المالكي بالعراق دور علي عبدالله صالح باليمن؟!


د. ظافر محمد العجمي / المدير التتفيذي لمجموعة مراقبة الخليج   
هل يكرر المالكي بالعراق دور علي عبدالله صالح ...
المالكي

«أنا المرشح الشرعي الوحيد لتشكيل الحكومة»؛ جملة بلغت غايتها في إرباك المشهد العراقي المرتبك منذ عقود، قالها نوري المالكي المنتهية ولايته بلغة لا تتعالى على متابعها فحسب؛ بل وتظهر فجوة بين الرجل وما يجري حوله، فالمالكي لا يدرك أنه اليوم من الناحية السياسية وحيد لا يسانده إلا عدد قليل من أعضاء حزبه، وإذا كانت سنوات البعث للعراقيين ودول الجوار هي مخزن للذكريات الأليمة؛ فقد كانت السنوات الثمان الماضية من رئاسته للحكومة بمثابة زمن الرويبضه، فقد وُسِّد أمرالرافدين لرويبضة نجح في تكميم أفواه الصالحين، ومكن فكره الضيق من مفاصل الدولة، وأصر على توجيه العامة إلى مستوى طرحه الفئوي التقسيمي القاصر، مما أوصل الأمور لمرحلة ابتهاج «الفرات» بوصول جحافل «داعش» الهمجية لضفافه نكاية في شقيقته «دجلة»، فهل سيرحل المالكي من المشهد السياسي العراقي؟
في 17 يونيو 2014م وردت أنباء من اليمن تقول إن السلطات اليمنية تعمل على الإمساك بكامل الأدوات والوسائل التي لا تزال تحت قبضة الرئيس السابق علي عبدالله صالح بعد الاحتجاجات الشعبية نتيجة تدخله في أزمة الطاقة، كما أغلقت قناة تليفزيونية تابعة لعلي صالح، وطوقت مبنى جامع «الصالح» الذي يديره الحرس الخاص لرئيس البلاد السابق بصنعاء. كل هذا يجري رغم أن صالح قد تنحى بعد 33 عاماً عن السلطة رسمياً في 27 فبراير 2012م. فهل يحصل المالكي على نسخة من سيناريو عمل صالح في اليمن!
لقد تنازل نوري المالكي لرئيس الوزراء المكلف حيدر العبادي، لكنه في تقديرنا تنازل ظاهري يخفي خلفه مناورات لرئيس حزب الدعوة القوي، ومفاتيح قوة المالكي التي تشبه مفاتيح قوة علي عبدالله صالح عديدة منها:
- يصعب على كثير من المتابعين الاقتناع بتخلي القيادات الأمنية في وزارة الداخلية وفي وزارة الدفاع بكافة منتسبيها عن المالكي، ففي الديمقراطيات العريقة يكون الولاء مهنياً صرفاً بين العسكر والرئيس المدني، فكيف تتخلى مجالس الإسناد والقيادات الأمنية عن رجل أطعمها وألبسها وأرواها، بل وسهل ترقياتهم بإزاحة الضباط الآخرين بتهمة البعثية، سيطول الوقت عند عسكر تعلموا عبادة القائد الرمز لعقود طويلة ليتخلصوا من إرثهم هذا ويتخلوا عن آخر قائد أعلى للجيش والقوات المسلحة، فقد روضهم ليكونوا جيش العراق في العلن والمليشيات الخاصة به في السر.
- يراهن المالكي على أنه رجل له علاقات قوية، وإن لم يكن رئيس الوزراء فهو رئيس أكبر كتلة برلمانية. وعليه فالمالكي لم يستنفذ أغراضة وسيبقى فزاعة بيد المؤثرين الخارجيين في العراق لتطويع كل رئيس وزراء قادم، فمعروفه وصنائعه محسوبة في دوائر صنع القرار عند الأمريكان والإيرانيين وحتى السوريين، ورصيد المالكية في العراق والتي استمرت 8 سنوات دين سيأتي قريباً وقت سداده.
أما تقدير الموقف فيظهر ثلاثة احتمالات؛ إما سقوط بطيء بعد القبول بالأمر الواقع، أواعتزال الحياة السياسية لحفظ ماء الوجه، أما الثالث أن يكون المالكي قد فاوض على شغل منصب النائب الأول لرئيس الجمهورية، وبحكم أن الرئيس فؤاد معصوم مريض سيقضي جل وقته في المستشفيات في الداخل والخارج، حينها سيكون المالكي هو رئيس الجمهورية.

