Gulf security أمن الخليج العربي

الأربعاء، 25 مارس 2015

الخليج بين تنظيم «داعش» وتمرين «حسم العقبان»



د.ظافر العجمي -المدير التنفيذي لمجموعة مراقبة الخليج 

في جنح الليل يتحرك بخفة رجال القوات الخاصة مسلحين وملثمين لانتزاع برج المراقبة من جماعة إرهابية تحتجز بعض المدنيين، وتطالب بفدية مالية وبإطلاق سراح بعض السجناء السياسيين، كما تطالب بتوفير طائرة نظير إطلاق سراح الرهائن. 
لقد اعتقد الإرهابيون أن لهم اليد العليا في إدارة الأمور، لكن رجال القوات الخاصة بمهاراتهم العالية وضعوا خطة لقلب الأمور لصالحهم، حيث هاجمت القوة المشكلة من جنود من الكويت والأردن والإمارات وأمريكا برج المراقبة من أكثر من جهة، ونجحت في القضاء على الإرهابيين الخمسة وتحرير الرهائن دون إصابات، لقد كانت هناك فروق بين رجال القوات الخاصة في شاراتهم وبدلاتهم المختلفة الشكل والتصميم لاختلاف بلدانهم، لكنهم كانوا فريقاً واحداً يخوضون معركة واحدة، أو هذا ما أظهرته القصة التي نشرت ضمن أدبيات تمرين حسم العقبان 2013م.
إن شعار «دول عدة فريق واحد لخوض معركة واحدة» هو من المشهيات المعنوية لتحقيق المطلوب من تمرين حسم العقبان «Eagle Resolve Exercise»، الــــــــذي بدأ أول مرة في البحرين عام 2000م، ويعقد هذه الايام في الكويت حتى نهاية شهر مارس الجاري، والتمرين جهد ضخم ويهدف لتعزيز التعاون بين دول مجلس التعاون والدول الشقيقة والصديقة التي بلغت أكثر من 22 دولة، وينفذ التمرين على ثلاث مراحل هي مرحلة تمرين مراكز القيادات «Command Post Exercise «CPX ومرحلــــــة التمريـــــن الميدانــي «FTX Field Training Exercise» علـى أن تختتم فعالياته بإقامة ندوة دولية لكبار القادة لتبادل واكتساب الخبرات في مجال ادارة العمليات المشتركة وتنسيق التعاون في مجالات عدة؛ منها إدارة الأزمات والكوارث ومكافحة العمليات الإرهابية.
وهنا نتفق مع القائمين عليه بأن التمارين العسكرية هي أحد أضلاع النصر مع الانضباط والقيادة، وهي استثمار خليجي ناجح، فبالتمارين تبرز كفاءة القوات القتالية ويرتفع مستوى الجاهزية والقدرة على التنسيق والمعاونة الإدارية واللوجستية، كما أن التمارين تعقد لإظهار حداثة الأسلحة وكثافتها النارية، فتكتسب السياسة الخارجية للدولة قوة نفوذ تحقيق به أهدافها الوطنية وتخلق ردعاً سياسياً بغطاء عسكري.
ويتزامن مع تمرين «حسم العقبان» بنسخته «13» قلق خليجي من تنظيم «داعش»، فأين دور تمرين حسم العقبان فيما يجري؟!
لقد تكونت من حولنا مستنقعات التهديد ولم تجففها واشنطن، بل أمعنت في تغذية بعضها من جداول التردد، وانحصرت التمارين ليس في مواجهة خطر جيش نظامي، بل لمواجهة العمليات الارهابية حصرياً، ويكمن الخطأ الاميركي في تصوير «داعش» كجماعة إرهابية، بينما يقول الواقع ان التنظيم يملك آلة عسكرية ضخمة تفوقت على جيوش القوى الإقليمية المحيطة في مجالات المناورة وكثافة النيران وخفة الحركة، ثم حقق نصره الأكبر بآلته الإعلامية التي شرعت أبواب التطوع على مصراعيها لشذاذ الآفاق. لقد ظهرت خطيئتنا الخليجية في الانقياد للفكر الأميركي دون نقاش رغم كارثية اعتبار «داعش» جماعة إرهابية، كما أشرنا، وهي بقدرات جيش نظامي متمرس، ومع ذلك لا يبدو أن مخرجات التمرين من السنوات الماضية قد نجحت في وقف خطر داعش.
وعليه فليس من المتأخر ضبط حدود الاختلاف مع حلفائنا الأميركان، فقد سموا التمريــن «Eagle Resolve Exercise»؛ ولمكانة النسر الوضيعة في مخيلة العرب لكونه طائراً جباناً يأكل الجيف، لم نسم التمرين «حسم النسور» بل «حسم العقبان»، لأن العقاب غير النسر، فالعُـقاب ملك الطيور بلا منازع لا يأكل إلا من صيده، وقد تفهم حلفاؤنا ذلك واستدركوا الأمر لنكتشف أن المترجمين العرب الأوائل هم من ترجم كلمة «Eagle» إلى نسر بدل عقاب، رغم نبل صفات الطائر الأميركي. 
فإذا كان «داعش» خطراً يفوق خمسة إرهابيين يحتلون برج مراقبة، وإذا كان الأميركان متفهمون عند الإصرار على تصحيح الإعوجاج؛ فلماذا يبقى تطور مهارات رجالنا لا يتعدى مكافحة الإرهاب بدل وقف جيش نظامي؟!

