Gulf security أمن الخليج العربي

الخميس، 19 أكتوبر، 2017

كل آفة عليها آفة



د. ظافر محمد العجمي
المدير التنفيذي لمجموعة مراقبة الخليج

يبدو أفق المشهد الإقليمي وكأننا مقبلون على حالة من السعار الاستراتيجي، وأكثر من يحك جنبه حالياً هو الحرس الثوري الإيراني، الذي أتى قرار واشنطن شيطنته متأخراً ما يقارب الأربعة عقود. ولا نأمل من تحرك الرئيس ترامب في هذا المنحى أن يكون لإنهاء ذلك الهيكل العسكري فحسب، بل لينهي غطرسة لم يتصف بها حكام بلد في العالم كما اتصف بها حكام طهران. فقد استولى نادر شاه على عرش مغول الهند 1738 المسمى عرش الطاووس ليصبح رمزاً لعروش الأباطرة الفرس حتى بهلوي الذي أمر الجواهرجي الفرنسي تافرنييه بصنعه لتصل قيمته إلى مليار دولار. ثم ورث الغطرسة نظام السيد علي الحسيني الخامنئي المرشد الأعلى للثورة الإسلامية طوال 24 عاماً، والتي إذا أضفنا إليها فترة رئاسية لـ8 سنوات أصبح من أطول الأباطرة حكماً لإيران لكن بعباءة دينية وذراع قوي هو الحرس الثوري.

فخلال الـ32 عاماً الماضية مارس رجال السيد علي الخامنئي أشكالاً من التعالي والغطرسة وصلت لحد أنه إذا أراد أحدهم التواضع أمام سامعيه أو قارئيه، ربط آراءه بمكونات صواريخ زلزال وشهاب وفتوحات سايروس «قورش» الكبير. وفي هذا السياق نتذكر أنه في 2011 اتهم دبلوماسيون إيرانيون بتجنيد أعضاء شبكة تجسس لصالح الحرس الثوري في الكويت لنقل معلومات عن منشآت كويتية وأمريكية ومراقبة الجيشين الكويتي والأمريكي، وقد صدرت بحقهم أحكام تراوحت بين الإعدام والمؤبد، فظهرت الغطرسة الإيرانية في أقوى أشكالها بتصريحات خارجة عن المألوف من الرئيس الإيراني أحمدي نجاد بقوله «وما لدى الكويت لنتجسس عليها». ليفضحهم الله بخلية العبدلي بعد سبع سنين. ثم ليعيد المتحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية بهرام قاسمي نفس الغطرسة عام 2017 قائلاً «إن الاتفاق النووي أكبر من أن تبدي البحرين والإمارات رأيهما فيه وحكمهما بشأنه» رداً على تصريحات وزير الخارجية البحريني حين قال إن إيران تتدخل في شؤون دول المنطقة في تعارض مع القرار الأممي 2231. وأيضاً رداً على مواقف وزير خارجية الإمارات في الجمعية العامة وبين فيها أن إيران انتهكت نص الاتفاق النووي، حيث أتت غطرسة بهرام قاسمي حرفياً «إن البعض ليسوا بحجم التدخل في جميع القضايا، وهناك أشخاص يبدون رأيهم خارج مسؤوليتهم بشأن الاتفاق النووي، ويتصورون أنهم في محل الوكالة الدولية للطاقة الذرية».

* بالعجمي الفصيح

نجح الروس في استخدام مبدأ تسليم الأرض وهي أغلى ما تملك موسكو لكسب الوقت أمام نابليون 1812 ثم أمام فيالق هتلر 1940. فهل ستعطي طهران ما يلهي الغريم أمام القرارات الأمريكية المرتقبة، وهل سيضحون بغطرستهم وهي أغلى ما يملك نظام الملالي، وينصاعون للشرعية الدولية؟! أم أن الله قد جعل غطرسة أباطرة فارس سبب إذلالهم، فسخر عليهم الرئيس الأمريكي دونالد ترامب!

السيناريو الرابع لحل الأزمة الخليجية


د. ظافر محمد العجمي

المدير التنفيذي لمجموعة مراقبة الخليج

يعترف العقل الحواري بالطرف الآخر، يختلف معه، ويضع قواعد للاختلاف معه، ولا يرتكب إثم التحول للجدل بمستوى غرائزي. وفي الأزمة الخليجية الراهنة سيقود إقحام عدد أكثر من اللازم من القضايا، وتشدد الأطراف في مواقفها إلى حالة شبه جمود دبلوماسي معلن، أو ما يعرف في العلاقات الدولية بـ«الطريق المسدود». وما طرح حتى الآن من تقديرات حول الأزمة الخليجية يضع كما هو معروف في منهجية «تقدير الموقف» سيناريوهات ثلاثة، السيناريو الأول: تشدد الطرفين والمضي في سجالات وعقوبات متبادلة. والسيناريو الثاني: إلزام طرف بقبول شروط أو بعض شروط الطرف الآخر، لكن بعد وقت طويل يصل لسنوات. أو السيناريو الثالث: وهو الأزمة الممتدة والقطيعة التي قد تعتاد عليها ضفاف الخليج كما اعتادت الحدود على الإغلاق بين دول عربية عدة.