الأربعاء، 13 أغسطس، 2014

نظام المعركة عند «داعش»


نظام المعركة عند «داعش»!!
نظام معركة داعش


 د.ظافر محمد العجمي - المدير التنفيذي لمجموعة مراقبة الخليج   

أتى تحويل أوباما حاملة الطائرات جورج بوش «USS George. Bush» لقاعدة سلاح طيران لنوري المالكي بحجة إيقاف «داعش» كخطاب تزكية ثاني لنجاح تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام بعد اجتياح الموصل قبل شهر؟ فما هو فكر داعش العسكري ونظام معركته تحديداً، والذي أخرج أوباما من التزامه الدبلوماسية في تقربه من قضايا المنطقة؟
لقد خرجت أعمال التنظيم خلال شهر من العشوائية الجهادية بانعدام الغرض والغاية العسكرية وفقدان التخطيط إلى فكر عسكري قابل للقياس، فالنزعة الفوضوية تحولت لتحركات ذات إيقاع يظهر نظام معركة «Order of Battle» داعش.
ونظام المعركة في الوحدات المقاتلة يعني هيكل القيادة والوحدات والانتشار والقوة والعتاد، فقائد التنظيم هو أبو بكر البغدادي ويعاونه أبو علي الأنباري وأبو مسلم التركماني، كانوا ضباطاً في جيش صدام حسين واستخباراته، أما البقية وهم وزراء فمعظمهم عراقيون، وتضم حقائبهم الوزارية مسؤول استقبال العرب وتأمين الانتحاريين، المسؤول الأمني العام عن التنظيم، مسؤول ملف السجناء، ومسؤولي المالية والإدارة والبريد، ويضم مكتب الحرب وهو ما يوازي رئاسة الأركان مسؤول التفخيخ، مسؤول مخازن السلاح في التنظيم، كما إن هناك محافظاً في كل محافظة عراقية.
ولم تخل بعض المناصب من جملة «قتل بأحد الاشتباكات»، واحتوت الوحدة القتالية لداعش مقاتلين عقائديين من الحروب الجهادية السابقة، وداعش من أكثر التنظيمات الجهادية عنفاً وتمرداً، وصل حد الخروج على الظواهري والقاعدة، وقد أعطاهم اندفاعهم الشخصي ما يعادلون به تفوق عدوهم عدداً وسلاحاً، لذا يعتمدون المباغتة التي ولدت مزاجاً بالسيطرة والتفوق، وهم ماكرون وأكثر وحشية من غيرهم، وينفذون معاركهم على شكل مجاميع، فكل ثلة تتكون من 10 مفارز وكل مفرزة مكونة من 3 - 5 أشخاص ولم تتعد 25 شخصاً.
تسليحهم فردي، أو قناصات دراغنوف، وقاذفات «آر بي جي»، ومتفجرات وأحزمة ناسفة وعبوات، ويتنقلون على سيارات رباعية الدفع مجهزة برشاشات ثقيلة، ثم تغير نوع تسلحهم بعد سقوط الموصل تغيراً درامياً مهولاً؛ فأصبح لديهم كل ما يملكه الجيش العراقي إلا الطائرات والسفن، لذا فالطيران هو العدو الرئيس لهم، ولذا انحصر فيه خيار أوباما، مما يجعلنا نجزم أن الأرض ستبقى لداعش لفترة ليست قصيرة، فالطيران لا يمسك الأرض والجيش العراقي أضعف من داعش.
معظم عمليات داعش محضر لها بالتجهيز وبالتدرب، وقد تطورت من «غزوات نقاط التفتيش» والهجمات بالسيارات المفخخة إلى «الاقتحامات العنيفة» وضرب الثكنات واستهداف القوات الأمنية بالعبوات الناسفة لتحقيق تفوق دعائي مرحلي وصولاً لمرحلة «قضم الأرض البطيء»، يرافقها عمليات «مسك الأرض»؛ وهي مراحل تجري حالياً، وحتى ندرك حجم عملية مسك الأرض نشير إلى أن لواء المشاة الآلي في الجيوش الحديثة، والذي يصل أفراده إلى 3 آلاف رجل على الأقل، يستطيع مسك أرض بمساحة 5 كلم ولها عمق 15 كم فقط، فكيف تمسك داعش بثلث أراضي العراق الذي مساحته 437072 كم مربع! ربما لمعرفتهم بالأرض وبالأهالي بشكل جيد وبقوة آلتهم الإعلامية التي صنعت من تطرف المالكي قضية تقنع بها الأهالي لتصبح ديارهم مناطق حاضنة إن لم تنخرط معهم في المعركة فلن تقف سلباً من داعش.
ستتراجع داعش وتفك التماس مع الأكراد تحت ضغط القصف الأمريكي، وقد توفر نهاية المماحكات السياسية في بغداد ضغطاً على داعش، وإن كان في تقديرنا أن داعش لن تغادر محطتها الفطرية الملطخة بالدماء مهما تطور فكرها العسكري، ولن يؤذن لها بدخول محطة غيرها ككتلة سياسية أو تمارس أية نوع من التفاعل غير تبديل أمشاط البنادق واحد في إثر الآخر. 
أما كعب أخيل التنظيم، والذي سيقضي عليه، فهو موجود في بنيتها، ويقود إليه طرق عدة منها الانشقاق والاختراق، فأهداف داعش «بالخلافة» بعيدة عن أهداف التحركات السياسية والعسكرية لدى بقية الفصائل العراقية، حتى السنية منها، مما يوفر مغريات لبعض قادة داعش للانشقاق عن التنظيم والقنوع بعراقية الجهاد بدل إطاره الحالي الفضفاض. 
وللقادة الداعشيين إرث في الانشقاق بحكم أن الجهاد بيئة صانعة للفرص، حيث انشق قادته عن النصرة وعن القاعدة، كما إن قابلية الانشقاق عالية حالياً بعد تحييد الخليجيين من تولي المناصب القيادية، أما الاختراق فلا تقل فرص نجاحه عن فرص الانشقاق، لقوة أجهزة الاستخبارات الغربية والإقليمية الغريمة لهم ولمعرفتها بهم وللتنوع المخيف لمكونات المشهد داخل المعسكر الداعشي، ولو كان «عبدالواحد خضير أحمد» المسؤول الأمني العام عن التنظيم ضابط استخبارات فذ وقادر على حماية التنظيم من الاختراق والانشقاق لاستطاع إخفاء اسمه وصورته ولما عرفناه إلا بكنيته «أبو لؤي»