الاثنين، 23 مارس 2015

موقف دول الخليج من التطورات الراهنة في اليمن

موقف دول الخليج من التطورات الراهنة في اليمن
آخر تحديث : الإثنين 23 مارس 2015   14:38 مكة المكرمة
(الجزيرة)
ملخص
يحاول الباحث في هذه الورقة أن يجيب على تساؤلٍ مفاده: هل يكمن سبب الأزمة اليمنية التي أحدثت انقلابًا حادًّا في المشهد الجيواستراتيجي في جنوب شبه جزيرة العرب في "جماعة الحوثي"؟ ويحاول أن يسلط الضوء على أسباب الأزمة الراهنة التي يمر بها اليمن، حيث يرى أنّ من أهمها: 
  • وفرة السلاح وعلو مفهوم المذهب والقبيلة في المجتمع اليمني، واتِّساع رقعة الفساد وتردِّي الخدمات الأساسية وتدهور الأمن، واستمرار السلطة الجديدة في ممارسة الصور القديمة نفسها.
  • الأزماتُ المعيشية التي استغلَّها الحوثيون في تظاهراتهم واعتصاماتهم في العاصمة صنعاء بعد رفع الدعم عن المشتقات النفطية.
  • الأطراف الداخلية الأخرى التي تُحَرِّك الأزمة اليمنية والتي من أهمها: اللقاء المشترك وحزب المؤتمر الشعبي العام، والحراك الجنوبي وقوى ثورية أخرى مختلفة (إسلامية وليبرالية). 
  • القوى الإقليمية الخارجية التي تمتلك استراتيجيةً وأهدافًا محددة وتسعى للتاثير على الأطراف المتصارعة في الداخل اليمني.
كما يرى الباحث أن المستجدات الإقليمية تحتم على الخليجيين أن يتحولوا من مرحلة "تأدية الدور" إلى إلزام أنفسهم بواجب الوقوف إلى جانب اليمن لإخراجه من أزمته، ليس بالمساعدة المادية فحسب، بل السياسية أيضًا؛ وذلك من خلال طرح مبادرة براغماتية تتعامل مع الواقع ولا تحيّد أي طرفٍ من أطراف المشهد السياسي في اليمن؛ يكون هدفها تشكيل حكومة إنقاذ وطني تمسك بزمام الأمور، وتقود حوارًا سياسيًّا يستهدف تفكيك الأزمة والحيلولة دون انهيار الدولة. كما أنّ الحفاظ على الرئة الجنوبية لليمن من خلال الاعتراف بحق عدن في السيادة ولو بشكلٍ مؤقت قد يكون ضرورةً في هذه الفترة.
أخيرًا، يخلص الباحث إلى تقديم عددٍ من السيناريوهات لمسارات الأزمة التي تهز اليمن منذ أن سيطر الحوثي على مفاصل الدولة اليمينة، ولعلّ من أهم تلك السيناريوهات الممكن وقوعها حسب الباحث:
  • اندلاع الحرب الأهلية بين جماعة الحوثي من جهة وبين الفصائل الإسلامية السنية من جهة أخرى.
  • تحول جماعة الحوثي -بدعمٍ من طهران- إلى حزب سياسي مسلح على غرار حزب الله اللبناني.
  • اندلاع ثورة يمنية حقيقية يكون وَقُودُها غضب الشباب اليمني، ما سيؤدي إلى انهيار جماعة الحوثي.
  • التدخل الخليجي المباشر تحت غطاءٍ أممي.
مقدمة
نجح الحوثي بعد استقاوئه بإيران في حصار العاصمة صنعاء، وتأزَّمت الأوضاع بعد سيطرته على الوزارات وفرض الإقامة الجبرية على الرئيس الشرعي للبلاد ورئيس حكومته، ثم صدور الإعلان الدستوري، ليعقبها انتقال الرئيس اليمني إلى عدن، حيث تبعه وزراء آخرون؛ منهم وزير الدفاع اللواء محمود أحمد سالم الصبيحي، لتهب من بعدها ردة فعل محلية وخليجية وعربية ودولية غاضبة.
الأزمة اليمنية.. أسبابها وأطرافها
بجانب سيارة ذات دفع رباعي، نُصب على ظهرها رشاش عيار 60 ملم، يقف في وسط العاصمة اليمنية صنعاء رجلٌ أشعث في وسطه خنجر، ويتدلى من على كتفه رشاش كلاشنكوف، وبجانبه لوحة كتب عليها شعار الحوثيين: "الله أكبر، الموت لأميركا، الموت لإسرائيل، اللعنة على اليهود، النصر للإسلام". فهل وجود هذا الرجل أمامنا في هذا المكان بهذا الشعار هو سبب الأزمة اليمنية التي أحدثت انقلابًا حادًّا في المشهد الاستراتيجي في جنوب شبه جزيرة العرب؟ لقد توالت فصول الأزمة اليمنية بمتغيرات سريعة تقطع الأنفاس، حتى تكاد أسباب الأزمة الراهنة أن تفلت من يد المراقب الذي يستطيع أن يعدد منها:
  • حاضنة البؤس البشري الآخذ في التشكُّل حاليًّا على هيئة أزمة في اليمن، هي نتاج تراكم سنين طويلة من الفقر والفوضى واختلال الموازين الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والثقافية، وعِلَل اليمن القديمة كوفرة السلاح وعلو مفهوم المذهب والقبيلة(1)، يضاف إليها اتِّساع رقعة الفساد، وتردِّي الخدمات الأساسية وتدهور الأمن، واستمرار السلطة الجديدة في ممارسة الصور القديمة نفسها، فمجمل الحلول لا يخرج عن شراء الذمم وتوزيع الرتب والمناصب بالترغيب والترهيب.
  • تُعتبر الانتفاضة اليمنية وما رافقها من أحداث واحدةً من انتفاضات الربيع العربي الطويلة، فالأزمة الراهنة ما هي إلا امتداد لأحداث الانتفاضة التي بدأت بثورة الشباب اليمنية في 11 فبراير/شباط 2011 كسلسلة من الاحتجاجات الشعبية، منادية بإسقاط منظومة حكم الرئيس المخلوع علي عبد الله صالح؛ الذي اضطر إلى توقيع المبادرة الخليجية في 23 من نوفمبر/تشرين الثاني 2011؛ ومن ثمَّ التنحي عن الحكم.
  • تميزت الانتفاضة اليمنية بنجاحها في عقد صفقة جيدة بالنسبة إلى اليمن(2)؛ تمثَّلت في رحيل الرئيس صالح عن سدة الحكم مُحَصَّنًا من العقاب نظير حقن الدماء؛ لكن بقاء رجاله بقوتهم في المشهد اليمني أفسد جزءًا من تلك الصفقة، وهذا من أقوى أسباب الأزمة الحالية؛ حيث مهَّد ذلك إلى عودة صالح إلى المشهد من خلال تحالفه مع جماعة الحوثي.
  • من أسباب الأزمة الحالية أيضًا، الأزماتُ المعيشية التي استغلَّها الحوثيون في تظاهراتهم واعتصاماتهم في العاصمة صنعاء بعد رفع الدعم عن المشتقات النفطية، ومطالبتهم بإلغاء قرارها، بالإضافة إلى إسقاط حكومة الوفاق الوطني، وتنفيذ مخرجات مؤتمر الحوار الوطني الشامل؛ حيث وجد الحوثي تأييدًا من قطاعات كبيرة في المجتمع اليمني جراء ارتفاع نسبة الفقر إلى 54.5% وزيادة البطالة إلى 60% بين شريحة الشباب(3).