وفي الكويت نراهن على الجهود الدبلوماسية للشيخ صباح في التوصل للمصالحة، وأن تطلق تحركاته شرارة تحوّلات سياسية، لكن لدى البعض قراءة متشائمة وقاصرة مردها عدم فهم أو التقليل من شأن قبلية أوعشائرية المكون الخليجي، وعدم إدراك وجود «دبلوماسية النظام الأبوي»، وعدم إدراكهم أن النظام الأبوي بنية اجتماعية وثقافية واقتصادية مقيمة بيننا، وفي جانبها الإيجابي تنتقل هذه البنية من العائلة للعشيرة، للسلطة، للعلاقات بين الكيانات السياسية. فهي أكثر حضوراً في المجتمعات العربية، وأكثر نجاحاً في المجتمعات والكيانات السياسية الخليجية. بل نستطيع أن نزعم أن من ينتقدها بدوافع الخلل العنصري لا يدرك أنها موجودة بنفس المضمون ولو بشكل مختلف في المجتمعات الغربية بما يسمى الـ«big brother»، فهناك مؤسسات مجتمع مدني تملك أدوات ضغط على القانون وعلى مفاصل الدولة التشريعية والتنفيذية، بل وعلى حقوق الإنسان بدعوى أنها تُصلح أموره. وفي ثنايا «دبلوماسية النظام الأبوي» في خليج لا يعتد أهله بثقافة الالتزام الحرفي بالاتفاقيات بقدر ما يعتدون بما في النفوس لا ما في النصوص، لدينا «دبلوماسية حب الخشوم» أو «حق عرب»، والتي تتسم بالعاطفة الإيجابية، وتتداخل بعادات اجتماعية وثقافية لأهلنا. نمتشقها أوقات للترضية وأوقات للاعتذار حيث يكفي أن تقبّل أنف خليجي آخر كعربون اعتذار فيرد كإنسان عربي نبيل بالتقدير لما قمت به، فالأنـف مكان العزة والرفعة والأنفَة والتقدير.

* بالعجمي الفصيح:

ستنتهي الأزمة الخليجية بنفس سرعة تفجرها، عبر السيناريو الرابع، بدبلوماسية فريدة اختص بها العرب والخليجيون، هي «دبلوماسية النظام الأبوي» أو «دبلوماسية حب الخشوم» وهي دبلوماسية راقية تعتمد على وزن الرجال أكثر مما تعتمد على المماحكات حيناً والحيل والغطرسة أحياناً مثل «دبلوماسية الأزمات Crisis Diplomacy»، و«دبلوماسية المحالفات Alliance Diplomacy»، و«دبلوماسية البوارج Gunboat diplomacy». ومن يجادل بصحة هذه الخلاصات في جدوى دبلوماسية الأدب الجم الخليجية يجهل كم قنبلة تم نزع فتيلها بقبلة على أنف رجل عزيز.

الأحد، 8 أكتوبر، 2017

تواصل تأثير الخطيئة الأصلية وهي الاحتلال , في صنع القرارات الصهيونية

الدكتور ظافر محمد العجمي
المدير التنفيذي لمجموعة مراقبة الخليج
سبعون عامًا تفصل بين الفلسطينيين وبين حرب النكبة عام 1948م، وسبعون شيئًا آخر بينهم وبين الخليجيين. ورغم ذلك تهزنا بين الفينة والأخرى موعظة منمقة بالصورة والخط والإخراج عبر وسائط التواصل الاجتماعي مضمونها أن رئيسة وزراء الكيان الصهيوني السابقة غولدا مائير قالت عندما تم حرق المسجد الأقصى في 22 أغسطس 1969م: «لم أنم ليلتها وأنا أتخيل العرب يدخلون علينا أفواجًا من كل صوب، وعندما طلع الصباح ولم يحدث شيء، أدركت أن باستطاعتنا فعل ما نشاء فهذه أمة نائمة». وقد تكون مائير صادقة لكن المؤكد أنه قد انتهى جيل الوعّاظ وابتدأ جيل وعّاظ في تصرفاتهم عظة. فالجميع قضيته الأولى المعلنة هي فلسطين رغم أن من معظم من يدعي ذلك لا يفرق بين المسجد الاقصى، وقبة الصخرة ذات القبة الذهبية. لقد كانت القضية الفلسطينية قضية العرب المركزية، ولم يكن للخليج من عدو إلا عدو الفلسطينيين الذين احتضنهم الخليج وخصوصًا الكويت مبكرًا بشهادة أهزوجة فلسطينية تراثية كان يتم تكييفها مع مناسبات سفر الشباب الفلسطينيين، بعد نكبة 1948م، ونكسة 1967م، إلى الكويت بحثًا عن لقمة العيش ومساعدة أهلهم في الوطن وتقول:
"عبيلي الجرة. عبيلي الجرة. يما يا حنونة عبيلي الجرة. بعطش من مرة. والكويت بعيدة. بعطش من مرة. وأنا بلادي بعيدة. بعطش من مرة. والكويت بعيدة. عبيلي البريق. يما يا حنونه عبيلي البريق. بعطش ع طريق. وأنا بلادي بعيدة بعطش ع طريق"[1].  

هذا الاستطراد ربما لابد منه لربط مفاصل الموضوع بالبعد الخليجي في زمن تحدق فيه المخاطر بأولى القبلتين وثالث الحرمين الشريفين عبر عمليات تهويد ممنهجة كان آخرها فرض البوابات الالكترونية على مداخل المسجد الأقصى في تحد واضح ليس لمشاعر الفلسطينيين والعرب والمسلمين فحسب بل والقرارات الدولية التي تمنع الصهاينة من التدخل في إدارة الأماكن المقدسة الإسلامية بأية شكل، حتى كانت الانتفاضة القصيرة وتدخل خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز بالضغط على واشنطن التي أوقفت الغطرسة الصهيونية ولو لحين.