الاثنين، 11 أغسطس، 2014

انتفاضة الصاروخ على الرضوخ


إنتفاضة الصاروخ على الرضوخ
مديات صواريخ غزة

 د.ظافر محمد العجمي - المدير التنفيذي لمجموعة مراقبة الخليج  

 حين تتصفح التاريخ بحثاً عن معلومات حول حرب المدن «Urban warfare» لن تجد إلا نزراً يسيراً يتحدث عن أسلاف بعيدين لهذا النوع من الحروب عرف باسم «الحصار»، فقد أصبحت الجيوش بآلاتها الضخمة تبحث عن الصحارى والسهول لحسم خلافاتها. لذا اختصت بحرب المدن قوات الصفوة في الجيوش الحديثة لتعقد فنونها وصعوبة إجادتها. وبدون مقدمات أصبحت منطقة الشرق الأوسط مؤخراً أكبر مدرسة عسكرية مفتوحة لمهارات حرب المدن، أو كما تسمى أيضاً القتال في الأماكن المبنية أو قتال الشوارع، ففي الأكاديمية العراقية للموت تشكلت في شوارع الأنبار مهارات حرب مدن مذهلة أجبرت المارينز على الانسحاب، وفي المدرسة السورية فرت جحافل الأسد فزعاً من مهارات الثوار في الضرب والاختفاء والقصف والقنص والتفجير، فعمد الأسد بقصفهم بالبراميل المتفجرة، أما في المنهج الليبي فنجد التكتيكات المميتة صفحة بعد صفحة، بل وبأحجام كبيرة؛ كالهجوم على معامل التكرير وحرق الطائرات واعتراض المواكب المحصنة لاختطاف حتى رئيس الوزراء.
الجانب الإيجابي من حرب المدن العربية تكتب فصوله حالياً حركة المقاومة الفلسطينية في غزة ضد الصهاينة، الذين أتت حساباتهم مبنية على معطيات عدة؛ منها أن حركة حماس تواجه أزمة سياسية واقتصادية خانقة، فانضواؤها تحت العباءة الإخوانية أرسلها لزاوية الخصم مع القاهرة، كما أن القوى الإقليمية بتجاذباتها ونزاعاتها قد انشغلت سياسياً ومالياً بصراعات أخرى في سوريا وليبيا واليمن، يضاف إلى ذلك علاقات حماس المرتعشة مع السلطة في الضفة الغربية، مما أوحى للصهاينة بضعف حميمية تواجد حماس في قلوب أهل غزة. 
لقد كانت فرصة ذهبية لتحقيق أهداف عسكرية عدة لنتنياهو؛ تشمل القضاء على الصواريخ وتدمير الأنفاق والقضاء على القادة السياسيين، لكن العدوان الجاري على غزة كشف قدرة المقاومة على العمل على كل أنواع الفرضيات، بل وخلق نتائج مغلوطة لدى الصهاينة جراء افتقارهم لرؤيا تؤلف بين عناصر الأزمة السياسية التي تمر بها حماس مع جوارها الإقليمي ومع القوة العسكرية الصهيونية الغاشمة لتحقيق المخرجات المطلوبة.
لقد أصبح الفدائي الملثم بشماغ أسود وبيده رشاش كلاشنكوف عارياً من صور ماضي الصمود الفلسطيني الرومانسي، وبدأ يتشكل فكر عسكري فلسطيني في باب حرب المدن، فقد دخلت الصواريخ لغزة وهي إيرانية وروسية الصنع حين كانت أجنة، وتحولت حين كبرت إلى وحوش، فلسطينية الصنع، كاسرة، مما يعني القدرة على إنتاجها محلياً بالكميات المطلوبة وإمطار الصهاينة بها في كل وقت ومكان، وكان الجديد هذه المرة كثرتها ووصولها لتل أبيب وحيفا وتهديد مفاعل ديمونة، وهو تحول لو تم استثماره فسيضع الأمور على طاولة مفاوضات مختلفة. 
كما كان من مظاهر الفكر العسكري الجديد تحييد القوة الجوية، التي طالما نجحت في القيام بعمليات التجريد، وقد تبنى الصامدون عقيدة الدفاع السلبي للحد من التفوق الجوي للعدو بالتخفي عن عيونه عن طريق الأنفاق بأنواع فردية ومخابىء جماعية وللتخزين ولحماية منصات الإطلاق، وبالأنفاق الخاصة بالتسلل إلى داخل العمق الصهيوني، ورغم تدريبه لجنوده للقتال في هذا الأنفاق إلا أن صدمته كانت في عددها وشبكاتها وفخاخها المعقدة التي استعصت على وحدات الهندسة لديه فطلب مضاعفة أعداد المجندين.
أما الأمر الثالث هو أن العمليات الهجومية تنوعت بين اختطاف الجنود الصهاينة وبين الإحاطة بمدرعاتهم وقتل من فيها، أو بالتسلل إلى نقاطهم الحصين، وأخيراً الإنزال البحري برجال الضفادع. لقد كان من ثمرة الفكر العسكري الفلسطيني الجديد صدمة الصهاينة من أن التشابه في مقدمات هذا العدوان مع ما سبقه لن تفضي إلى تشابه في النتائج، فقد انتزعت المقاومة توقيت نهاية النزهة الصهيونية ليصبح الأمر بيدها.