  • كثرة الأطراف الداخلية التي تُحَرِّك الأزمة اليمنية من غير جماعة الحوثي، فقبل دخول الحوثي صنعاء تقاسم حقائب حكومة الوفاق الوطني تكتُّلا اللقاء المشترك وحزب المؤتمر الشعبي العام، وقد تصاعد الجدل بينهما حول مَنْ يتحمَّل مسؤولية الأزمة الاقتصادية؛ التي أفضت إلى استيلاء جماعة الحوثي على مفاصل الدولة. وعند تفكيك الساحة السياسية الداخلية في اليمن نجد أن الدولة العميقة يمثلها كلٌّ من حزب المؤتمر الشعبي العام "النظام السابق"، والحراك الجنوبي وقوى ثورية مختلفة (إسلامية وليبرالية). إن معظم تلك الأطراف تدعمها قوى إقليمية مختلفة لديها استراتيجيتها وأهدافها التي تسعى لتقريبها أو إبعادها عن الأطراف الخارجية؛ سواء تلك التي تتعاطف مع الإخوان المسلمين (تجمُّع الإصلاح)، أو التي تدعم جماعة الحوثي (إيران)، أو التي تتقرَّب من الرئيس المعزول علي عبد الله صالح أو من الحراك الجنوبي(4).
على الرغم من أن اليمن بلد يغص بالأزمات السياسية والاقتصادية، فإن حصار الحوثيين ثم دخولهم صنعاء قد أدّى إلى بوادر سقوط الدولة اليمنية مع ما له من تبعات؛ كان أولها استقالة رئيس الجمهورية عبد ربه منصور هادي ورئيس وزرائه خالد بحاح؛ حيث شكَّل ذلك ضربة قاصمة لشهية الحوثيين المنفتحة بقوة، ليختم مشهد مآسيهم تمكُّن الرئيس عبد ربه منصور هادي من الخلاص من قبضتهم ووصوله إلى عدن، وإعلانه الاستمرار بقيام حكومته بمهامها من مدينة عدن، وهو ما أوقف استكمال مخططات الحوثيين، ووضعهم في مواجهة مباشرة مع الشعب من جهة والمجتمع الدولي من جهة أخرى(5)، ما أدّى إلى إعلانهم في 16 من مارس/آذار 2015 إطلاق سراح رئيس الوزراء اليمني السابق خالد بحاح وعدد من وزراء حكومته؛ وذلك بعد وضعهم رهن الإقامة الجبرية لمدة شهرين(6).
الكانتونات القبلية
كاد اليمن على وشك أن يدخل في حرب أهلية حين حاصر جماعة الحوثي العاصمة صنعاء؛ حيث زاد دخول تلك الجماعة من تعقيدات الموقف؛ وهناك مؤشرات تدلُّ على تشكُّل كانتونات قبلية أو فئوية؛ من أهمها:
  • أظهرت الشبكات القبلية والطائفية تفاعلاً خطيرًا مع الأزمة، عبر الاستيلاء على الأسلحة وتكديسها؛ ردًّا على قيام الحوثي بنقل عدد من الطائرات العسكرية من ميناء محافظة الحديدة إلى محافظة صعدة(7)، كما قام مسلحو بعض القبائل بالسيطرة على الكتائب والألوية العسكرية القريبة منهم؛ وذلك في سباق مع جماعة الحوثي على جمع غنائم الجيش اليمني المفكك؛ بل إن بعض الوحدات العسكرية سلَّمت أسلحتها ومعداتها دون مقاومة كما حدث لكتيبتين عسكريتين تابعتين للواء الـ19 في منطقة عسيلان بمحافظة شبوة(8).
  • رافق الاستيلاء على الأسلحة في مناطق متفرقة من اليمن حركة تشكيل حاميات شعبية لتأمين حدود مناطق معينة؛ ومن ذلك إعلان قبائل حضرموت وشبوة أنها لن تسمح بتحوُّل المحافظتين إلى ساحة للصراع على خلفية ما يحدث في صنعاء، وقرَّرت تلك القبائل تشكيل لجان أمنية لمنع الانفلات الأمني بالمحافظتين(9).
وبالإضافة إلى الاستيلاء على السلاح وتحديد مناطق النفوذ القبلية، هاجم مسلحون قبليون مواقعَ عدةٍ لمسلحي جماعة الحوثي؛ بل إن عددًا من القبائل قامت بمهاجمة مواقع عسكرية موالية للرئيس المخلوع علي عبد الله صالح، وهو ما يقود إلى الاعتقاد بتكرار السيناريو الليبي، وتقسيم اليمن إلى «كانتونات» بينها إمارة إسلامية يحكمها تنظيم القاعدة، وجمهورية إسلامية، وأخرى إسلامية حوثية.
إن التردُّد الإقليمي والدولي سيُعَمِّق جراح اليمن بدرجة تستعصي معه الحلول المعروفة في مثل هذه الصراعات؛ كتسليم الميلشيات القبلية لسلاحها، أو محاولة ربط القوات المسلحة القبلية بما فيها جماعة الحوثي بمؤسسات الدولة العسكرية من دون حلِّها؛ وذلك من خلال تشكيل ألوية وكتائب جديدة تعمل مع الجيش؛ كالحلِّ المزمع تنفيذه في العراق من خلال دمج أفراد عدد من القبائل العراقية ضمن وحدات للحرس الوطني.
لقد ضمَّ جنوب اليمن في السابق أكثر من 12 كيانًا بين مشيخة وسلطنة إلى أن تشكَّلت جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية في وحدة قسرية؛ استعانت خلالها بالاتحاد السوفيتي السابق لتكون دولة اشتراكية ذات حزب واحد؛ لكن نزعة التشظي ستكون في الشمال أكثر منها في الجنوب خلال هذه الأزمة، فوصول الرئيس هادي إلى عدن وتدثُّرها بزي العاصمة وَحَّد أطرافها إلى حدٍّ ما، مقارنة بشمال فوضويٍّ وممزَّقٍ وموزَّعِ الولاءاتِ ويستشري فيه الفساد؛ حيث تحدَّثت بعض المصادر اليمنية عن توسُّع الحوثيين في ضخِّ الأموال لشراء ذمم بعض رجال القبائل(10).
موقف دول الخليج من الأزمة اليمينة
لا يبدو متأخِّرًا كبح النزعة الفوضوية التي طبعت الأحداث في تعامل دول الخليج العربي مع الأزمة اليمنية. لقد وقعت صنعاء في بحثها عن الاستقرار بين مطرقة محدودية قدرات المبعوث الأممي، وبين سندان إطلاق العنان لمبادرات خليجية غير محسوبة العواقب، وكأنها تعويض نقص للخليجيين؛ بعد أن كانت العواصم الغربية هي صاحبة المبادرات ودول الخليج هي صاحبة ردود الفعل. فمن النقاط المرجعية لمحدودية قدرات كلِّ مبعوث أممي عربي تكرار السيد محمد البرادعي جملة: "لم نجد شيئًا حتى الآن"، "نحتاج إلى مزيد من الوقت"، وذلك بعد كل جولة تفتيش في العراق حتى دخل المارينز ساحة الفردوس؛ ثم حين كُلِّف البرادعي بقضية النووي الإيراني لقي الفشل نفسه بين عبارات: "وثائق ناقصة"، و"أسئلة معلقة". التي طرز بها تقاريره.
أما الأخضر الإبراهيمي مبعوث الأمم المتحدة والجامعة العربية إلى سوريا؛ فقد تبنَّى الخيارات السطحية في معالجة القضايا البنيوية؛ حيث ركز على الانتخابات الرئاسية فيما الأسد يلقي البراميل المتفجرة على شعبه الأعزل. وعليه لم يختلف المبعوث الأممي لليمن جمال بن عمر عن سابقيه؛ فقد أعلن أن اليمن قد أصبح "في مهب الريح"، معبرًا عن يأسه قبل تصويت مجلس الأمن على القرار الخليجي في 15 من فبراير/شباط 2015، ودون أن يلاحظ قبل إعلان يأسه مؤامرات الرئيس المخلوع علي عبد الله صالح، أو أن يسمع طلقات جماعة الحوثي وهم في طريقهم إلى العاصمة صنعاء.