سيتواصل تأثير الخطيئة الأصلية وهي الاحتلال , في صنع القرارات الصهيونية لذا خرجت خطة صهيونية بمحاور عدة كالتقسيم الزماني والمكاني والعُمري للمسجد الأقصى ثم قطع الصلة الجغرافية للقدس بالمسجد نفسه ثم هدم المسجد الأقصى وبناء الهيكل على أنقاضه. وتقوم خطة تقسيم الأقصى على ثلاثة محاور؛ التقسيم المكاني والتقسيم الزماني والتقسيم العمري، والفكر المحرك لها رئيسة لجنة الداخلية في الكنيست ميري ريجب «Mary Rigab» والعضو في حزب الليكود الحاكم، فرغم أن المسجد الأقصى بكامل مساحته الـ 144 دونمًا، ما فوق الأرض وما تحتها، يعد حقًا خالصًا للمسلمين وحدهم دينيًا وتاريخيًا وفي وثائق الأمم المتحدة أيضًا؛ إلا أن مكر «ريجب» تسلل من باب آخر؛ فقد استطاعت الحصول على دعم كبير في الكنيست لتقسيم أوقات الصلاة في الأقصى ووجود اليهود في المسجد الإبراهيمي، دون وجود مسلمين في بعض الأوقات، وكذلك إيجاد مساحات من المسجد الإبراهيمي تخصص لليهود في أوقات معينة، كما يمنع في أوقات معينة دخول أي مسلم للمسجد الإبراهيمي، خاصة في مواسم الأعياد والاحتفالات اليهودية، كما يمنع رفع الأذان للصلاة في أوقات أو أيام معينة احترامًا لليهود الذين يقيمون شعائرهم حينها، مما يعني أن مقترح قانون «ريجب» يقضي بتقسيم المسجد الأقصى زمانيًا ومكانيًا[2].
ما قام به نتنياهو لم يكن إلا توسع في القانون الذي طرحته «ريجب»، التي نتوقع لها مستقبلاً باهرًا بين الصهاينة ما دامت شعبيتهم تقاس بدرجة إذلال العرب، لقد أمر نتنياهو بإغلاق المسجد الأقصى  بعد الانتفاضة الأخيرة ومقتل جنود صهاينة في المسجد الأقصى واستشهاد فلسطينيين ،مسجلاً أنه لأول مرة منذ 48 عامًا لا يُرفع الأذان بالأقصى [3]حتى يتفوق على «ميري ريجب» مستخدمًا قانونها ومتوسعًا فيه أكثر منها، حيث أن في القانون ما يقضي بمنع أي مظاهر للمنع أو التصدي لاقتحامات اليهود أو صلواتهم في المسجد الأقصى، وبمعاقبة كل من يحاول ذلك «ولو برفع الصوت» وبغرامة تصل 15 ألف دولار، تدفع للمتضرر اليهودي حين يمنع من اقتحام الأقصى. أما المحور الثاني فيتمثل بإقدام إسرائيل على عمليات حادة في تغيير معالم القدس بإضافة بنايات , وفصل القدس عن سائر المناطق العربية المحيطة بها وهدم أحياء لقطع الصلة الجغرافية والنفسية مع المحيط الفلسطيني المجاور؛ حالة تفريغ كاملة للفلسطينيين من المنطقة المحيطة بالأقصى وحالة تطهير وتهجير للفلسطينيين من المنطقة[4]. ثم يأتي المحور الثالث الذي وضعته منظمات وجمعيات يهودية لهدم المسجد الأقصى وبناء الهيكل على أنقاضه.عبر خلخلة أساسات المسجد ومن ثم انهياره وسقوطه تلقاء نفسه، وقد مرت مؤامرة الحفريات أسفل المسجد الأقصى بيسر حتى الآن رغم الضجيج العربي والدولي، فالعمل يجري بسرعة متواصلة ليلاً ونهار، لتدمير البنية التحتية للمسجد، حتى بات معلقًا بالهواء كنتيجة طبيعية لتلك الحفريات التي ما فتأت عن النخر بشتى الوسائل بجسد المسجد تمهيدًا لهدمة وبناء ما يعرف لديهم بالهيكل المزعوم.