الاثنين، 4 أغسطس، 2014

لأن للوطن في رقابنا ديناً يستحيل سداده

د.ظافر محمد العجمي-عقيد ركن متقاعد   

لأن للوطن في رقابنا ديناً يستحيل سداده
الجيش الكويتي
 مسح آمر اللواء 35، العقيد سالم مسعود، جبينه من عرق صدمة الغدر وهو ينظر لساعته التي تشير إلى 6:45 من صباح 2 أغسطس 1990م. كان صدى سؤال قائد الكتيبة 7، المقدم أحمد الوزان، يغطي على صوت فحيح مدرعات «فرقة حمورابي العراقية» وهي تتمدد كالحية الرقطاء على طول الخط السريع.
- هل أتعامل معهم سيدي؟
- نعم.
وانطلقت أول قذيفة على الغزاة من دبابة النقيب طالب جويعد مفتتحاً معركة الجسور، وأخذت دبابات العدو المحترقة تتصادم، ثم بدأ عرض مشاهد من كوميديا سوداء، كان طالب جويعد بدبابته يتقدم حتى يلامس وجه حمورابي ودباباته السوفيتية T72 فيمزقه دون وجل ويعود أدراجه، مما جعل هول المنظر يخيم ليس على الغزاة فقط، بل على آمر اللواء نفسه، وهو يرى النقيب الشقي صاحب المقالب يتحول مزاحه لشراسة أهلته للقب «صائد الدبابات»، بعد أن دمر30 دبابة عراقية.
وتستمر الملهاة؛ فيطلب البطل جويعد من سائق دبابته أن يجلب له من بقالات الشارع العام التي لم يعلم أصحابها بالحرب «عصير سانكيست وبسكوت»، قائلاً «أخاف الموت جوعاً أكثر من خوفي من نيران الغدر». يقول سالم مسعود: «كان طالب يخرج أثناء القتال والقذائف تنهمر من حوله، واقفاً على دبابته يأكل ويشرب ويكبر الله، مشجعاً زملاءه للاستهانة بالحرس الجمهوري وسمعته المرعبة، ثم ينتهي المشهد بفك التماس مع العدو». ويذهب العقيد سالم إلى دبابة النقيب طالب جويعد خليل الشمري يخرجه منها ويضمه بالأحضان وهو يقول بارك الله فيك وفي زملائك، إن الكويت لتفخر وتعتز بأمثالكم. لقد احتار رفاق النقيب طالب جويعد إن كان صاحبهم في قمة الشجاعة أم مسه ضرب من الجنون أم كان يدفع قسطاً من دين لوطنه يستحيل سداده!
وفي مكان آخر من نفس الزمان أمر قائد كتيبة المدفعية 50 باللواء 35 المدرع المقدم فهد خليل الحشاش بإرسال من يبحث عن رجاله في بيوتهم بالجهراء المقطوعة عنها الاتصالات، فالمدفع يحتاج إلى تسع ساعات ليجهز للمعركة، لكن القوة لم تكتمل. أما من كان بالمعسكر فشرعوا بالتجهيز، وكان الواحد يحمل قذيفة تزن 50 كلجم على كتفه. كان من حسن حظ رجال المدفعية أن الصبات الخرسانية على جانبي الطريق تجبر دبابات العدو على ملازمة الخط.