إن انتقال المفاوضات التي سيشرف عليها المبعوث الأممي إلى الرياض بالإضافة إلى حوار آخر يجري بالتوازي في صنعاء، لا يُعتبر مشجِّعًا؛ وإن تجاوزنا معضلة حوارين في عاصمتين مختلفتين؛ فإنه لا يمكن تجاوز أن مَنْ يُشرف على كلا الحوارين قد فشل في التوصُّل إلى مخرجات حوارٍ واحدٍ، كما أن تبلور الدعوة الخليجية في الاجتماع الوزاري الذي عُقد في 14 من فبراير/شباط 2015 في المطالبة بقرار أممي يضع اليمن تحت الفصل السابع مجال استفسار أيضًا؛ فهل كانت المطالبة باستخدام الأعمال العسكرية هي نتيجة موقف تفاوضي اقترحه الخليجيون حتى تتراجع جماعة الحوثي عن إعلانها الدستوري وعودة الحكومة الشرعية ؟ أم هي دعوة أصيلة يُراد منها فرض حصار اقتصادي وعزلة دبلوماسية وتدخُّل عسكري دولي لإرجاع الغاصبين إلى صعدة؟
إن لكلا الأمرين آثارًا سلبية؛ فالتدخل العسكري الدولي في جزيرة العرب خطيئة استراتيجية تتحملها دول الخليج حين تنفتح الأبواب أمام الجماعات الجهادية المتشدِّدة بذريعة فريضة الجهاد، وهو ما قد يؤدي إلى تحوُّل اليمن إلى أفغانستان الجزيرة العربية؛ كما أن بيئة العلاقات الدولية غير مهيأة لمثل هذا القرار؛ فموسكو تواجه في أوكرانيا حالة مماثلة؛ حيث يُشبه فِعْل أنصارها ما يقوم به الحوثيون في اليمن، ومن المرجح أن تستخدم حقها في النقض "الفيتو" على مثل هكذا قرار. أما بكين فستراعي طهران، كما ستراعي موقفها المنسجم مع توجهها الرافض للهيمنة الغربية على القرارات الأممية تحت البند السابع؛ وعليه لابدَّ من التساؤل: هل ما زال اليمن بحاجة إلى مفاوض عاجز؟ كما أنه لابدَّ من معرفة أنه لن تنجح في اليمن مبادرة لا تخدم مصالح أعضاء مجلس الأمن ودول الجوار الإقليمي؛ فلن يردع الحوثي إلا مبادرة يمنية شاملة تلقى دعمًا خليجيًّا أمميًّا(11).
دول الخليج في الأزمة اليمنية: تأدية دور أم تنفيذ لواجب؟
بحثت دول الخليج عن مصالحها في اليمن من خلال خلق أدوار اقتصادية وسياسية لها في فترات متباعدة؛ لكن الأزمة الحالية الخانقة وفقدان الثقة بين أطياف العمل السياسي اليمني، كل ذلك أدى إلى احتدام الصراع في البلاد، كما أنَّ دخول طهران في اليمن عبر بوابة الحوثيين، وظهور مستجدات إقليمية حادَّة تحتم على الخليجيين أن يتحولوا من "تأدية الدور" إلى إلزام أنفسهم بواجب الوقوف مع اليمن لإخراجه من أزمته، ليس بالمساعدة المادية فحسب، بل السياسية أيضًا؛ وذلك من خلال التالي:
• مبادرة براغماتية
لقد تمَّ الاتفاف على المبادرة الخليجية الأولى التي أدَّت إلى التوصل إلى اتفاق يتنحى بموجبه الرئيس المخلوع علي عبد الله صالح عن كرسي الرئاسة، وتم تسييس مخرجاتها(12)؛ حيث اعتبرها اليمنيون بعد خيبة أملهم مبادرة غير محسوبة. كما أن حوار الرياض المزمع عقده تحت مظلة المبادرة الخليجية هو فرصة لمبادرة جدية، ذات محاور جريئة خارج الخطوط المتعارف عليها بالعداء للحوثي؛ فالمطلوب إذًا مبادرة براغماتية(13) تتعامل مع الواقع كما هو، ومع كافَّة أطراف المشهد السياسي في اليمن؛ مبادرة ليست في قطيعة مع الحوثيين أو غيرهم لتشكيل حكومة إنقاذ وطني تمسك بزمام الأمور، وتقود حوارًا سياسيًّا يستهدف تفكيك الأزمة والحيلولة دون الانهيارات.
• الحفاظ على الرئة الجنوبية
في الحالة اليمنية الراهنة نجد أنفسنا أمام حالة سرطانية تتوسَّع لتُفَتِّت نسيج الدولة على كافة الأصعدة؛ وقد يكون من الحصافة أن يسعى الخليجيون إلى المحافظة على الرئة الجنوبية لليمن؛ وذلك من خلال الاعتراف بحق عدن في السيادة؛ فالاعتراف بعدن عاصمة لكل اليمن لن يتعدى شكل تايوان حين فرَّ إليها أعداء الشيوعية من البر الصيني.
سيناريوهات الأزمة اليمنية
يرى الباحث أن الأزمة في اليمن يمكن أن تؤول إلى أحد المسارات التالية:
  • الحرب الأهلية بين جماعة الحوثي من جهة وبين الفصائل الإسلامية السنية من جهة أخرى؛ حيث سيلقى كل طرف دعمًا خارجيًّا، وتكمن خطورة الأمر في ارتفاع قابلية حدوث الحرب الأهلية؛ ثم تحوُّل اليمن إلى دولة فاشلة يديرها زعماء ميلشيات على غرار ما حدث في الصومال؛ فمؤشر التنمية البشرية في اليمن منخفض جدًّا، وتحتل الجمهورية اليمنية المرتبة 164 من 182 دولة في تراتبية الدول الفاشلة(14)، ويدعم فرضية الحرب الأهلية انتقال السلطة الشرعية إلى عدن، وانتقال غرماء جماعة الحوثي إليها، وهو ما يعطي الحوثي مبررًا لتوصيفها بحرب يمنية بين الشمال والجنوب.
  • امتداد الأزمة ومحاولة جماعة الحوثي -بدعمٍ من طهران- التحول إلى حزب سياسي مسلح على نسق حزب الله اللبناني، الذي يملك الثلث المعطِّل في مجلس النواب، مع استمرار اللاعبين السياسيين الآخرين في الساحة؛ ولو كانوا بحالة ضعف مهينة؛ حيث من الممكن أن تتجلَّى في اليمن الانتهازية السياسية كطبيعة بشرية؛ لكنها لن تكون انتهازية يمنية صرفة؛ حيث سيمدُّ كل طرف في المشهد اليمني يده طالبًا المساعدة من طرف خارجي، وسيتصاعد الجدل بين تلك الأطراف حول من يتحمل مسؤولية الأزمات الاقتصادية والسياسية، وهو ما سيقود إلى استمرار اليمن كمستودع للبؤس البشري مع ارتفاع معدلات الفقر فيه.
  • انهيار الحوثيين إذا قاتلهم الشعب من خلال قيام ثورة يمنية حقيقية وَقُودُها غضب الشباب اليمني المنشغل بمستقبل بلاده، لتعود الأمور إلى نصابها؛ حيث لم يَخْلُ التاريخ اليمني من تظاهرات وانقلابات وثورات، قد يكون سيناريو قيام ثورة حقيقية في اليمن نتاجًا لتشرُّب المشهد السياسي بحالة فشل المؤتمرات والحوارات والاتفاقيات بين السلطة والأطراف المعارضة، ولغياب الشباب المستقلين والوطنيين الحقيقيين، ولغموض كثير من بنود الاتفاقيات التي تُبرم لتغليب مصلحة المتصارعين على حساب مصلحة الشعب اليمني نفسه(15).