-الدعم الخليجي للقضية الفلسطينية

في اجتماعات المؤتمر الوطني الفلسطيني الأول الذي عقد في القدس ،أعلن قيام منظمة التحرير الفلسطينية يوم 28 مايو 1964م، وشكل المجلس الوطني الفلسطيني الأول، و قام الرئيس المنتخب أحمد الشقيري بإجراء مشاورات لتشكيل اللجنة التنفيذية الأولى لمنظمة التحرير الفلسطينية، حيث عين الضابط بالجيش الكويتي اللواء وجيه المدني عضو اللجنة التنفيذية وقائد جيش التحرير الفلسطيني وتم افتتاح مدرسة لتدريب المتطوعين الفلسطينيين على الرماية وفك وتركيب السلاح و فنون القتال الأخرى[5].كما كان يعمل في وزارة الأشغال الكويتية ياسر عرفات ومجموعة من القادة الفلسطينيين. فقد آمن الفلسطيني بأن الكويت مكان مثالي للحياة وتربية الأطفال. واحتضنت الكويت العديد من القيادات الفلسطينية، ودعمت منظمة التحرير الفلسطينية ماليًا ومعنويًا، ووصل الأمر إلى حدّ مشاركة الشهيد الشيخ فهد أحمد الصباح، في القتال بجانب الفدائيين الفلسطينيين. فقد كانت الكويت بمثابة قاعدة خلفية مهمة لدعم الشعب الفلسطيني، وثورته المسلحة"[6]. ولم تكن الكويت الوحيدة في دعم الفلسطينيين والمسجد الأقصى. فقد كانت هناك المبادرة التي أطلقها الملك عبد الله بن عبد العزيز رحمه الله في عام 2002م، للسلام في الشرق الأوسط بين الصهاينة والفلسطينيين. وكان هدفها إنشاء دولة فلسطينية معترف بها دوليًا على حدود 1967م، وعودة اللاجئين والانسحاب من هضبة الجولان المحتلة، مقابل اعتراف وتطبيع العلاقات بين الدول العربية مع تل أبيب، وقد تم الإعلان عن مبادرة السلام العربية كما سميت لاحقًا في القمة العربية في بيروت. ونالت والمبادرة تأييدًا عربيًا. وقد كانت «مبادرة السلام العربية» 2002م، آخر جهد خليجي كبير تجاه فلسطين، فقد رضينا في الخليج طوعًا بنوع من الإقصاء فرضته علينا واشنطن بإيحاءات صهيونية، حيث لم يعد لفلسطين حضور قوي في واقعنا الخليجي السياسي بل والثقافي، مقارنة بعصر كانت فيه جزءًا من واقعنا الاجتماعي أيضًا حين كان يعيش بيننا آلاف الفلسطينيين قبل زلزال الغزو العراقي الغاشم للكويت 1990م. لقد غابت فلسطين عن الأجندة الخليجية رغم أن في ذلك غيبوبة تاريخية، وما القول بأن الجهد الخليجي في الربيع العربي هو خطوة نحو الإصلاح وإسقاط الطغاة وسيفضي بالنهاية لظروف مناسبة تقود لحل كل القضايا العربية وأهمها القضية الفلسطينية، إلا قول لا يختلف عن طرح  صدام بتحرير القدس عبر اجتياح الكويت، وهما تسويغان منفصلان في الشكل متفقان في المضمون. وليس تأسيسًا لشيء جديد لو قلنا إننا كنا قبل عشرين عامًا في مزاج أقل تسامحًا تجاه المساس بقضية فلسطين، أما الآن فننهل من أنقرة وطهران وحزب الله مفهوم الغيرة عليها، ونكاد ننساها حتى في ذكرى النكبة[7]! ورغم ذلك يرى البعض أن دول الخليج في سياستها الخارجية تجاه فلسطين تتصرف وكأنها ليست دول مواجهة من الزاوية الجيوسياسية للكيان الصهيوني، والحال انها كذلك، لإن على دول الخليج نظما وشعوبا مسؤولية مباشرة عما يجري في فليطين من تهويد زاحف. كما أن المال الخليجي كفيل بأن يمنع عملية تهويد أرض فلسطين والقدس لو تأسس صندوق دعم فلسطين لدعم صمود شعبها[8]. كما يرى آخرون أن وجود جاليات فلسطينية كبيرة في الخليج، كانت صورة التفاعل الشعبي مع قضية فلسطين ;أكثر من بقية الأقطار العربية، وكانت الصورة واضحة بخصوص القضية الفلسطينية، ثم خفت جراء غزو القوات العراقية للكويت، وتقسيم الأمة إثر هذا الحدث، وبسبب موقف ياسر عرفات ومنظمة التحرير وفصائل فلسطينية أخرى من حرب تحرير الكويت.

 دور دول الخليج في مرحلة تهديد الأقصى

لم تفتقد دول الخليج للرويّة والدراية في معالجة الأمور الخاصة بالأطماع الصهيونية في المسجد الأقصى، فمنذ أكثر من عقد؛ فقد اجتماع الوكلاء المسؤولين عن الآثار والمتاحف في دول مجلس التعاون في 8 مايو 2007م، واتخذوا قرار تكليف الكويت متابعة أعمال الهدم في محيط المسجد الأقصى، لكون الكويت عضوًا في لجنة التراث العالمي. لكن النزوع نحو جعل الصراع الخليجي مع إيران أولوية على ما عداه أدى لتحجيم الاهتمام بالقضية الفلسطينية ودفع بعض النخب، ووسائل الإعلام، لتمريرأفكار من نوع المقارنة بين إيران وإسرائيل، التي تنتهي لمصلحة شدة الخطر الإيراني وراهنيته، لتكون مقدمة لترويج التطبيع مع الصهاينة، أو على الأقل تبرير العجز عن مواجهة إسرائيل بأي وسيلة، عبر القول أن هناك معركةً أهم وأخطر لا بد من خوضها، ما يعني أن القضية الفلسطينية تخضع، هنا، إما لتجاهل تامٍ وإهمالٍ، أو لمحاولة تصفية عن طريق تقديم نزاعاتٍ أخرى بوصفها أولى بالاهتمام[9]. أما  إيران  من طرفها فتحاول إيجاد موقع  لها  في المنطقة، من خلال تبنيها لقضايا معينة على رأسها قضية فلسطين، لكن إيران تبدو مشلولة لانها تصورت أنه من السهل أن تملأ الفراغ في المنطقة العربية الرخوة، وأظهرت حجمًا من المطامع الجغرافية، والرغبة في التسيد مما أظهر مبررًا كبيرًا لتشكك العرب في نواياها ومشاريعها حتى ولوسمت نصف قواتها بفيلق القدس ولواء فلسطين وسرية غزة[10].