وقد تمركزت المدفعية الكويتية في سوق الإبل على طريق السالمي، وأصدر الحشاش أوامره لبدء حفلة قتل مدرعات الحرس الجمهوري العالقة. كانت إصابات المدفعية الكويتية مذهلة، فبدأ الرجال في تغيير إحداثيات رميهم، بل وتفننوا في تغيير أنواع القذائف والذخيرة من متفجر إلى فسفوري إلى حارق.
يقول البطل المقدم الحشاش؛ أثناء إعطائي الأوامر أحسست بحرارة في جسمي، «ثم نظرت فوجدت ذراعي اليسرى وقد سقطت بجانبي» لقد أصيب البطل فهد إصابة بالغة ونزف دمه بغزارة، فطلب العقيد سالم من رفاقه، حسن مضحي وفؤاد الوهيب، أن يأخذاه إلى مستشفى الجهراء، فوضعاه في مدرعة قاداها وهما يقومان بعدة أعمال خارقة في وقت واحد. كتجاوز خط الحرب العراقي المكون من طابور الدبابات T55 وT72، ثم السير بجريحهما في الصحراء والمدرعة تعلوا وتهبط وتجمع الغبار والدخان، وأخيراً شق طريقهما بالنار عبر تقاطع سيطرة للحرس الجمهوري، ورغم فقدان المقدم الحشاش لدمه ثم لوعيه إلا أن رفيقيه أوقفا سيارة إسعاف ووصلا به إلى مستشفى الجهراء.
ومن يستفتي التاريخ يجد أن الإنسان يستبسل في الدفاع عن أمته وبدرجة أقوى عن وطنه، ثم يبلغ التفاني مداه عندما يقاتل عن منطقته والشوارع التي هو جزء من جغرافيتها بسكانها وحياتها اليومي. وفي معادلة بسيطة التحق عبدالكريم الكندري بالجيش لأن والده كان ضابطاً قبله، وقد عمل في اللواء 80 بالجهراء التي فيها منزلهم. وفيما كان يلتحق بوحدته يوم الغزو؛ اندفعت قوة واجب عراقية سريعة لتحقيق المباغتة على محور العبدلي -الجهراء- العاصمة لاحتلال قصر دسمان. لكن وصول الملازم عبدالكريم طالب الكندري للخط السريع ومعه خمس مدرعات خرب خطط الغزاة في القبض على رموز الشرعية.
وعلى الرغم من صغر حجم القوة المدافعة إلا أن عبدالكريم وسريته استطاعوا الصمود وتدمير العشرات من أرتال المشاة وناقلات الجند، مما قيد القوات الغازية وأفشل هدفهم، ويتذكر أهل الجهراء تحت الاحتلال دبابة محترقة أمام مطعم السواحل الكويتية. فقد صمد الشهيد بسريته حتى الساعة 11 صباحاً، ثم شن الغزاة هجوماً وفشلوا، فطلبوا الإسناد الجوي، فأصيب الشهيد بحروق شديدة في بطنه ورجليه من صاروخ طائرة هيلوكبتر عراقية، وقام زميله الملازم أول خالد الفيلكاوي بحمله إلى مستشفى الجهراء، لكنه أسلم الروح فداء لأهله وجيرانه، لأن للوطن في رقابنا ديناً يستحيل سداده.