  • التدخل الخليجي المباشر؛ فقد أكَّد وزراء خارجية دول مجلس التعاون الخليجي في البيان الذي صدر عن اجتماعهم مؤخرًا، رفضهم الإعلان الدستوري للميلشيات الحوثية، ودعوا لاستصدار قرارٍ يضع اليمن تحت الفصل السابع(16). تبع ذلك مباركتهم لقيام حكومة يمنية شرعية في عدن، اعترفوا بها ونقلوا سفراءهم إلى حيث تعمل (عدن)؛ وعلى الرغم من اختلاف الحالة؛ فإن التدخل الخليجي المباشر في البحرين من قِبَل قوات درع الجزيرة قد يُشَجِّع على تكراره في اليمن، بالرغم من أن اليمن ليست عضوًا في منظومة مجلس التعاون الخليجي.
إن عدم تبني مجلس الأمن لقرار يضع اليمن تحت البند السابع لا يعني نهاية الحل العسكري؛ فقد تحوَّل حلف شمال الأطلسي بأسلحته ورجاله إلى "قناة غربية" مسلحة لتجاوز العراقيل التي تضعها روسيا والصين أمام "البند السابع". كما أن محاولة استصدار قرار أممي للتدخل العسكري قد تتكرر بناء على مبدأ مسؤولية الحماية (R2P - R to P)، حيث تفقد الدولة سيادتها حين تفشل في حماية مواطنيها(17). كما أن هناك مدخلَ حمايةِ المصالح في حال السيطرة كلِّيًّا من قِبَل جماعة الحوثي على مضيق باب المندب؛ حيث إنه من مهام قوة التدخل السريع الخليجية المشتركة التي تشكَّلت بقرار مجلس التعاون الخليجي في عام 2009 بدعم مصري وأردني أن تقوم بحماية مصالح كلا الطرفين الحيوية لتأمين الممرات المؤدية إلى قناة السويس وخليج العقبة، وهي خطوة من المُتوَقَّع أن تدعمها كل من الولايات المتحدة الأميركية والاتحاد الأوروبي في حال تبنِّيَها.
كما قد يكون للتدخل الخليجي المباشر وجه آخر يتمثَّل في حرب اقتصادية على جماعة الحوثي؛ التي باتت تسيطر على العاصمة صنعاء؛ وذلك عبر وقفٍ تامٍّ للمساعدات والمنح التنموية التي تمثل 70% من إجمالي الموارد المالية اليمينة، وسحب الودائع وتجميد الاستثمارات، ثم فرض قيود على تحويلات المغتربين اليمنيين بالخليج.
الخاتمة
لابُدَّ لدول الخليج أن تتحمل مسؤولياتها تجاه ما يجري في اليمن، وبحكم المنطق الداخلي للأحداث في صنعاء فإنه لا يمكن الركون لما هو قائم حتى الآن من جهود المبعوث الأممي، أو إلى مبادرات خليجية غير محسوبة العواقب، كما أن أي نوع من التعاون مع العالم الخارجي لحل قضية اليمن يستلزم إطارًا واضح المعالم حتى لا تتحول جبال اليمن إلى مغارات تورابورا جديدة يُصَفِّي فيها الغرب حساباته مع الإرهاب دون التفات إلى مصلحة اليمن أولًا ودول الخليج ثانيًا.
بناءً على ما تقدَّم، فإن التزام دول الخليج بطرح مبادرة براغماتية هو بمثابة الواجب، كما أنَّ الحفاظ على الرئة الجنوبية بدل خسارة اليمن برمته أمرٌ ينبغي أخذه على محمل الجدِّ. إن تدخلًا خليجيًّا مباشرًا في اليمن أمر فيه الكثير من المخاطر؛ لكن مناورة الحوثيين في 12 من مارس/آذار 2015 على الحدود السعودية بدعم إيراني ما هي إلاَّ مدخل لتطبيق "استراتيجية المناورات" التي تنتهجها طهران، وما جرى كان مناورة عسكرية استفزازية لدول الجوار فيها ما يكفي لحمل الرسائل السياسية والعسكرية لدول الخليج العربي(18).
___________________________________________
د. ظافر محمد العجمي: المدير التنفيذي لمجموعة مراقبة الخليج.
الهوامش
(1) مروان عبدالمولى، "السلاح والفساد والجهل.. أسباب رئيسية في أزمات اليمن"، أخبار اليوم 18 من يناير/كانون الثاني 2015.
(2) "الآفاق المستقبلية لانتقال سلمي للسلطة في اليمن"، حلقة نقاش لمركز بروكنغز الدوحة في 22 من ديسمبر/كانون الأول 2011م.
(3) جريدة الحياة اللندنية 24 من أغسطس/آب 2014م.
(4) توفيق السيف، "جيراننا الدواعش"، جريدة الشرق الأوسط 4 فبراير/شباط 2015م.
(5) عبد الحكيم هلال، "الأزمة اليمنية بين المتغيرات السعودية والوسيط العماني" الجزيرة نت، 2 من فبراير/شباط 2015م.
(6) http://www.nytimes.com/2015/03/17/world/middleeast/houthi-rebels-release-yemeni-officials-from-house-arrest.html?_r=0
(7) "طائرات سوخوي في قبضة الحويين"، جريدة الشرق الأوسط اللندنية، 18 من فبراير/شباط 2015م.
(8) "مقتل عشرات الحوثيين بمعارك مع قبائل البيضاء"، الجزيرة نت، 14 من فبراير/شباط 2015م:
http://tinyurl.com/oft9h3l
(9) "حضرموت وشبوة تقرر تشكيل لجان أمنية لمواجهة الحوثي"، اليمن برس. 18 من فبراير/شباط 2015م.
(10) http://www.yemen-24.com/news7660.html
(11) د. ظافر العجمي، "اليمن بين قصور المبعوث والمبادرة"، العرب القطرية، 18 من فبراير/شباط 2015م:
http://tinyurl.com/k2rlw2e
(12) "صالح" يطالب دول الخليج بمساعدة اليمن للخروج من الأزمة الحالية، 28 من نوفمبر/تشرين الثاني 2014م:
http://www.vetogate.com/1350231
(13) توفيق السيف، "جيراننا الدواعش"، جريدة الشرق الأوسط، 3 من فبراير/شباط 2015م:
http://tinyurl.com/onqzyce
(14) تقرير الشفافية الدولية المعني بالفساد لعام 2011م:
Transparency International's 2011 corruption index
(15) عبد العزيز العقاب، "أسباب فشل الاتفاقيات والحوارات اليمنية، صحافة يمن، 20 من يناير/كانون الثاني 2015م.
(16) العربية نت، 14 فبراير/شباط 2015م:
http://tinyurl.com/mrsqh3r
(17) The Responsibility to Protect (R2P or RtoP) is a proposed norm that sovereignty is not an absolute right, and that states forfeit aspects of their sovereignty when.
(18) الخليج بانتظار مناورات إيرانية حوثية مشتركة:
http://www.alwatannews.net/ArticleViewer.aspx?ID=cAJ4bK4K1CdH733337ypGm8w9vw933339933339