 فلسطين في زمن الأزمة الخليجية

 لا شك أن الأزمة الحالية التي تشهدها دول مجلس التعاون الخليجي تجعل الخليجيين بمنأى عن القضية الفلسطينية وتوابعها ومنها أزمة الأقصى المبارك.ومايجري بين الخليجيين له أضرار على مستويين أولهما إنكماش الدعم الخليجي لتفرق الفلسطينيين بين المعسكرات الخليجية، وثانيهما ظهور تهمة تطبيع يتقاذفها الجميع فيما بينهم. ومن المتوقّع أن تتحوّل الساحة الفلسطينية وخصوصًا قطاع غزّة إلى ساحة مواجهة بين قطر، ودولة الإمارات العربيّة المتّحدة، في ضوء تفاهمات حماس ومصر، التي تقتضي تنفيذ مشاريع في القطاع بتمويل إماراتيّ، في ظلّ تصاعد الأزمة الخليجيّة ضدّ قطر، وهذه المواجهة قد تصل إلى إجبار حماس على الاختيار بين أحد الطرفين. فالمغري لحماس هو تعزيز حكمها في القطاع، كما ستوفّر التفاهمات حلاًّ لأزمة الكهرباء وفتح معبر رفح، الأمر الذي يسمح بسفر الأفراد ودخول البضائع وخروجها إلى القطاع، وتحقيق الهدوء المجتمعيّ، من خلال تفعيل لجنة المصالحة المجتمعية، ودفع فدية قتلى الانقسام، الأمر الذي سيغلق أي محاولات قتل ثأرية من قبل تلك العائلات. حيث ستقوم أبوظبي بتمويل المشاريع المترتّبة على التفاهمات، والتي ستتجاوز 100 مليون دولار بمرحلتها الأولية، فهدفها لن يقتصر على تعزيز مكانة حلفائها في غزّة، بل ستسعى إلى التقليل من دور قطر في ظلّ الأزمة معها ودورها في دعم الإخوان المسلمين وعدائها للنظام المصريّ المدعوم إماراتيّاً [11]. ولا شك أن الاختيار صعب على حماس رغم هذه الإغراءات ربما بسبب السخاء القطري؛ فالدوحة تعد من أبرز الداعمين لحركة حماس، منذ حصار قطاع غزة، من خلال تمويل مشاريع اجتماعية وصحية واقتصادية بالقطاع، كان آخرها بداية عام 2017م، بسداد حوالي 12 مليون دولار لحل مشكلة الكهرباء في قطاع غزة، وبناء مشاريع سكنية ضخمة كمدينة حمد السكنية، ودفعها رواتب موظفي حركة حماس، وغيرها من التبرعات الإنسانية. ونتوقع استمرار قطر في دعمها لقطاع غزة، حيث سيجعلها ذات حضور في القطاع، مدعوم ذلك بقوة علاقاتها مع قادة حماس الذين تحتضن بعضهم الدوحة. أما حماس فلا تريد خسارة أحد، فهي ترغب في الاحتفاظ بالدعم القطريّ، إضافة إلى الدعم الإماراتيّ، لكنّ هذا لم يعد ممكنًا في ضوء الأزمة الخليجية، التي ستجبرها على الاختيار بين هذا الطرف أو ذاك. ورغم أن حماس تحرص على النأي بنفسها عن الأزمة الإقليمية، ولعبة المحاور العربية، حيث نفى المستشار السياسيّ السابق لرئيس الوزراء الأسبق إسماعيل هنيّة أحمد يوسف أن تكون مصر طلبت من "حماس" أن يكون ثمن التقارب معها قطع العلاقات مع قطر.وأن حماس لن تكون مع طرف عربيّ ضدّ آخر، إلا أن إجبار حماس على الاختيار بين الدورين القطريّ أو الإماراتيّ المصريّ يبدو أمرًا محتمًا[12].

مماحكات التطبیع غیر المعلن
  
منذ أن بدأت الأزمة الخليجية بين قطر من جهة، والسعودية والإمارات والبحرين ومصر من جهة أخرى، صارت مسارات الصراع تدور حول الحروب الإعلامية والإرهاب والعلاقة مع إيران والتطبيع مع العدو الصهيوني. حيث جرى تبادل الاتھام بين الأطراف في بناء علاقات سریة مع تل أبيب أو یعني تطبیع غیر معلن. لحساسية هذا المحور، فدول الخليج هي جزيرة العرب ومنبع الرسالة المحمدية وإليها ينظر كافة المسلمين. وقد تقود العالم الإسلامي كله إلى قبول فقدان القدس مرحليًا والصلح مع الصهاينة كموقف أمر واقع. لكن هناك رفض سياسي ونفسي خليجي واسع للتطبيع. وفي هذا الإطار، نشطت مبادرات شبابية خليجية، ضد أشكال التطبيع في دول الخليج مع الكيان الصهيوني، أو الخطاب الذي يتساهل مع التطبيع ويروج له، ويحاول استثمار الصراعات الإقليمية في تبديد أولوية الصراع مع الصهاينة، وهي مبادرات تستحق الإشادة والدعم، إذ أنها تحافظ على إبقاء فلسطين حيّة في الوجدان الشعبي، في زمن الفتنة والانقسامات. وعليه، فأزمة الخليج مع ما يرافقها من اصطفافات، واتهامات بالتطبيع وتراجع القضية الفلسطينية في أولويات الخليجيين تؤثر بالسلب على القضية الفلسطينية من كافة النواحي، فكافة الخلافات التي شهدتها المنطقة تخدم المشروع الصهيوني الذي يرمي لإزالة المسجد الأقصى ليحل مكانه الهيكلالمزعوم[13].