غزة.. أعطوا الحل العسكري فرصة


د. ظافر محمد العجمي
 

لن يستخدم العرب الطرق الصحيحة لوقف العدوان الصهيوني على غزة إلا بعد أن يستنفذوا جميع الطرق الخاطئة، ولعل أهمها الاعتقاد بجدوى الجهود الدبلوماسية والمبادرات السلمية مع كيان يعتاش على مفهوم الحرب بشموليته كمنظومة فكرية ومؤسساتية، فما بديل المبادرات السلمية؟
نشأت إسبرطة قبل الميلاد بعشرة قرون، وكانت هيمنة النزعة العسكرية على تلك (الدولة - المدينة) سبب توسع نفوذها، فخاضت حروباً عدة كانت اطولها مع أثينا.
حكمها العسكر وتم تعظيم العمل العسكري وأصبح الجنود صفوة المجتمع، لم يكن لإسبرطة أسوار دفاعية، فقد قام ملكهم «ليكرجوس» بهدم الأسوار قائلاً: «المدينة يحميها أبناؤها وسيصبح الرجال جدران إسبرطة». نص دستورهم على ألا يولد الأطفال سرا، فإن لم يكن الوليد معافى رموه من حافة جبل، كانت غاية نظام إسبرطة تخريج المقاتلين، فتدرب الفتيان والفتيات على الحرب ليكونوا جنوداً أقوياء وأمهات الأبطال. وقدعاش الفتية والفتيات حفاة عراة للتغلب على الشهوة، مع تناقض صارخ لهذا الإجراء تمثل في التشجيع على الشذوذ بين الفتيان.
كان الانضباط صارماً؛ فيصبحون رجال حرب في سن الـ 24 عاماً، كما جردت إسبرطة شبابها من الأخلاق، فتعلموا وهم صغارالتسلل خفية للسرقة، جراء تقليل الغذاء لتحفيزهم على التحايل للحصول على طعامهم بالصيد أو بالسرقة، وكانوا يعاقبون بوحشية إذا ألقي عليهم القبض، وقد أدى ذلك لتأقلم الأولاد على الجوع وتحمل التعذيب.
كما قاد تبني إسبرطة لنظام عسكري لا أخلاقي قاسٍ إلى تبني نزعة عنصرية، ففكرة النقاء الوطني والعرقي لمحافظة الجيش الإسبرطي كان نواة كل شيء، حيث كان الفتية المحاربون يكلفون بالتجسس على المزارعين وتتبعهم وقتلهم عقاباً على كل مخالفة مهما كانت تافهة، حيث لم يكن يُنظر لذلك كجريمة؛ فالعنف والقتل الانتقائي كنوع من الردع كان وسيلة لإخضاع السكان. ولم تستطع جمهورية أثينا هزيمة إسبرطة بالدبلوماسية، أو بالقيم الديمقراطية أو الثقافة أوحقوق الإنسان؛ بل أن أثينا ورغم أنها كانت دولة بحرية، في حين أن إسبرطة كانت دولة برية، وبلا أسطول قوي، إلا أن أسطول إسبرطة دمر أسطول أثينا، واكتفت إسبرطة بإجبار أثينا على التنازل عن أسطولها، نظير أن تصبح تابعة لها، وبفضل قوتها ونظمها العسكرية استمرت إسبرطة مائتي عام.
ولهذا يعيش الكيان الصهيوني بحالة تعبوية وتدابير احترازية بالمفهوم الإسبرطي بشكل دائم، فالكيان الصهيوني هو إسبرطة العصر، وفي العمليات الصهيونية «الرصاص المصبوب» و«عمود السحاب» على غزة لم تتعدَ المواقف العربية التنديد، أو الدعوة لاجتماعات الجامعة العربية بعد مضي الهَزِيعُ الأَوَّل من اللَّيل الصهيوني، يتبعها حملة إغاثة وكأن غزة قد تعرضت لأمطار الخير والبركة مخلفة بعض الأضرار بالطرق.
أما في عملية « الجرف الصامد» الحالية فقد كانت هناك حسابات عربية أخرى ومواقف نصاب بالقرف من تحليل دوافعها مقارنة بنتائجها.
وما يطالب به كل مهتم أصيل بغزة هو التمعن في نتائج الضربات التي يتعرض لها الكيان الصهيوني، وليس ما تتعرض له غزة فحسب، حيث تقول المؤشرات بنجاح غزة في ما يسميـه العسكـــــر بحــــرب الجيــــل الرابـــع «Fourth-Generation Warfare» أو«4GW» والتي يكون طرفا الحرب فيها جيش نظامي لدولة ما مقابل «لا دولة» أوعدو، بل خلايا متحركة تنشط لضرب مصالح العدو الحيوية وإضعافها أمام الرأي العام الداخلي والخارجي.
لقد كشفت غزة بـالحرب اللا متماثلة «Asymmetric Warfare» كما تسمى أيضاً، كشفت عيوباً يغطيها الصهاينة بالأسلوب الإسبرطي، ومن مؤشرات الانكشاف سرعة استجابة الصهاينة للمبادرة المصرية والنقد القاسي لنظام القبة الحديدية حد السخرية، وتهشيم صواريخ غزة ليس لاقتصاد الصهاينة فحسب؛ بل ولهيكل وزارة الدفاع بإقالة نائب الوزير «داني دانون» لوصفه العمل العسكري الحالي بالقصور.
ونقيضاً لكل التصريحات العربية المعتادة بإعطاء فرصة للعمل الدبلوماسي، نقول هذه المرة -بناء على أحد أهم مبادئ الحرب وهو استثمار الفوز- نقول أعطوا فرصة للحل العسكري، فإسبرطة العصر الحديث لا تنصاع إلا للقوة.

الأربعاء، 16 يوليو، 2014

أمير «داعش» وملك «الحوثيين» والخليج بينهما!

    
أمير «داعش» وملك «الحوثيين» والخليج بينهما!