الأربعاء، 18 مارس 2015

الخليج بانتظار مناورات إيرانية حوثية مشتركة


د. ظافر محمد العجمي


تتراكم كثبان من التحديات على الحدود الخليجية من جميع الجهات، ولعل آخرها تحرك آلاف من العسكريين التابعين لجماعة الحوثة في مناورة لهم بعد ظهر الخميس 12 مارس 2015م بمنطقة «كتاف» التابعة إدارياً لمحافظة صعدة على حدود نجران السعودية، وكان هدف المناورة الاستعداد لأي تحديات، وتحديث العملية العسكرية، كما قال ناطقهم الرسمي.
وقد أتت المناورة في أتون سياقات سياسية تظهر ما لا يقبل الجدل أنها كانت تجاوباً مع مطالب إيرانية لإجرائها لقيت ترحيباً حوثياً في سياق التقرب لطهران، لكي تسخى بالدعم الاقتصادي للوفد الذي تجاوزت زيارته الأيام العشرة، وشهد توقيع اتفاقات عدة وتجديد للولاء. 
توقيت المناورة الذي تستمد منه حمولتها الرمزية يتمثل أيضاً في تزامنها مع مناورات إيرانية في مضيق هرمز، والتي رغم ضجيجها إلا أن طهران لم تنجح في إظهار قوتها فيها بقدر ما تحاول أن تخفي بتلك المناورات ضعفها أمام الولايات المتحدة التي كانت هي المقصودة بها؛ رغم الادعاء بأنها لاختبار أسلحة جديدة، حيث فضحتها تصريحات العسكريين الإيرانيين، إذ تجدر الإشارة هنا إلى أنه بعكس معظم الدول نجد أن تصريحات عسكر طهران أكثر من تصريحات السياسيين فيها.
فالمناورات الإيرانية هي رسائل لواشنطن بالدرجة الأولى في جهد مواز للمفاوضات النووية، كما إنها رسائل سياسية لمن يستخدم مضيق هرمز، ورسالة لدول (1+5) التي تتناثر قطعها العسكرية في مياه وعلى ضفاف الخليج العربي. 
الفرق بين المناورات الإيرانية والحوثية هو في الحجم؛ حيث تشترك في الإيرانية أغلبية قطاعات الحرس الثوري والصنوف العسكرية من قوات برية ومدفعية وقوة صواريخ وسلاح جو وقوات بحرية، فيما اشتركت في المناورات الحوثية أسلحة ثقيلة محدودة، بينها دبابات ومدفعية وصواريخ كاتيوشا، كما إن المناورات الإيرانية تستمر لعدة أيام بينما لم يمض إلا سويعات حتى انتهت المناورة الحوثية كما بدأت. 
في تقديرنا أن مناورة الحوثيين الأخيرة ستكون مدخلاً لتطبيق «استراتيجية المناورات» التي تنتهجها طهران، وسنرى الحوثة الذين لا يتكلمون إلا بقوافي صليات الكلاشنكوف يستعرضون قواتهم بسبب وبغير سبب، فهم لا يؤمنون بجدوى استخدام أدوات القوة الناعمة، بل أدوات القوة الخشنة، فقد غادروا محطتهم الفطرية المتوحشة ولن يؤذن لها بدخول محطة غيرها إلا بسبطانات المدافع، وما جرى مناورة عسكرية استفزازية لدول الجوار عن قصد، ولذلك ستبقى قصيرة بما يكفي لحمل الرسائل السياسية والعسكرية لدول الخليج العربي.
كما إنها تتم لتبرير طلب زيادة المخصصات الإيرانية للإنفاق العسكري الحوثي، وسيستمر عقد المناورات كلما تطلب الأمر إظهار أنها تتفاوض حول سلطتها في صنعاء من موقع قوة، بالإضافة إلى الجوانب النفسية والسياسية التي تتركها أخبار المناورة في الداخل الهش، وحين نحاول بتروي قراءة الظروف التي ولدت فيها مناورات الحوثيين ندرك أن القواعد الإقليمية قد تغيرت، وقد لاحظ الحوثيون ذلك أيضاً فقاموا بمناورتهم الهزيلة لإيمانهم بأنها ستزيد المشهد السياسي الإقليمي إرباكاً لتغير القواعد، وعليه ربما سيلجأ الحوثيون إلى طرق لإشغال السعودية على حدودها، ومحاولة إرباكها وتشتيت تركيز صانع القرار عما يجري شمالاً وشرقاً.
- أخيراً..
لا شك أن المناورات الحوثية مؤخراً كانت رسالة سياسية امتلأت بالاستدلالات المتهافتة، وهي جزء من تلك الخريطة المتوحشة التي تشكل جنوب الجزيرة العربية، لكن ما يقلقنا هو أن تجري لاحقاً بوتيرة متزامنة مع المناورات الإيرانية في الزاوية الأخرى من الجزيرة العربية، ويتم إغلاق هرمز وباب المندب في وقت واحد، فإيران تمتلك أكثر أنواع الألغام البحرية تطوراً، والإعلان عن مناورة من كلا الطرفين لزرع وتطهير الألغام في المضيقين كاف لتركيع العالم.