إن المخاطر المحدقة بأولى القبلتين وثالث الحرمين الشريفين في زمن الفوضى، يتطلب أن تكون  دول الخليج  كما كانت خير داعم للقضية الفلسطينية بصفة عامة، والمسجد الأقصى ومدينة القدس بصفة خاصة،، وهو دور يجب أن يتجدد فالمطلوب من دول الخليج في المرحلة الحالية أن تعي مدى خطورة تلويح الصهاينة بهدم الأقصى، وعلى الفلسطينيين أنفسهم إدراك أن  الأزمة الحالية التي تشهدها دول مجلس التعاون الخليجي جعلتها بمنأى عن القضية الفلسطينية وتوابعها ومنها أزمة الأقصى المبارك، هي خلافات عربية عربية كسابقاتها من قضايا الخلاف العربية السابقة . فقداستغلها نتينياهو وذهب إلى منع المسلمين من الصلاة في الأقصى، وكان يعلم أنه سيتراجع، فطبق قانونًا بديلاً وهو ألا يصلى فيه إلا من يزيد عمره عن الـ 50 عامًا من الرجال، وبعد جولة عنف قادمة سيرفع عمر المصلين إلى الـ 60 عامًا ثم إلى الـ 70، حتى يخلو من المصلين.وسيعيد هو أو من يحل محلة البوابات الالكترونية. ولن تنفع المرابطين والمرابطات بيانات الاستنكار، لكن بدعمهم بالمال خليجيًا ليستمر الرباط، ولو بقطرة زيت زيتون. ففي الحديث الشريف، أن ميمونة مولاة النبي صلى الله عليه وسلم قالت: يا نبي الله أفتنا في بيت المقدس؟ فقال: «أرض المنشر والمحشر، ائتوه فصلوا فيه، فإن صلاةً فيه كألف صلاة فيما سواه»، قالت: أرأيت من لم يطق أن يتحمل إليه أو يأتيه؟ قال: «فليهد إليه زيتًا، يسرج فيه، فإن من أهدى له، كان كمن صلى فيه». وإذا كانت الحروب والفقر تمنع البعض فذلك عذر غير مقبول من الخليجيين بل عليهم تسيير قوافل تعزيز لدعم المرابطين والمرابطات لحماية الأقصى، لإفشال تهويد الأقصى. والرد الفلسطيني عبر حماية الأقصى بالأجساد نجح لأنه يحتاج لدعم إسلامي. لكن من الإنصاف القول أن منظمات خليجية تقوم حالياً بكفالة المرابطين والمرابطات، براتب شهري قدره 600 دولار، لتأمين عيش أسرهم ليدافعوا عن الأقصى فهل يكفي ذلك؟! في عقد قادم من عصور الانحطاط سيكتب واعظ جديد أن رئيسة وزراء الكيان الصهيوني «ميري ريجب» قالت عندما وضعت قانون يقضي بمنع رفع الأذان في الأقصى ومعاقبة من يتصدى لاقتحامات اليهود للمسجد، ولو برفع الصوت «لم أنم ليلتها وأنا أتخيل العرب يدخلون علينا أفواجاً من كل صوب، وعندما طلع الصباح ولم يحدث شيء، أدركت صحة ما قالته غولدا مائير عام 1969م، أنه باستطاعتنا فعل ما نشاء فهذه أمة نائمة»
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
*المدير التنفيذي لمجموعة مراقبة الخليج    
 [1].رامي مهداوي.ذكريات الفلسطينيين عن الكويت.رصيف22.22يوليو2015م
http://raseef22.com/life/2015/07/20/palestinian-memories-about-kuweit
[2]. التقسيم الزماني والمكاني والعُمري لاحتلال المسجد الأقصى.مدونة أمن الخليج.5 نوفمبر، 2014
http://gulfsecurity.blogspot.com/2014/11/blog-post.html
[3]. نادر الصفدي.لأول مرة منذ 48 عاماً الأذان لا يُرفع بالمسجد الأقصى.16 يوليو2017م
https://www.noonpost.org/content/18891
[4]. سمر العرعير.ما يعنيه مخطط هدم المسجد الأقصى بعد ثلاث سنوات ؟.الرأي. 20 اغسطس 2016م
http://alray.ps/ar/post/153508/ما-يعنيه-مخطط-هدم-المسجد-الأقصى-بعد-ثلاث-سنوات-؟
[5]. خير الدين أبولجين. منظمة التحرير الفلسطينية تثبت وجودها.
http://www.abuljebain.com/about/
[6]. رامي مهداوي.ذكريات الفلسطينيين عن الكويت.رصيف22.22يوليو2015م
http://raseef22.com/life/2015/07/20/palestinian-memories-about-kuweit/
[7]. تراجع الدور الخليجي تجاه فلسطين.مدومة أمن الخليج ، 23 مايو، 2013
http://gulfsecurity.blogspot.com/2013/05/blog-post_23.html
[8]. مصطفى فؤاد.فلسطين ودول الخليج. الجزيرة نت 26اتوبر 2011م
http://www.aljazeera.net/knowledgegate/books/2011/10/26/فلسطين-ودول-الخليج
[9].بدر الإبراهيم.فلسطين في الخليج: الغياب والتغييب.2 مايو 2016
https://www.alaraby.co.uk/supplementpalestine/2016/5/1/فلسطين-في-الخليج-الغياب-والتغييب
[10].صالح عوض.لاشتباك التركي الإيراني المصري في الخليج وفلسطين.بوابة الشروق . 10 أوت 2017
 [11]. أحمد ملحم.هل يتحوّل قطاع غزّة إلى ساحة صراع بين الإمارات ومصر وقطر؟31 يوليو 2017
 http://www.al-monitor.com/pulse/ar/contents/articles/originals/2017/07/gaza-hamas-deals-egypt-dahlan-uae-qatar-crisis.html
[12]. مزهر الساعدي .قطر .. الخلیج .. فلسطین .. إسرائیل .. في جدید قم الریاض.الصدى نت . 21 يوليو2017
http://elsada.net/47403/ 1/1
 [13]. مزهر الساعدي .قطر .. الخلیج .. فلسطین .. إسرائیل ...الصدى نت . 21 يوليو2017