د.ظافر محمد العجمي -المدير التنفيذي لمجموعة مراقبة الخليج   

ليست «داعش» التي تهددنا إلا عصبة محملة بنزعات لاعقلانية أحالتها لدولة افتراضية. وقد تمثلت تلك الافتراضية في إصدارها عملة دولة الخلافة الإسلامية مع عدم وجود غطاء ذهب أو هيئة تنظيمية مركزية تقف خلفها. أصدروها قبل أن يترك لهم المالكي في بنك الموصل ملايين الدولارات. كما سيرت داعش سيارات دفع رباعي مسروقة بلوحات إسلامية بدون أوراق ثبوتية. وأصدروا جوازات سفر يحق لحاملها دخول كافة دول العالم بالتحرير أو الضم إلا فلسطين. ورغم أن عدد رجالهم الحقيقي لم يتعد 7 آلاف مغامر. فإن «داعش» دولة مهولة الحجم في وسائل التواصل الاجتماعي، ثم وصلت سمعتها درجة «الفوبيا» بعد خروج زعيمها البغدادي للنور متشحاً بالسواد خطيباً وكأن خطابه خطاب عرش لا خطبة جمعة. فأشغل العالم بساعته التي تحولت لشفرة يستطيع من يحدد نوعها الولوج لقرص «داعش» الصلب. ولازلت عند رأي «غردت» به قبل أسبوع، فلو أننا اجتمعنا في تويتر وحرضنا على «داعش» ومريديها «Report Spam» كآخر إفرازات الربيع العربي لذبلت على النت ومات أمير الدولة الإسلامية الافتراضية، وذبلت معها أعشابها الخليجية الناعمة بيننا، وجف دعمهم الافتراضي. لكن من نحرض!! فالجدل حول من يدير «داعش» يساوي حجم الجدل حول من يدير عالم الإنترنت الافتراضي نفسه.
لقد استخدمت طهران تحركات داعش شمال الخليج استخداما ذرائعيا فأطلقت المارد الحوثي من عقاله في جنوب الخليج كأداة ضغط غير افتراضية بل واقعية كواقعية صخور جبال اليمن وقسوة رجاله. فقضوا على حزب اتحاد الرشاد السلفي في «دماج»، حيث مركز دار الحديث رمز السلفية في «صعدة» التي سيطر عليها الحوثي بحكم ذاتي تام، وأمسك الأمور الأمنية والعسكرية والإدارية والمالية كاملة. ثم احتل الحوثيون عمران وفتكوا بحزب التجمع اليمني للإصلاح الذي يمثل الإخوان المسلمين، ولم يبق إلا 50 كم إلى صنعاء. هذا هو الموقف العملياتي الحالي على الأرض أو البعد الأول من صورة ما يجري هناك.أما البعد الثاني للصورة فهو إصرار طهران على الحفاظ على الهوية المذهبية لصعدة لبناء حضور وجيرة ابتزازية للسعودية. ثم توسيع طهران لنفوذها الإقليمي عند مضيق باب المندب الاستراتيجي. واستهداف دول الخليج التي تمر تجارتها ومنتجاتها النفطية عبر هذا الطريق لقناة السويس، حيث سيتوقف الحوثيون في عمران عن السير إلى صنعاء لتخفيف ضغط قرارات مجلس الأمن الأخيرة عليهم والاستدارة غرباً تجاه «حجة» التي لا تبعد أكثر من 200 كم. ومن هناك يتم تحقيق الهدف الأكبر وهو الاستيلاء على «ميناء ميدي» على البحر الأحمر والذي لم يتواجد فيه أبداً أكثر من زورقي خفر سواحل يمنيين صغيرين؛ مما اضطر البحرية السعودية في فترات إلى حصاره بعد تحوله لقاعدة حوثية تصل إليها الأسلحة والمتطوعين من إيران عبر ميناء «مصوع» وجزر»دهلك» الإريترية المقابلة له على البحر الأحمر. حيث لا زالت تنقل الأسلحة والمتطوعين الإيرانيين والخليجيين والعراقيين من الميناء إلى مزارع شاسعة محيطة به اشتراها الحوثيون على فترات لتكون نقاط لوجستية الآن ونقاط انقضاض على الميناء لاحقاً.البعد الثالث للصورة سيكتمل بسقوط ميناء ميدي في يدهم. فمع ضعف الحكومة اليمنية ووصولية القرارات الدولية التي امتنعت حتى عن زجر الحوثيين، وعدم وجود خطة خليجية للاستجابة لأي انهيار مفاجئ في الجوار الإقليمي إلا سلاح الردع بجملة «نحذر الحوثيين من مغبة التمادي في غيهم» مع كل ذلك أقترح أن نرفض في الخليج تلبية الدعوة لحضور مراسم تتويج عبدالملك الحوثي ملكاً هاشمياً على شمال اليمن،لأن في رقبتنا بيعة افتراضية لأمير داعش أبوبكر البغدادي بعد أن ضم بلادنا لدولة الخلافة الإسلامية في خريطته السوداء الكئيبة .

الخميس، 10 يوليو، 2014

الخليج في خرائط الضم والتقسيم الجديدة!!