الجمعة، 13 مارس 2015

حيز مناورة الخليجيين مع إتفاق نووي إيراني سيئ

 
حيز مناورة الخليجيين مع إتفاق نووي إيراني سيئ

د.ظافر محمد العجمي - المدير التنفيذي لمجموعة مراقبة الخليج  

z4alajmi@gmail.com

في الخليج العربي كنا على بعد خطوات من «الصفر النووي» عندما شاركت في حلقة دراسية عقدها مركز الخليج للأبحاث في ديسمبر 2004، وحضرها عدد كبير من الخبراء، وقد طرحت خلالها، ولأول مرة، فكرة مشروع إعلان الخليج منطقة خالية من أسلحة الدمار، لكن الهدف النبيل للدراسات المفصلة التي أصدرها المركز للمشروع لم تفلح، فتلاشى «الصفر النووي» خلف الأبراج الخرسانية لوحدات تبريد المفاعلات النووية في الخليج.
وخلال 11 عاماً التزمت دول الخليج بالصفر النووي، فيما استطاعت إيران أن تجبر العالم على اتفاق تقشعر له الأبدان، ثم زاد الطين بلة أن الصهيوني نتنياهو قال في الكونغرس الأمريكي بعض مما في الخاطر الخليجي؛ فالاتفاق يمهد لطهران امتلاك قنبلة ذرية ولا يعيق إنتاج قدرة عسكرية نووية، ثم توسع نتنياهو في لطمنا بحقيقة أن إيران تهيمن على أربع عواصم عربية؛ بل إنها تتحرك بدرجة لا تجعلها بحاجة للقنبلة النووية، ثم ختم خطابه بأن المفاوضات النووية الحالية تمهد لـ «اتفاق نووي سيء».
لا شك أن دول الخليج لا تتفق مع الصهيوني في ضرورة منع إيران «بكل الوسائل»، لكن ذلك يتركنا أمام وضع صعب، فصحيح أن نتنياهو ذهب لينتزع حقه وهو مدعم بكتيبة من الجمهوريين، لكن الصحيح أيضاً أننا حصلنا على ما يوازي زخم ذلك، وهو قدوم جون كيري بهيبته للخليج في 5 مارس 2015 لتطميننا، ومع ذلك لم نحقق ما حقق الصهيوني إلا همسات خليجية رسمية خجولة، دفعت مراقباً متواضعاً بالتجاسر على صناع القرار الخليجي ليسبقهم بالإجابة على سؤال قبل أن يطرحوه عن حيز المناورة للخليجيين مع اتفاق نووي إيراني سيء، وماذا يمكننا أن نفعل؟
- من المرجح أن توافق إدارة أوباما على اتفاق لفترة محدودة، لفترة سنة واحدة، مما يعطي الخليجيين فرصة أخيرة، ففي يد طهران أربع ورقات رابحة تحتل بها كرسي اتخاذ القرار بأربع عواصم عربية، وإذا استمر تعاطي الخليجيين للأزمة بنفس سيناريو العشر سنوات الماضية فلن يكون هناك شيء قادر على إجبارها على التراجع.
- الإعلان دون تردد أن غريمنا هو إدارة أوباما المراوغة، وعلينا البحث في جوهر اهتمام البيت الأبيض بإيران، فهل يحاول رموزه دخول التاريخ الأمريكي على حساب مصالحنا! فالتقرب لإيران لا يتماهى مع المزاج الأمريكي العام، وهناك فجوة كبيرة بين وجهات النظر النخبوية والعامة، وهناك فجوة السياسة بين المجموعتين الجمهورية والديمقراطية، وعلينا الولوج إلى قلب أمريكا عبر القيم الديمقراطية بفتح قنوات مباشرة مع الكونغرس والعمل على تركيز العلاقات مع أمريكا من منظور حزبي أو لوبي. فلا بد أن للوبي السلاح دور يلعبه لصالحنا فيما لو تجاسرنا على مواجهة الإدارة الأمريكية بأزمات متعددة الأوجه من انخفاض أسعار النفط إلى رفض الانصياع للإملاءات في مجال مكافحة الإرهاب.
- اتخاذ الإجراءات اللازمة لنسف الاتفاق عبر إبراز حجج مقنعة لشركاء واشنطن في مجموعة (5+1) تظهر تمسكنا بضـرورة أن تبقي طهران خارج النادي النووي بناء على نهجها الدائم فـــي خرق الاتفاقات، وإظهار جدوى عقوبات الأمم المتحدة المفروضة على إيران، والتكاليف والمخاطر في الاتفاق الراهن.
- خلق جبهة خليجية موحدة والمواجهة مع طهران باستخدام ورقة التجارة الثنائية، والتوسع في معاقبة أي بلد ثالث له علاقات تجارية مع طهران، والتهديد بوضع كافة الخيارات على الطاولة كدخول سباق التسلح بالمظلة النووية الأمريكية أو الباكستانية، مع التوسع في البرامج النووية والاحتماء بمفاعل نووي سلمي.
لقد عززت دراسات حديثة أجراها مركز بيغن - السادات للدراسات الاستراتيجية الفكرة بأن الجمهور الإسرائيلي قلق بشأن العلاقات الأمريكية الإسرائيلية في موضوع إيران، فذهب رئيس الوزراء الصهيوني لواشنطن وحصل على ضمانات بالأمن، وقد أظهرت شعوب الخليج نفس القلق عبر أرقى مراكزها البحثية، ليس قبل أسابيع كالصهاينة؛ بل منذ ولادة الفكر النووي الإيراني، وكان رد واشنطن أن دفعتنا بعيداً عن تحقيق مشروع «الصفر النووي» في الخليج، بل وتحاول أن تجبرنا على ابتلاع اتفاق نووي إيراني سيء.
z4alajmi@gmail.com