السبت، 7 أكتوبر، 2017

الحل اللبناني للأزمة الخليجية

د.ظافر محمد العجمي 
تبدو المنظومة المصطلحية لإعلام الأزمة الخليجية وهي تقود إلى توسيع شقة الخلاف إلى ما لا يحمد عقباه. فبعد ما يزيد على مائة يوم من الأزمة مازالت وسائل الإعلام على طرفيها تركز على شعارات ووقائع مجتزئة دون أن تسلط الضوء على كامل المشهد بنزاهة. بل بالمقاربة الانتقائية والاستدعاء الخاطئ لأمور لا تفضي إلى القناعة المحترمة، بل لقناعة واهية يساق فيها المتلقي مع غيره قسراً بشعارات واصطفافات حادة. ويمكن مقارنة ما يحدث من فوضى إعلامية في الأزمة الخليجية بنفس فوضى الإعلام اللبناني قبيل وبعد اتفاق الطائف بقليل، وهي مقارنة مثيرة رغم أنها ستكون بدرجة ما على أرضية لا تتطابق كل الانطباق بين الحدثين. فقد قوبل تعيين المرحوم رفيق الحريري رئيساً للوزراء باستبشار بالخير، بل إن الليرة اللبنانية ارتفعت بنسبة 15%.. وقد تعهد الحريري في وزارته الأولى 1992-1998 بإعادة لبنان إلى ازدهارها. لكن 15 عاماً من الشقاق والانتهازية والخطف والابتزاز ما كانت لتزول من هواء بيروت المثقل بالبارود جراء وصول الحريري للسرايا. حيث كان مانشيت لجريدة النهار كافياً أن يحرك البلد لأيام، وحلقة تلفزيونية كانت كافية لإعادة البراميل وأكياس الرمل لشوارع الأشرفية. لقد تركزت خطة الحريري التي عرفت باسم «هورايزون 2000 « على إعادة بناء لبنان اقتصادياً مع ترميم خطوط تفاهم الفرقاء السياسيين. لكن الإعلام اللبناني كان خارج الحسبة في البداية فقد نادى الرجل بالحرية الإعلامية بالمبدأ على أساس أن وسيلة الإعلام يجب أن تكون حرة في نشر ما تعتقد أنه صحيح. وربما لعلمه أن المؤسسات الإعلامية اللبنانية التي كانت تعتمد على المال السياسي العربي أو الإيراني أو السوري أو الإقليمي لا يمكن كبح جماحها رغم هفواتها الكبيرة التي تصل إلى حد تغيير المواقف 180 درجة. فقد تدنت لغة الحوار في المقالات وفي القنوات التلفزيونية التي كانت تبث محلياً وإقليمياً، وبعضها كان يحمل نفساً ميليشياوياً لا يمكن تجاوزه، مما تطلب ترويض تلك الفوضى.

* بالعجمي الفصيح:

لقد لاحظ المراقب الخليجي أن قنواتنا التلفزيونية الحكومية على طرفي الأزمة أكثر اتزاناً بدرجة ما من القنوات الخاصة المسلحة بالسرعة والإبهار. ولخلق فسحة للقنوات الحكومية لتنتزع شرعية التعبير مدعومة بمظلة المساءلة Accountability، ولتنقية الأجواء الخليجية، نعتقد بجدوى الحل اللبناني للأزمة الخليجية، فقد لجأ المرحوم رفيق الحريري نهاية 1997 لإصدار قرار بوقف الأخبار والبرامج السياسية، في محطات التلفزيون الخاصة، فوضع الغضب أوزاره وتراجع زخم مفجرات الصراع اللامسؤولة.

* المدير التنفيذي لمجموعة مراقبة الخليج

حتى لا تقدم كردستان أوراق اعتمادها عبر الشيطان

د.ظافر محمد العجمي 
في عام 1933، عمم الملك فيصل الأول للمحيطين به «...الموقف خطـيـر، باعتقادي لا يوجد في العراق شعب عراقي بعد، بل توجد كتل بشرية، خالية من أية فكرة وطنية، متشبعة بتقاليد وأباطيل دينية لا تجمع بينهم جامعة، سماعون للسوء ميالون للفوضى مستعدون دائماً للانتقاض على أية حكومة كانت، فنحن نرى، والحالة هذه، أن نشكل من هذه الكتل شعبــاً نهذبه، وندربه، ونعلمه، ومن يعلم صعوبة تشكيل وتكوين شعب في مثل هذه الظروف، يجب أن يعلم عظيم الجهود لإتمام التكوين. هذا هو الشعب الذي أخذت مهمة تكوينه على عاتقي، وهذا نظري فيه... «، والكرد إحدى تلك الكتل البشرية المستعدة للانتقاض على أية حكومة كانت، كما وثق «عبد الخالق حسين - الخراب البشري في العراق» أعلاه. ويعود امتداد الزمن العسكري والسياسي للقضية الكردية لأمرين، هما فشل العسكرية العراقية منذ قاسم تحقيق حسم عسكري ناجز ونظيف، وليس بإبادة قرى بالأسلحة الكيماوية. وثانيهما، عدم الكفاءة السياسية ببغداد حيث تناقضات مواقف المالكي والعبادي، كإقرار البرلمان بمداولة لا تزيد عن ساعتين شرعية قوات الحشد الشعبي كهيكل تحت مظلة الحكومة لمحاربة «داعش»، بينما يرفض نفس الطلب لهيكل البشمركة العسكري طوال عشر سنوات، رغم أنهم قاتلوا «داعش» وحققوا انتصارات أكثر من الحشد الشعبي.