 
الخليج في خرائط الضم والتقسيم الجديدة!!
تقسيمات سايكس بيكو الاولية


 د.ظافر محمد العجمي -المدير التنفيذي لمجموعة مراقبة الخليج

من سبات عميق استمر مئة عام، استيقظت اتفاقية سايكس/بيكو النائمة في شرايين الحدود العربية لتجد من يتهمها بأمومة خرائط غير شرعية. نطفة الخرائط التقسيمية الجديدة أطلقتها كونداليزا رايس من تل أبيب في صيف 2006م وسمتها (الشرق الأوسط الكبير) لإعادة ترتيب المنطقة وفقا لمبدأ الفوضى الخلاقة. وقد التقطت مراكز دراسات استراتيجية غربية المتداول عن الترتيبات الجديدة، والتي كان عمادها سطوة القوة الأميركية خارج القانون الدولي واستراتيجية التدخل حينا والاقتراب الغير المباشر عبر الانقلابات والنزاعات الطائفية والعرقية في أحيان أخرى. وراحت هذه المراكز لمصلحة رجال حكم بعضهم جاهل وبعضهم فاسد وبعضهم موتور في رسم خرائط تقسيمية منمقة لعالمنا العربي. تفتقد تلك الخرائط للحد الأدنى من الإدراك الاستراتيجي. وكان من نتائج هذا الفهم القاصر ظهور خريطة المقدم في الجيش الأميركي في ألمانيا رالف بيترز «Ralph Peters» المختص بالاتحاد السوفيتي، الذي أمضى وقته في وضع كتب حول البطل الأميركي المقاتل للشيوعية عبر روايتين هما «Bravo Romeo» ورواية «The War After Armageddon».وبعد كساد سوق رواياته بزوال الشيوعية تحول إلينا بمقال له بعنوان «حدود الدم» فقسم الخليج والجزيرة العربية، حيث ضم الكويت والبحرين لدولة شيعية تبدأ من حدود قطر، مستديرة على شمال الخليج شاملة العراق ومخرجة إيران من الأحواز ومن الإطلالة على الخليج حتى تصل إلى بوشهر. كما قسمت السعودية لأقسام حرمتها بها من الانتماء للخليج، وانتزعت منها الحجاز، إلا أنه ترك قطر والإمارات وعمان كما هي. ولا نعلم كيف توقع بيترز إمكانية تنفيذ خريطة تحرم إيران والسعودية وهما أكبر دولتين خليجيتين من حقولهما النفطية ومنافذهما البحرية على الخليج دون قتال. لكننا نجزم أن ما أعطاها الانتشار لا الواقعية هو نشرها بمجلة القوات المسلحة الأميركية 2006.وعلى النسق نفسه نشرت مجلة تايم «TIME» خريطة للعراق محترق ومقسم، وفي إطار قراءتنا للمشهد الإقليمي حين رسمت الخريطة نرى أن المجلة كانت وفية لتوجهاتها الصهيونية في ترويج فكرة إعادة تنظيم المنطقة وإقامة دول صغيرة على أساس طائفي وعرقي لتخفي شذوذ وجود إسرائيل بين كيانات عربية القومية إسلامية الدين. أما ما حير اتفاقية سايكس/بيكو العجوزة فهو نسب خريطة «داعش» الملطخة بالسواد لفكرها التقسيمي، ففي خريطة دولة العراق والشام الحديثة تمت إضافة دولة الكويت في وفاء للفكر البعثي المنتشر بين رجال التنظيم، رغم أن الكويت كان محسوما أمرها كإمارة مستقلة تحت الحماية البريطانية وخارج اتفاقية سايكس/بيكو الأصلية قبل مائة عام. ويبدو أن تعكر مزاج حقل برقان النفطي وتضامن «الأخوات السبع» معه قد دفع «داعش» لتصحيح الخطأ ورسم خريطة سوداء أخرى باسم دولة الخلافة الإسلامية، مستعينين بخريطة عبدالرحمن الداخل في الأندلس غربا وخريطة الأحنف بن قيس وهو يطارد يزدجرد فاتحا خراسان شرقا.ولأهمية الدّور التّخريبيّ الذي تلعبه خرائط التقسيم في ترويض العقول، سوف يستمر توزيع الخرائط التقسيمية في الحفلات الطّائفيّة والمذهبية والتوسعية التي تقام بيننا. كما أن الحسابات والرّهانات الجيوستراتيجية الدولية ستظهر أنواعا عدة من الخرائط بين الضم والتقسيم، فعلى الخرائط قامت المدن ورسمت طرق التجارة. كما أديرت المعارك، وأعيدت كتابة التاريخ.. فهل نرى واقعا جديدا على الأرض تعاد من خلاله إعادة كتابة تاريخنا؟بوسع المراقب الخليجي أن يزعم بقدر معقول من اليقين بعدم ظهور خطوط جديدة على خرائط الخليج العربي. فقد كانت واشنطن تخشى شكل الخريطة الجديدة للاتحاد السوفييتي قبل تفككه أكثر من خشيتها من أسطول البحر الأسود. كما أن إعادة تشكيل الحدود قد يكون خطرا وعملاً عبثيا يفضي لعدم الاستقرار جراء متوالية الكاسب والخاسر. بالإضافة إلى أن موازين القوى الإقليمية التي تشكلت جراء الربيع العربي لا تزال مائعة. وبوسعنا القول إن دول الخليج ستكون من الناجين من تبعات الربيع العربي التقسيمية المستقبلية؛ فقد أثمرت الجهود التي بذلتها لتوسيع نفوذها على مدى العقدين الماضيين لخلق حدود توازنات تبعدها عن خرائط الضم والتقسيم. مما يجعل خريطة الوحدة الخليجية هي الأكثر قبولا بين الخليجيين بدل خرائط «بيترز» و «تايم» و «داعش».

Gulf seurity أمن الخليج العربي

Kuwait
تبين هذه المدونة كيف تمتع الخليج بأهمية كبيرة أدت إلى خلق عبء استراتيجي على أهله بصورة ظهرت فيها الجغرافيا وهي تثقل كاهل التاريخ وهي مدونة لاستشراف مستقبل الأمن في الخليج العربي The strategic importance of the Gulf region creates a strategic burden and show a good example of Geography as burden on history. This blog well examine this and forecast the Gulf's near future and events in its Iraq, Iran ,Saudi Arabia ,Kuwait, Bahrain ,Qatar, United Arab Emirates and Oman

أرشيف المدونة الإلكترونية