الاثنين، 2 مارس 2015

حرب تحرير الكويت وانهيار نظام الأمن العربي

  
حرب تحرير الكويت وانهيار نظام الأمن العربي‎

د.ظافر محمد العجمي المدير التنفيذي لمجموعة مراقبة الخليج 
في تشكيل ما قبل المعركة دفع العراقيون مفرزتَين متقدمتَين منتصف ليلة 1/2 أغسطس 1990م بهدف اختراق الحدود الكويتية الشمالية للوصول لمشارف مدينة الكويت. إحدى المفرزتين كانت اللواء المدرع (9) من فرقة المشاة الآلية «توكلنا على الله» مدعمة بفوج استطلاع لتتقدم على محور «أم قصر» الصبية» «جسر بوبيان» والوصول إلى «بحرة»، خلال 3 ساعات، ثم تواصل تقدمها إلى مدينة الكويت. بعد سبعة أشهر، وبعد ظهر يوم 26 فبراير 1991م، تقدم «فوج الفرسان الثاني الأميركي»، داخل العراق خلال عاصفة ترابية، نحو الهدف (Collins). ولم يكن العراقيون يتوقعون أن يكون الهجوم الرئيسي التفافا عليهم من الغرب، فقوبل الفوج بنيران كثيفة، لمدة ساعتين متتاليتين. وفي الساعة الرابعة من بعد الظهر اكتشف الفوج دبابات (T-72) في مواقع دفاعية مجهزة في المنطقة (73Easting)، تابعة للفرقة (12) المدرعة وفرقة الحرس الجمهوري «توكّلنا»، وكانتا كما تقول المصادر الغربية قادرتين على القتال وراغبتين فيه. وللمرة الأولى يواجه الفوج الأميركي عدواً أكثر عدداً وأوفر قوة نيرانية، فدمروا خلال 4 ساعات قتال دبابات وناقلات جُند مدرعة كان منها اللواء (9) الذي قاد اختراق الحدود الكويتية يوم 2 أغسطس التابع لفرقة «توكّلنا»، وبانتهاء معركة «73 Easting»، يمكن القول إنه قد قُضي على فرقة «توكّلنا» التي لم يعد اسمها يكتب في أدبيات عاصفة الصحراء مقرونا باسم «الله» جل جلاله.
وحتى لا يقال إننا نقيم العزاء على نفس الجنازة سبعين مرة، فسنقف عند ذكرى حرب تحرير الكويت في يوم 26 فبراير 1991م لنرى النتيجة الكبرى التي يدفعها الخليج بعد ربع قرن ثمنا لمعركة «73 Easting»، ومثلها من المعارك خلال تحرير الكويت. لقد كان الثمن الفادح هو انهيار نظام الأمن العربي، فقد توقعت الكويت أن تكون النجدة العربية سريعة جراء الغزو ثم تبددت الآمال بنفس سرعة تشكلها، وسيطر النظام الدولي على إدارة الأزمة سياسياً وعسكرياً، ولم تكن هناك قوة عسكرية قادرة على منع امتداد هذا العدوان إلى دول أخرى في الخليج سوى ضمانات القوة الأميركية التي أثبتت جدواها بفضل معدات التصوير الحراري في العاصفة الترابية يوم معركة «73 Easting»، وبدعم طائرات الأباتشي AH-64 Apache، التي أعطت الأميركان ميزة اكتشاف الأهداف من مسافات بعيدة، وتدميرها بالطلقة الأولى، وأهم من ذلك الوفاء بتعهداتهم لمن راهن عليهم بدل المراهنة على الحل العربي. فكانت النتيجة من غزو الكويت منح واشنطن ذريعة لهيمنتها وإعادة ترتيب المنطقة بما يضمن مصالحها ولإعادة رسم خريطة الشرق الأوسط، كما فصل ذلك د.محمد السيد سعيد في كتابه «مستقبل النظام العربي بعد أزمة الخليج». لقد كان من تبعات حرب تحرير الكويت وانفراد واشنطن بتسيير الأمور أن خلق الخليجيون نظام أمن فرعيا خاصا بهم لا تتصل جذوره بنظام الأمن العربي، بل مرتبط بالغرب باتفاقيات أمنية أو نظام أمن جماعي بين دول الخليج نفسها. وعزاء دول الخليج أن حرج الارتباط بالغرب لا يخففه إلا أن انهيار النظام العربي قد أفرز اتفاقيات أوسلو ووادي عربة مع الصهاينة. كما أن من تبعات ذلك الانهيار أننا في الخليج نتسلح منذ ربع قرن وما زلنا تحت خط الفقر الأمني، فقد نجحت واشنطن في الرقي بالرأسمالية فأصبح من الممكن الترويج للحرب بوصفها منتجا جديدا، فحين حققت واشنطن أضخم مبيعات للأسلحة في تاريخ أميركا بالكامل وحطمت رقما قياسيا في مبيعات الأسلحة في العامين الماضيين، أبت دول الخليج إلا أن تشارك واشنطن في هذا النجاح، بأن تكون أكبر مستورد لتلك الأسلحة. ربما لأننا لم نقرأ في الخليج «أم المعارك» بدل أن نقرأ «عاصفة الصحراء» فقط، لو فعلنا ذلك فربما فهمنا كيف تصنع الشعوب طغاتها وكيف تهلل لهم ولفهمهم الملتوي للكرامة العربية التي قادت لانهيار نظام الأمن العربي بناء على نتائج معركة «73 Easting»، التي وصفت بأنها «آخر معركة دبابات عظيمة بالقرن العشرين».


Gulf seurity أمن الخليج العربي

Kuwait
تبين هذه المدونة كيف تمتع الخليج بأهمية كبيرة أدت إلى خلق عبء استراتيجي على أهله بصورة ظهرت فيها الجغرافيا وهي تثقل كاهل التاريخ وهي مدونة لاستشراف مستقبل الأمن في الخليج العربي The strategic importance of the Gulf region creates a strategic burden and show a good example of Geography as burden on history. This blog well examine this and forecast the Gulf's near future and events in its Iraq, Iran ,Saudi Arabia ,Kuwait, Bahrain ,Qatar, United Arab Emirates and Oman

أرشيف المدونة الإلكترونية