إن المقلق الأهم في قضية الاستفتاء الانفصالي، أنه رغم رفض دول الجوار في تركيا، وإيران، وسوريا، والعراق، لفكرة الانفصال، جاء الإعلان الرسمي الذي استبق به رئيس الوزراء الصهيوني نتنياهو نتائج الاستفتاء المزمع إجراؤه في كردستان ليعلن تأييده لاستقلال الإقليم. ولم يأت تصرف نتنياهو بدون مرجعية للقيم الصهيونية، فدعم تل أبيب للأكراد في سعيهم لإنشاء دولتهم المستقلة يعطي المشروعية لوجود دول غير عربية وغير إسلامية في الجوار الإقليمي للصهاينة، ويحقق فكرة تعويم العروبة والإسلام بتكوين الشرق الأوسط الجديد. أما المثير الآخر، فهو أن الصهاينة يسيرون على حبل مشدود، فهم من جانب يثنون على الدولة العثمانية التي احتضنت بحنان مرة، وبعنف أبوي مرات عدة، شعوب وقوميات غير متجانسة عرقياً أو دينياً أومذهبياً، في نفس المكان الحالي الذي تحاول الصهيونية تسويق إمكانية العيش فيه بسلام كما في أيام السلاطين، في حين ظهرت الانتهازية في أبلغ صورها حين قامت تل أبيب بوصف حزب العمال الكردستاني العسكري منظمة إرهابية إرضاءً للأتراك الجدد. ومن باب انصر أخاك ظالماً أو مظلوماً، نهمس في آذان بغداد: أعطوا الأكراد حقهم من النفط والمياه والفرص، ليبقوا جزءاً العراق العظيم. فتأييد نتنياهو سبب حرج لهم لانتهازيته الفجة.

بالعجمي الفصيح:

ستدفع المصالح السياسية جيلاً قادماً من الكرد لم تروضه آلة القمع العراقية لعقود، و لم ير إلا الكالح من وجوه العروبة، إلى انتهاج مسار غير قابل للارتداد، نحو الانفصال، حتى ولو قدم أوراق اعتماده عبر الشيطان نفسه.

* المدير التنفيذي لمجموعة مراقبة الخليج

لا تسقطوا غصن الزيتون من يده

د. ظافر محمد العجمي
قال طه حسين عن قصائده «لو كتب أشعاره بالفصحى لنسي الناس المتنبي»، ذلك هو شاعر شريف مكة «بديوي الوقداني» المتوفى سنة 1853م، فقد مرّ الوقداني، بسوق الحميدية بمكة فإذا به يستمع لبائع خرز أصوله هندية يلحن قصيدته التي مطلعها «أيامنا والليالي كم نعاتبها» فاستشاط الوقداني غضباً ودخل في شجار مع البائع، ثم قام بالعبث ببضاعته وسواها بالأرض، متناثرة في السوق. اشتكى البائع للشريف فأمر بإحضار الوقداني، فلما مثل بين يديه سأله الشريف: كيف يضرب البائع ويبعثر بضاعته غير مراعٍ لحرمة بيت الله؟! فقال بديوي: يا مولانا لقد بعثر بضاعتي وبعثرت بضاعته. قال الشريف: وما دخل بضاعة الهندي ببضاعتك! قال: الوقداني دعه ينشد قصيدتي يا مولاي، فلمّا سمع الشريف البائع ينشد القصيدة تجهم وجهه، وقال له: إن ما فعله بديوي أقل مما تستحق. لا شك في أن دفاع الوقداني عن بضاعته المعنوية في شرقنا أمر سابق عصره. لكن الدفاع عن البضاعة المعنوية في الغرب يساوي نفس حق الدفاع عن البضاعة المادية، لذا عبرت المستشارة الألمانية أنغيلا ميركل عن نفس الفكرة القائلة إن السياسة ليست مهنة لأحد غير رجال السياسة، وما الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي إلا أداة توصيل. وكأنها تذكر صانع القرار السياسي الخليجي أن «الحلول التفاوضية لا يمكن الوصول إليها في السوق». وتابعت «المفاوضات السرية هي السبيل لحل الأزمة». وحين تنظر إلى جهود الشيخ صباح الأحمد السياسية لحل الأزمة الراهنة يتلبسك انطباع أن لهذا الرجل ثأراً يطالب به ضد كل من يحاول هدم صرح الوحدة الخليجية، ومن يجادلنا في ذلك عليه أن يتذكر أن رجلاً مثله في التسعينات من عمره كان يقوم بزيارة ثلاث عواصم في يوم واحد، ونضيف أنه قام بها في رمضان. والشيخ صباح سيد دبلوماسية الوساطة، التي قضى فيها 40 عاماً، وسياسة المساعي الحميدة بضاعته. حتى يخال للمراقب الخليجي أن من حق الشيخ مقاضاة بعض أصحاب «تويتر» بتغريداتهم المثيرة للفتنة عبر استحواذهم بتحليلات سياسية فارغه لا تعرف الإثبات إلا من خلال النفي، حيث يحتفي بها متابعو الواقعية اللحظية، بلا تفسير كامل.

* بالعجمي الفصيح:

عبرت المستشارة ميركل عن انزعاجها من نبرة الإعلام الخليجي حين قالت «لا أعتقد أننا يمكن أن نحل هذه الأزمة بمفاوضات علنية في ظل ميل قطاع كبير من الناس لإصدار تقييمات للأزمة». ففي ذلك تذكير بحق السياسي في الدفاع عن بضاعته بأضعف الإيمان عبر إحاطتها بالسرية، والشيخ صباح بحاجة إلى أن يدعمه المخلصون من أبناء الخليج بعدم الاحتفاء بالهمهمات المريبة التي تحاول إسقاط غصن الزيتون من يده.

* المدير التنفيذي لمجموعة مراقبة الخليج

Gulf seurity أمن الخليج العربي

Kuwait
تبين هذه المدونة كيف تمتع الخليج بأهمية كبيرة أدت إلى خلق عبء استراتيجي على أهله بصورة ظهرت فيها الجغرافيا وهي تثقل كاهل التاريخ وهي مدونة لاستشراف مستقبل الأمن في الخليج العربي The strategic importance of the Gulf region creates a strategic burden and show a good example of Geography as burden on history. This blog well examine this and forecast the Gulf's near future and events in its Iraq, Iran ,Saudi Arabia ,Kuwait, Bahrain ,Qatar, United Arab Emirates and Oman

أرشيف المدونة الإلكترونية